فؤاد قنديل : الفاتنة تستحق المخاطرة (2)

Fuad Kandil 5إشارة :
برغم صدور روايته الأخيرة “الفاتنة تستحق المخاطرة” في القاهرة قبل رحيله بوقت قصير ، فقد خصّ الروائي الكبير “فؤاد قنديل” موقع الناقد العراقي بنسخة وورد عبر البريد الإلكتروني اعتبرها هدية منه متمنيا علينا نشرها في الموقع. ووفاء له تقوم أسرة الموقع بنشرها في حلقات.

الحلقة الثانية : 
(2)

كل القرى المصرية تكاد تتشابه في المباني والطرقات، والبشر والحجر والشجر والنبات والعفاريت والغبار والكلاب والأفكار والأحلام والحشرات والجاموس والحمير والجمال والنخيل والهلاوس والأعراف والعبادات والإيمان بالسموات والالتفاف حول ضفاف النيل وشمس الشتاء وطقوس الأفراح والأحزان والرضا بالمقسوم والعجز عن اختراقه أو تغييره.
لكن الأقصر تختلف قليلاً بسبب قلة السكان وكثرة المعابد نصف المردومة، وإحساس أهلها بأنهم على أطراف الدنيا بحكم المسافة الفاصلة بين مركز الكون في القاهرة ذات الاسم المدوي منذ جاءت الحملة الفرنسية وأعقبتها القفزة الذكية للجندي الألباني على كرسي الحكم، وتركه تجارة أبيه في الدخان.
على الرغم من ذلك، فإن الأهالي يدهشون لأن جنود الباشا لا يتوقفون عن الظهور بينهم كل عدة أسابيع كأنهم يقيمون في قنا أو إسنا، وهؤلاء الجنود أصبحوا شبه دائمين في أحلام الفلاحين، ومع «الكرابيج» والرصاص وركض الفرسان بالخيول خلف الأهالي ودهسهم حتى يتوقفوا عن الفرار، تتنوع الرؤى والحكايات، بل اختلطت كلتاهما فلا يعرف أحد على وجه اليقين عندما يحكي حلمه للآخرين ما إذا كان يقص عليهم ما رآه في المنام أم ما عاشه في الواقع.. هل كانت نجاته من زيارة الجنود الأخيرة وهو يجتاز الزرائب ويقفز فوق الأسطح وفوق أكوام السباخ أو مدفونًا في تل من التبن أو منطرحًا وسط الأغنام التي أحاطته بحنانها وتواطأت معه وقد أدركت أزمته فاحتضنت مصيره المشكوك في إمكانية أن يمتد لساعات؟ هل كان هذا في الحلم أم في اليقظة؟ لكنه قد يعثر على ما يساعده على التذكر والتمييز متمثلاً في بعض الجروح والخدوش والكدمات في ذراعيه وساقيه ووجهه.
يقول الأهالي إنني لست كأية فتاة في الأقصر.. تفكيري وشكلي وكلامي مختلف. لكن السؤال الذي يعربد في عقولهم وأحلامهم ونفوسهم المغرمة بأسرار الآخرين ما زال دون إجابة، ولا يستطيع أحد ولا يتجاسر على أن يسأل بنت العمدة مباشرة : لماذا لم تتزوج حتى الآن، على الرغم من أن هناك بنات تزوجن في الرابعة عشرة! .. ليسألوا كما شاؤوا ويخمنوا ويتصوروا بقدر ما يسمح خيالهم إذا كان هناك خيال، وظنونهم.. وهي بالتأكيد متوافرة، وسوء الظن كذلك.. لكنني غير معنية بإزالة همومهم والإجابة عن أسئلتهم.kh fuad kandil 7
أنا لم أعد تلك الطفلة الصغيرة ذات السنوات الاثنتي عشرة التي كانت تحلم كثيرًا بأشياء غريبة، ولست تلك الفتاة التي رأت القاهرة وهي في الخامسة عشرة.. لا بد أن هناك في بر مصر نحو مليون فتاة مثلي لم تتمكن من زيارة المدينة الكبيرة المغرية بالمعالم العجيبة والحكايات التي لا تنتهي حتى لا تملك أن تغمض عينيها لتنام بعد جهد يوم ثقيل، وقد كنت أسبّ النوم إذا فكَّر أن يزورني قرب منتصف الليل؛ لأن شوقي مركَّز في أن أرى كثيرًا وأسمع وأعرف وأتذوق طعوم كل خيراتها، وكم كان يسعدني أن أخاف من الخيول المسرعة وأرتجّ رعبًا من المباني العالية وأنا فوق أسطحها أتأمل المدينة العامرة التي لا تعرف النوم إلا ساعات قليلة. أنا إذًا لست أنا التي تعيش في الأقصر منذ ربع قرن.. أنا الآن أعرف الكثير وأفهم المواقف، سواء من ظاهرها أم من باطنها، ولكل شيء مهما استخفى وتوارى ظاهر وباطن.
أبي وأمي يشعران بقلق بالغ ودائم من عدم قبولي الزواج.. أنا نفسي لا أدري لماذا أنا غير متقبلة فكرة الزواج وأتقبل جدًّا فكرة قضاء العمر في المعرفة، وأول المعرفة المكان. وإذا كنت قد أحببت القاهرة فقلبي في الأقصر، وروحي تهيم بأجوائها وتعانق نخيلها، وقدماي تعشقان الطرقات المفضية إلى معابدها وإن لم يمنع هذا من أن أنظر إليها على أنها قرية ميتة لم تتحرك وتدب فيها الحياة إلا مع قدوم البعثة الفرنسية، وقبل ذلك لا تعرف اليقظة والانتباه إلا مع هجمة جنود الباشا أو في يوم مولد أبي الحجاج..
لم تؤثر في سلوكي وشخصيتي زيارتي للقاهرة قدر ما أثرت في طبيعتي حالة أبي المرضية التي داهمته فور علمه بوفاة «مدثر»، أحد شقيقيَّ، بعيدًا عنا ولم نتسلم جثمانه، وكان يحارب مع الجيش المصري لإخماد الثورة اليونانية ضد الحكم العثماني.. أخي «مدثر» هو الأكبر.. شخصية نادرة جمعت كل الصفات الحسنة.. كريم وذو مروءة وصادق وشجاع وحليم وحكيم وصبور وبارع في الزراعة والتجارة.. القرية جميعها كانت تقدره وتتمناه لبناتها فهو زين الشباب.
ذهب «مدثر» وبقي لي شقيق واحد هو «مصطفى»، الذي شاعت تسميته في البلد «بركة» بسبب اعتقاد الناس أنه طيب جدًّا وله صلة وثيقة بالله.. في أحيان كثيرة يتنبأ بما يمكن أن يحدث؛ فهو الذي خطر بباله بشكل مفاجئ أن «مجاهد»، صديق «نصر» ابن عمي، سيلتقي زوجته عند الساقية مع أذان العشاء، فمضى إليه وأبلغه أن العربان سيهجمون على البلد فجر الجمعة.. وما جرى بعد ذلك أثبت صحة ظنونه، وهو الذي قال: إن «سنية» التي لم تحمل يومًا لسبع سنوات ستحمل. وقد حملت، وإن مات ولدها، وهو الذي قال لأبي:
– الجراد في الطريق وسوف يحط على البلد في الصباح.
يقصد جباة الباشا.
أخي «بركة» الذي يتكلم بصعوبة هو الذي يجلب لنا السمك من النيل؛ فعندما ينزل وينادي عليه همسًا يخرج السمك إليه.. ليس في كل الأوقات بالطبع.. لكنها أمور غريبة.. وهذا هو السر في أن كل الناس تثق أنه مدعوم من الله، وأنه بالفعل «بركة»، وإذا تشكك البعض أسكتهم غيرهم، ومنهم الشيخ «يونس»، الذي يقول:
– ليس ذلك بمستبعد.. الله مطلع على عباده ولا يتركهم أبدًا ويكتفي بأن يبعث إلهم آياته في صور متعددة.. فالله خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين.
«بركة» قد يحمل السمك أيضًا لـ«مستورة»، ابنة الشيخ «يونس»، ويجلس معها بعض الوقت، ويضطر أبوها إذا وجده معها أن يطلب منه بكل حنان مغادرة البيت، وقد نصحه مرات ألا يدخل الدار في غيبته، لكن «بركة» ينسى.
وعندما تعثر أبي مرة وهو متجه إلى المرحاض في زكيبة بها بقايا من ذرة صفراء لم يستطِع الاعتماد على ذراعه المشلولة فوقع على الأرض وغاب تمامًا عن الوعي.. تعاونتُ مع أمي في رفعه إلى الفراش وناديت «برهام»، ابن «عبد السلام» المزارع، ليستدعي الدكتور «قرشي» بسرعة من الوحدة الصحية، فعاد دونه لأنه طبيب لا يُعتمد عليه بسبب كثرة غيابه وسفره إلى بلده. طلبت إليه سرعة البحث عن «بركة»، ولما لم يجده أمرته بالذهاب إليه في بيت الشيخ «يونس».. لم ينفع أبي الماء الذي نثرته على وجهه ولا البصلة التي أحضرتها أمي وقد كانت رائحتها النفاذة كفيلة بإفاقته..
مضت أمي تدلك بطن قدمه وأنا أدلك صدره بينما الدموع تسيل وعقلي يدور بشدة باحثًا عن المنقذ بعد الله.. قالت أمي:
– ننادي لـ«شلبي» حلاق الصحة..
رفضتُ.. مجرد أن ترد سيرة هذا الرجل اللزج أوشك أن أتقيأ، لكني أذعنت مضطرة لإرسال «نجية»، ابنة «عبد السلام» لدعوته.. رجل فضولي لا تكف عيناه عن الدوران في البيوت والسؤال عمّا لا يخصه والتفتيش في كل ما تقع عينه عليه، وله نظرات تلمس الجسد وتكاد تكشف العورات وتقتحم الملابس.. ما الذي أخّر «بركة»؟
حضر «شلبي» وأخذ ينثر على وجه أبي العطر ويشممه البصل ويفعل كل ما فعلنا، ثم قال:
– لا بد من نقله إلى الوحدة.
كدت أقول له:
– شكرًا يا عم «شلبي».. تفضل.
أنقذني حضور «بركة» الذي وقف شاردًا لحظات يهرش قفاه ثم بطنه ونحن نحدق فيه.. هو بالطبع ليس طبيبًا، لكنه «بركة»..
سحب بسرعة الوسادة من تحت رأس أبي ووضعها على وجهه ونزل بثقله عليها فصرختُ أنا وأمي وهجمنا عليه فأبعدناه.. دفعَنا بقوة ثم أعاد الوسادة لحظات وتركها كما هي.. وقف ينظر إلينا ويشير بإصبعه رافضًا أي خطوة.. وفجأة ضحك فرفع أبي رأسه.. نظر إلينا وسأل:
– ماذا جرى؟ لماذا أنتم واقفون هكذا؟
سالت دموعنا وتهاوينا إلى الأرض.. فتح «بركة» باب الشارع وخرج. أسرعت وراءه أسأله:
– إلى أين أنت ذاهب؟
فقال:
– النار في الطاحونة.
علمت بعد ذلك أن نارًا نشبت في بعض الزكائب الفارغة بطاحونة «يعقوب» وانتقلت إلى كيس قطن كان ممتلئًا وطالت ألواح خشب فَعَلَت النيران.. أسرع الجيران بالمشاركة.. تعاونوا وأطفأوها مع وصول «بركة» قبل أن تلحق السقف والماكينة.. دون تفكير تقدم «يعقوب» من «بركة» وقبَّله وعانقه وهو في حالة امتنان شديد. سعى أبى و أمى وجربا كل الطرق كي ينجبا بعد بركة فلم يرزق الله بالذرية. وهكذا بقيت أنا وأختاي حفصة وفاطمة إضافة إلى بركة في حين لدي كل أسرة عشرة أبناء على الأقل.
حاولت عدة مرات، منذ الثامنة، أن ألعب مع الصبية الذكور رغم أني كنت أشعر أنهم نماذج عجيبة من الكائنات.. ما يبدو من أجسامهم صدئ وأغلب ملابسهم مهترئة وقذرة، وبعضها بكم واحد، أو من دونهما معًا، والياقات بلا أزرار، وبعض الجيوب تمزقت وقد اختلطت ألوان الجلابيب، كما أنهم يلبسونها على اللحم، والأسوأ تلك الروائح العطنة أو الكريهة التي لا أستطيع تمييز مصادرها، ورائحة البصل هي المهيمنة، كما أنهم يميلون إلى الشجار لأتفه الأسباب، ويظلون وقتًا يتقلبون فوق التراب حتى تكاد تتغير ملامحهم.. لا أدري كيف يحتملون كل هذا والأرض تحت أقدامهم جمر وهم حفاة.. كثيرًا ما أشعر أن العيال ينتمون إلى الحمير أكثر من انتمائهم للبشر.. رغم ذلك حاولت اللعب معهم فلم أوفَّق.. بعضهم رفضني لكوني بنتًا، وبعضهم رفضني لضعف أدائي وإفساد إيقاع اللعبة.. اضطررت للعب مع البنات، استأذنت أبي فوافق، وإن لم تتحمس أمي وأخي «مدثر» لفكرة لعب البنات واكتفى بالقول:
– العبي مع أختيك.
كيف ألعب مع طفلتين تصغرني كبراهما بخمس سنوات؟! كان بيننا ولد مات بعد سنتين.. حاولت لعب «السيجة» و«الحجلة» و«الكرة الخيش» فلم أتقبلها ولم تجتذبني، وأعجبتني «الاستغماية».. استشعر أخي «مدثر» حاجتي للتسلية فعلق لي حبلاً في شجرة الجوافة، أولى أشجار «الجنينة» الخاصة ببيتنا الكبير.. وضع لي وسادة في أسفل الحبل الذي عقده فوق الشجرة وأجلسني على «المرجيحة» ودفعني عدة مرات ففرحت وضحكت وطرت في الفضاء، وعلَّمني أن «أمرجح» نفسي، فأقبلت وتفننت في الطيران بـ«المرجيحة» وارتفعت حتى لمست أطراف الشجر بيد واحدة، وشهق عندما رآني أكاد أطير.. هددني في حالة تكرار ما رآه ألا يسمح لي بركوبها فقد سقطت من فوقها «نجوى»، ابنة «سلام» المزارع.. لم يرهبني سقوط البنت فمضيت أحلق عاليًا وألمس أطراف الشجر.. احتجت بعد عدة أيام لدعوة أخي كي يربطها من جديد بعد أن انقطع الحبل بسبب ركوب «بركة» عليها، وهو على الرغم من أنه أصغر مني فقد كان في مثل حجمي مرتين على الأقل.
لم أشعر بالخوف ولا أذكر أني عرفته.. فممَّ أخاف؟ ربما أخاف النهر فقط لأن من يسقط فيه فهي النهاية، لا أخاف الكلاب ولا الظلام ولا العفاريت ولا السير وحدي، على الرغم من الحكايات الكثيرة المرعبة التي يتناقلها الكبار والصغار. قد يكون إيماني الغامض بأن لكل شخص ملاكًا حارسًا يساعده على التماسك والجرأة اعتمادًا عليه.
شعرت به منذ سنوات ينام إلى جواري وكان يصاحبني في الكتّاب.. يصعد معي إلى السطح ويتنزه معي في «الجنينة».. أحسه بالقرب مني وأنا أقف طويلاً وسط أشجار البرتقال لأتشمم العطر الفواح لزهر البرتقال.. أنشغل عنه عندما أطارد الفراشات الرقيقة وأحاول بكل رفق الإمساك بها.
كتمت سري عندما لم أجد أمي تتحدث عن الملاك الحارس ولا أبي ولا أخي، وإن لم أنسَ أن أمي قالت لأخي مرة، وقد أصابت وجهه طوبة في حجم تينة ألقتها بقوة امرأة على ولدها في الوقت الذي كان فيه أخي يدخل الشارع فأصابت وجهه، بالضبط فوق أنفه وبين عينيه، وأسرعت المرأة تعتذر وتدعو على ابنها، وأصرت أن تغسل وجه «مدثر» وأن تكبس التراب الناعم على الجرح.. لما عاد إلى البيت صرخت أمي واضطربت رعبًا وصبت ماء في كفها وغسلت الجرح.. سألته عن السبب فقص القصة، وعزمت أمي أن تمسح بكرامة المرأة تراب السكك، فأوقفها أبي وأخي. أرسلنا إلى «شلبي» – الحلاق اللزج – فوضع سائلاً أحمر و«بودرة» صفراء وقطنًا مبتلاً، وطلب ألا يتحرك قبل يومين.. قالت أمي بعد أن تنهدت:
– الحمد لله.. العين عليها حارس يا ضنايا.
قال أبي:
– ابتلاء بسيط يفدي الله به ولدنا من شر كبير.
كلمت الملاك الحارس في الكثير من المناسبات.. لم أسمع منه كلمة ولا همسة، لكنني كنت على ثقة أن شخصًا آخر معي.. لا بد أنه كان معي عندما اعتزمت السير نحو النهر فوجدتني فجأة أرتد وأغيّر رأيي وأذهب إلى «إيزيس»، التي أميل إليها، ابنة عم «صبري» صاحب الفاخورة.. اعتادت أن تكون هناك.. أجلس معها فتعرّفني كيف يصنع أبوها «الأزيار» و«القُلل» و«الزلع» و«الأبرمة». وبعد فترة أطلب منها أن تصاحبني لنتوجه إلى معبد الكرنك فيأذن لها أبوها.. أتعجب من الأعمدة المستديرة الضخمة التي نبدو تحتها كالنمل.. تقول «إيزيس»:
– لا بد أن من بناها كان في حجمها.
أقول:
– ولماذا لا يستخدم السلم؟
السلم لا يفيد في الأبنية الضخمة، ربما يفيد في عمود رفيع يبنيه على مراحل.
نطوف بالمعبد وندهش للتماثيل والمسلات ونِصفُها على الأقل مردوم تحت التراب.. نحدق في الرسوم على الجدران ونتنافس في تحديد النساء لنميزهن عن الرجال..
أقول لـ«إيزيس»:
– إذا تأملنا بعض الرسوم ربما نكتشف أنها تكاد تحكي قصة.
– ربما.. لكننا لا نستطيع أن نفهم المقصود من الرموز المحفورة ولا عمل هؤلاء الأشخاص، وما الداعي لرسم صورهم على الحجر.
– هل يمكن أن يكون هناك ناس غير المصريين أقاموا هذه المعابد؟
– ربما، وجائز أن يكون قد أقامها أجدادنا منذ سنين طويلة وتغيرت الأحوال ولم يتركوا لنا ما يعيننا على معرفة أسرارهم ومبانيهم.
أبي قال:
– إن من بنوا هذه المباني مدفونون في البر الغربي.
أحسست أن يدًا تلمس يدي.. كانت «إيزيس» قد سبقتني إلى تمثال كبير لشخص على رأسه عمامة كبيرة. ارتعدت فقد تبادر إلى ذهني أن أحد سكان هذا المعبد هو الذي حاول أن يمسكني، لكنني تذكرت الملاك الحارس.. لم أستطع أن أحدد مصدر اللمسة، ولذلك أسرعت ألتصق بـ«إيزيس».. مضت بي إلى عمق المعبد ووصلنا إلى ساحة كبيرة بها تماثيل كثيرة مرصوصة بحذاء الجدران.. عادت اليد الرقيقة تلمسني. لا أحد قريبًا مني.. هذه إشارة.. قلت لـ«إيزيس»:
– هيا بنا.. لقد تأخرنا.
في يوم بعد أن بلغت الثالثة والعشرين ناداني أبي، وقال:
– اجلسي يا ابنتي.. تعالي يا «كاملة» احضرينا.
جلست دون أن أفهم ما الموضوع، ربما تكون «حفصة» أو «فاطمة» بها شيء أو أحد مسّ «بركة» بكلمة.. قلت:
– نعم يا أبي.
– يا ابنتي.. هل أنتِ غير كل البنات؟
ابتسمت مندهشة:
– هل صدر عنى ما أغضبك؟
– تكلمنا معك عدة مرات بخصوص زواجك، وتقدم لك خطاب كثيرون ولم تفتحي الباب بأية صورة، ولم تجعليه حتى مواربًا!
أحنيت رأسي.. لم أحدد بعد ماذا أقول.. كلام معاد وممل.
– مرة ثانية يا أبي؟!
– وثالثة وعاشرة.. هذه هي الحياة.
– لا أريد الزواج.. لا أريد الزواج.
– سُنة الحياة.
– عقلي يقول لي إن الزواج كلام فارغ ومشروع فاشل.
– تفضلي يا ست «كاملة».. اسمعي ماذا تقول ابنتك!
أمي الطيبة ضربت كفًا بكف ثم قالت بحنان:
– لماذا يا ضنايا؟! نِفسنا نشوف أولادك.
– عندكم أولاد «فاطمة» و«حفصة» وبركة.
– لا بد أن يكون لنا أحفاد منك.
– لست أرنبة يا أمي.
تطلّع أبي إلى السقف ثم النافذة.. تنهد بتوتر وقال:
– هاتِ لي بنتًا واحدة في الأقصر كلها ترفض الزواج.
– أنا…
– صارحيني يا ابنتي.
– ليس عندي ما أقوله.. ربما عندك حق والناس جميعهم عندهم حق في هذا الموضوع، لكني أراه أمرا سخيفًا.
– أوضحي لنا.. لماذا هو سخيف؟
– كله على بعضه سخيف، ولا ينتج عنه إلا المشاكل، والسبب فيها اختلاف الطباع، غير مشاكل الأولاد، والأهم نظام العبودية.
– أي عبودية؟!
– أليس الرجل هو السيد والأنثى عبدة؟
– غير صحيح بالمرة.. هل أمك عبدة أم سيدة البيت؟
– هي بالفعل سيدة البيت لأنك رجل حكيم وتميز الخطأ من الصواب وتُقدّرها، ولا ترى أن البيت يمكن أن تقوم له قائمة من دونها.
– هذا هو الصواب.
– نادر جدًّا.
– والحل؟
– إذا جاء من أتوسم فيه أن يكون مثلك فسوف أوافق عليه، عدا ذلك مستحيل.
– نصر لا يعجبك.
– نصر من المطاريد وسوف يقضي بقية عمره على الطريق ذاته.
– مبروك الضابط الذي جاء من قنا ليخطبك.
– مغرور.
– الدكتور «قرشي».
– كل ما فيه يجعله مرفوضًا من وجهة نظر كل الفتيات.
– دكتور ماهر وله سمعة.
– لا يعرف في الطب إلا علاج البرد والصداع، ثم إنني لا يعنيني علمه.. المهم طباعه.. شخصيته.. كرمه.. شجاعته.. أسلوبه في الحياة.. مظهره..
– كل من تقدموا لك لا يصلحون؟!
– نعم.
– والحل؟
– ثق أنه سيأتي عندما يريد الله ذلك.
– العمر ينقضي دون أن نحس.
– أطال الله عمرك.
– أتحدث عنكِ.. «فاطمة» و«حفصة» أصغر منك تزوجتا وأنجبتا ستة في خمس سنوات.
– هل أنتِ سعيدة بهذا؟!
– كل السعادة.. قلت كل ما عندي يا أبي فلا تفتح هذا الموضوع مرة ثانية لو سمحت، وتأكد أن الله سيرضيك بطريقته.
– ربنا يرضيك يا ابنتي.. ادعي لها يا أم «مدثر».
أسرعت أمي تدعو الله:
– ربنا يسعدك يرزقك بابن الحلال ويخلف عليك الذرية الصالحة ويجعل أيامك كلها هَنَا يا «جزيرة» يا بنت بطني.
ابتسمت وقلت لها:
– ألن نأكل يا «كاملة»؟
هبّت واقفة على الرغم من سمنتها النسبية وشكواها من ركبتيها قائلة:
– من عيني يا ضنايا.
دخلت معها إلى المطبخ لنقل الأطباق إلى «الطبلية» الكبيرة.. لحق بنا «بركة».. أمي الطباخة الماهرة ذات النفس الذي يجعل للطعام رائحة فواحة تجر العابرين من مسافة بعيدة، كانت قد أعدت لنا «الشلولو» و«المسبوبة» و«الأرز المكمور» مع الخبز الشمسي.. أكلنا حتى عجزنا عن القيام.

شاهد أيضاً

ابتسام ابراهيم الاسدي: شطرنـج… 

أقـُـتلُ المـَلك في لعبة الشطرنجِ أقتلهُ…. فتصابَ الرقعةَ بالذهول أحـركُ الوزيرَ قليلاً أدعـَـكُ وجـْهَ الفـــّيلة …

أسرجك خلف السطور
بقلم: سميحه فايز ابو صالح

نثرك الغافي بيقضة حلم يستفيق حين تهفو أختلج موجة العتم وأوقد جمرات الحروف الصقيعة بموقد …

ليس الْحُزْنُ بِهَذَا السُّوءِ الذي أنت تَظُنُّ
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

في ساعة مُتَأَخِّرَةٍ من اللَّيْل يُطْرَقُ الْبَابُ بِقُوَّةٍ أَفْتَحُ فإذا هو جارنا الذي لم أره …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *