الرئيسية » ملفات » حسين أحمد إبراهيم الجبوري: الحضور والغياب في الخطاب الأنثوي رواية (نبوءة فرعون) لميسلون هادي (ملف/24)

حسين أحمد إبراهيم الجبوري: الحضور والغياب في الخطاب الأنثوي رواية (نبوءة فرعون) لميسلون هادي (ملف/24)

hussein-aljoboriإشارة:
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر حلقات هذا الملف عن المبدعة الكبيرة القاصة والروائية العراقية “ميسلون هادي”. واحدة من أبرز سيّدات السرد العربي، ولا نبالغ لو قلنا السرد العالمي، بل النوبلية بامتياز لو توفرت الترجمة لنصوصها الفريدة. أكثر من 35 نتاجا في الرواية والقصة وأدب الأطفال. هذه الطافية بحذر بين الواقع والخيال، وبين الحلم واليقظة، الفيلسوفة الشعبية لمحنة الموت والحياة، الأمينة على خيبات محليتها التي ستوصلها حتما إلى العالمية المتزنة المحترمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقراء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدعة الكبيرة ميسلون هادي.
المبحث الثاني: غياب المكان
أخذت أهمية المكان تموقعها في الدراسات الحديثة حتى أصبح في العمل الفني “شخصية متماسكة ومسافة مقاسه بالكلمات ورواية لأمور غائرة في الذات الاجتماعية. ولذا لا يصبح غطاءً خارجياً أو شيئًا ثانوياً، بل هو الوعاء الذي تزداد قيمته كلما كان متداخلاً في العمل الفني “(1 )، إذ ليس هناك ” أحداث ولا شخصيات يمكن أن تلعب دورها في الفراغ دون مكان”( 2)، ويوظف المكان في النص الأدبي مع بقية عناصر السرد ليؤثث متون القص، لذلك أصبح وصف المكان رسماً نفسياً كما الشخصيات، أي من الممكن أن نتعرف على عوالم الشخصيات وتصرفاتها السلوكية ممثلةً نظرتها للمكان وتفاعلها معه(3 )، فضلاً عن ذلك فهو يفصح أحياناً عن رسم الشخصية وبنائها الأيديولوجي والنفسي الذي أصبح يعرب عن نفسه عبر أشكال معينة، ويتخذ معانٍ متعددة، إذ يؤسس أحياناً علة وجود الأثر(4 )، عبر تلك المعاني التي تحمل تراثها العقائدي والثقافي والاجتماعي وحتى سلوك الفرد تبعاً لارتباطه بمكان معين يدفعه إلى التعايش مع بيئته المحيطة وما تحمله من تغيرات طبيعية.
يشتغل غياب المكان في رواية (نبوءة فرعون) على آلية استبدالية تقوم على تحويل المكان من هيئة إلى أخرى بحثاً عن الإنتاج، لتعبر عن قلق العصر الراهن الذي يشتد فيه الصراع، وغياب المكان لا يعني إلغاء عنصر من عناصر الرواية، ولا سيما إحضاره معتمد على الجزئيات في الإشارة إلى المكان الغائب، بمعنى ” تحضر تفاصيل المكان الغائب، عبر استحضار جزئياته “(5 )، إذ ليس مهماً أن يكون وصف المكان دقيقاً بتفاصيله بقدر ما يكون مؤثراً ثريّ الدلالة يدفع عناصر السرد للتفاعل معه؛ لأنه ” سواء أكان (واقعياً) أم (خيالياً) يبدو مرتبطاً بل مندمجاً بالشخصيات كارتباطه واندماجه بالحدث أو بجريان الزمن”(6 )، وكلما تعمقنا بدلالته يجعلنا نقول إن: المكان دون سواه يثير إحساساً بالمواطنة، وإحساساً آخر بالزمن، حتى لتحسبه الكيان الذي لا يحدث شيء بدونه، إذ يتشكل وتتضح أبعاده من التأثير الاجتماعي والفكري، فقد حمله بعض الروائيين تاريخ بلادهم، ومطامح شخصياتهم( 7)، لما فيه من الأثر الوجودي الذي يلتصق بحياة البشر وخبرتهم به وإدراكهم له إدراكاً حسياً مباشراً(8 )، ومن الآليات التي اتبعتها ميسلون هادي لتغييب المكان، هي تحويل دلالته واستبدالها بوظيفة منتجة يكون للأنثى دور في عملية البناء الاجتماعي والارتقاء بقيمة الفرد عندما توظفه بوصفه مكاناً للحياة/ البناء بدل الهدم التي طالت المؤسسات الحياتية (البنية التحتية)، إلى جانب توظيف عملية إحياء جديدة ممثلة بعلامة كلية الطب تقف على التضاد مع دلالة الحرب. فضلاً عن تعبيرها عن ارتباط المكان العراقي/ البيت/ الأرض/ الوطن/ الأهل/ وكيفية تحويله إلى خراب بفعل تلك الحروب.maysalon-8
غياب المكان وأنثنة الاستبدال:
نعني بالاستبدال إقامة مكان على حساب مكان آخر عبر آلية تتماشى مع تغيرات العصر الحالي وما نتج عن الاستعمار والحروب، فضلاً عن مواكبة التطور الحضاري الذي يبحث عن البدائل في سبيل تغيير المكان وتجدده، لذا تعمل البُنى السردية ازدواجيتها الدلالية في آلية تغييب المكان، حتى تطلق الكاتبة صرخات المفارقة وما لحق بالمكان/ العراق، من تهميش بنيوي نتيجة الحروب، لذا فقد غيبت السلطة التي تتحكم بأرواح الناس، الذي تمثل بتغييب الرمز التسلطي وتهميش فاعليته، من ذلك ما نجده على غلاف الرواية من صورة لكرسي موضوع عليه خرقة بالية من القماش وقد تناثرت حوله عدة تنظيف الأرض فضلاً عن حذاء قديم.
لا شك في أن دلالة الغلاف هنا تشكل تواصلاً على صعيد الصورة (التشكيلية)؛ بما تحمله من رموز دالّة يُقدم بها الخطاب بوصفه عتبة أُولى تعمل على نفي السلطة بكل تفاصيلها، ولا سيما أن الأغلفة لها بناء وظيفي في إنتاج المعنى؛ لأن ” أغلفة الكتب هي التي ترغمني أحياناً على قراءة ما فيها، وتأتي ثانية أسماء مبدعيها، لا أحد يدري ما يفعله الغلاف من سحر في النفس قبل أن تفتح الصفحات وترى أبطال الروايات والقصص والحكايات تتحرك بين السطور والفوارز. غلاف (نبوءة فرعون) واحد من تلك اللوحات المذهلة التي رسمها الفنان البولوني الكبير(فيسلاف فالكوسكي) وكان من حظ الكاتبة ميسلون هادي أن يكون من نصيبها مع تصميم حاذق للفنان الشاعر زهير أبو شايب “(9 )، إذ جعلت من حضور الكرسي/ مكان السلطة لا يزيد حضوراً عن باقي الأشياء البالية، ولا سيما أن تلك الأدوات قد تقدم منفعة/ التنظيف يستفيد منها الإنسان على الرغم من بساطتها، أي أنها أحضرته لتغيبه باستبداله بلوازم التنظيف، ومن هنا تنطلق آلية الاستبدال، عندما أحضرت الكاتبة الجزء/ لوازم التنظيف، وغيبت الكل/ الأنثى/ المرأة عبر العُرف الثقافي والمحلي الذي يجعل عدة التنظيف من خواصها، بمعنى أن الغياب يشتغل على آلية مزدوجة عبر التوظيف الصوري، أي تشييء السلطة عبر الخرقة البالية، ثم استبدالها بلوازم التنظيف التي هي خاصة بالإناث ومن ثم فهي مهمة سامية لكونها تسعى إلى إصلاح ما أفسدته غشاوة السلطة.
وهنا أصبح الخطاب الأنثوي يعمل على فتح مسار الحوار والمشاركة في صنع القرار الجديد الذي ينفي يد القسوة ورمزيتها وكأن الدلالة تختزل بين العنوان/ نبوءة فرعون وبين لوحة الغلاف، لذا أخذ التغييب يزدحم دلالياً مع السلطة المتجبّرة/ الكرسي، وفق معنى الدلالة التي أنتجها السياق، ولا سيما أن العنوان يتضمن ” إعلاناً عن طبيعة النص، وإعلاناً عن طبيعة القراءة الملائمة للنص”(10 )، بمعنى أن الروائية تعمل على إنتاج المعنى الذي ينفي زمن العبودية زمن الصوت الواحد المتفرد الذي به أُحيلت رغبات الكائن المعاصر وطموحاته الفكرية إلى حاجات بضائعية يتاجر بها ذوو السلطة(11 ).
لذا فهي تعمل على استبدال المكان بآخر أنثوي يتخذ آليته المسالمة في البناء، ولا سيما أن أدوات التنظيف أشد ما يكون ارتباطها بالمكان، وهنا أصبح الخطاب عبر الغلاف ينطلق بالحرية، زمن صنع القرار الذاتي الذي ينطلق من عموم الشعب، لا سلطة عُليا تقذفه في فوهة الموت حيث النفي والاستبعاد وهذا ما تحمله الدلالة الأخرى للوحة، إذ أصبحت الأنثى تدفع غمار الحرب عندما تناثرت أشياؤها حول رمزية السلطة، وكما في دلالة العبارة المكتوبة على الكرسي (vivfre roi) التي تعني بالفرنسية يحيا الملك بوصفها جملة فعلية تفيد الدعاء تتماشى وسياق الفرعنة، غير أن هذه الدلالة أُزيحت عن سياقها الأول عندما تحولت إلى جملة اسمية من مسند ومسند إليه تتفق مع غاية البطل (يحيا)، ويتعزز ذلك عندما أوحت الكاتبة عبر ثنائية الإقصاء/ الانتقاء، في فضاء الرواية وهو الفضاء الذي ” يشكّل إطاراً لحركات وأفعال الشخصيات في الرواية. ويلعب ذلك الإطار أدواراً متعددة، تتمثل في تحديد نوعية الأحداث ونوعية سلوك الشخصيات وأحلامها، ومن ثم تحقق هذه الأحداث وهذه الشخصيات للنص ظلاله الواقعية “(12 )، إذ تعمل سعة الفضاء على تغطية المساحة المراد استبدالها واقعاً، فضلاً عن إثبات فاعلية الذات أمام الإرادة التي تكسر قيود اليأس واستقصاء القدرة الكامنة التي لا ترى للضعف سلطةً تحجب عنها طموحها ورغبتها، فبعد ولادة بلقيس ليحيا بسبعة أيام ” وبالرغم من البرد والوحشة، والشوارع المقفرة والمهجورة من الطير والبشر، ومن وسائط النقل، وضعت هنية أُم توفيق سرة يحيا في قطنة صغيرة وحملتها مشياً على الأقدام من حي تونس إلى حي القاهرة، ومن هناك إلى شارع فلسطين بعربة حمل، ثم بسيارة مصلحة من شارع فلسطين إلى جسر باب المعظم حيث هبطت قريباً من جامع الأوزبكي ومشت قليلاً باتجاه قاعة الشعب، ومن هناك عبرت من تحت مداميك الجسر إلى كلية الطب ودخلت إلى باحتها، ثم رمت سرة يحيا هناك ودعت في سرِّها أن يوفقه في حياته وأن يهديه حباً إلى هذا المكان “(13 ).kh-maysalon-11
إذ وظفت الراوية تقانة الاسترجاع، وهي تقانة من تقانات التقديم السردي التي تقوم على المخالفة لسير السرد زمنياً عندما يعود الراوي إلى حدث سابق(14 )، لتقوم بوظيفة فاعلة تخدم تلك النية التي طالما تمنت لو أنها حققتها لولد من بطنها، لكن الظروف لم تك تسمح بذلك في فراش النفاس فضلاً عن زوجها منصور الذي كان يضحك من رغبتها المزمنة تلك بعد كل ولادة من ولادات أبنائها الأربع فكانت سررهم تذوي وتجف وترمى في برميل الزبالة(15 ) ذلك الذي يشكل فاعلية المكان عندما أقحمت نفسها في فضاء متشنج/ ساحة معركة إكراماً لرغبتها، وهنا يشتغل مشهد غياب المكان (نفسياً وواقعياً)، فمن غيابه النفسي في الخطاب الأنثوي كونه لم يكن من اهتمامات المرأة عندما تجاوزت هنية أماكن مثل (حي تونس، حي القاهرة، شارع فلسطين، جسر باب المعظم، قاعة الشعب)، وما تملكه تلك الأماكن من رموز دولية، ومحلية، وسياسية، وما جاء هذا التجاوز إلا لإلقاء اللوم على المتسببين في وقوع الحرب، إذ أحضرت هذا الأمكنة وغيبتها توبيخاً على الذين لم يستطيعوا إيقافها، فضلاً عمّا تحمله من دلالة الحضور الواعي لـ(هنية) فهي لا زالت تستطيع أن تقتفي هذه الأمكنة ولم تضيع الحرب ذلك التسلسل المتعمد لأماكن خالدة في ذاكرة الأنثى/ الأُم، لذا أصبح التغييب هو إزاحة لرمزية المكان الذي يوجه الدلالة صوب الأقطار العربية، وليس المكان العراقي ذاته، فضلاً عن أن إحضار (الحي) هي دلالة على الدول المستقلة التي تؤطرها الحدود، أما إحضار (شارع فلسطين) دلالة على القضية الفلسطينية التي لا تملك من استقلالها شيئاً، فهي كما الشارع الذي أصبح من ملك العوام والذي لا يعد سوى مسافة للعبور، وأن تغييب (جسر باب المعظم، قاعة الشعب) هي أماكن تعمل ضد استمرارية الحياة؛ لأن جسر باب المعظم يرمز إلى مكان غائب وهو وزارة الدفاع لذلك هبطت هنية عنه والهبوط: نقيض الصعود ومن دلالاته النقصان والحاجة؛ لأنه دون المستوى( 16)، فضلاً عن قاعة الشعب التي ترمز إلى المواقع السياسية، تلك الأمكنة التي استجلبها سياق الاستبعاد عبر الإيحاء السردي، ولا سيما أن لغة الحكي الروائي تمتاز بالتنوع والغنى الدلالي، إذ تخرج عن المألوف في أساليب الربط وتكوين العلاقات بين الأمكنة، بوصفها لغة إشارية(17 )، وهنا أصبح التغييب يتداخل مع نتيجة الحرب عبر المفارقة التي يحملها المكان/باب المعظم/ خسارة الحرب، فضلاً عن قاعة الشعب التي استمدت مفارقتها عبر العنوان/ نبوءة فرعون الذي أفرد صوته في اتخاذ القرار.
ثم إن تجاوز هنية كشف عن أهمية مكانها البديل وهو (الطب) الذي يتضاد مع الأمكنة الأخرى تجارية كانت أم سياسية وهذا ما صرحت به ” ما نريد لا الشورجة ولا السياسة “(18 )، لتصل إلى مكان مرتجى تحتفظ به الأنثى أملاً بوساطة الحبل السري، وكأن الحبل السري انتقل من ارتباط الجنين برحم أمه، إلى ربطه برحم الأرض/ الطب حيث السلام والبحث عن الإحياء عبر دلالة الاسم/ يحيا الذي يحمل طموح البيئة الثقافي والاجتماعي، فضلاً عن ذلك فإن الكاتبة أرادت أن تعبر عن أهمية ذلك المخزون الثقافي الذي تطمح له الأنثى/الأم أن يحضر دائماً في ذاكرة الجيل، ألا وهو التفوق العلمي؛ لأنه السبيل الوحيد الذي يقف أمام الهمجية والآلة الحربية، إذ تخللها هاجس الموت في فضاء يضج بالقلق الوجودي ذلك الفضاء الذي أحضرته الراوية إنباء منها بقدرة الأنثى على إثبات ذاتها التي لا ترى للغاية شيئاً يحيدها عنها طالما أن لديها الرغبة التي تعززها والإرادة التي تمنحها الثقة بنفسها في فضاء يهدد كيانها الخارجي والنفسي، فعندما أحضرت أجواء (البرد والوحشة والشوارع المقفرة والمهجورة من البشر والطير ومن وسائط النقل) هو تدوين غياب المكان واقعاً بفعل الحرب، وكأن غياب الأماكن نفسياً لدى هنية هو نتيجة لهذا المشهد، لذا أصبح الاستبدال _عبر السرة_ بمكان الطب، ثم إحياء الأرض واستبدال فضاء الحرب بالحياة/ الحضور الأنثوي عبر تلك الإرادة التي حضرت لتحيي قفر الشوارع وسماءها بتراثها الخاص الذي يحمل سرة يحيا امتهاناً لهويتها ورسالة يحملها خطابها من زاوية مغايرة عن الآخر/الرجل، الذي لم يعرِ اهتماماً لذلك الإرث التراثي والعرفي ولم يتسنَّ له أن يحذف ذلك من ذاكرة الأنثى/ الأم التي تكشف عن تراثها على الرغم من الحرب الدامية التي تقف وحدها عثرة تحيل بينها وبين طموحها ولا سيما قد تملكها الإعياء الذي هو العجز والوهن والكلال( 19)، عندما كانت في اليوم الأخير من حملها بتوأمها (شاكرين وصابرين) وأن صفّارة الإنذار قد انطلقت فور أن رمت سرة يحيا والقلق الذي انتابها وهي متلفتة وحيدة تبحث عن أحد تسأله أو تمشي معه أو تستنجد به وبالكاد استطاعت أن تجد كهلاً يلتفت إليها ويقول: لا ندري أين القصف، وكأن سؤالها يبحث عن إنسي مثلها في تلك الوحشة، إذ لم يكن السؤال بقصد الجواب المحدد بقدر ما كانت تبحث عن الطمأنينة في الشارع/ ساحة الحرب( 20).
ومن هنا تفتح ميسلون هادي باب التأويلات التي تولّدها لفظة (كهل)؛ لأنها تقف على الضدية مع الشباب، بمعنى غياب الشباب، فقدانه في ضجيج/ صفارة الحرب، فضلاً عن العجز الذي قد مُني به الآخر المذكر فور وقوع الحرب. ثم أن ضدية الكهولة مع الشباب هي دلالة على بقاء ذوي الخبرة والانتماء إلى الوطن في أرض المعركة؛ ولا سيما أن هنية كانت تبحث عن إنسي مثلها، أي يحمل إرادة، لذلك أثبت الطرح الذي يحمله الخطاب أن الإرادة قوة لا تقهر تقتحم قفر الشوارع لتحييها بأنوثتها التي تواجه الموت بَرّاً وسماءً، عندما حضرت بكناية مشحونة بدلالات مكثفة تسلط هيمنتها على فضاء الحرب لتبرر كيفية خلو الشوارع من البشر والطير/غيابها/ امتلاء السماء بالقذائف ودخان الحرب/ فضاء خالٍ من الحياة، فضلاً عن حملها بتوأمها وسخرية الآخر من تلك الرغبة المزمنة، إلا أنها أثبتت أن طموحها يزيح بالمستحيل جانباً ليضع الإنتاج الفاعل الذي تحمله غريزة الرغبة المتأججة بالعاطفة الجمعية عندما غادرها الشعور بما تعانيه الضرائر من عمق المنافسة على الزوج، واستبداله بروح المحبة والتآلف بفعل غياب الرجل/ الزوج، وهذا ما يشكل جزءاً من رؤية الكاتبة في معالجة قضايا المرأة ولا سيما مسألة تعدد الزوجات، التي ناقشها الآخر/ الروائي بوصفها مشكلة تشكل معضلة اجتماعية/ أسرية تؤدي إلى عدم التفاهم بين الزوجات/الضرائر.
لذا عكست الروائية آلية الطرح وأصبحت تنظر بعين الأخت للأخت، ولا سيما حينما تنبض القلوب لبعضها البعض من أجل وجود يخلو من الضغينة والبغضاء بين ذوي الرحم تحت وطأة الحرب، إذ أرادت (هنية) أن تغير اتجاه دفة سير الحياة وتضفي طابع الغريزة الأنثوية التي تتمسك بالحياة، فضلاً عن النتيجة التي سوف تتلقاها الأنثى/ المرأة إذا ما فقدت عزيزاً، لذا فان الخطاب الأنثوي أصبح يدلي بالحياة ويوجه الأنظار إليها، ثم إن رمزية اختيار مكان (الطب) هي رمزية مجسمة تعمل على تشييد الحياة في ارض الموت/ الحرب، حتى يصبح استبدال المكان هو استبدال استبعادي، وتشييد الرأي الأنثوي في صنع القرار، بمعنى المشاركة في الحرب بفعل الأفكار.
وأنها قد أدانت الآخر المعادي عبر طرحها الذي يبحث عن سبب عوق الأطفال وقتلهم كنتيجة للحرب، الحرب التي جعلتها تفقد إحدى توأميها وتتركها مع أخرى بلهاء أثقلت كاهلها وجعلتها تتعرض للإجهاض بسبب الفزع فور انطلاق صفّارة الإنذار، إذ جاءت مشددة للمبالغة والتكثير ما تدفع إلى السرعة والقلق المكاني ولا سيما أنها تحمل توأمها في بطنها، أي أنها لم تكن في اليوم الأخير من مدة حملها الطبيعي، بل كانت في اليوم الأخير من حملها وهو الزمن الذي يحمل تنكيره لمدة حملها بمعنى أنها لم تكمل عدة الشهور التي يكتمل فيها الجنين، لذلك جاء الخطاب يحمل معنى مستوراً تفضحه النتيجة الخاسرة التي أتت بها الحرب، ثم أن مثل هذا الطرح قد عده بعض الباحثين من المشاكل الفنية التي أصابت الرواية عندما قال: ” فمن كانت تنوء بحمل توأم لن تستطيع أن تقوم بمثل هذه الجولة في يوم الوضع نفسه”(21 )، عندما ذكرت الروائية أن هنية ولدت في اليوم السابع من ولادة بلقيس لـ(يحيا)( 22)، ثم تعود وتقول في موضع لاحق: إن هنية قد حملت سُرّة يحيا ووضعتها في مدينة الطب قبل ولادتها لتوأميها في اليوم نفسه( 23).
إن ميسلون هادي لم تكن غافلةً عن طرحها بقدر ما أرادت أن تلقي الضوء على تمسك المرأة/ الأنثى بتلك الذاكرة الشعبية التي لا تقف أمامها ضعف الذات جسمياً عبر الحمل بتوأم، أو نفسياً عبر القلق الذي توهج بقذائف الحرب، فضلاً عن كونها تسعى إلى تغيير نمطية الحياة/ العراق/ يحيا، وتحويل آلية الصراع إلى إنتاج عبر التطور العمراني وذلك عندما كان الابن جالساً ” في شرفته المطلة على ملاعب الغولف الخضراء التي تنتشر في أرجائها فسائل من نخيل اليوكا وأشجار الأراريا والأريكاريا والسنتوريا، ثم قال لمستشاره للسعادة القومية وهو يعبر من الشرفة إلى الغرفة:
– ماذا تظن سيسموننا بعد عشرين عاماً؟
– المحاربون القدماء.
قال الابن:
– لا أحب هذا الاسم.
قال المستشار:
– لا أحد يحبه سيدي “( 24).
إذ أصبحت دلالة إحضار مكان الآخر(السلطة، الحكومة، المتنفذ) تعد بمثابة المقارنة بين الحياة التي تتمتع بها الأمكنة/ ملاعب الغولف فضلاً عن ثباتها عبر النخيل والأشجار، وبين غيابها الذي تمثل بالمشهد العراقي، ولا سيما أن حضور المستشار هو تأكيد لآلية الاهتمام بالانتماء القومي والبحث عن السعادة المترتبة عبرها، لذا أخذ الخطاب الأنثوي يحمل دلالته الثابتة في اللاوعي الجمعي حتى يقف ضميراً نابضاً بالنصح عندما أرادت بلقيس من (يحيا) أن يعدد لها الأحرف القمرية فقال: ” أبغ حجك وخفْ عقيمه “( 25)، إذ أصبحت رؤية الكاتبة على لسان يحيا توجه خطاباً تدعو فيه من يهمهم الأمر/ المتنفذين في السلطة أن يستذكروا رعيتهم، ولا سيما أن يحيا اختار الجملة التي جمعت الأحرف القمرية ولم يفرط بها عبر التعداد التي طلبته بلقيس، حتى تكون الرؤية الأنثوية على لسان يحيا خطاباً عبر الجملة بوصفها ” اصغر وحدة في الخطاب “( 26)، حتى تنتج معنى وظيفياً ينطلق من أحضان اللغة العربية، فالحج: القصد والغاية(27 )، والعقيم: القطع والشيء الذي لا يثمر، وقيل: المُلكُ عقيم لأنه تقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق(28 )، ومن هنا تتسع الدلالة الخطابية حاملة رمزيتها التي تعود إلى تهميش رمز السلطة/ الكرسي، عندما انفرد الفرعون/ الحاكم المتجبّر في زمن القصة، بذاته ومن ثم لم يبلغ غاية.
الخربة وغياب المكان:
الخربة لغة: موضع الخراب وهو ضد العمران(29 )، ومن هنا يصبح المكان معبراً عن اللامكان عبر خلخلة التوازن والاستقرار، ولا سيما أن ” مكان الكراهية والصراع لا يمكن دراسته إلا في سياق الموضوعات الملتهبة انفعالاً والصور الكابوسية “(30 )، ثم أن دراسة خراب المكان تنهض ” بمهمة رئيسة في تجسيد فكرة اللامكان، لأنها تعبر عن فقدان التماهي بين الشخصيات والمفردات المكانية، والابتعاد عن التفاعل معها “(31 )، ولا سيما أن الرؤية النقدية الحديثة للمكان ” تجعله شخصية تخضع كغيرها من مكونات النص لكل مجريات الجدل، وفي هذه الحال يتحرر المكان من كونه جماداً غير فاعل، إلى شخصية حية فاعلة “(32 )، بمعنى تصبح صورة المكان منعكسة عبر الشخصيات التي بدورها تكشف عن حقيقة المكان ودرجة انتمائها إليه.
تشتغل خربة المكان في رواية (نبوءة فرعون) بوصفها نتيجة لما خلفته الحروب، حتى يصبح التدوين السردي معبراً عن قلق الشعور بالاستقرار، فضلاً عن غياب فاعلية المكان عبر التهجير والموت، فمن ذلك قول الراوية: ” ولدت هنية أم توفيق وضرة بلقيس توأمين من بطن واحدة، إحداهما ماتت فدفنوها في الخرابة بجوار بيتهم بعد أن سجّلوها في شهادة الوفاة باسم صابرين “(33 )، إذ أصبح الخطاب الأنثوي يعمل على آلية الغياب في الحضور، بمعنى يغيب المكان عبر الموت/ موت الشخصية، أي غاب المكان لرحيل أهله بفعل الحرب، ثم مات عندما أصبح ملاذاً للأموات؛ لأنها لم تستحضر المقبرة بل أصبح موت المكان يعبر عنه موت الشخصية التي سكنت فيه بوصفه مكانها الدائم، بمعنى أن الخرابة هي موت المكان، غياب التفاعل، غياب الأهل بعد أن خرجوا عن أماكنهم ليتركوها خراباً، حتى يصبح حضور المكان/ البيت سردياً يعبر عن غيابه الاجتماعي والتواصلي، وكأن غيابه يعد شاهداً على تهور فرعون زمن القصة، الذي أخلى الحياة من أماكنها وجعل من الموت/ الخرابة يحتضن الموت/ صابرين، حتى تتداخل الدوال لتعبر عن مدلول يحمله الخطاب الأنثوي وهو غياب النسل/ فقدانه من جراء الحرب؛ لأن ” البيت هو الأم وهو التركيبة التي تستعير من الأم ديمومتها البنائية_ تتشابه بيوت الأسر المتشابهة بيئياً واجتماعياً، ولتكرار هيئاتها وطريقة عملها، بل والوظائف الداخلية لأقسامها_ فكما أن الأم تولد وتنجب، كذلك البيوت تتكرر “(34 ).
ومن هنا أصبح الموت يعزز غياب المكان حتى يصبح غياباً لا رجعة فيه؛ لأنه أصبح ملاذاً للأموات، ثم إن غياب دلالة الأم فيه يعني غياب الإخصاب في ظل الحرب التي تقطف الرجال، وهذا ما أكد عليه توفيق، من وجهة نظر فنية عن موت الرجال قبل النساء نحو ” إن رشدي أباظة وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وشكري سرحان وعماد حمدي وفريد شوقي ومحمود المليجي وأحمد مظهر قد ماتوا قبل صباح وسامية جمال وشادية وفاتن حمامة ونادية لطفي ومديحه يسري “(35 ).
عندما تدوّن مشاهد الحرب يصبح المكان/ البيت مهدداً بالغياب/ الإمحاء، من ذلك عندما استيقظت بلقيس ” من غفوتها القصيرة على صوت انفجار قوي رماها من الأريكة إلى الأرض وحول زجاج المنزل إلى حطام “( 36)، إن سماع صوت الانفجار ينذر بتغييب صفة المكان الهادئ عبر انتقال بلقيس اللاشعوري من الأريكة وارتمائها على الأرض، فضلاً عن تحويل زجاج البيت إلى حطام، عندها ” صاحت هنية:
– سترك يا رب..
فقالت بلقيس:
– أين يحيا؟
فقالت هنية:
– كان نائماً.. استره يا رب..
الريح اشتدت في خارج البيت، وخلخلت نوافذه وملأت حجراته بالغبار وأوراق الأشجار. هرعت بلقيس وخلفها هنية إلى غرفة يحيا فلم تعثر على يحيا في فراشه. هلعت بلقيس وسقط حيلها إلى الأرض وانطلقت كالمجنونة تبحث عنه في كل ركن وزاوية حتى وصلت باب البيت، التي انكسرت بفعل الانفجار وأسقطتها إلى الأرض “(37 )، لا شك في أن ميسلون هادي تمتاز بالتقاط مشاهد الحرب التي تصبح فيها الأنثى مواجهةً مصيرها، بمعنى توظيف الحياة أمام حتمية الموت، الذي يعمل على طمر المكان وتحويله عبر دلالات التهديد التي أحضرتها اللغة السردية، فالريح: هي التي تأتي للهلاك والدمار(38 )، التي امتزجت دلالياً في سياق الحرب، حتى أصبح المكان يصارع البقاء عبر اقتراب الهلاك/ الغياب نحو (خلخلت) وهو جعل الشيء مضطرباً وغير منتظم( 39)، ثم امتلاء الحجرات بالغبار، فضلاً عن انكسار الباب وسقوطه على الأرض، وهنا تتابع المشهد تسلسليّاً يشتغل على كيفية إحضار العاطفة الأنثوية/ الأمومة، إذ نجد بالمقابل الحضور الأنثوي يطغى على الحدث (هرعت بلقيس)، والهرع: الإسراع في الفزع( 40)، فور سماع الصوت وهو ما يعبر عن ذاكرة الأم التي تأخذها عاطفتها إلى ابنها/ يحيا، ثم إن الحضور السردي أصبح يُغني القارئ عن مشاهدته بصرياً، إذ نلاحظ تركيب المشهد وهو إسراع بلقيس للبحث عن يحيا قبل هنية، فضلاً عن تكرار اسم (يحيا) صراحة، ففي الأول كان حضور الاسم يدل على عدم معرفتها بفقدانه عبر عمومية مكانه/ غرفة يحيا، أما في الثاني فقد دلت على الخوف من فقدانه والدهشة لعدم وجوده في فراشه إذ يتشكل في خصوصية المكان الذي شكّل ذروة الحدث، حتى أخذ المشهد سردياً يعمل على إبراز نفسية بلقيس والهلع الذي امتلكها، وهو الحزن مع قلة الصبر(41 )، فضلاً عن أنثنة اللغة بجملة: (سقط حيلها) التي جسدت رؤية الكاتبة وهو ما يحمل الوهن والضعف أمام الحدث الذي افقدها عقلها وتركها كالمجنونة تبحث في زوايا المكان/البيت وأركانه، الذي غاب فيه الاسم/ يحيا وبقي الضمير الغائب/ الهاء في(عنه) حتى تغني عن افتقاده عبر الغياب السردي، بمعنى أن حضور صوت الانفجار عمل على تغييب المكان الذي خلا من صاحبه يحيا، ومن ثم غياب الأنثى/ بلقيس، ومن هنا عمل مبدأ السببية استراتيجيته في انتقاء الحدث، الذي يتم فيه كيفية تحويل المكان/ البيت إلى خربة، مؤشرة إلى الدمار الذي يومئ بعلامة مسبقة تجسد حركية الأشياء العشوائية.
ومن القضايا التي حملها الخطاب الأنثوي هو التهجير الجماعي الذي انتشر في الشارع العراقي بفعل حرب(2003)، عندها ” كف صواعيد النخل عن التجوال بين البيوت التي هجرها أهلوها وهجّوا إلى القرى النائية، وحالت الحرب بين عثاكل التمر ومن يحمل لها أكياس اللقاح أيام الربيع “(42 ).
إذ دوّنت الروائية المشهد العراقي، وأصبح الفرد مغترباً في أرضه بعد أن كان يعانق السماء علواً عبر سعفات النخيل، وثباتاً بالأرض عبر جذورها وما تحمله النخلة من عمق دلالي بوصفها الأُم التي تمتد في رحم الأرض العراقية التي تميّزها عن غيرها من أرض السواد في هذه النبتة العريقة تراثيّاً وحضاريّاً في وادي الرافدين، لذا عملت الراوية على استجلاب مشهد غياب المكان عبر المفارقة الدلالية التي ينتقل الفرد فيها من علو النخلة/ سمو الهوية العراقية، إلى اغترابه _بفعل الهجيج_ في قرى نائية، والهجُ: هو سرعة اتقاد النار حتى يُسمع صوت استعارها( 43).
وهنا تنزاح الدلالة حتى تعبر عن مشهد هجرة الناس بفعل الفتن، فضلاً عن ” الهروب جماعي من قصف الطائرات وانفجارات الصواريخ “(44 )، حتى ابتدعت وزارة جديدة تحمل اسم (وزارة الهجرة والمهجرين) وهذا ما دعت إليه الضرورة لضمان الحقوق والسعي إلى معالجة الخرق الاجتماعي الذي ابتُلي به الشارع العراقي، ومن ثم جسّد غياب التفاعل بين الزوجة وزوجها بفعل الحرب، وبين الناس والمكان/ العراق عبر عثاكل التمر والعثكال ” العِذقُ من أعذاق النخل الذي يكون فيه الرطب “(45 )، للدلالة على الجيل الجديد شهد التحولات السريعة التي لم تدع له فرصة الاكتمال والنضوج الفكري فجرفته أمواج الفتن والخديعة.
ومن آليات تغييب المكان في الذاكرة الأنثوية هي استبعاد تفاصيل الحدث على الرغم من خصوصيته، فعندما أرادت الروائية أن تستحضر أحداث الحرب، أشارت إليها عبر المكان الذي ولد فيه يحيا على سجادة تغطي الأرض في غرفة النوم(46 )، واستبعاد المستشفى؛ ليصبح المكان أشد ارتباطاً بالذات الأنثوية، الذي بدوره قد ارتبط بالولادة، وهو مكان مغلق يحمل خواص الأنثى في غرفة نومها، الغرفة التي تحمل أنوثتها مع زوجها، الذي أصبح طعماً لآلة الحرب، تستحضر وجوده في ذاكرتها عبر أماكن مختلفة من البيت لحظة ولادتها، وذلك عندما تنبجس الذاكرة لتقتطف من الأماكن المفتوحة خطورتها في زمن الحرب، لتشارك زوجها منصور الذي كان يخوض بين أرض الكويت وأرض العراق، سياق الموت والخوف، الذي يفرض فيه الزمن سلطته على المكان عبر صافرة الأمان التي انطلقت بعد ولادة بلقيس ليحيا في ليلة كانونية مظلمة، عندها تمكنت زوجتا منصور من المجيء إليها حيث كانت وحيدةً تصارع لالةً مكسورةً مُلئت زجاجتها بالسخام(47 ).
إذ عمل السياق السردي على استجلاب أحداث الحرب عبر استراتيجية إيحائية، ليصبح مكانُ الحرب مكانَ الموت، ولا سيما أن ” الموت وضعٌ لا مكاني بامتياز تنقطع فيه صلة الكائن بالمكان “(48 )، عندما قدمت أرض الكويت التي أصبحت (ساحة الحرب) على أرض العراق/ أرض النجاة من الموت، أي بين أرض الكويت/ الموت، وبين أرض العراق/ الحياة، أي أن نسبة الأرض/ الحدود هي من تفصل بين الحياة والموت، حتى تقتطف هواجسها العميقة المستعادة والمدمجة في سياق الحرب، ليصبح صوت الأمان هي الأماكن المفتوحة عندما انقطع عنها صوت القذائف، التي حضرت لتكثيف القلق وتشنج المكان لإلقاء الضوء على المولود (يحيا) الذي استبقت إليه الراوية قبل ميلاده بقولها عندما افتتحت الفصل الأول: هو ذا صاحب الأحلام قادم. برؤية متسلطة تدفع بالفضاء الزمني والمكاني إلى الانفتاح وهو المجيء من المستقبل، حضور من مكان مغلق (رحم الأم)/ (هو ذا) بعتبة نصية قبل دخول الحدث، ليلج المستقبل بزمانه ومكانه المنفتح رحم الدنيا (ولادته)/ (قادم)، لذا امتلك عنوان الفصل قدرة على الاندماج مع حدث الولادة الذي بدوره أصبح بمثابة السؤال الذي يدفع بالنص بعد ذلك، للإجابة عليه لما يحمله من شحناته التأويلية وإيحاءاته التي يولدها عبر الاهتمام بصيغة العنوان(49 ).
ومن هنا نفت الكاتبة مكان الحرب عبر تغييب أحداث الحرب سردياً، حتى تعبر عن رؤيتها على صعيد السرد، بمعنى أن غياب أجواء الحرب سردياً هو تغييب لصانعيها اجتماعياً وحضارياً، ولا سيما أن إحضار المكان وتغييبه ” يعكس حقيقة الشخصية، ومن جانب آخر فإن حياة الشخصية تفسرها طبيعة المكان الذي يرتبط بها”(50 )، إذ أصبح انتقاء مكان على حساب أماكن أخر قد أقصيت، هو نتيجة لما خلفته الحروب من تعذيب وتهجير وعدم الاستقرار ومن ثم يترك مكان الألفة/ البيت، مكاناً خالياً من الحياة بعد أن قطف الموت سنابله وتركها رماداً.
هوامش:
1- الرواية والمكان/ 17.
2- شعرية الخطاب السردي، محمد عزام، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2005/ 67.
3- ينظر: بناء الرواية/ 102.
4- ينظر: عالم الرواية، رولان بورنوف_ ريال اويئلية، تر: نهاد التكرلي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1991/ 92 .
5- جماليات المكان في رواية (ذاكرة الجسد)/ 16.
6- عالم الرواية/ 98.
7-ينظر: الرواية والمكان/ 5_7 .
8-ينظر: المكان ودلالته في رواية (مدن الملح)/ 42_43.
9- عن ميسلون هادي و(نبوءة فرعون)، عبد الستار ناصر، www.al rowaee.net
10- اللامكان في (براري الحمّى)، أحمد عزاوي محمد، ضمن كتاب: سحر النص من أجنحة الشعر إلى أفق السرد قراءات في المدونة الإبداعية لإبراهيم نصر الله/ 181.
11- ينظر: إشكالية المكان في النص الأدبي/ 205.
12- الموصل فضاء روائياً/ 56.
13- نبوءة فرعون/ 48.
14- ينظر: معجم مصطلحات نقد الرواية/ 18.
15- ينظر: نبوءة فرعون/ 49.
16- ينظر: لسان العرب، مج6، ج51/ 4605.
17- ينظر: المكان والمنظور الفني في روايات عبد الرحمن منيف، مرشد أحمد، دار القلم العربي، حلب، ط1، 1998/ 105.
18- نبوءة فرعون/ 49.
19- ينظر:لسان العرب، مج 4، ج 36، مادة (عيا)/ 3201_3202 .
20- ينظر: نبوءة فرعون/ 48_49.
21-السرد الروائي النسوي ..غياب وعي الذات المختلفة (نبوءة فرعون) أنموذجاً/ 165.
22- ينظر: نبوءة فرعون/ 18.
23- ينظر: م. ن/ 48.
24- نبوءة فرعون/ 123_124.
25- م. ن/ 92.
26- تحليل الخطاب الروائي/ 18
27- ينظر: لسان العرب، مج2، ج10/ 779.
28- ينظر: م. ن، مج4، ج34/ 3051.
29- ينظر: م. ن، مج2،ج13/ 1121.
30- جماليات المكان، جاستون باشلار/ 37.
31- اللامكان في (براري الحمّى)/ 185.
32- شحنات المكان/ 76.
33- نبوءة فرعون/ 18.
34- إشكالية المكان في النص الأدبي/ 210.
35- نبوءة فرعون/ 158.
36-م. ن/ 139.
37-م. ن/ 139.
38- ينظر: لسان العرب، مج3، ج20/ 1764.
39- ينظر: المعجم الوجيز/ 206.
40- ينظر: لسان العرب، مج6، ج51/ 4653.
41- ينظر: م. ن/ 4685.
42- نبوءة فرعون/ 137.
43- ينظر: لسان العرب، مج6، ج51/ 4615.
44- نبوءة فرعون/ 141.
45- ينظر: لسان العرب، مج4، ج31/ 2808.
46- ينظر: نبوءة فرعون/ 17.
47- ينظر: م. ن/ 17.
47- اللامكان في (براري الحمّى)/ 182.
49- ينظر: بنية العنوان في قصيدة السياب الموقع والتحولات، محمد عبد الوهاب، بغداد، مجلة الأقلام، ع6، 1999/ 19.
50- المكان ودلالته في رواية (مدن الملح) لعبد الرحمن منيف/ 153.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *