محمّد حسين الأعرجي: العودة إلى الوطن

الراحل الأعرجي بعد إجراء العملية

إشارة: هذه المجموعة من المقالات والوثائق التي ننشرها متسلسلة عن العلامة الراحل “محمد حسين الأعرجي” ، تأتينا من العزيز الشاعر “حسين القاصد” الذي احتفظ بها كتعبير عن وفائه لأستاذه ، والتي سيقوم بإصدارها في كتاب مستقل .. فشكرا للعزيز أبي علي .
    أخطر ما في الغربة ـ لاسيما حين تطول ـ أنَّ المغترب يحمل معه صورة وطنه في ذهنه كما تركه عليه آخر مرَّة، ولعلّ الحلم بالعودة إلى الجنة ـ الوطن التي فقدها تعمِّق هذه الصورة، وتكون المفاجأة الأولى لدى العودة أن الصورة قد تهشمت فإن لم يكن فقد علاها وعلا ذكرياته الغبار.
  هذه واحدة فأمّا الثانية فهي قول شاعر عراقي لعلّه الأستاذ شاكر حيدر:
  حتى إذا نضج الشِّـوا  ءُ وقيل: حسبُكَ يا لَهَبْ
  جاءوا ولستَ بعارفٍ  مَن هُمْ يُزكّون التعبْ؟!
  وقد جاء بنو أعمامنا من بريطانيا، ومن إيران، ومن سوريا فاقتسموا المغانم والسرقات فيما بينهم، ولم يأتِ من كوردستان العراق إلاّ من عصم ربُّك، والنضال الحقيقّ؛ فجلسوا في الغرفة المجاورة لغرفة السلطة.
   ولا يهمني كلّ هذا فما أنا من طالبي السلطة أو المال، ولكنّ الذي يهمني ما لقيه المناضلون العراقيون الحقيقيون حين عادوا إلى الوطن المُرتجى! فقد وجدوا وطناً يقوده البعثيون بعناوين: مدير عام، أو وكيل وزارة أو ما إلى ذلك.
  ولقد أتذكّر أن كان الروائي المبدع غائب طعمة فرمان قد نزل عليّ ضيفاً قبل وفاته بأسبوع فسألته:
ـ أبا سمير كيف ترى مستقبل الاتحاد السوفيتي فأجاب بداهةً:
ـ سينهار.
كيف؟
ـ لأن الوزارة منصب سياسيّ، وكلّ الوزراء شيوعيون، أمّا المناصب الأخرى فهي للتقنيين، وكلّهم يهود صهاينة خالدون في وزارتهم خلود إبليس في الجحيم.
  وانهار الاتحاد السوفييتي حقّاً، وهكذا هو العراق الجديد يريد أن يبني بيتاً جديداً بآجُرٍّ قديم!
  ومن هنا تجد أنّ موظفي الدوائر العراقية المتنفّذين يتفنّون في تهريبك من العراق كما لو أنّه لديهم ثأر معك، وهم ذوو ثارات، وتِرات حقاً، وذوو وفاء لسيدهم المقبور.
وإذاً فكيف تعيش في بلد مثل هذا، ولماذا؟
  وإذا كنتُ آسفاً لشيء فأنا مازلتُ آسفاً، نادماً أنّني عدتُ إلى هذا الوطن الذي أهانني في منزلتي العلمية؛ فقد عدتُ إليه وأنا أستاذٌ منذ سنة: 1989 فأعاد تعييني ـ بعد التي واللتيّا ـ مدرّساً في جامعة بغداد، على حين عيَّن المدرس المساعد الذي صار أستاذاً بقدرة ” قيادة الحزب والثورة ” عيّن هذا المدرس المساعد المتخصّص بتدريس ” الثقافة القومية والاشتراكية ” في الجامعة المستنصرية عيّنه وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي.
  فعن أيّة جامعة تتحدثون، وعن أيّ بطّيخ ” امبسمِر “؟!
   وسلامٌ عليك أبا الحسنين يوم قلتَ:
   ” ليس بلدٌ أحقَّ بك من بلد، خير البلاد ما حملَك “، ورضاء الله ومغفرته لك أيّها المتنبي يوم قلتَ: ” وكلُّ مكانٍ يُنبتُ العزَّ طيّبُ “.
  فلماذا العودة إلى الوطن؟! ولمن العودة؟ أللذل أم الإهانة؟!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الطائي : قصة صورة غلاف وقراءة الأفكار.

رغم تمتع الكثير من مصممي الأغلفة بطاقات ابتكارية مبهرة ورائعة، أنتجت الكثير من الجمال الأخاذ …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| حسن الخاقاني : بعد هدوء العاصفة: مقال في بعض مشكلات اللغة…

الآن، وبعد أن احتفلنا مع المحتفلين بالعربية، أسدل الستار على ضجيج الاحتفاء المشبع بكلمات التبجيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *