الرئيسية » نقد » ادب » أ.د. نادية هناوي سعدون* : التجربة الإبداعية عند الشاعر فاضل العزاوي قراءة في قصائد (الأسفار)

أ.د. نادية هناوي سعدون* : التجربة الإبداعية عند الشاعر فاضل العزاوي قراءة في قصائد (الأسفار)

nadia-hanawi-2*ناقدة وأكاديمية عراقيّة

مقدمة :
لم تعد الكتابة الشعرية المعاصرة كتابة إبداعية تنتمي إلى سلالة الوزن والقافية ممثلة بنظام الإيقاع والعروض فقد تطورت بوصفها نشاطا من أنشطة الوعي الإنساني الخاضع لقوانين التطور والتجدد .
فقد صارت القصيدة تستدعي من الشاعر أسلوبا جديدا في التعامل مع الصورة واللغة والقواعد لتوجد نمطا من الإبداع الشعري هو ليس ضربا من النثر الفني الذي عرفته اللغة العربية وإنما هو نثر شعري أو قصيدة نثر.
ويجد الدارس المتقصي لمتغيرات الشعرية أن هناك قصائد معاصرة خالية من الأوزان والقوافي ، ومع ذلك فهي مشحونة بغنائية داخلية وشاعرية خاصة تفوق ما تحمله القصائد الموزونة من موسيقى حتى أصبحت قراءة هذا الشعر سياحة تأملية في طيات القصيدة تنبلج عنها قراءات متعددة وتكشف عن منظومات الرمز وتأويلاته ؛ فيصبح النص طافحا بالانزياح والرؤى مما يجعله نصا سرياليا وربما شيزوفرينيا أيضا .
ولعل نماذج هذا الوصف كثيرة تتلاقى في أجيال شعراء السبعينيات والثمانينيات إلا إن البحث عن الريادة والتفرد الإبداعي في النظم والنضد البعيدين عن النظام التقليدي للبنى المتوارثة للقصيدة العربية ، تجعلنا نقف إزاء تجربة الشاعر العراقي فاضل العزاوي في ديوانه (الأسفار) ..
فقد بدا فيه شاعرا مغامرا لا في ما ذكرناه آنفا ، فحسب بل في طبيعة التوظيف الشكلي للحروف والكلمات والجمل والأبعاد الرمزية وفي كيفية استخدام مساحة الورقة وطبيعة الصورة الموحية الأنيقة التي حملها غلاف الديوان وهي للفنان الألماني سيكفريد نوبتهاوزن .
ويقع هذا الديوان في مئة وسبع وسبعين صفحة من القطع المتوسط بعنوان الإسفار يفتتح بأية من القران الكريم من سورة طه قوله تعالى:” قال فما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به ” ، ويضم أربع قصائد طوال هي : (نزهة المحارب) و( أنا الصرخة أية حنجرة تعرفني ) و( الصحراء ) و(عويل العنقاء) وقد توزعت تواريخ كتابتها بين الأعوام 1970 ـ 1974 .fadel alazzawi 3

وتفاوتت أشكال التوظيف الشعري للبنية الفنية لهذه القصائد الأربع … وسنقف على طبيعة هذا التفاوت من خلال ثلاثة أبعاد وكل بعد هو قراءة نقدية في نصوص الديوان وقصائده ومجموع هذه القراءات يشكل بنية إجرائية تحليلية على وفق ما جاءت به نظرية القراءة والتلقي ونظرية نقد استجابة القارئ والأبعاد هي :
 البعد الصوري
 البعد السيميائي
 البعد السريالي
أولا : البعد الصوري في رسم الهيكل الشكلي /
تبدو الصورة عند فاضل العزاوي في ( الأسفار) هائمة لا يقر لها قرار ولا تعرف لها محلا وهي تبنى من خلال الخيال الشعري والتأمل الصوفي .
وبذلك تصبح الصورة معادلا موضوعيا للحلم فلا تعود هناك مقاييس للصدق والكذب ولا حدود بين الوهم والواقع ولا فواصل بين اليقظة والنوم.
وتبدأ الصورة في قصائد (الأسفار) من تراكب عناصر شتى يحكمها التضاد والتعارض والتناقض وتنعدم فيها العلاقات المنطقية بين الأشياء :
الزهرة تسقط فوق بكاء الفردوس
والخوف يسجل في كتب المستقبل أحزان الأطفال
والألفاظ فقاعات تطرح في سوق الذكرى
كالجنة في بيت مهجور
إذ لا يوجد من ينتج شباكا للنور .
فالعلاقات المنطقية بين ألفاظ ( بكاء ، الفردوس ، الخوف ، يسجل ، الألفاظ ، فقاعات ) تنزاح إلى علاقات أسلوبية ذات دلالات رؤيوية متعددة وهذا التعدد في المبنى الدلالي يتسع مع طول قصائد الديوان مما يجعل فعل القراءة حركيا يدور في إطار فضاء متسع هو فضاء التأويل :
الكلمة قطب يسكنه شعب يحيل أيام عذابه والموت المكتوب حيث الحب سفار في المجهول
وهكذا فان فضاء التأويل فضاء مطلق عائم في اللامكان واللازمان فالألفاظ والعبارات لا يقيدها حاضر ولا مستقبل .
ونجد أن اغلب الصور الشعرية مستدعاة إلى عالم من التخبط والتأزم والتشتت ومستبعدة من عالم التوحد والتكتل والعمق فلا تجد مثلا مرجعيات غارقة في القدم أو ذاهبة إلى عصرنا الراهن أو منطلقة إلى القادم أو المقبل بل هي هذه كلها في آن معا .
وقد نجد سياقات مرجعية قديمة مختلطة بسياقات مرجعية حديثة :
اخذ مسمارا (6انجات)
اجلب من سوق الحدادين
مطرقة
وادقه في جسدي
بهدوء
بهدوء
بهدوء
يجتمع المارة حولي في الشارع
ـ من هذا المصلوب ؟
ـ لا اعرفه
ـ اخذ مسمارا
ـ اغرزه في عنقي
بهدوء
بهدوء
أشعل نارا فيّ وابقى ملتهبا
يذبل وجهي
يغشى جسدي
كل الأشياء تموت
بهدوء
بهدوء
وهذا ما نلمحه أيضا في قصيدة (نزهة المحارب):
قبل أن ابلغ عامي الخامس والعشرين
أمضيت ثلاثة أعوام في السجن
مسروقا من حبي ورفاقي في الكلية
ومعي في سرداب السجن الأبدي
كنت أرى أشباحا تتحدث عن ماضي الإنسان
كنت أرى عارف يقضم أسنان الشيطان
كنت أرى قاسم يجلس في المقهى
كنت أرى عبد الناصر يخطب في الساحات
ويدخن أحلاما King Size بالفلتر
إن التعامل مع السياقات المرجعية يمثل سمة تجديدية في التعامل مع الحدث الراهن على المستوى الشعوري وهذا ما يجعل القصيدة نسيجا متلونا بالرؤى ومدياتها السياسية والاجتماعية والنفسية .
ومسألة الإحساس بالزمن في هيكل البنية اللغوية للقصائد ، تكاد أن تكون ضبابية يصعب الإمساك بها فالزمن كان وكائن وسيكون معا ومن ثم لا نجد فاصلا يحدد دلالة الفعل الزمنية إذ كل فعل مرتبط بدلالة نفسية مغيبة في تضاعيف التجربة الشاعرية .
ويجد المتأمل في أبعاد الزمن في ديوان (الأسفار) أن الشاعر ” يتحرك داخل إطار الزمن المتصاعد إلى تفاعلية مع الواقع ”
فالماضي في تضاعيف القصيدة موظف في دوحة الذكريات مع الإحساس بالمواجهة جنبا إلى جنب الدعوة إلى التمرد على واقع الحياة :
أخيرا
وقفت على جبل واقفٍ عند نهر
يدور على نفسه مرتين
وحيدا
نظرت إليه ، وكنت حزينا لحزني
صرخت ولكن صوتي تبرأ مني
تكسر في الريح إذ كانت الريح بيني وبين الحياة تغني
هبطت إلى النهر (جرحي معي ) اغتسلت . وفي العشب مرّ النهار
كسلسة تجر على صخرة طولها ألف عام
ودار على نفسه ، ثم سار إلى النهر ، اغرق أعضاءه
وحد النار والماء
فالجبل معادل موضوعي لذات الشاعر تلك الذات التي توهجت ثم انطفأت ؛ فهي تعاني الضياع في متاهة الزمن إذ لا خط يرشدها إلى بداية فتعود ولا بريق من الأمل يضيء لها نقطة الالتقاء فتعبر. إنها ضائعة في تجربة عاطفية لا حدود لها ولا وعاء لاستيعابها :
اهبط ظلي فأرى عربات تعبرني
أعدو نحو مصبات العتمة
انظر عصفورا يبحث عن غصن
أرقاما متعبة
أعقاب بنادق ، جلادين حليقي الرأس
تمر الآثام ، فاهبط ظلي
اشهد بين الأقدام عيونا من طين محروق .
وتأخذ تقنية تراسل الحواس بعدا شاعريا خاصا يجعل الصور والتراكيب المحمولة في قصائد (الأسفار) لوحات فنية مرسومة بنبض وجداني رفيع ومتموج ، فموهبة الشاعر تتسم بالذروة في استخدام التراكيب الشعرية المرئية والذوقية والشمية والسمعية وهذا ما يسمى في علم البلاغة بالتجسيم ” وهو أن يحيل المعنويات إلى محسوسات إمعانا في إبراز التجربة إلى الوجود “.
ولعل الإحساس الرومانسي الطافح دافع مهم في تحريك مخيلة الشاعر نحو هذا الخط من التقنين الفني :
في البدء سمعت صرير المفتاح
يفتح قفلي
فخرجت إلى العالم من ثقب في جبل الريح
أسرحت مشاعل أيامي .لكن الفقراء
ملأوا قلبي
فوقفت هنالك ، انظر في أبناء الإنسان
يعدون كأيام الموتى
فوق خليج الشيطان.
وإذا علمنا أن هذه أول قصيدة وأول سطور يفتتح بها ديوانه تذكرنا انه هنا متأثر بقراءته لسفر من أسفار الإنجيل المقدس .
انه يجمع بين اللازمان واللامكان فنفسه ظمأى إلى النور والحياة لتنقذه من سكون التحجر والانزواء والركود ليخرج حرا طليقا ، لكنه لم يجد ما كان يأمل أن يجده ، فالعالم مزدحم بالفقراء والموتى ولا مكان فيه للثورة أو الصرخة :
آه.. ها انذا اسمع أجراسا وأقول :
لتمطر أحجارا هذي الغيمة ، ولينهض أبناء
الثورة كالأفعى في هذا الليل الواقف في النار .
إن هذا النص صورة سمعية لمخيلة منفصلة ، ومن الصور اللونية المسموعة نقرأ:
مثل دماء تنزف في بستان من جرح مفتوح
هذه بين الخلجان تضيء لأبناء البحر، فنار يتألق بالضوء الأزرق
هذه بغداد الموشومة بالألوان
مثل دماء تنزف في بئر
الغابة معتمة والعصفور يغني حيث دخان مكتوم في الريح المسموعة ثم يجف على أعلى الأشجار كموسيقى تسمع في غرفة مرضى
وهنا يأتي الحلم الأبيض بالأزرق فوق شفاه ساحرة
وقد تأتي الصورة مفردة وقد تأتي مركبة فمثال الأولى قصيدة (الرجل) :
في ظلام الطرق
ناهضا سار وحيدا ، خائفا من ذاته المتكبرة
بين نهرين ، يمران على منحدر من حجر في غابة مشجرة
وتهادى كسلام قلق
في حروب الوطن المنتظرة
ومثال الثانية قصيدة (الصحراء) :
هذا العنق الممنوح إلى الجلاد ؟ تهب الريح من المنفى كأمير يقبل من سفر، كشهاب ، وتضيء على عاصفة الصمت : لماذا ينتحب اللي رمادا ينثره فوق جذوع يابسة في أمطار ؟ وأنا شعب ، امدح هذا الطالع في البرية مثل نبي يبعث بين خطاة ، مثل مليك يعدم في الساحة . kh fadel alazzawi 3

ثانيا / البعد السيميائي في هندسة الجملة الشعرية (الصمت المسموع )
لقد تعامل الشاعر فاضل العزاوي مع الكلمات والجمل بطريقة تشكيلية فنية وقد ترك هذا التعامل آثاره الجلية على طبيعة التكوين الكتابي للمتون والهوامش ، فالصفحة الواحدة متن (سواد) وهامش(بياض) ..
وبدلا من التقسيم المعتاد في أن يشغل المتن أعلى الصفحة والهامش أسفلها ، فان الشاعر عكس هذا المعتاد إلى جعل المتن أسفل والهامش أعلى فشغل الفراغ الجزء الأعلى في حين شغل السواد الجزء الأسفل .
ولان الشاعر كان ذكيا في التعامل مع فراغ الورقة لذلك صار البياض عنده كيانا شعريا ولغويا وبالتقائه مع الألفاظ (السواد) أصبح إطارا لتجربة شعرية بليغة ذات سمة تجديدية فالقصيدة كلام منطوق صامت وفي الوقت نفسه صمت ناطق فهي كيان صوتي مسكون والصفحة الواحدة قد تشغلها الكلمات على هيأة سطور نثرية على هذه الشاكلة :
البياض 30%
السواد 65%
البياض 5%
وقد تتفاوت نسبة هذا التشكيل النثري السطري وتتخلل هذا التشكيل اسطر شعرية عدة ….
بياض
ــــــــ
ــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد يرقق الشاعر الخط المكتوب حينا أو يزيد من حدة سواد الكلمات حينا آخر .. كما يمكن الإشارة إلى مسالة الاستعانة بالصور الفوتوغرافية أو البورترية لتكون جزءا من قصيدة ، ناهيك عن التوظيف المعبر في الصاق لوحة الفنان الألماني نوينهاوزن تلك اللوحة المعبرة عن إنسان اليوم الذي مسخته الآلة فلم تعدله ملامح .. من خلال ما يرمز إليه الكيس الأسود الذي يغطي رأس الجسد .
أما الجسد فلم يظهر منه إلا الجزء الأعلى وقد حشر بين دكتين صلدتين بعد أن ألبستا قميصا جلديا من نفس تقاطيع الكيس الجلدي الذي أخفى الرأس .
ويعكس هذا التوظيف التشكيلي تعاملا كتابيا ناضجا ومقصودا مع فضاء الورقة (اللوحة) بمعنى أن هيمنة البياض ( الفراغ) على فضاء الصفحة أو الجزء الأغلب إنما هو رجوع مقصود من الشاعر نحو الصمت والخواء والسكون .
وان هيمنة السواد على فضاء الصفحة أو جزء منها هو قول وتحريك وامتلاء وفعل يتحرك على حساب البياض يفاجئ القارئ الناظر ويحيله إلى علائق وتساؤلات يثيرهما البياض والسواد معا .. وهذه خطاطة لأحد القصائد لنرى كيف يتحقق التوقع الشعري للأسطر عند القارئ :
(العنوان ) بخط اسود غامق
30 شباط
تكون المدن محايدة ـــــــــــــــ
وملغومة ـــــــــــــــ
مرض الدفتريا في الهواء البياض ـــــــــ
والأميرات يواجهن الكآبة ــــــــــــ
وعلى الطاولة ـــــــــــــــ
يجلس ــــــــــــــ
مدرس أحلام
فالبياض يشكل ثلاثة أرباع حجم الصفحة في حين يشغل السواد الربع المتبقي ، وهذا مثال آخر:
لماذا ؟
لماذا ؟ لماذا ؟
لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟
لماذا ؟لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟
إن الكتابة البصرية ابتداع فني بالنسبة للشعراء وهواة الكتابة وقد تمكن الشاعر من توظيف حسن لهذه اللعبة الفنية بما يتماشى والغايات المغيبة أو البعيدة ..
ومن المنظور السيميائي نجد إن تناغم الألفاظ في الوحدة الموسيقية الواحدة له إيقاع غير نمطي أو مألوف لان منظومة السيمياء التي يدخلها العزاوي تؤطر قصائده بإطار ضمني يمنحها بعدا مسموعا لا يقل أهمية عن البعدين المنظور والمرئي (الكتابي والبصري) ، فمتن قصائده المطولة قائم بالأساس على المراوغة بين تقنيات التفكيك الصوتي للمفردات مع تنويع الفضاء المكتوب فيكون ذلك أسلوبا تعبيريا يكون فيه البعد المكتوب أو المقروء للنص معادلا للبعد البصري المشاهَد …
وهذا ما نأى بالقصائد المطولة عن الرتابة وجعلها تنخرط في سياق جدلي فلم تخضع لأبحر شعرية معينة ، الأمر الذي أوصل الشاعر إلى نمط القصيدة الحديثة (قصيدة النثر) باستثناء بعض النصوص التي تضمنها المتن الشعري والتي جاءت محافظة على النمط التقليدي للتفعيلات .
ولا غرو أن هيام الشاعر بقصيدة النثر قد ضايق قارئه بتلك النصوص المغامرة أو الشاردة أو الضبابية فقصائد ( الاسفار) جريئة ومخاطرة في زمن كان فيه هذا النمط من الشعر ينظر إليه بوصفه هجينا غير مرحب به على صعيد المذاهب والتوجهات الأدبية في الستينيات من القرن الماضي .

ثالثا / البعد السريالي في قصائد الاسفار
السريالية مدرسة ما فوق الواقعية ” تحاول الكشف أو التعبير عن ذاك المجهول في الإنسان الذي يتجاوز حدود المدركات الظاهرة… تستخدم الصفات والأشكال الملموسة للتعبير عن غير الملموس وغير الظاهر المدرك ”
وقد حفلت قصائد (الاسفار) بهذا التوجه إذ نجد فيها اهتماما بالمعاني والأسرار المستترة في خفايا المجهول وبالتعبير عنها بالألفاظ والخطوط التي تعرض إليها من بعيد فقصيدة (نزهة المحارب) تتسم بمحاولة الشاعر تحليل أحاسيسه ودوافعه الخفية في ما يتعلق بالحياة والإنسان والفكر وكل ما من شانه أن يتقاذف نفسه في خضمها :
أهي الأشباح تجوس الظلمة
أم أن الريح تغني خلف الباب ؟
وقد يتم التعبير عن خفايا النفس بطريقة التضمين أو التناص فالأسماء والحكايات القديمة تذكر في النص لترمز إلى معان شعرية باطنية :
ورأينا امرأ القيس يبكي وحيدا ، صرخت وحيدا :
خرجت من الأيام بيني وبينها
مضيق إلى المجهول يعبر ممطرا
وجبت الصحارى بالدموع تخضبت
وبيت الملوك أصبح مقفرا
وبكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن انّا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك .. إنما
نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
فهذا تناص مع بيتي امرئ القيس المعروفين ، فالغربة أو الاغتراب الروحي الذي يعانيه الشاعر جعله يسترجع غربة امرئ القيس قبيل لقاء حتفه فهو غريب عن بلاده وعن أهله وزمانه :
فجأة سقط الرأس مني، وصار الغريب أنا
فكسرت مرايا الزمان الجديد
ونواميسه القديمة وارتحلت مع القافلة نحو منفى جديد
لتكن لغتي رحلة القادمين من الأزمنة
فانا العربي المشيد من حجر غامض في القفار
إن لغة الرموز قادرة على التعبير عن اللاوعي الباطن أو المكبوت..
أصغيت للأشجار في الحدائق
سمعتها تعول
أصغيت للطيور في السماء
رايتها ترحل
أصغيت للإنسان
في غربة العصر فلم أجده . لم أجده يا جيلي .
فالكلمات (تعول،ترحل ،غربة،لم أجد) دلالات خفية إلى صورة المكابدة الداخلية في محاربة التقاليد والبحث عن التمرد ورفض الاستلاب وكشف الأسرار والخفايا ومعاداة الجمود .
كما تتسم أبعاد الرؤية السريالية بكثرة الانزياحات اللغوية المتولدة من تواجد المسافات النافرة في تعاليق المسندات بالمستندات إليها :
مرة إذ كان الليل يسير وراء غابة
سمعت أعرابيا يقول : أنا شجرة
قلت : كيف يكون ذلك ، وأنت عائد من حزيران ثلاث مرات ؟
قال : تعال معي .
وإذا سافرنا نحو الليل إلى عربة
سمعت القدسيين يعلنون :
أن العلم ممنوع على الشهداء
إلا في حالات الطوارئ
والمعارك الليلية .
وهكذا تنشا لغة ثانية لغة صورية يصبح فيها السفر والليل والشهداء عناوين ” تستنطق الشعر في معالم ذاك التكوين بحثا عن نشوئية النص من خلال لغة النص ”
الخاتمة
هذه الدراسة عبارة عن قراءات لأبعاد الرؤية الشعرية وحدود التجربة الإبداعية عند الشاعر العراقي فاضل العزاوي.
وقد استلهم البحث مادته النظرية من مفاهيم التلقي والقراءة في حين استمد مادته التطبيقية من نصوص (الاسفار) نفسها .
وقد تبين بعد قراءة متمعنة في تضاعيف القصائد أن لها بعض الأبعاد الرؤيوية تتوزع بين ( الصورة ـ السيمياء ـ السريالية ) فأما الصورة فهي معادل موضوعي للحلم والوهم والخيال وكل صورة لها إطار خارج عن الحدود والزمان والمكان فتغدو القصائد بذلك جامعة بين الذكريات (الماضية ) والمواجهة (الراهنة) والتمردية (المقبلة) ..
وأما السيمياء فتمثلت في التوظيف الذكي للسواد والبياض على سطح الورقة وهذه الهيمنة للبياض وانحسار السواد وبالعكس هو تعامل مقصود من قبل الشاعر للتعبير عن صمت داخلي أو خواء نفسي ساكن .
وأما السريالية فهي توجه أدبي وفني استخدمه الشاعر لكشف المجهول أو المغيب في بواطن النفس الشاعرة.
وقد لعب الرمز دورا مهما في محاربة التقليدية والجمود ورفض الاستلاب والتهميش كما وجد الشاعر في الترميز والتضمين والتناص فرصة سانحة وملائمة لكشف الأسرار والخفايا ومحاولة التعبير عما يجول في ذهنه عنها لاسيما في كثرة الانزياحات والنفرات .
وقد هيأ اجتماع هذه الأبعاد الثلاثة مع بعضها بعضا شاعرية خاصة وأجواء حالمة تأخذ بقارئها إلى مديات لا حدود لها من الخيال والانبهار والهيام .

هوامش البحث
1ينظر: قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ، سوزان برنار ،ترجمة:د.زهير مغامس ، مراجعة د.علي جواد الطاهر ، دار المأمون للترجمة والنشر ، بغداد 1992/104ـ175.
2الأسفار / 35.

3الأسفار / 35.

4الاسفار / 35ا

5الأسفار/ 98ـ99.
6الأسفار /32،هكذا وردت الأسماء (قاسم ـ عارف ) في القصيدة .
7اعني بالزمن الزمن اللغوي وليس الزمن المعيش .
8التجربة الإبداعية في ضوء النقد الحديث دراسات وقضايا ،د.صابر عبد الدايم /95.
9الأسفار /148ـ149
10الأسفار /148ـ149
11التفسير النفسي للأدب ،د.عز الدين إسماعيل /56.
12الأسفار /9.
13الأسفار/10.
14الاسفار/117ـ118
15الاسفار/153ـ154
16الاسفار/84
17نعنى هنا برسم القصيدة على هيأة خطوط بيانية تمثل طبيعة التوظيف الهندسي للكلمات.
18ينظر:الاسفار/82ـ83ـ84ـ85ـ89ـ103
19الاسفار/97
20ينظر: الاسفار/65
21ينظر: قصيدة قراءة الحياة /155.
22الاسفار/60.
23ينظر في هذا المضمار دراسة الدكتور مالك المطلبي لبنية البياض والسواد في مجموعة المملكة السوداء القصصية للقاص محمد خضير .
24مقالات في النقد الأدبي ،د. محمود السمرة .
25الاسفار/35ـ36 .
26الأسفار/18ـ19 وينظر : ديوان امرئ القيس تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار المعارف مصر ،ط3، 1969/65.
27الأسفار /15ـ16
28الأسفار /41
29الأسفار/59
30أبو القاسم الشابي في ميزان النقد الحديث ،د. عبد السلام المسدي ، تونس ،1996/ 176.

مصادر البحث /
 أبو القاسم الشابي في ميزان النقد الحديث ،د. عبد السلام المسدي ، تونس ،1996.
 الأسفار قصائد ، فاضل العزاوي ، بغداد ، 1976.
 التجربة الإبداعية في ضوء النقد الحديث دراسات وقضايا ،د.صابر عبد الدايم ،طبعة أولى ،1990.
 التفسير النفسي للأدب ،د.عز الدين إسماعيل، دار المعارف، القاهرة ، مصر، د.ط ، 1963.
 ديوان امرئ القيس ، تحقيق أبو الفضل إبراهيم ، دار المعارف ، مصر ،طبعة ثالثة ،1969.
 قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ، سوزان برنار ،ترجمة:د.زهير مغامس ، مراجعة د.علي جواد الطاهر، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد ، 1992.
 مقالات في النقد الأدبي ، محمود السمرة ، دار الثقافة ، بيروت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *