حسين سرمك حسن: وثيقة تاريخية ووصمة عار

( سلّم اللواء عبيد حامد مهاوش نفسه طوعيا إلى السلطات العسكرية الأمريكية ؛ إلا أنه توفي بعد ستة عشر يوما نتيجة التعذيب ، في السادس والعشرين من تشرين الثاني 2003 . الرقيب برنارد بري القائد المسؤول عن الطاقم الطبي في سجن أبي غريب والطبيبة آن روسينغول شهدا بأنه عند قبول اللواء مهاوش أجريت له مقابلة طبية سريعة وغير مسجلة في الوثائق من قبل مختص طبي . شهادة المحكمة تقول إنه قد تعرض بشكل متكرر للضرب بالقبضات ، والخراطيم والعصي وأعقاب البنادق وتحت إشراف وكالة الاستخبارات الأمريكية والقوات الخاصة والجيش . كُسرت ستة أضلاع فيه . بعد ذلك وُضع مهاوش ورأسه للأسفل في كيس نوم ولُف بسلك كهربائي يبلغ طوله ستة أمتار . جثم جندي فوق صدر مهاوش ووضع يديه على رأس مهاوش ومن ثم نهض . بعد عدة دقائق ، وجد مهاوش ميتا . استدعي الرقيب بيري إلى غرفة الاستجواب وشارك لفترة قصيرة بقية الطاقم في محاولة الإنعاش . شهدت الطبيبة روسينغول بأنها هي والأطباء قاموا بإنعاش الضحية لما يقارب الساعة . ضابط الصف المسؤول عن التحقيق أخبر الطبيبة بأن مهاوش كان يُستجوب ، فقد السيطرة على بوله وانهار عند محاكمته أمام الجنود ، لم تُسأل   الطبيبة هل رأت الكدمات المنتشرة على ذراعيه وساقيه ورأسه ورقبته وحوضه والمنطقة الأمامية والخلفية من جذعه ، أو الاحمرار الوجهي المشير إلى الاختناق ، والتي كانت جميعها واضحة بسهولة أمام المحققين الموجودين في موقع الحدث ، ولطبيب التشريح المرضي الشرعي ، الدكتور مايكل سمث ، الذي قام بفحص الجثة . رأي الدكتورة روسينغول هو : (قال مهاوش بأنه لا يشعر بأنه على ما يرام وبعد ذلك فقد وعيه . لاحظ الجنود الذين يحققون معه غياب النبض ، ثم قاموا بتطبيق الإنعاش واستدعوا السلطات الطبية . حسب رأي جراح في موقع الحدث ، يبدو أن مهاوش توفي لأسباب طبيعية ) . بعد أسبوع من وفاته ، وجد تشريح الجثة كدمات واسعة الانتشار وتوصل الأطباء إلى أن مهاوش قد توفي نتيجة اختناق بسبب الغطاء والانضغاط الصدري . أوقف مكتب الفحص الطبي للقوات المسلحة شهادة الوفاة حتى آيار 2004 وتم إعلان نتائج التشريح في نيسان 2005 !! . هذا التسلسل الذي يتضمن إعلان البنتاغون الكاذب ” بالموت لأسباب طبيعية ” والإذعان الصامت من قبل مكتب الفحص الطبي للقوات المسلحة ، وتأخير تحرير شهادات الوفاة يظهر بأن جريمة القتل ربما هي مستمرة لتشمل حالات أخرى ) . على هذا المنوال الوثائقي والعملي التفصيلي يكشف الدكتور ” ستيفن هـ . مايلز ” في كتابه : ” خيانة القسم : التعذيب والتواطؤ الطبي والحرب على الإرهاب ” والذي ترجمته ” فايزة المنجد ” وأصدرته الدار العربية للعلوم – ناشرون ، حقائق دامغة تكشف كذب الإدارة الأمريكية بأكملها من رئيسها بوش ونائبه ووزير دفاعه رامسفيلد والبنتاغون والكونغرس ووزارة الدفاع … إلخ حول ما أعلنوه من أن التعذيب الوحشي في أبي غريب ارتكبته بعض التفاحات الفاسدة التي لا تخلو منها أية سلة . يثبت الدكتور مايلز أن أوامر التعذيب جاءت من بوش ورامسفيلد وقادة القوات الأمريكية في العراق مثل ريكاردو سانشيز ( الذي يقول : لماذا نعتقل هؤلاء الأشخاص ؟ يجب علينا قتلهم ) وكذلك الآتي من غوانتنامو ليصوغ أبو غريب على منوال الأول ” جيفري ميللر ” الذي قال للجنرال كاربنسكي حين وصوله : ( يتوجب عليك معاملة هؤلاء المعتقلين كالكلاب ! ) . حتى وزير الدفاع السابق ” شليسنجر ” يكلف بالتحقيق في فاجعة أبي غريب فيكتب تقريرا كاذبا ومضللا بلا حياء . حتى البنتاغون يكتب (95) عضوا منه رسالة تأييد للمقدم ويست الذي عذب السجين العراقي يحيى حمودي رغم ثبوت جريمته وتسريحه من الخدمة ويقيمون دعوات العشاء له !! . مؤسسة وحشية وفاسدة يحاول ، وللأسف بعض الكتاب العراقيين تلميع صورتها والإدعاء بأن الجيش الأمريكي لا يُعذّب . صور وأسماء ووثائق وشهادات وفاة ووقائع تثبت ليس وحشية العسكريين الأمريكيين في تعذيب المعتقلين ولكن خيانة أفراد الطاقم الطبي الأمريكي لشرف قسمهم الطبي . يقول الكاتب : ( لقد تعاون الإخصائيون الطبيون الأمريكيون مع جميع مراحل الاستجواب الإجباري في العراق وغوانتنامو وأفغانستان . قدم البعض منهم معلومات من السجلات الطبية والمقابلات السريرية ، والفحوصات الطبية للمحققين لاستخدامها في وضع خطط للاستجواب . عمل بعضهم مع أو ضمن الفرق الاستشارية لعلماء السلوك والتي توصي بتحطيم السجناء . راقب بعض الأطباء التحقيقات للسيطرة على التقنيات ذات الخطر الكبير على الصحة ). يفنّد الكاتب حجج دعاة التعذيب و “نزع القفازات ” القائلة بحماية الولايات المتحدة من الإرهاب والحصول على المعلومات ..إلخ فيثبت بالوقائع أن التعذيب يسيء إلى جمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها ويعطي نتائج عكسية استراتيجيا ويضر المجتمع الذي يستعمله . ولمن يقولون أن التعذيب جاء ردا على الإرهاب وقطع الرؤوس يؤكد معلومة خطيرة يقول فيها : ( كتب العديد من الأشخاص بأن عمليات قطع الرأس تفسر أو تبرر الوحشية في أبو غريب . نشر التلفاز صور أبو غريب في التاسع والعشرين من نيسان 2004 . حصل أول حادث من حوادث قطع الرأس الأحد عشر في العراق بعد إثني عشر يوما ) . إن أسماء المعتقلين العراقيين الذي ثبت أنهم قتلوا تحت التعذيب وشهادات وفاتهم المفبركة المذكورة في الكتاب ستفيد عائلاتهم المنكوبة في المطالبة بالتحقيق وبحقوقها القانونية التي تكفلها معاهدات جنيف مهما طال الأمد . وللمنافحين من الكتاب العراقيين عن ديمقراطية الجيش الأمريكي ” المحرر ” نقول أن هذا الرجل الذي وضع كتابه رغم معرفته بأنه يعرض حياته للخطر كما يقول ومن خلال التهديدات التي وصلته ، يعلن بلا تردّد : ( لقد أظهرت صور أبو غريب أن الولايات المتحدة قد أصيبت بالعدوى . انكفأ الأمريكيون على أنفسهم بإنكارات جديدة . لابد أن يكون التعذيب الذي يقوم به الجنود الأمريكيون نوعا مختلفا من التعذيب : التعذيب الخفيف . لابد أن ذلك كان حدثا معزولا ، أو من عمل بعض التفاحات الفاسدة أو انهيارا للقيادات المحلية . لابد أنه كان استجابة على الاستفزاز ؛ لقد تغير العالم بعد 11/9 . السجناء هم الارهابيون بالتعريف ؛ لقد استحقوا ما لقوا . كل هذه الانكارات غير حقيقية . الولايات المتحدة مجتمع تعذيبي ) . ومن المهم الإشارة إلى أن الصحفي المعروف ” سيمور هيرش ” صاحب كتاب ” القيادة الامريكية العمياء ” قد أثنى على هذا الكتاب بقوله : ( هذا الكتاب ببساطة هو التحقيق الأكثر إزعاجا وتفصيلا في السؤال الذي بقي ممنوعا في النقاش الجاري حول التعذيب الأمريكي في حرب جورج بوش على الارهاب : دور الأطباء العسكريين والممرضات وغيرهم من الطاقم الطبي . يكتب الدكتور مايلز بغضب عارم وتبرير رائع – ولكنه يترك الحقائق لتروي القصة ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الرضا حمد جاسم : قراءة في كتاب: [علي الوردي و المشروع العراقي] (1).

تعريف بالكتاب: هذا الكتاب صدر عام 2010/ عن دار السجاد/ العراق/بغداد…رقم الإيداع  في دار الكتب و …

| جابر خليفة جابر : “خيوط الزعفران” إيجاز قراءة .

على مساحة مائتي صفحة يقدم لنا الروائي والقاص الجميل زهير كريم حكاية يوسف وهي حكاية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.