كريم القاسم : محطة نقدية في شعر الغـــزل (تأملات في شعر غادة الباز)

karim-alkasem-3شعر الغزل هو الذي يقال في المرأة باعتبارها رمز الجذب والعاطفة والجمال ، فحاول الكثير من الشعراء منذ ولادة الشعر أن يقدموا للساحة الانسانية نماذجاَ من الشعر الذي تلون بالوصف والتشبب بالانثى . حتى اصبحت القصيدة العربية تُفتَح بابيات الغزل ثم تنتقل الى مرادها الآخر من فخر او مدح او هجاء وغير ذلك من مرامي الشعر. وتنوعت فنون الغزل في الشعر على مر الزمان ، حسب تنوع ذوق ومزاج الشاعر وتنوع بيئته ، ومعظم قصائد الغزل تؤَلَف بمداد الرجل ، وقد ينوب الشاعر عن حال المرأة فيأتي بقصيدة غزل ، ليتغزل بالحبيب .
وليس هذا مرادنا للاستطراد بهذا الشأن ، بل اننا وددنا أن نشير الى حالة قد تكون أكثر جرأة وإقدام ، وهي ظهور قصيدة الغزل بالرجل ولكن بمداد انثوي ، وبعاطفة وشجن إمرأة ، وخاصة في محيطنا العربي الذي يتصف بهيمنة الذات الذكورية حتى في مجال الحرف والكلمة . وقد بدأت هذه المرحلة متأخرة بعض الشيء وبما يناسب الانفتاح الحضاري ونزوح النفس الى التطور والتمدن . وإختصاراً للغوص في هذا الشأن ، نجد ظهور مرحلة جديدة تكاد ان تكون متميزة تحتاج الى البحث والتنقيب ، وهي مرحلة ظهور (الفيس بوك) والتواصل الاجتماعي ، فهي اعطت الحرية لكثير من الاقلام وخاصة النسوية ، للأفصاح عن مكنونات عاطفية أخذت شكل القصيدة بأنواعها وخاصة مايسمى بـ (القصيدة النثرية) او شكل الومضة والفنون الادبية الاخرى . وازدحمتْ متون (الفيس بوك) بهذا النوع من الادب . وهنالك من تربَّعَتْ على عرش الاحتراف ، وهنالك من أَبدَعَتْ وهي في مراحل الكتابة المبكرة ، ورغم هذا وذاك لايستطيع احد ان يقول بأن هذا الحرف اجمل من ذاك ، انما هنالك قصيدة تولد من رحم معاناة وعواطف وأشجان تعصف بالحال ، فتأتي كالفاكهة اللذيذة ، وألـذّها ما كانت صادقة ومغروسة في القلب وتسقى بالدم والدموع .
ــ يأتي غزل المرأة بالرجل بفرعيه (الزوج أو الحبيب) اما بتركيبة عصائر (الحب) أو بتركيبة عصائر (الغيرة) ، والفرق بينهما كبير شاسع ، فالحب دعة وسلام ، والغيرة قتال وحرب وضرواة ، وكل رافد يأتي بمفرداته التي تنسجم ومراحل الملحمة الادبية. فلم يطفُ الى سطح الغزل العربي صوت امرأة الا في العصر الاندلسي تقريباً وخاصة الشاعرة (حمدونة بنت زياد) وغيرها . وماتلاها من تجارب وارهاصات في الساحة العربية .
ــ كانت قصيدة الغزل سابقا لاتتجاوز وصف الشكل الخارجي للمرأة وبيان ملامحها والتغزل بجوارحها بعيداً عن الاحاسيس الداخلية ، وما تفرزه من شجن قادح ولهيب ذات ، وزلزال هائل في خبايا النفس ، وهذا ماميَّز القصيدة الحديثة في مراحل تطورها الى وقتنا الحاضر ، فيكاد التغزل بالعينين والرموش ونبرة الصوت أن يُركَن في متحاحف الآثار للشعر والادب .ghada albaz
ــ مايعنينا هنا ، هو الاقلام الفَتيّة الذكية المبدعة ، التي تحتاج الى تسليط الضوء عليها رغم بريقها المؤثر في النفوس . فهي تحتل مرتبة جمالية لايُستهان بها ، وتوعد بالكثير من النتاجات الادبية التي تدخل في حيز الابداع والرقي .
ــ عند تتبعنا لهذه الاقلام ، برز لدينا الكثير منها والتي تحمل صفة التطور والثبات والابداع ، حتى تنوعتْ الكتابات واختلفتْ المعاني بأختلاف وتنوع الثقافات والبيئات والاهداف والنشأة .
ــ سأتناول مثالاً رخيماً وقلما ملتزماً ، ينحاز الى العاطفة الصادقة والتي تمتلك البصمة الواضحة في كتاباتها ــ والذي دعاني لهذا الاختيار هو بيان تأثير البيئة وتنوع الثقافة على تشكيل الحرف وتركيب العبارة الجمالية في هيكل القصيدة الغزلية مع البراعة التصويرية للفكرة بمداد وقلم إمرأة ــ في الوقت الذي كتب ومازال الكثير يكتب بالغزل إنابة عن المرأة ، فتأتي القصيدة تحمل صور الغزل الذي لايخلو من رائحة الذكورة وغبار الرجولة ، وكان على رأسهم الشاعر الكبير (نزار قباني) ، إلا ان المشاعر والفيض الاحساسي والعاطفة والشجن الصادق ، دائما يكون مفتاحه الانثى ، فهي اصدق من يعبر عن الغيرة والحب تجاه الرجل ، فلايمكن الاستعاضة عنها بمداد ذكوري .
ــ الحب .. هذه المفردة التي انعم الله بها على الخليقة ، قد أقدحت العقول ، وأثارتْ الشجن على مر العصور ، فجاء التاريخ الادبي زاخراً بتنوع الفكرة والهدف .
ــ الكاتبة المصرية غادة الباز من الاقلام الملتزمة التي تختار مفرداتها بعناية وتبحث دائما عن النقد والتقويم ، لصقل موهبتها وإضفاء البريق على حرفها الرشيق .
ــ تختصر الكاتبة الرائدة (غادة الباز) لنا المسافات في تعريفها للحب ، فتقول :
• ” الحب وضّاء كريم ، لايُستقطب .. يأتي حُراً حاراً ، يمسح على روحك

بالسلام ، وينقش صبابته بخفة ثم يحتجب في روض روحك نَشِقاً من عبير ”

• ” أول الحب طمأنينة ومساحة دافئة لضوء عينين.. ”
ــ هاتان المقولتان الموجزتان كفيلتان بمعرفة الفلسفة الادبية ، والتركيبة الثقافية ، لقلم غادة الباز . بل وسيأتي المزيد من اللفظ والمعاني ما يندرج تحت هذا المقطع الرائع والزاخر بالمعاني الجميلة .
• ” وتضن النفس على
من سواك..
فليس قبل قمرك قبل
وليس بعد شمسك بعد ”
ــ في هذا المقطع الشعري ، نكاد نتحسس النَفَس الانثوي ، والوفاء المطلق الذي يأتي بصيغة الاخبار المُبطَن ، فتجعل الامتلاك له وحده فقط ، فهودائرة اليوم بكامله ليله ونهاره ، إن غابَ وإن حَضر .
ــ من المعلوم إن شعر الغزل مهما تعددت انواعه ، يتصف بوحدة الهدف ووحدة الموضوع ، فمن المستحيل ان يتغزل الشاعر بعدة نساء او ان تتغزل الانثى بعدة رجال فيأتي المعنى ممسوخا ومرفوضا ونافراً للذوق السليم . وكذلك عند الشروع بكتابة النص يجب أن يهتم الكاتب بوحدة الفكره كي يأتي النسج بأفضل حال ، ومقنع للمتلقي وهذا متوفر في اعمال شاعرتنا غادة الباز . فمثلا :

• ” أما نحن ياسيدي
أنا وأنت..
الصاعدون كالتيه
من خرائط أتون النار
الناجون من لقاء بحر
أفكار الليل
بسراب تفاح التأمل..
فنولد مابين غياب وغياب..
مابين دمعة وبسمة ”
ــ لوتفحصنا هذا النص لوجدنا العبارات كلها تنطوي تحت مزاج انثوي واحد ، وفكرة واحدة فيها احاسيس مجردة متناسقة منذ البداية ، والجمال هنا في نطقها (ياسيدي) لابمعنى الاستعباد او التبعية المُذِلة ، بل تُستَخدَم احيانا للاحترام والتقدير ، ثم اردفتها بشطر (أنا وانت) فجعلت المساواة قائمة ، ثم بدأت بفرز الشجن المتناسق حتى الشطر الاخير .
ــ الشاعرة غادة ، ترسم الكثير من الصور الشعرية بعبارات مطرزة بمسميات كثيرة ، بحيث تأتي ملائمة ومتوافقة مع القصد والفكرة ، ولها قدرة تصويرية هائلة في وصف الذات ، وهذا قلَّما نجده في شعر الرجل الذي ينوب عن المرأة في الغزل . فمثلا عندما تستخدم صيغة الدعاء ، نجدها لاتخرج او تزيغ عن أدب الدعاء ، فتأتي باللفظ المناسب للمعاني وهذا من جمال التأليف ، وخاصة عندما تأتي بمفردة (دثّرني) ثم تردفها في الشطر الآخر بمفردة (خَلّدني) ، نلاحظ قوة الطلب في الدعاء فتجعل من نفسها نورا وشمساً لهُ ، وهذا من الادب العفيف ، الذي يضفي على القصيدة طابع العِفَّة والالتزام والسمو ، فتقول :

• ” دَثّرني ياالله نورا
خَلّدني شمسا
في كون قلبه ”

ــ الابداع في الشعر هو ما يأتي به الشاعر من الجديد والبديع في النظم والقول .ومن المتعارف عليه ان قصائد الغزل ، تبدأ وتنتهي وهي تجسد وتصور لوعة الحبيب او المحبوب ضمن مساحة وفضاء أدبي ، يُشبعه الكاتب والمؤلف بأفكار وآهات وشجن ، وهكذا في كل الاعمال الشعرية التي تنضوي تحت هذه المسميات .لكن الابداع يأتي عندما يدخل الشاعر باب الغزل ضمن فضاء ناقد او فضاء وصفي يأخذ شكل القصة ثم يطرزه ببديع عبارات الوجد والجوى ، ولايحس المتلقي بالتناقض او التشظي في الافكار والعبارات . هذا الابداع يكاد ان يكون صفة متلازمة لكتابات وقصائد غادة الباز . فلو تفحصتا بعمق هذا النص ، لادركنا الاختلاف النوعي بينه وبين كثير من نصوص الحب والغزل ، فتقول مثلاً :

• ” لستُ عملةً أيتها الحياة
ﻷرقص على حافة الغرق
وتسيل مني كومة
من برد القوافي أمامكِ ..
ولا أبجدية تحرر عمري القصير
من نقرة على بيت قلبي ”

ــ نلاحظ هذا الدخول المباغت والمفاجيء ، وهو يحمل صورة الاستنكار والنفي والتحدي ، وهي تخاطب الحياة بأنها ليس (عملة) ولا (ابجدية) .
ــ ولو تأملنا هذا المقطع الوصفي التصويري لعادةٍ تلازم المرأة في تمشيطها لشعرها ، لوجدنا حدّة التصوير وقوة الابتكار وحسن الربط بينها وبين هدف الفكرة ، وكيف تجعل من المشط وغرة الرأس صورة ، لايمكن ان يتجرأ الرجل أن ينوب عنها أو يُحسِن تصويرها ، وقوة تصويرية اخرى في (رشرشة حلق الجرار بندى الحبيب ) … ولذلك نقول بأن المرأة هي أصدق من تعبر عن هذه المشاعر ، فهي تخصها وحدها لاغير . فلنستمتع بالآتي :

• ” قلبي الذي نسيَّ نكتة التعجب
واستهواه صوت سجادة النجوم
أشعلُ شموع التمني
فما سقط مشط العاج
من نفخة في دمائي
وقت باغتته الريح برقصة من تراب .
نام دهرا في أزقة الحكايا..
وأنا من وعدتُ برشرشة نداك
ﻷبلل حلق الجِرار
نكصت يدي من فكرة النداء
وكم أحببتُ زيت الورد ممددا
في غرَّتي
فعدتُ أنثى تُبَسمل كلما
كبر فيها العناء وشجَّ قلبها
رائحة غريبة..
إنه الوقت المثالي
لتمطر اﻷساطير
وألمِسُكَ عن قربٍ وحدي ”

ــ وفي قصيدة (عزف منفرد) نجد قوة التصوير واستعمال البديع من الاستعارات الجميلة والتي تناسب عنوان النص ، بحيث لاتجد نفسك في تيه او ضياع ، فهي تقول :

• ” لم تكن الريح مُدانة
أنا من دفعتُ
بزورق ضفائري
في طقس لؤلؤ عاصف ﻷراك .. ”

ــ والآن لنستمتع بقراءة هذا المقطع ، الذي يزخر بالتأمل ، والشجن الذي يعبق بالروحانية الهائلة ، فتضع الغزل في خانة عذرية نظيفة طاهرة :

• ” كنتُ أيضا قد أحببتُ الحَمام
وهو يطير من فوق أثر قديم
كأنما يرفعُ خيام الياسمين الذابلة
ويدعو مآذن الماء لقصيدةِ
مطر ..
وهذا النهر الذي حرَّم ماءه على البؤساء وأخرسهم
لن تزوره طيور الله لتشرب ..
من أهدى عينيكَ كل هذا الحب
فرأيتُ البلاد فيك
ورأيتني فيك عشبة ”
ــ الكثير من الشعراء الذين أنابوا عن المرأة في الغزل ، لم يستطيعوا تصوير جزئيات وحيثيات صغيرة ودقيقة في عالم الحب ، وهي لحظات قد تلهب الخاطر والوجدان لكلا الطرفين . نجد ان الست غادة ، قد صورت هذه الحيثيات بالصورة الزاهية واللفظ الرشيق المتناغم مع احاسيس الانثى ، الذي لايخلو من الشجن العالي ، حيث تصوّر فيه لحظة المكاشفة للحبيب وهي لحظة مزلزِلة عاصفة بالكيان ، ونجحتْ في تصويرها عندما قالت: ( العالم يشطرني كصوتِ مُعذَبْ ) و تصوّر حالها بعد امكانية التنصل والابتعاد عن اخبار وذكريات الحبيب بابهى صورة (لا الجرائد قديمة تجفف اﻷخبار ) ومابعد هذا الوصف سيأتي الاكثر متعة وجمال ، فلنقرأ مايلي :

• ” العالم يشطرني
كصوتِ معذَب
يلطمُ ضوء النخيل
وللموتى يبني المدن
لا الجرائد قديمة
تجفف اﻷخبار
كرغيفٍ مقددٍ للطير،
ولاضجيج بنات الهمس
ينحني في الزاوية ..
ومابين بداية ونهاية
وسؤال
يثقبني الطل صبح مساء
سأخبرك أول اﻹجابة
سأخبرك اﻵن
كم كنتُ أحبك ”
ــ النشأة والثقافة البيئية للست غادة الباز ، جعلت من حروفها هي الاخرى تنطق بالروحانية وكأنها رذاذ صوفي ، وهذا المقطع الهادر صريح بما ينطق الحال :

• ” أقول لروحي الذي سورته
من صقيع اﻷخاديد واستوطنه جلباب العبرات ..
في مروج الله ستحط رحال أثقالك ..
لك ماانتويت
ماأحببت الا الصلاة خلف اليقين
وكأنك ثمرة حَرَّى
لكن الزمان لم يكن مباليا.. ”

ــ الشجن الأنثوي يبرع كثيراً في فن وصف الذات ، وخاصة عندما تحتضن الذات روح الغزل أو التشبب . شاعرتنا تنطلق في المقطع التالي من مرحلة الطفولة لتجسدها في انقى رصف وأجمل تأطير ، ممازجةً حكايا الطفولة بالشجن العذري وبذكاء حاد ، وخاصة عندما تصور لحظة الحديث بحديث (أليس) بطلة رواية (أليس في بلاد العجائب) للكاتب (لويس كارول) وهذا الاقتباس فيه روعة التأثير (الانطباعي) ثم تسترسل في الوصف البارع للحظة (تدخين السيجار) والتي يصعب على الشاعر (الرجل) ان يتقمص هذه الفطنة وهذه اللقطة الخاطفة ، حتى تختم المقطع بأجمل سؤال (كم يشبهنا قبل اﻷلم..) والذي نطقت بإجابته مقدماً … وهنا تكمن روعة السبك والتقدير :

• ” وأضحكُ كثيراً كطفلةٍ ..
وأظل أحكي لكَ طويلاً كـ ( أليس )
وأنتَ في البعيد تدخّن سيجاراً لا أحبهُ ،
وتبتسم ..
وحدكَ تعلم أني أحب اللون
أصلياً صافياً
ولا أحبه ممتزجا حد ضياع الهوية
وأني لو كنت أفاضل بين اﻷلوان
لاخترت لون اللؤلؤ
كم يشبهنا قبل اﻷلم.. ”

ــ قوة الابداع هي قوة الخلق والابتكار ، وأحضار كل ماهو جديد أو غريب . والابداع هو عندما يستقدم الشاعر مفاهيم والفاظ الحب ، ليرصف لوعات النفس وصور الآهات المجتمعية بأبهى صورها . فقد بدأ مطلع قصيدتها الرائعة (امرأة نادرة) بشطر نرجسي يحمل بصمة الثقة الانثوية (أنا امرأة نادرة ياحبيبي) اتت بلفظة (حبيبي) وكأنها تريد ان تبوح له بالشيء الكثير الذي اتعبها ، وهل غير الحبيب مكانا للبوح ..؟ وتستمر في وصف ذاتها ، وتصور التمرد في حالة غياب الحبيب بأرشق الالفاظ وارَق المعاني ، حتى تبوح بمكنوناتها التي هي محور القصيدة وهدفها المنشود ، فتحدد صوراً اجتماعية ، غاية في الدقة :
• ” أأنسى طفلاُ بصندلٍ عتيق
يرفع وحده علم البلاد.. ”

• ” أأنسى محققا أنكر صوت أصابعي
وابتكر الدليل .. ”

ــ وتختمها بابداع بعيد عن الغزل والتشبب ، فهي تقدم شكواها للحبيب ”

• ” فالراوي لاينام
والطغاة يحلمون لنا كل
يوم بالجنون وبالجحيم.. ”
ــ أنا شخصياً احترم هكذا نصوص ، محملة بالابداع والابتكار ، بعيدة عن الابتذال ، والحشو من اللفظ الذي لايأتي إلاّ بالغثيان أوالملل . والآن لنتمتع بهذا النصالمهيب :

(امرأة نادرة)
” أنا امرأة نادرة ياحبيبي
في ذروة الغيم
يتناسل بي
اﻷصيل
والفراش
ووسامة النايات ..
أثر دمي أنهار للحيارى..
سأتمرد في غيابك
على برجوازية الدفلى
وأنفاس البجع المرفَّه..
أأنسى طفلاُ بصندلٍ عتيق
يرفع وحده علم البلاد..
أم قصة ألقمتها قلامة الذكرى
تهجأها بئر السكون.
و شحّاذاً دقَّ كتفي
فحملت ليل عينيه الطويل .
أأنسى محققا أنكر صوت أصابعي
وابتكر الدليل ..
غب ﻷنسى وجبة لم نقتسمها
ومطر جرفها فبكيت..
لي منحدر الصبا لم يمهلني ﻷستريح..
لستُ حشرجة نوافل الصحارى
أنا صلوات النسيم ..
تركت أخطائي بألم تمرح
وعدوت ببسمتي..
فثمة لصوص في الليل للبسمات
ومناديل نبيذي تغري بالعطر
سأتبعك اﻵن
فالراوي لاينام
والطغاة يحلمون لنا كل يوم
بالجنون وبالجحيم.. ”
ــ تعودنا ان نقرأ القصائد المختلفة المراد والهدف ، وهي تبدأ بمقدمة غزلية او تشبب وهيام ولهفة ، لكن ان يأتي النسج والسبك معكوساً فهو الابداع بعينه ، وهذا مانرتجيه من الكاتب او المؤلف ، فالكل يكتب الشعر ، ولكن الابداع يبقى هو النقطة الفيصل .
ــ الكاتبة غادة الباز ، أتت بسبكٍ يحوي رصيد ضخم وزعيم ، يدعو الى التمعن بتروي وإنصاف ، عندما نسجت لنا قصيدة بعنوان ( عيون وظلال) والتي افصَحَتْ فيها منذ بداية مطلعها ، بأنها ستبوح بشجن (دراماتيكي) أي سبك تمثيلي وهذا النسج ليس باليسير ، فعندما تقرأ :

• ” هذا العالم ينزلق بخفة على
أسطح الرجس ”

• ” يتناول فطوره بشهية
وتحت الطاولة
دم نَيّء ورَشّة جبن منشور ..”

ــ ستجد نفسك امام نص لايمكن ان تتخيله بأنه سيخاطب الحبيب بعد لحظات . وتتوغل الست غادة اكثر في ذلك الحال عندما يزيد الوصف في الألم والسخرية من صورة اجتماعية مرفوضة مقيتة :

• ” ﻷخبر البائع البدين عن يديهِ
الكبيرتين وهما تخفيان
البندورة الفاسدة
لامرأة مُسِنّة .. ”

ــ وتسترسل الشاعرة بهذه العصارة الحزينة حتى تجد نقطة شروع الى فضاء الحبيب . وهنا تكمن رشاقة النسج والذكاء في انتقاء الكلمات والمعاني التي تناسب ماستؤول اليه الامور من شجن ووجد ، فتوصف الاشجار بتشذيبها الكروي ، كي تدخل محطة الشروع كالآتي :

• ” وأن كل الأشجار هنا
تشبه عيون بلدية الحي
الكروية .. ”

ــ الآن يدخل السبك في مرحلة اخرى وهي بصمة الشاعرة غادة ، لتربط هذا الوصف لثيابها ليستمر نولها الشعري بغزْلِ كل مايجذب النفس ، ويصيب ذات المتلقي بالدهشة ، وخاصة عنما تنسج قُماشة اعترافات جميلة فطرية ، فهي تتعثر بثيابها الطويلة وبكعبها العالي ، حيث تحب ثياب (الباليرينا ) وهو زي راقصي الباليه ، كونها تحب راقصة الباليه الروسية الشهيرة (آنا بافلوفا ) :

• ” أني أتعثر في الثياب الطويلة
وفي الكعب العالي
وأني أفضّل ارتداء (الباليرينا)
ﻷني أحب ( آنا بافلوفا) ”

ــ ثم تنتقل بخفةِ ورشاقةِ راقصة الباليه الى الصورة القديمة ، عندما تعترف مرة اخرى بأنها تشبه جدتها في خبز الكعك وبلا مقادير ، وتستخدم الأشبار في القياس ، فهي ليست امرأة عصرية كما يريد منها البعض :

• ” لم أخبرهُ
أني أخبز الكعك جيدا بلا مقادير
واضحة كجدتي
وأقيس المسافات
بشبر أنفاسي
ﻷطبطب على اﻷرض الجريحة . ”

ــ في نهاية المطاف تسترسل في سبكها الشعري لتضع مقارنة رائعه في رؤية البعض للمرأة العصرية . وفي هذه المقارنة أدخلتْ مفهوم الحب والحبيب ، لتجعل من القصيدة وحدة متكاملة النسج والسبك ، ذات قوام هندسي متناسق الابعاد ، حتى جعلتْ منها انموذجاً ، أكاد اعتبرهُ طفرة قوية واثقة الخطى ، لتحيلها الى كاتبة تستحق المتابعة والنقد والاحترام . ولنستمتع بهذا النسج :

(عيون وظلال)
” ولدتُ بشجنٍ دراماتيكي
حتى أنني أتدرب على
تمارين التنفس
التي أوصاني بها الطبيب
ﻷجل هؤلاء الذين
دلفوا إلى روحي
طلبا للّجوء ..
إنني أغادر مصعد اﻷسماء
وأتخاطر مع الضوء
ﻷجلهم أيضا ..
هذا العالم ينزلق بخفة على
أسطح الرجس
وفي كل مرة يتحطم طابق
أو اثنان
ثم يخرج أشعثا
يتناول فطوره بشهية
وتحت الطاولة
دم نَيّء ورشّة جبن منشور ..
لم أتحدث كالمجاذيب من قبل بعيون شاحبة
كمخفوق الكيوي المالح ..
ﻷخبر البائع البدين عن يديه
الكبيرتين وهما تخفيان
البندورة الفاسدة
لامرأة مُسنّة ..
ولم أخبر الحديقة المهجورة
بأن سرب اﻷوز
ميتافيزيقي الملامح
هو الكائن الوحيد
الذي سيعبرها بسلام
كبعض اﻷحلام التي
تكسر القلب ولاتعود..
وأن كل الأشجار هنا
تشبه عيون بلدية الحي
الكروية ..
لم أخبر حبيبي
أني أتعثر في الثياب الطويلة
وفي الكعب العالي
وأني أفضل ارتداء (الباليرينا)
ﻷني أحب ( آنا بافلوفا )
وأقلدها في المساء ،
وﻷني أشب كثيرا على أطراف دهشتي
كلما تواطئوا على روحي
دون سبب..
لم أخبره
أني أخبز الكعك جيدا بلا مقادير
واضحة كجدتي
وأقيس المسافات
بشبر أنفاسي
ﻷطبطب على اﻷرض الجريحة .
لست امرأة عصرية تماما ..
على اﻷرجح
يريدون امرأة بلاحنجرة
لاتسأل .
بصدرٍ نافرٍ
وعيونٍ ذهبية
ينزعون من ثيابها
رائحة الليمون وحبّة البركة
وأعشاب البابونج..
سأنام الليلة
يحرسني ذاك الظل البعيد
سأغلق أزرار فستاني
حد آخر نفس
ﻷقطع السبيل على المتلصصين
على الغد ..
سأرتدي جوارب الصمت
أيضاَ
فالجو بارد
وقدماي تحرضّاني
على الهروب من هذا الكوكب
والمضي للزهرة
ربما هم كوكب الحظ.. ”
ــ الـتـقـيـيـم /
ـــــــــــــــ
الشاعرة غادة الباز ، من الاقلام الفتية ، التي استطاعت ان تلج في هذا المعترك الشعري المزدحم والزاخر بالنصوص المتلونة المشارب والمناهل ــ رغم حداثتها ــ وخاصة في هذا العصر (عصر الفيس بوك) وعالم انتقال المعلومة بسرعة البرق ، فليس من السهل ان يجد الكاتب والمؤلف بصمته الشخصية او مرتبته الادبية التي تميزه عن ألآخرين ، والكل يكتب بنفس اللغة والحرف والاهداف ، بل ومن الشاق ايضاً الدخول في هذا المعترك التأليفي الفسيح ، للخروج برؤية واضحة محمَّلة بالابداع والرصانة والالتزام والثبوت ، لكن المثابرة والاستفادة من الوقفات النقدية بحسّ التلميذة المتعطشة الى المعلومة الصحيحة ، والبعيدة عن الزخرفة وهالة الفخر والاعجاب ، والبحث عن كل ماهو جديد ومبتكر ، وبتروي ودراسة مستفيضة ، هذه الصفات هي التي جعلت من غادة الباز قلماً يُشار اليه ، ويُتابَع من قبل المختصين ، أوالمتلقين الباحثين عن المتعة الادبية والجمال في الرصف والتعبير .
ــ امامنا قلم بهي رشيق يكتب بمداد سحري واسع الطيف ، له القدرة على التطور الذاتي ، واختيار الصور الشعرية المتناسقة مع الفكرة ، والمزج بين المتناقضات ، حتى يصهرها في بوتقة شعرية واحدة ليحيلها الى سبيكة صلدة متماسكة القوام بَرَّاقة خالية من الرَّين والشوائب ، ذلك القلم هو الكاتبة المصرية غادة الباز .
تمنياتنا لها بالموفقية والتقدم .
تقديري الكبير ….
………………………………………………………………………………………………………………………………..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

عودة الكلاسيكية في حلة جديدة في فن القريض العربي !!!
الناقدة والاستاذة الباحثة سامية البحري

_تصدير : عندما ينتفض الحرف الثائر فيشكل مفهوم “الجمالية ” ما بعد “الحداثة ” فيولد …

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *