الرئيسية » ملفات » حسين أحمد إبراهيم الجبوري: الحضور والغياب في الخطاب الأنثوي رواية (نبوءة فرعون) لميسلون هادي (ملف/23)

حسين أحمد إبراهيم الجبوري: الحضور والغياب في الخطاب الأنثوي رواية (نبوءة فرعون) لميسلون هادي (ملف/23)

hussein-aljobori-2إشارة:
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر حلقات هذا الملف عن المبدعة الكبيرة القاصة والروائية العراقية “ميسلون هادي”. واحدة من أبرز سيّدات السرد العربي، ولا نبالغ لو قلنا السرد العالمي، بل النوبلية بامتياز لو توفرت الترجمة لنصوصها الفريدة. أكثر من 35 نتاجا في الرواية والقصة وأدب الأطفال. هذه الطافية بحذر بين الواقع والخيال، وبين الحلم واليقظة، الفيلسوفة الشعبية لمحنة الموت والحياة، الأمينة على خيبات محليتها التي ستوصلها حتما إلى العالمية المتزنة المحترمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقراء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدعة الكبيرة ميسلون هادي.
المبحث الأول: التخفي وغياب الوعي
الخفاء، ممدودٌ: ما خفي عليك، والخفا، مقصورٌ: وهو الشيء الخافي المستور، وهو من الأضداد، بمعنى أخفيتُ الشيءَ كتمتُه، وخفيتُه أظهرتُه، ومنه خفا البرقُ خَفْواً وخُفُوّاً: لَمَعَ، وخفا الشيءُ خَفْواً: ظَهَرَ، وخَفَى الشّيءَ خَفْياً وخُفِيّاً: أظهرَهُ واستخرجَهُ(1 )، ومنه في تفسير قوله تعالى: [سورة طه، الآية: 15]، إذ تحتمل المعنيين: الكتمان والإظهار(2 ).
إن اشتغال التخفي على الضدية هو ما يعمل على آلية الغائب في الحاضر، فضلاً عن هاجس النزوع عبر الثنائية الضدية التي تتحرك في النص على محور الواقع المُغيّب/ اللحظة الحاضرة. إذ تشكل اللحظة الحاضرة على هذا المحور نقيضاً مطلقاً للواقع وتُصبح كوناً بديلاً للكون المرفوض(3 )، بمعنى رفض الواقع وتأسيس حاضرٍ استثنائي عبر غياب الوعي، الذي يعمل على كشف العلاقة المتفاعلة بين الداخل/ اللاوعي، والخارج/ الوعي، مع النظر إلى أن الداخل/ الغائب لا ينفصل عن الخارج/ الحاضر(4 )؛ لأن الغياب نتج عن الحاضر المرفوض عبر اللحظة التي أنتجتها ضدية الدلالة اللغوية، بمعنى أنه اختفى/ غاب عن الواقع وعياً، واختفى/ حضر ذاتياً، وهذا ما يشغل مساحة مهيمنة في رواية (نبوءة فرعون)، لما فيه من تسليط الضوء على سياقات الحياة وانفصام التفاعل بين ما هو كائن وبين ما يجب أن يكون عليه حتى يصبح التخفي معالجة نتيجة غياب التواصل بين حاجة الذهن إلى التماسك، وبين فوضى العالم المحيط التي يعانيها الذهن، وهذا ما يفتح مجال التساؤل عن قيمة الوجود(5 ) والممارسة بين الفرد والمحيط/ المجتمع، ولا سيما أن التواصل انجاز لغوي، يَنتج كلاماً، يتجسّد في خطابٍ يُشكل نصّاً، وتتحكم بهذا الخطاب ضرورات اجتماعية عبر اللغة؛ كونها مؤسسة اجتماعية، فضلاً عن الضرورات السياسية والاقتصادية التي تتحكم في إنتاج الخطاب، ومن هنا يصبح المبدع متحكماً بموضوعه تحكماً معقولاً، حتى يفهمه المرسل إليه فهماً احتمالياً على الأقل، ويكون قادراً على قراءة الواقع وتشخيصه وإنشاء علاقة سليمة معه، تمكنه من تجاوز الأزمة التي يعكسها التواصل السائد(6 )، بمعنى تغدو الذات آخذةً دورَ “المبادرة في الفعل وتكون مركزاً للشعور والوجدان”( 7)، حتى يصبح للوعي حضور ينطلق من الوظيفة والاحتفاء الخارجي، ولا سيما أن الوعي مؤسس ” للوجود البشري ذاته فهو جوهر الإنسان وقوام علاقته مع العالم “(8 ).maysalon-7
ومن هنا تكون ذاتية الإنسان بوصفها ذاتاً فاعلة تبحث عن التغيير والتحرر الفكري ومن شأنها أن تنفلت عن نمطية هذا العالم إذا ما أحسّت أنه قد أضمرها وتجاهل طموحاتها( 9)، هذا ما يدفع بالتخفي إلى تساميه عن الواقع لمعالجة توجسات النفس، فضلاً عن الخلخلة وعدم التوازن والصراعات التي تضج بها آليات العصر الحديث، ليشق الفرد لرؤيته مساراً يقتديه، ناكراً تناقضات الواقع وصراعاته المزمنة، التي تنعكس على المصير الإنساني بلامعقوليته المتشظية وانعدام الهدف في وجود عبثي غير منسجم مع ما حوله( 10)، أي انعدام التوازن ورجاحة كفة الصراع على حساب الفرد، لذا يصبح التخفي آلية إنتاج ناقصة؛ لأنه لا يقدم إنتاجاً فعلياً، غير أنه ينقل الذات من حضيض الواقع إلى تنامي اللاوعي، واتخاذ التخفي بوصفه فاعلاً ومعالجاً لقلق النفس، فضلاً عن كونه يسعى إلى التعويض عبر الغوص النفسي في التيار المعاكس للحدث الواقعي، والانزياح عن التداول الطبيعي واختراق المألوف حتى تنسجم الذات مع الحدث، وهو ما يُشكّل ظاهرة في النظرة الحديثة لشعرية الخطاب الذي يتمتع ” بروح صدامية عالية، روح المواجهة وفتح الحوار لاكتشاف ما يمكن اكتشافه من بُنية النص على صعيد الدلالة أو التركيب أو الصوت أو الإيقاع، وبعبارة أُخرى محاورة داخل النص أكثر من تأكيدها الانشداد إلى خارج النص، أو في أقل تقدير إقامة علاقة توازنية بين الجانب الحضوري والغيابي في النص”(11 )، الذي يمثل جسد الفكرة التي من أجلها انبثق، لذا تسعى ميسلون هادي إلى إقامة التوازن عبر اللاوعي الذي يتجسد في أحلام اليقظة/ الوعي، وأحلام المنام/ اللاوعي التام.

أحلام اليقظة (الغياب يقظة):
تعتمدُ أحلام اليقظة على الواقع الخارجي والصورة المرئية لتشكيل المشهد الخيالي أو الذهني؛ لأن ” الإدراك الحسي للظواهر الخارجية عنصرٌ مطلوبٌ في تكوين الصّورة وتشكيلها، إذ لا غنى عن الحواس في إدراك المرئيات، والمسموعات، والذوقيات والمشمومات والملموسات “(12 )، أي أن الوعي له الفاعلية الأولى في تكوين التخفي، فعندما تشعر الذات في وعيها أن الواقع قد أخفاها فاعلياً/ انطولوجيا، فإنها تنطلق تعويضياً عبر فضاء النفس الفسيح، الذي يسمح للذات بأن تتفاعل ذاتياً وأن تختلق لنفسها مشاهد تمتد من الوعي، حتى تمتزج الذات بين الوعي واللاوعي، فاللاوعي يشتغل عبر صورة الذاكرة المخزونة أو المتوقعة، وهي في الغالب تجعل الفرد محكوماً بها نتيجةَ التفكير المستمر والمتمثّل بالدّوافع الغريزية المتنوعة التي تحمل سلبياتها عبر التفكير غير الواعي وهذا ما يتناقض مع الوعي الطبيعي، غير أنها تحمل إيجابياتها بوصفها واقعاً نفسياً يملكُ نوعاً من الوظيفة والفاعلية(13 ).
لما في حلم اليقظة (Day dream) من تحقيق الرغبات التي تنهض على ذكريات الطفولة، وتتسم كالأحلام المنامية بأن الرقيب قد خفف من حظره عليها، وكل الأسوياء يحلمون أحلام يقظة، وهي تمنح الإشباع وتعوّض عن الحرمان أو الفشل الذي يصيب المرء من البيئة الخارجية، ولأحلام اليقظة الدلالات نفسها التي للأحلام سواء عند العصابيين أو الأسوياء(14 )، وتتفق هذه الأحلام في النص المدروس مع شخصية ملائكة عندما تمنت أن يقف توفيق ببابها “يطلب شمعةً قائلاً: إن النفط نفد من اللالة وأن شاكرين تخاف كثيراً من الظّلام.. ولم يكن أبو ملائكة الفنانُ موجوداً في البيت، فدعتْه إلى الدخول ووقفتْ أمامه في المرآب المظلم، ثم أشعلت عودَ الكبريت وقرّبته من فتيل الشّمعة فتشبّث بها في الظّلام وأطفأ نارَ العود ثم سحبها وضمها إليه بقوة … صاحت ليلك: (تعالي). فقالت ملائكة: (ماذا ؟ هل بدأ الحسناء والوحش؟)(15) فقالت ليلك: (إنه توفيق ابن خالة هنية). نفضت ملائكة الحلم من رأسها ونفضت يديها من الماء وهرولت إلى غرفة المعيشة “(16 ).
إذ أصبح المشهد الأنثوي في خدمة الأنا العاشقة التي غابت وعياً عن الواقع لإنتاج ما تحمله من عاطفة تربطها بتوفيق وعياً، ثم إن تراتيبية المشهد واضحة الدلالة في انتقاء الحدث واستراتيجيته حتى يصل إلى ذُروة المشهد الغرامي التي شكلت هاجس الكشف عن العاطفة الموجودة لدى ملائكة، وهي غايةٌ تطمح الوصول إليها عبر المسببات التي بموجبها يحضر توفيق ليُطرقَ بابَها، فضلاً عن زجّها لمشكلة الشارع العراقي الذي يشكو من انقطاع التيار الكهربائي المستمر؛ لأنه أول الاقتراحات الذهنية التي أحضرتها ملائكة لتكون سبباً لمجيء توفيق، لشيوع الظاهرة، فضلاً عن كونها استراتيجية في التنفيس، وأصبحت دلالة شُبه الجملة (بقوة) تعبر عن العاطفة المكثفة في ذهنية الأنثى، أي تشتغل القوة بوصفها موازياً عاطفياً، لذا أسندت الفعل إلى المذكر/ ضمها إليه بقوة على لسان الراوية التي اتخذت زاوية الراوي الغائب/ الخارجي وهو ما ” يجعل الكاتب يقع خارج القص ويتخذ صيغة الراوي العليم، كل همه أن يرسم مشاهد بانورامياً متنقلاً بعين الكاميرا لتصوير الأشياء كما هي في الطبيعة … ويجعل الكاتب أو الراوي العليم مطّلعاً على خفايا وأسرار الشخصية في داخل المبنى الحكائي”( 17)، فضلاً عن تمتع الراوي وقدرته على توظيف المنظور النفسي متمثلاً بعرض أمنية الشخصية بالنيابة عنها( 18)، وهذا ما يُعطي للخطاب قصديةً في تفجير الكوامن والتحدي في فرض الذات؛ لأنها خارجة من وجهة نظر الراوية/ الراوي الخارجي، حتى تمزج بين التبادل العاطفي، ولا سيما في ثراء العاطفة الأنثوية المتقدة التي أرادت إطفاءها بالفعل الحركي/ ضمها إليه بقوة، فضلاً عن كشفها للغياب الذي تفرضه السلطة الدينية والاجتماعية والثقافية من عتبات تحد من الإعراب عن مكبوتاتها المتمثلة بالآخر/ توفيق عندما أطفأ نار العود/ الظلام الذي شكّل غياباً تاماً للآخرين، لذلك هي قد أحضرت مشهداً يُغيّب تلك السلطات عندما غيّبت سلطة الأب واقعاً/ حضوراً، وهنا يشكل غياب الأب _تحديداً_ غياباً للسلطة الأبوية الذكورية، وبالمقابل حضوراً أنثوياً/ فدعته، التي يستغرق بموجبها في اللاوعي ويفضل عالم الأنثى الداخليّ على عالم الذكر الخارجي حتى يفقد هذا الذكر/ الأب سلطته تماماً فتغتنم فرصتها في الحضور عبر التخفي؛ كونه وسطاً ملائماً لنشاط الغرائز(19 ).kh-maysalon-11
إذ أصبحت لحظة غياب السلطة لحظة تحرر، عندما جعلت علة الغياب مرتبطةً بالحضور عبر حرف (الفاء) الذي يدل على الترتيب والتعقيب، فضلاً عن تغييب السّلطة الاجتماعية عندما أخذ الزمن النفسي عالمه، وهو الذي يشكل لحظةً نسبيةً بين الرؤية الواقعية والرؤيا الرومانسية التي تحمل مظهراً نفسياً، وهو وجود إحساس بعدم اكتمال العالم بعد(20 )، أي أصبح الزمن النفسي يتخيّر فضاء الحدث حتى يلائم الذات الأنثوية التي تؤهله بنفسها عبر حلول الليل وغياب سلطة الآخر، غير أن هذا الفضاء قد تلاشت ملامحُهُ من مجرد أن نادت أُختُها بها، حتى تفصل بين الوعي واللاوعي لحظةُ النفض: وهي زعزعة الفكرة وإزالتها ذهنياً(21 )، بمعنى أنه حلمٌ تحت السيطرة ” يديره الحالم فيتخيّل حركاتٍ وأصواتاً ووجوهاً ومفارقاتٍ لكن سرعان ما يسترسل الحالم بالحلم فيقف مشدوداً إلى المستجدات وهو داخلها وخارجها في وقتٍ واحد “( 22)، أي تماهي الحضور بين الوعي واللاوعي، فضلاً عن النفض الحركي/ الماء الذي عبر عن انتباه الذات وانتقالها نحو الآخر/ توفيق، وهنا تضارب بين الواقع الذي تمتثل لسلطته وبين الخيال أو فضاء اللاوعي الذي هو من يمتثل لرغباتها النفسية عبر إعمال الذهن وشرود الوعي حتى تحقق إشباعاً لا تستطيع تحقيقه واقعاً، أي إشباعاً تعويضياً لرغباتٍ مكبوتةٍ أو محبطة عن طريق الانغماس في الخيال حتى أنها عندما نادتْها (ليلك) استحضرت الحسناء والوحش الذي يتناغم وتوجهها النفسي لحظة حلم اليقظة لتدفع بالاسترجاع الداخلي المكرر أو التذكيري إلى الحضور؛ لأنه قد أعاد الحدث إلى ماضيه القريب للمقارنة بين مواقف ماضية وأخرَ حاضرة(23 )، ليحمل خطابها أنا/ حسناء، وهو/ وحش، لتقابل بين القوة/ هو، والعاطفة/ هي، ثم أن السياق الذي استدعى لفظة وحش هو المخزون الذاكراتي عندما أخبرها الأب أن توفيق يضع في محفظته صورةَ عمه المجنون الذي تزوج ست مراتٍ وأنه سيصير مثله إذا ما ظل ينظر إلى الصورة باستمرار، وكذلك عندما غازلها بقوله: أسنانك هذه سأقلعها ذات يوم وآخذها إلى الجواهري ليصنع منها قلادةً من اللؤلؤ فخشيتْ منه ومن كلامه الذي خلط بين الغزل والشذوذ لكنها لا تستطيع أن تمنع نفسها منه حبيباً(24 ).
وهنا أخذ الغياب/ الذاكراتي يحرك مسارَ غياب الوعي/ اللاوعي لما فيه من التأثير النفسي على توجهات الفرد، وهذا ما كان يحمله خطاب الأب الذي استحضر عمَّ توفيق المجنون ومن ثم عزز خطابه بأنه قد تزوج ست مرات، ليجعل من خطابه يحمل معنى آخر قصده، وهو رغبته في ابتعادها عن توفيق بإرادتها من دون أن تبقى متعلقة به إذا ما أراد أن يمنعها بالفعل الصريح، حفاظاً لشرف البيت وسمعته/ العرف الاجتماعي، ثم أن ملائكة قد استحضرت لفظة (الوحش) من جنون العم وغزل توفيق الشاذ، لتبرر لنفسها أن الجمع بينها وبين توفيق جائزٌ كما جاز الجمع بين الحسناء والوحش، الوحش/ الآخر الذي تدخل في صراع معه عندما يتخللها هاجس المنافسة عليه ولا سيما بعد أن صار مذيعاً وأنه سيصبح فتى أحلام الجميع، عندها ” اغتمت.. فتمنّت له العمى. وظلّ يقرأ وتمنّت له الخرس وظلّ يقرأ وتمنّت له الشلل وظلّ يقرأ “(25 ).
إذ أصبح تكرار (ظل يقرأ) استراتيجية يغيب عبرها الصوت الأنثوي فضلاً عن حضور الذات/ تمنّت أن تصارع الآخر لإثبات الوجود أمام السّلطة التي رفعت صوتها للدلالة على تسلّط الصوت الذكوري واستمراريته على الصوت الأنثوي، وما تحمله هذه الموازنة من تبعات تلتجئ بموجبها الذات الأنثوية إلى الغياب عبر المنولوج الذي تسعى فيه إلى تحطيم السلطة التي تتجسد في (البصر، والنطق، والحركة) حتى يتحول بموجبها الذكر إلى حضور شكلي، أي أنها لم تتمنَ له الغياب/ الموت الفيزيائي، بقدر ما أرادت أن تمنح لذاتها حضوراً يصارع وجهة نظر الأيديولوجيا التي ترى أن ” التحيز الجنسي دلالة على الاختلاف الواسع في القوة، ويجبر التحليل الأيديولوجي، بسبب وجهة نظره عن القوة، على وصف الذات الأنثوية بالضعف “(26 ).
لذا عمدت الأنثى إلى تغييب الآليات التي بموجبها تتم المفاضلة بيولوجياً، حتى تستحوذ على منصة القول التي تؤهلها، لقيادة نفسها على أقل تقدير، فضلاً عن قيادة المجتمع، على ما توفره نظرة ما بعد الحداثة من تقديم الفكر في السعي إلى التطور الحضاري والثقافي، لذا أخذ الموضوع غيابه تحت بُنية الحدث حتى يطرح خطاباً مقصوداً تحت آلياتٍ ظاهرةٍ يحملها النص، ولا سيما أن غياب الموضوع الذي يجسده الكاتب في النص الحاضر يتبع أسلوب التخفي حتى يبتعد عن المواجهة المباشرة إذا ما اتبع الأسلوب الصريح( 27).
إنَّ ميسلون هادي تلتفت في تقديم شخصياتها نحو الاشتغال على السلوك النفسيّ الذي يوجِّه الذات، وتصرفاتها؛ حتى تكشف عن الثراء العاطفي وكثافة النسج الأنثوي في تشكيل الذات المركبة في تفاعلها المعاشي، أي غياب واقعيّ لوعي يبحث عن حاجات الذات التي تدفع إلى الشّعور، والالتفات إلى الكينونة على أنها موجود بين الموجودات ولها الحق في تفعيل الطاقة الجنوسية التي تعتاش عليها بوصفها إنساناً/ أنثى متأقلمة مع تلك الهوية وتلبي صوتها الأنثوي، ولا سيما أن الإنسان المعاصر يبحث عن التحرر والخروج عن القيود التي تقف دون طموحه وإشباع حاجاته الروحية والوجودية(28 )، ذلك القلق الذي يشظي الذات، عندما عادت (بلقيس) إلى بيتها وقد انشطرت إلى نصفين ” نصف انتعل الخفَّ المنزليّ وذهب إلى المطبخ، ونصف بقي حافياً وهو ينظر إلى مرآة مكسورة ويبتسم. ومرَّ عام كامل بعد ذلك اليوم والنصفان لا يتحدان.. نصف يقف خلف حوض الغسيل وماء الحنفية ينهمر على الصحون، ونصف يرسل نظره من النافذة إلى الحديقة وأشجارها القريبة من السياج المحاذي لبيت الفنان “(29 ).
فالغياب هنا يتأرجح بين الوعي واللاوعي عبر التأثيرات الغائبة/ الخارجية التي حددت مسار الوعي المتشكل عبر الورقة التي تلقتها بلقيس من الجار عبد الملك والتي توحي بسياقها الغرامي( 30)، حتى تغوص الذات بموجب هذا المشهد بحثاً عن التوازن النفسي/ الداخلي عندما تفقده خارجياً بموضوعيته، بمعنى أخذ اللاوعي يعمل لإنتاج الذات والتعرف عليها بموجب سياقات الوجود الأنثوي، حتى أصبح المكان يأوي كلَّ نصف على حدة، وكلُّ مكان قد تناسق وشعورها النفسي الذي أحاط بها، إذ عبّرت عن مكان صاحبة المنزل بـ(المطبخ) الذي يلتصق بها وهو بدوره يحمل دلالة الانصياع والاهتمام بالعائلة/ الحفاظ على السلوك الاجتماعي والابتعاد عن هوى النفس الواهم، ثم عبّرت عن المكان الغرامي بالامتثال للمرآة المكسورة التي تحمل دلالة الوهم وتشويه الحقيقة؛ لأن (الأنا) إذا ما فقدت طبيعتها الحية المتمثلة بممارسة الحرية والقدرة على تشكيل المستقبل، فضلاً عن إثبات الإنسان ذاته الحقة عبر المسؤولية واتخاذ القرارات(31 )، تصبح هشة الحضور بلا فاعلية تقدمها، ثمّ أن اختيار المرآة المكسورة هو انعكاس للواقع المعاش الذي لا تكتمل فيه الصورة كما تشاء هي بين الرغبة الحقيقية في لقاء الآخر، وبين الخشية، ليصبح الخيال الذي يقف خلف المرآة غائب الإنتاج يتبع النرجسية والوعي المصطنع، حتى جعلت الراوية من المكان هو الآخر ينشطر إلى نصفين تبعاً لانشطار الذات وفاعلية الشخصية عندما أخذ كلُّ نصف منهما مكانه الخاص عبر الازدواج المتلازم، ويتضح هذا عندما كررت الراوية سلوك (بلقيس) بأسلوب المقابلة الذي يبرهن دوافعها وفاعليتها المهنية، ففي النصف الأول نجد ألفاظاً مثل (انتعل) الذي بدوره يدل على الفاعلية مع المكان ويحدده لفظ (مطبخ) مكان أنثوي يلازم وجودها، بوصفها صاحبة منزل عندما تصبح مهنتها فيه (غسل الصحون) وهو عمل تحدده الهوية الثقافية عبر السياق الاجتماعي المحلي، أما المقابلة التي نجدها في النصف الآخر والمتمثلة بـ(بقي حافياً) أي بقي حافياً نفسياً/ معنوياً إذ لم تكترث لأعمال البيت التي تتعلق بها اجتماعياً ويصبح اهتمامها بسراب الحقيقة ومكان الذات عندما تنظر إلى (المرآة المكسورة) العتبة المحسوسة التي تغيب بوساطتها إلى أغوار الذات، حتى يصبح المدلول غياباً نفسياً/ حضوراً أنثوياً في مسار حلم اليقظة الذي يفتح فضاءه الفسيح، وهو عمل ذهني يجعلها ترسل نظرها بعد ذلك من النافذة إلى أشجار الحديقة القريبة من(بيت الفنان) الذي يقابل الصحون في النصف الأول.
وهذا الانشطار المتعاكس بين النصفين قد غيّبها وعياً حتى عن ابنها الوحيد (يحيا) الذي شهق عندما رأى المرآة في حقيبة أمه، ولا سيما أنه كان يحبها كثيراً بعد أن افتقدها منذ شهور، وهذا ما يعبر عن المشهد الأنثوي الذي يتقلب بين أطوار الغرام والأنانية والخوف والإحجام والإقدام تبعاً لتغير المواقف الحياتية المتباينة( )، لتحمل المرآة رمز استحضار الذات التي تبحث فيها عن الجمال/ صفات الأنوثة أو ما يجعلها أنثى في منظار الآخر/ الرجل، لأنها قد كررت ذلك في حكاياتها التي أحضرتها وهو سؤال المرآة عن أجمل النساء فترد قائلة: أنتَ، أما رمزيتها عند الرجل فهي تمثل القوة والاكتساء بالشجاعة( 32).
تلك الصفات التي تتطلبها الهوية الفردية، التي لها سلوكها وطموحها ورغباتها الفكرية والسلطوية الاجتماعية تبعاً لتكوينها البيولوجي الذي يدفع الأنا أمامها بأن تبلغ ذروتها، حتى تغيب لتُغيّب معها الفضاء المحيط بها وذلك عندما كانت بين محال الكماليات ثم ” بعد دقائق وجدت نفسها تمشي بين المشاتل والبساتين التي تشاطئ دجلة من جهة الرصافة، وتشمّ عذوبة العشب المبلل وتذوق طعم الهواء الطلق الذي يسبح تحت قميصها الفضفاض وينشر عطر الياسمين من ملابسها إلى الفضاء “(33 )، إذ إن عبارة (بعد دقائق وجدت نفسها) لحظة وعي وإدراك، كشفت فيها عن غياب الوعي الذي أنتجه غياب التفاعل مع الواقع الذي لا يمتثل لأنوثتها حتى تجد نفسها مع المشاتل والبساتين امتثالاً للهوية والتفاعل السلوكي الذي يوجه الذات تبعاً للعاطفة التي تتخذ لها مشهداً يشاطئ دجلة لتتراسل حواسّها حتى تعطي للمشمومات عذوبة بدلالة الاستساغة من الأشربة والأطعمة( 34)، فضلاً عن التذوق الذي يختص بالمأكول والمشروب لمعرفة طعم الأشياء.
هنا أخذت الدلالة تنزاح _عبر السياق_ عندما جعلت للهواء مذاقاً حتى تعطي للذات هيئة التعاشر الأنثوية، العطشى إلى العاطفة مادياً عبر حضور الشكل/ الجسد، ومعنوياً عبر الحواس التي تواشجت فيما بينها لتشكل التجانس بين الروح الأنثوية والمشاهد المحيطة بها التي أعطتها قُبلة الحياة عندما أخذ الهواء تجدده في اختراقه ملابسها ليسبح بعد ذلك في الفضاء ناشراً عطر الياسمين/ المحبة والسلام والعاطفة الأنثوية، عبر علامة النشر/ الولادة التي تديم بها الحياة وتجددها فضلاً عن فقرِها عندما ” اكتشفت في نهاية ساعة من المشي داخل البيوت الزجاجية وخارجها أن تنورتها السوداء الوحيدة قد ابتلّ ذيلها وأن حذاءها الوحيد قد اتسخ بالوحل، ولكنها كانت سعيدة للغاية إلى درجة أنها ضحكت مع نفسها، فخجلت من سعادتها وقالت: ضحكة خير وشرها على إبليس “(35 )، إذ حدد الفعل (اكتشفت) المسافة الزمنية التي كانت تستغرقها غيابا؛ لأن الكشف ” رفعك الشيءَ عما يواريه ويغطيه “( 36)، وهنا جعلت الراوية فعل الكشف الفاصل بين اللاوعي الذي غُيّبت معه الأحداث في الشكل السردي لحضورها مضموناً في الذاكرة الثقافية، وبين الوعي الذي أصبح بموجبه الإدراك يشعرنا بحضور الأفعال الغائبة التي كانت نتيجتها أن ابتلّ ذيل التنورة الوحيدة واتسخ الحذاء الوحيد، فضلاً عن حضور السخرية التي رافقت سعادتها عندما ضحكت لسرورها مجسدة المثل الذي يلتزم بذاكرته البسيطة عندما تستدعي المفارقة بين المتضادات خير/ شر، وهو أن الواقع الذي تعتاشه الذات قد أصبح يبحث عن التعويض والمقايضة، أي ليس هناك شيء يُؤخذ إلا وآخر يُعطى بالمقابل، عبر بواعث القلق/ الحزن/ التنورة السوداء والحذاء الأسود، التي تمنع اكتمال السعادة، إذ أصبح الخطاب الأنثوي يتخذ آلية التحدي غير المجدية لعله يتمرد على كفة القهر والحرمان التي تُفجع بها، حتى أخذ الغياب يشتغل بازدواجية ليؤطر الفضاء مضمونيّاً عبر آليات الخطاب التي يوحي بها السياق، متشكلاً بملامح الأنا الأنثوية عبر أفق التلقي الذي يكشف عن عالمها وتفاصيل الطبيعة التي تمتثل لها، والطقوس التي تأخذها إذا ما اغتربت عن الآخر، أو لحظة نشوتها بحضوره وزهوها لاستقدامه( 37)، لتتجاهل مطبات الحياة التي تعتريها عندما أردفت الراوية لفظة (وحيد) لتشعر القارئ أن الأنا الأنثوية قد جازفت بنفسها وجودياً عندما أصبحت لا تكترث لأي شيء يقف أمامها من مثل فقرها، وحزنها، ومجتمعها، واقعها، ثم أخذ حضورها الذي يمتثل للذات يغيّبها وعياً عندما ” وصلت إلى البيت بعد ثلاثة أشهر من الربيع وهي تحدث نفسها بحبور، وعندما دخلت إليه خلعت حذاءها الموحل خارجاً على عجل وجلست على سريرها تنظر إلى قدميها الحافيتين وتتذكر كيف كان منصور يقبل أطراف أصابعها …. عندما كان يتعذر عليها أن تفعل ذلك بنفسها في أشهر حملها الأخيرة بيحيا. وها هي تعود راجلة بصحبة شبح رجل آخر تيقنت من أن كل الناس قد رأته يمشي معها عندما قال لها توفيق:
– رأيتك تمشين قريباً من المشاتل، وناديتك فلم تسمعيني.
فقالت بلقيس لعله رآها تحدث الشبح الذي كان يمشي معها، واختلط عليها الأمر فكادت تصدق أنها لم تكن تمشي وحدها “(38 ).
لا شك في أن الأنثى تشتد حضوراً إذا ما امتثلت لذاتها، ولا يكون هذا الحضور إلا في اللاوعي عبر الغياب، ولا سيما أن الوعي يشتت وجود الذات نتيجة للمتناقضات التي تعتاشها، لذا أصبح الغياب/ اللاوعي هو الفضاء الأمكن لوجودها حتى يشغل مساحته الملحوظة في الخطاب الأنثوي، وهو ما تنغمس معه لما فيه من السرور والسعادة والاستحسان التي تحمله دلالة اللفظ بحبور(39 )، فضلاً عن (الربيع) الذي أُردف لوصف الزمن الغائب الممتد ثلاثة أشهر، وهو ما يحمل دلالة الرضا والتكامل الأنثوي عبر الآخر، الذي يبقى العنصر الفعّال في توجهها السلوكي لتحيي الذاكرة التي بموجبها حضر منصور نتيجة لتراكم اللاوعي، حتى تُشيّد حضوراً على أنقاض/ ذاكرة الماضي التي لا تموت/ تغيب، أي أنقاض منصور الذي ارتبطت بها عبر دلالة الحزن، والحياة الجديدة التي تطمح إليها في ظلال الوهم/ الشبح الذي كانت تحدثه، وهو ما يقارب الحقيقة عبر فعل المقاربة (كاد) حتى يصبح الغياب هو الفضاء التعويضي، الذي بموجبه رافقت المشاتل كناية عن الحضور الأنثوي الذي يتعزز ذاتياً عبر الآخر فهي ” تطيل النظر إلى نافذة بيت عبد الملك من خلف رذاذ الماء المتطاير بين وجهها والهواء وأوراق أشجار النارنج التي تحاذي السياج الفاصل بين البيتين. كان الرذاذ بارداً يملأ الجو برائحة فقاعات ماء تتفجّر عن ذراتٍ من التراب تطايرت عن أوراق الأشجار واختلطت بذرات الماء، ثم ذابت بعذوبة وفاحت رائحتها الطيبة من طيات الهواء المرشوش بالماء “(40 ).
إذ تتداخل ميسلون هادي في آليات السرد حتى تستحضر الفضاء الذي بدوره ينبئنا عن السلوك والحال أو الهيئة التي تقف عليها الشخصية عبر المشهد العاطفي والعلامات التي تحرك الذات شعورياً حتى يأخذ المشهد دلالته السيميائية من مجرد النظر إلى النافذة بوصفها دالاً يوصل إلى قصدية البصيرة العاطفية التي يتوج خلفها عبد الملك/ المعشوق.
إذ لم يرتكز وصف المشهد على تمثيل الجسد/ البعد المادي، بل أصبح التركيز على الجانب المعنوي/ اللامحسوس وهذا ما يدفع دفة الغياب حتى يؤهل الخطاب الأنثوي في (نبوءة فرعون) من أنه يبحث في ما وراء القصد وما وراء الحس/ المادة/ الغريزة، إذ لم يكن الجسد _تحديداً_ هو الفاصل البيولوجي الوحيد بين ما هو أنثوي أو ما هو ذكوري بقدر ما تكون هناك روح تتفاعل معه أو تتكامل حتى تصبح الأنثى ذاتاً مكنونة بقدر ما هي جسد/ سلعة مكشوفة.
لذا نلحظ أن الغياب/ اللاوعي له حضوره الملح في إبراز الشخصية الأنثوية، فضلاً عن تغييب الوصف المادي/ الجسد الذي لم تظهر ملامحه الفيزيائية الصريحة لطغيان الجانب الروحي الذي يحمل هوية الأنثى عبر العاطفة والحمل والولادة والأمومة … الخ، وهذا ما يُعيد آلية ترتيب الوعي الثقافي المتداول عندما أصبح التركيز على المرأة على أنها جسد فقط يحمل شكله الجمالي الشيئي وتغييب الروح الأنثوية التي نُفخت في هذا الجسد الإنساني(41 ).
ومن هنا يصبح الوعي السردي الأنثوي واضعاً ضمن حساباته الثقافية إشكالية الجسد الأنثوي الذي أخذ يشكل ظاهرة موضوعاتية في آليات التشكيل السردي، بمعنى أن الوعي أخذ يشتغل على تهميش هذه الإشكالية، لطرحه الروح التي تتمتع بها الأنثى، حتى شكلت ظاهرة في رواية نبوءة فرعون.
فالنافذة تشتغل لتشكل فسحة من الأمل التي ترتقبها الذات الأنثوية عبر آليات السعادة التي يوحي بها الوصف؛ لأنه تقانة من تقانات التقديم السردي لتمثيل الأشياء أو الحالات أو المواقف أو الأحداث في وجودها ووظيفتها، وهو ما يتحاشى الجمود ليعطي الحياة لمن لا يملكها، فضلاً عن بيانه للعلاقة التي تربط الموصوف بالفضاء المحيط(42 )، فهنا أصبح الوصف للمشهد المكاني يعكس شعور الشخصية وتواشجها بهوى اللذة التي تعتاشها، ولا سيما أن السعادة هي من تحيي المكان وتعطيه قبلة الحياة وهذا ما أوحت به الراوية عندما كانت (بلقيس) تتوقف أمام أحد المتاجر التي تبيع أدوات الزينة حتى تتفحص إناءً من الكريستال الذي ” يدعوها إلى النظر إليه قدر ما تستطيع، وربما يدعوها في هذه المرة إلى تفحصه كما يفعل المشترون عادة من ذوي الثقة المفرطة بالنفس أو العابرون من أصحاب القلوب السعيدة”( 43)، إذ شكّل حرف التخيير (أو) توازنَ اكتفاءٍ ما بين الثقة المفرطة بالنفس وبين أصحاب القلوب السعيدة، وتصبح السعادة هي من تعيد استمرارية الحياة وبها تتشكّل ألوانها المختلفة، لذا أرادت الكاتبة أن تكشف عن الذات الأنثوية عندما جعلت مصدر سعادتها هو الآخر، فبه تولد حتى يبادلها الكون شوقاً بأذن صاغية وتعرج على محال الزينة والمشاتل والورود( 44)، لما للنفس من توجه غريزي لبحثها عن اللطف والعاطفة، حتى تستشعر أنوثتها التي بها تستمد حضورها وغيابها في الوقت نفسه ومن ثم غياب التفاعل مع المحيط عندما تلاشت العلاقة ما بين بلقيس وعبد الملك حتى تعود بلقيس من دائرة عملها إلى البيت ” مشياً على الأقدام … وتواصل السير بين المشاتل على عجل محاذرة، وهي تمشي بين السواقي وأكوام التراب، أن يتلوث حذاؤها الأسود الوحيد بالوحل أو أن تتبلل تنورتها السوداء الوحيدة بالماء … لكنها لم تنس المرور بآنية الكريستال … فلما وقفت أمام واجهة محل التحفيات وجدتها لا تزال هناك تغطيها طبقة من الغبار… وظلّت بلقيس لعدة أشهر تسير ولا شبح قربها يسير ولا هواءً طريّ يهبّ من حولها، ولا الكون يبادلها شوقاً بأذن صاغية “( 45).
إذ أخذ المشهد غيابه مع غياب الذات، حتى يصبح المكان شيئاً من الأشياء التي تمر بها عامة الناس، وأصبح الفعل السلوكي يحرك ذاكرة الحدث حتى يعطينا صمت المكان وإغلاق البهجة الناضرة التي كانت عليها محال الكماليات وأدوات الزينة، كشفاً عن شعور الشخصية ولا سيما أن ” كثيراً ما يفصح الفعل أو العمل عن أشياء لا يستطيع الكلام إظهارها أو تفسيرها”(46 )، وهنا أصبح حضورها مرتبطاً بالآخر فهو من يدفعها إلى الأمام إذا ما أرادت التفاعل، وبه تضمحلُّ إذا ما تخللها هاجس الانفصال.
فالخطاب الأنثوي أصبح يشتغل عبر المقارنة بين الاتصال والانفصال حتى ينتج الشعور المتناقض بين المتناقضات التي تعرقل آلية التقدم في إثبات وجود الذات بوصفها ذاتاً والمكلل بإثبات الآخر لها بوصفه (هو) وبموجبه تأخذ الحياة طبيعتها وتفاعلها المستمر، فضلاً عن كشفه عن الشعور الأنثوي الذي يرقد في أعماق الذات بوصفة الطاقة المحركة لآلية التفاعل ما بين الجنسين، الأنا/ الفرد/ الأنثى، والآخر/ الذكر، وليس الكل/ بوصفها امرأة عموماً، أي أن بلقيس قبيل اقترانها بالفنان كانت تمثل الأنثى بشكل عام دون خصوصيات فردية بدليل أنها كانت تنسى مرآتها/ نفسها( ) الأنثوية، والتي استمدت حضورها عبر الجار الفنان ذي الخنصر المبتور، ثم أن بتر الخنصر يتناغم مع عنوان الفصل الثاني للرواية ” أربعة(47) أصابع “(48 )، لتجعله طاغياً يحمل دلالاته المكثفة التي تتحدد حسب السياق الممتد في الرواية، منها ما يدل على النقص الفيزيائي عند بتر الخنصر ليد الجار ليبقى مستحوذاً على أربع أصابع في يده وهذا تشوه خلقي يبعث على الاستغراب والانتباه.
غير أن التشوه يأتي في سياق آخر ليدل على مسافة المكان المعنوي الذي يفصل بين الصدق والكذب وذلك عندما سأل توفيق أمه عن الكيفية التي ماتت بها أم ملائكة جارتهم(49 ):
– هل صحيح أن أم ملائكة قد ماتت قبل أن ينتقلوا إلى هذا البيت، بعد أن رمت نفسها من السطح العالي ؟
قالت هنية:
– والله يا ابني بين الصدق والكذب أربع أصابع، كما يقولون.
إن بقاء اليد بأربع أصابع بشكلها الحقيقي وبين المثل الذي مثّل المسافة المحدودة بين الصدق والكذب التي لا تشكل مسافة يمكن أن تشكل فارقاً كبيراً لعزل الصدق عن الكذب هي بحد ذاتها مسافة مقصودة للتقليل والتباس الحقيقة بالزيف، ومن ثم هي تشويه للحقيقة وهذا ما قصدته هنية عبر هذا المثل الذي عبّر وجهة نظرها بعدم إثبات الجواب لسؤال توفيق، لتستعين بوجهة نظر بلقيس التي تراه سبباً ” في انتقالهم من بيتهم القديم إلى هذا البيت “(50 )، عبر التجربة النفسية التي تسقط على سبب تغيير المكان تبعاً لتعلق الشخصية وجودياً واجتماعياً به( )، عندها أصبح سبب التغيير، هو بمثابة الحجة لدعم الطرح الذي سأل عنه توفيق، لما في المكان من الثبات الوجداني، فضلاً عن كونه يلملم شتات الذكريات القديمة التي تلازم عمره (القديم)، لذا جعلت الكاتبة من الوحدات السردية ما يكشف عن موقع بلقيس/ الأنثى في فضاء الحدث، فطالما أن الأصابع الأربع هي مدعاة لتقليل المسافة فإنها تنزاح دلالياً حتى تمثل الطموح الذي تسعى إليه الذات الأنثوية وهو ما يتجسد في عبد الملك/ ذي الخنصر المبتور/ غاية يتماهى فيها الطموح، حتى تصبح المسافة لا تركن الذات على جهة من الفضاء عندما أخذت تتماهى بين الوعي واللاوعي/ انشطرت إلى نصفين.
إن لهذا الحدث آلية في إيقاد غياب الوعي لدى يحيا؛ لأنه فور أن سمع سبب موت أم ملائكة أخذ وعيه يشتغل وجودياً عن الكيفية التي يموت بها الإنسان نتيجة لتعلق ذاكرة الحدث ذهنياً، وذلك عندما ” صعدت بلقيس إلى السطح وهي تحمل بيدها سراحية ماء. ورفعت حبل الملابس الذي كان خالياً تماماً، ومرت من تحته ثم مضت إلى السياج ووضعت السراحية عليه ثم عادت إلى يحيا وسألته:
– ها .. ألم تنم بعد؟
ثم سحبت بطانية إلى سريره المعدني وغطته بها:
– الدنيا أخذت تبرد.. تغط جيداً.
جلست على فراشها الممدود على الأرض قريباً من شاكرين ورمت بظهرها على الحائط، فراح الحائط يتراجع إلى الخلف وينهار. سقطت بلقيس إلى الأسفل، فسمع يحيا من مكانه على السرير المعدني صوت ارتطامها بصبة الحديقة الكونكريتية “(51 )، فهنا أخذ الوعي بحقيقة الواقع يحرك آلية الغياب عبر اللاوعي الذي أخذ تناميه ومزجه بالذاكرة عبر العناصر الإشارية التي ” تقدم معلومات لا يمكن فهمها إلا لاحقاً وغايتها ربط جزء من النص بجزء آخر “(52 )، أي أصبح حضور الحدث الذي ماتت عليه أم ملائكة هو ما يأخذ قصديته لاستراتيجية إيصال فكرة الموت/ الغياب حتى يختمر في ذاكرة يحيا، وتلك من المميزات التي امتازت بها ميسلون هادي عندما تدمج الوعي باللاوعي/ الواقعي بالخيالي، حتى تعطي الغياب مساحة من الحقيقة والتدليل السردي الذي يتماهى فيه الحدث، حتى أخذ الإيهام السردي يتعزز لدى وصوله إلى المتلقي، طالما أن الأدب عموماً ولا سيما الرواية ” ليست هي العودة إلى عالم الواقع بل إنها خلق عالم مستقل له خصائصه الفنية التي تميزت عن غيرهِ “(53 )، ثم أن ” نجاح الروائي يعتمد على جعل قارئه يقبل ما يبتدعه على أنه هو، وصادق وليس صادقاً بالمعنى الواقعي الضّيق، ولكنهُ صادق بمعنى أن الفنان يسيطر على خيالنا سيطرة تجعلنا نتوقف عن النظر إلى العقل على أنه المعيار الوحيد للحقيقة ونتوجه نحو إبداعه بكل قدراتنا في وقتٍ واحدٍ “(54 )، حتى قيل إن الفنانين أو المبدعين الكبار هم من يفرضون على الناس أو متلقي الإبداع وهمَهم( 55).
لذا فإن المشهد أخذ واقعيته عبر زج الواقعي والمتمثل بـ(ها ألم تنم بعد؟) لما له من الاستدلال على اليقظة التي كان عليها يحيا، وإن الحدث الغائب استضيف ذاكراتياً لكي يعاد بأشخاص جدد، فضلاً عن جعل اللاوعي يشتغل على أرضية الواقع، حتى يتم التماهي بين ما هو واقعي وبين ما هو خيالي خارج منطق العقل ويحتفي باللامعقول.
تلك قصدية المراد بها التعبير عن التناقضات التي امتزجت في بعضها البعض حتى أخذ الشعور يغترب عن الواقع وينفصل عن آلية التواصل، إذ إن حضور الشكل/ الجسد لم يحقق تواصلاً مع الوعي بقدر ما استخدم بوصفه وعاءً عندما ” انقلب على وسادته وتلفت يبحث عن أمه، ولما وجدها مستيقظة وظهرها مسند إلى الحائط ورجلاها مبسوطتان … طافت برأسه أم ملائكة التي لم يرها قط .. قال في نفسه: ما معنى أن تسقط من السطح وتموت؟ ولماذا ماتت بعد أن سقطت من السطح ؟ وأين هي الآن ؟ ولماذا لم يعد يراها أحد؟ .. واستنتج من تلك الحادثة التي سمعها مراراً وتكراراً أن كل الناس يجب أن يسقطوا من مكان عالٍ لكي يموتوا”( 56)، وهنا أصبح حلم اليقظة يبحث _مستفهماً_ عن فكرة الموت عبر القلق الذي ولده حادث الموت لأُم ملائكة، وهو ما يأخذ كثافته عبر المنولوج الداخلي لكونه آلية في خطاب النفس غير المسموع/ المنطوق الذي تعبر به شخصية عن أفكارها الحميمة والقريبة من اللاوعي، فضلاً عن وفرة التفاصيل التي تفيد بها المتلقي، وبيان سلوك الشخصية(57 )، الذي عبر عن التوتر المكتظ بالأسئلة حتى تبحث عن كيفية حدوث الموت وماهيته، ولا سيما أن المصاب بالقلق يشعر بأنه “يعيش في حالة توتر دائمة، في جميع مجالات حياته. على سبيل المثال، قد يشعر بأنه قلق جداً حيال أمنه الشخصي وأمن أحبائه، أو قد يتولد لديه شعور بأن شيئاً سيئاً سيحدث، حتى إذا لم يكن هناك أي خطر محسوس “( 58)، فضلاً عن كون الخطر يؤطر الأحداث وهو الذي يدفع القلق إلى التفاعل، الذي يتشكل من الصورة الحسية وهي الأساس في جميع عمليات الذاكرة الشعورية المركبة، إذ إن حضور اللاوعي لإعادة صورة الوعي هو من آليات الذاكرة التي تحاول إعادة الصورة الأصلية للرؤية البصرية، حتى تستمر الرؤية العقلية في تناوش الصورة التي قاربت على الاضمحلال في الذاكرة( )، ثم إن حضور اللاوعي لدى يحيا هو ارتباط واقعي ينقله إلى حيز آخر يغيب فيه الزمن مع غرائبية المكان، نتيجة الخوف الخارجي الذي ارتبط بالوعي عبر تداعي الحدث، إذ إن الواقع قد حدد مشهد اللاوعي عبر انشغال الذاكرة اللاشعورية بمشهد من مشاهد الحياة وبالتالي، سقط التأثير حتى اختلط الوعي باللاوعي، أي حضور التأثير عندما حلم بأُمه وقد سقطت من على السطح وغياب الأثر الذي نتج عن كيفية موت أم ملائكة التي سقطت من مكان مرتفع.

أحلام المنام (الغياب مناماً):
تلجأ الذات إلى الأحلام عندما يصبح الواقع الذي تعيشه صعب المراس يضايق الغايات التي من أجلها وجدت الذات فضلاً عن غايتها الدينية(59)، هناك غايتها الحياتية/ الاجتماعية التواصلية التي بموجبها يتفاعل الفرد مع المجتمع حتى يتم الإنتاج وفق الهوية التي يحددها الجنس، غير أنه إذا ما غاب/ فُقِد هذا التواصل فإنه سوف يفتح فضاءً يلملم شتات الذات حتى تسقط مكبوتاتها ورغباتها اللاواعية عبر الحلم/ التخفي الذي يشتغل تحت ضغط الحاجات السيكولوجية التي تمتثل لغرائز النفس المتعددة وتهدف إلى مكافحة التوتر على أرض الواقع(60 ).
ويُعد (فرويد) أول من وضع الأسس العلمية لتفسير الأحلام، إذ ذهب إلى أن الأحلام تنتج عن الصراع النفسي بين الرغبات اللاشعورية المكبوتة والمقاومة النفسية التي تسعى لكبت هذه الرغبات اللاشعورية، ومن ثم فإن الحلم عبارة عن حلّ وسط أو محاولة للتوفيق بين هذه الرغبات المتصارعة( 61)، ولا سيما أن النوم هو حالة ضعف خاصة بالأنا، وتقوية للحوافز الصادرة عن الانفعال اللاواعي( 62)، لذا يُعرَّف الحلم بأنه ” نشاط تفكيري يحدث استجابةً لمنبه أو دافعٍ ما، وهو عبارة عن سلسلة من الصور أو الأفكار أو الانفعالات التي تتمثل لعقل المرء أثناء النوم، وقد وصف بعضهم الأحلام بأنها مسرحيات تحدث في الذهن وتصور بعض الجوانب اللاشعورية من حياة النائم “(63 ).
إن ميسلون هادي تستخدم هذه الخاصية البيولوجية في خدمة الخطاب الأنثوي حتى تمنح البناء السردي تشكيله الطبيعي الذي يحاكي الواقع، فضلاً عن التمرد عليه عندما تتخذ الذات واقعاً آخر يمتثل لها ويسمح لها فيه بأن تمارس طقوسها، ولا سيما الأنثوية، عندما تكشف الراوية، عبر رؤية الراوي كلي العلم، الرغبةَ الأنثوية التي اتخذت من الحلم مساراً يحتفي بها حتى تغوص في ” كل يوم قبل أن تغمض جفنيها وتنام.. يجتمع الكثير من الفتيان الذين تلتقيهم في الطريق حول سريرها ويمرون من أمام عينيها كعارضات الأزياء في حفل بهيج، ثم يسيرون ويخرجون من باب الغرفة الواحد بعد الآخر إلا توفيق، فانه يبقى ناظراً إليها في حفل كبير مبتسماً ابتسامته التي لا تنتهي، ثم داعياً إياها للرقص في منتصفٍ الليل “(64 ).
ومن هنا يتخذ الغياب تبئيره العمودي، عبر أفقية الخطاب، الذي تشكل من المتخيل السردي ثم غياب الوعي لشخصية الحدث الذي اتخذ تبئيره الزمني/ منتصف الليل، ولا سيما أن مثل هذه العلاقات هي ” أشبه ما تكون بالحفرة، الباطن، العمق، العين، الرؤية المستبطنة، اللاوعي، الفكرة، العقل، العمل، الإدراك، الحدس بل هي كل ما هو كائن في مكان قصي مجهول، وعندما يبدأ انسكابه على العالم الخارجي بفعل قوى الإنسان والطبيعة، يشكل الوعي به ويبدأ تاريخ الأشياء. في كل بئر، ثمة قلق وخوف، إرادة وشوق. ثمة من يحزن أو يفرح. وثمة من لا يفعل شيئاً بانتظار غير مقصود “(65 )، وذلك عندما يصبح لكل شيء بئر تمتد فيه النفس، حتى تنشر حاجاتها بهذا الوعاء المغلق، ولا سيما حاجاتها العاطفية الخاصة التي تنمو تخفياً عبر الأسرار والتفتيش عن الكوامن(66 )، لذا أصبح هاجسها (هو/ الحبيب) عبر لفظ (كل يوم) الذي عمم إطلاق الزمن، وعياً/ قبل أن تغمض جفنيها، ولا وعياً بعد أن تغمض جفنيها.
فالجفن هنا نقطة الانتقال ما بين الوعي واللاوعي حتى يحدد شدة انشغال الذاكرة، وهذا بدوره يجعل من توفيق/ الحبيب حاضراً في الحلم نتيجة التفكير الشديد الذي أخذ تناميه ليوحد ذاكرة الوعي واللاوعي حتى يشكل وجود توفيق أملاً مرتقباً، عن طريق الأحلام التي وظفت سردياً لتحمل وظيفتها الثقافية عبر تفكيك رموزها المكثفة، ولا سيما أن الروائية قد استبعدت توظيف الرمز الجنسي حتى تمتثل للتابو(67) المهيمن على العقل السردي الذي يحجب الإفصاح والبوح الذي شاع في الخطابات الأدبية ولا سيما السردية وهو كون وجود المرأة في العمل الأدبي رمزاً للتمثيل الغريزي حتى تصبح بموجبه الأنثى/ المرأة في منظار الآخر/ الذكر عبارة عن جنس/ خطيئة، فضلاً عن تأطير الفكرة التي يحملها الخطاب الأنثوي وهي البحث عن الشعور والإحساس بالكينونة الأنثوية وقضية وجودها، إذ أخذ الوعي السردي ينتقي رموزه ليوظفها في لا وعي الشخصية الحالمة عبر توظيف (الرقص) الذي يدل على السعادة المؤقتة والفرح القلق( 68)، عبر زمن الحلم الذي تحدد في منتصف الليل، وهو ما يأخذ رمزيته المكثفة التي تحددها السياقات المرافقة للخطاب، ثم أن حضور الليل في هو ” سلطان، أو ظلم وتعب وسفر، وضياع حقوق، وطمس حقيقة، وربما دل على السجن “(69 )، فضلاً عن (منتصف) وهو ما يحمل ذروة العبء الذي تطمح الذات بأن تتخلص منه في زمنها القادم حتى تصل إلى نهاية هذا الليل/ الغياب.
إذ أخذ التوظيف يشتغل لبيان الضمور/ الغياب الأنثوي من قبل الآخر؛ لأنها هي من تحلم، حتى يصبح ائتلاف الرقص مع الليل هو تشكيل بصيص أمل/ فرح ترجوه الذات الأنثوية تحت سلطة الآخر/ الليل، ظلم، ضياع، طمس، سجن، فضلاً عن تنامي توظيف الآخر في الخطاب الأنثوي الذي يتعدى كونه ذكراً، إلى كونه معادياً عبر عنوان الرواية (نبوءة فرعون)، ولا سيما أن النص الأدبي منفتح الدلالة لا يقف على معنى واحد فهو يبقى ثريّ المعاني عبر الزمن( 70) بمعنى أن فرعون هو الطاغية/ السلطان الظالم الذي سلب حقوق الناس وطمس حقيقة التوحيد التي جاء بها موسى _ عليه السلام _، وهو ما يشتغل عبر محاكاة القص القرآني، ليصبح يحيا/ العراق حقيقة أرادت به القوة الطاغية/ أمريكا أن تطمس حقيقته، غير أن الغياب يأخذ تماهيه في شخصية يحيا حتى يفتح أبواب المستقبل على مصراعيها عبر العنونة التي حملتها الفصول داخل الرواية كما في الفصل الأول ” هو ذا صاحب الأحلام قادم”(71 )، فضلاً عن عنوان الفصل الثالث ” حلم + علم “( 72)، حتى توجه أنظار الأمل إلى المستقبل الذي رمزت إليه العنونة، ولا سيما أن الأحلام أحياناً تحمل معنى النبوءة عبر رمزية الأحداث التي تحملها( 73)، وهذا ما يتماس مع يحيا عبر التدليل الذي يحمله بوصفه يستبق الأحداث قبل وقوعها كما تصفه هنية ” وأنت صغير كنّا نظن أنك أخرس .. وها أنت تحلُّ الحساب وتقرأ كاللبلبان، وتسمع أشياء لا نسمعها “( 74)؛ لأنه أمل الخلاص المنتظر عبر (العلم) الذي يأخذ حقيقته المطلقة في الزمن الغائب ولا سيما أن ميسلون هادي قد أوحت بذلك عندما قالت: ” أحمل الهم الإنساني بمعناه المطلق.. وأحاول إيصال رسالة مفادها أن الحياة يجب أن تعاش من خلال أداء الواجب.. ومن هذه النقطة يبدأ الطريق لبلوغ السعادة.. التي ربما يصل إليها الإنسان أو لا يصل أبداً “(75 ).
إذ جعلت الغاية مطلقة يحددها الغياب المطلق حتى أصبح فيه الخط السردي ينحو منحى غير مرئي لعملية الوعي والإدراك العقلي، وبه أخذ الخطاب ينمو ويتطور عبر الخيال/ اللاوعي حتى تُفدي الواقع برؤيته المتناقضة كما الشكل السردي أخذ تناقضه، وهو ما يعج برموزه ودلالاته المستلة من الشارع المعاش واقعاً، وبما أن الكتابة هي اختيار للمساحة الاجتماعية، التي يقرر الكاتب أن يضع فيها طبيعة كلامه، فإنه عن طريق اللامعقول يحاول الكاتب أن يبتعد عن الواقع للاقتراب منه أكثر، عبر الواقعية السحرية التي تضخمه وتعطيه تكنيكاً فوق عقلي(76 )، أي ” تضخيم مفارقات العالم الموضوعي، دخولاً في محاولة رفضه، ووصولاً إلى محاولة تغييره. ويكون طموح الكاتب _حينئذ _ خلقَ أسطورته الخاصة. تلك الأسطورة التي تمكنه من الوقوف مباشرة فوق نقطة الاتزان، ما بين كون الفن فعلاً (جماليا) وبين كونه فعلاً (إنسانياً).. ما بين الواقع (القائم) الواقع (الحلم).. ما بين الكاتب بوصفه (فناناً) وبين الكاتب بوصفه (ثائراً) “(77 ).
وهذا مما ركّزت عليه الكاتبة في معظم شخصياتها حتى تفتح المستقبل وتدفعه إلى التفاعل والمشاركة عبر آليات الخلاص التي تفترضها الشخصيات في الزمن الحالي زمن الرواية/ الواقع، إذ أصبح الحلم آلية انسلاخ عن الواقع حتى تغيب فيه لتكشف عن التناقض ما بين الواقع والرغبة، ما بين الحجب والحرية، فضلاً عن إسقاط لحظات الواقع حتى تأخذ تطورها في فضاء اللاوعي تبعاً لرغبة الذات الحالمة وإشباعاً لتفكيرها الواقعي الذي تحيطه التابوهات الواقعية العرفية والدينية والاجتماعية، تلك الطريقة كانت تسمى قديماً بطريقة التنفيس النفسية المتمثلة بالتنويم المغناطيسي والأحلام إذ تفرغ فيها الشحنات الممتدة في تفكير الفرد(78 ) ومن ثم يتم إسقاطها في الأحلام لإشباع هذه الرغبة الرومانسية المكبوتة، ولا سيما أن الحلم هو تحقيق رغبة فضلاً عن كونه حرساً للنوم، أي وبوساطته تسعى الأنا الراغبة في النوم إلى تقليل الحوافز التي تنزع إلى إفاقة النائم وإنهاضه(79 ).
فغياب الوعي هو غياب لجوء/ اضطرار عندما تجتهد الشخصية/ الأنثى إلى المغادرة والرحيل عن واقعها لعدم تفاعلها الحسي معه؛ لأنه الفضاء السلبي/ فضاء الأزمة(80 )، لذا تحلم حتى تقترح لنفسها مسرحاً تتمناه وإن كان الإسقاط غير إرادي لكنها أسهمت فيه واقعاً نتيجة التفكير والتأملات الرومانسية التي تجمعها وتوفيق/ الحبيب عندما تستشعره في كيانها، عبر فضاء مفتوح غير مقيد بزمن، ولا سيما أن زمن الحلم ” تمرد على الخطية وتجاوز لإحداثيات الواقع، إنه حيز مفتوح للكائن والممكن، ولكنه في الوقت ذاته قابل للتصديق، فهو ليس زمناً ميتافيزيقياً، غيبياً إلى درجة الأسطورية “(81 )، إنما هو زمن نفسيّ تستحضره الذات استجواباً للرغبة، ثم إن استحضار توفيق ليس من أجل اللذة الشبقية؛ لأن الفتيان الذين تلتقي بهم يسيرون ويخرجون بابَ الغرفة الواحد تلو الآخر إلا توفيق الذي تنتظره بوله يستدعي الذات بان تشيد لنفسها حفلاً بهيجاً يسمو بالخيال الأنثوي الذي قيد زمان الحلم بمكانه، إذ هي رغبة تعشق المغامرات والمجازفة الغرامية التي يُستمتع بها على شكل دفعات لا تكسر الطموح بل تبقى الذات تتوهج إشراقاً فيها.
فهنا خرجت (الأنا) عن قيدها الواقعي منشدة مكانها الخاص الذي انطلق من إطار واقعي/ غرفة النوم وغسق الليل وهو الزمن في الرواية، ليلج مكاناً وزمناً آخرين لا يسمح لهما بالمكوث إلا في الذاكرة اللاشعورية ومن ثم فضاء الحلم الذي يسمح لها فيه أن تخرج مكبوتاتها بحرية، ولا سيما أنها في الغالب هي من تؤطر مشهده الذي ” يختلف من ليلة إلى أخرى تبعاً لتطور الأحداث وتلاطمها.. فتارة تستجيب لدعوته وتصبح بين أحضانه في لحظات، وليلة أخرى تخجل فترفض وتتركه ليذهب للرقص مع فتاة أخرى، وليلة ثالثة تفتعل شجاراً معه لأنه تركها ورقص مع فتاة أخرى، وليلة رابعة يأتي ويصالحها فترفض في ليلة خامسة وتقبل في ليلة سادسة وتبكي في ليلة سابعة وثامنة وتاسعة “( 82)، لا شك في أن فضاء الحلم ” هو الفضاء الإيجابي/ الملجأ، فضاء الانطلاق والإحساس بالحرية وتحطيم القيود. يتزيّا بالطابع الرومانسي الحلمي “( 83).
لذ أصبح حلمها واقعها وفضاءها الذي تحب أن تكون فيه وتطمح إليه لتخرج عن رتابتها، ومن ثم الامتثال لهواجسها الأنثوية المتغيرة التي تتأرجح بين القبول والرفض وبين التمرد والانصياع وبين الفرح والبكاء وبين الغيرة وعدمها، من أجل أن تكور لنفسها مشهداً خاصاً يلائم دوافعها النفسية السريعة التغيّر عبر منظار أنثوي يتعايش مع المكان حتى يمتثل لرغبات النفس التي لا تنتهي؛ لأنها ما إن علمت أنه يعمل في مشتل حتى رسمت لنفسها مكاناً آخر ومشهداً آخر ” فقد تحوّل مكان الحفل في أحلامها إلى بستان مشمس تمشي فيه وتوفيق لوحدهما، وثمة طريق ترابي تحف به أشجار التفاح من الجانبين وهما يطويانه ببطء ولا تنتهي الطريق”(84 )، لتخرج عن رتابة حلمها الذي كان في وقته ينبض بالحياة، وبحثها عن التغيير الذي بدوره يستدعي مشاهد آخر حتى إذا ما أصابها الملل استبدلته بآخر يتلاءم ورغباتها المتعددة؛ لأن علاقة الإنسان بالمكان علاقة متبادلة وغير ثابتة( 85).
لذلك أصبحت تستقي إشباع رغباتها عبر الأحلام التي تصطنعها بطقوس غنائية مشرقة لحياتها نتيجة التفكير المستمر بعيداً عن عذابات الواقع وأحزانه الممزقة، غير أن التوظيف الرمزي يأخذ دلالته عبر البستان الذي يدل على المرأة والذريّة الطيبة فضلاً عن الولادة(86 )، وهي رموز اقتطفها الخيال السردي الأنثوي لكي يوظفها في الخطاب لحمل الهوية الأنثوية، بوصفها مصدراً للخصب والعطاء ولا سيما مع حضور الشمس لوصف البستان وتكتسب دلالتها على الزواج والولادة(87 )، الأمل الذي أوحت به الروائية عبر رموز الحلم بوصفها وحدات قرائية/ سردية توحي بالمعنى الذي يحمله الخطاب الأنثوي التي أخذت غايتها البيولوجية السوية غير الشاذة لتؤطر الغاية التي تتأملها الأنثى، غير أن هذه الغاية مجهولة وغير محددة عندما أخذت الوحدات السردية تتفاعل مع السياق حتى يتخذ الطريق مجهوليته الممتدة/ لا تنتهي، بوصفه فراغاً سردياً متمثلاً في فضاء الحلم تسعى الوحدات السردية الأخر إلى المقاربة للكشف عن آليات ملئه كقول توفيق: ” من المحتمل أن أحبك “(88 )، حتى تصبح عناصر الإيهام مكشوفةً غير أنها ممتدة عبر الزمن، وهنا تسعى ميسلون هادي إلى إيجاد حلول لهذا الزمن المرتقب الضارب في أعماق المستقبل؛ لأن المبدع يلجأ ” إلى إيجاد الفراغات في نصّه بدافع جمالي يتمثل في منح المتلقي دوراً للمشاركة في العملية الإبداعية عبر عملية خلق المعنى “(89 ) الذي يستجوب لسياق الغياب الذي يحمله الخطاب عبر أفق الانتظار الذي يحمله.
إن اللجوء إلى الفضاء المتخيل عبر الأحلام لإفراغ المكبوتات لا شك في أنه لجوء مؤقت، يعمل على جدلية الحضور والغياب، فإن حضور المشهد حضور ناقص، أي أن الذات الأنثوية لم تتفاعل معه؛ لأنه يتجه باتجاه معاكس لرغباتها أو طموحاتها، لذا هي تلجأ إلى التحاور الذاتي وهو ما يسمح فيه فضاء اللاوعي بالاستجابة وممارسة آليات الحياة الخاصة.
هوامش :
1- ينظر: لسان العرب، مج2، ج14، مادة (خفا)/ 1216_1217.
2- ينظر: الكشاف، ج4/ 73.
3- ينظر: جدلية الخفاء والتجلي، دراسات بنيوية في الشعر الجاهلي، كمال أبو ديب، دار العلم للملايين، بيروت، ط2، 1981/ 192.
4- ينظر: جدلية الخفاء والتجلي بين النظرية والتطبيق، يوسف حامد جابر، دمشق، الموقف الأدبي، ع316، 1997/ 29.
5- ينظر: اللامعقول، ارنولد ب . هنجلف، تر: عبد الواحد لؤلؤة، موسوعة المصطلح النقدي 68، دار الرشيد، بغداد، 1979/ 47.
6- ينظر: سيمياء التواصل الجماهيري، رضوان القضماني، دمشق، الموقف الأدبي، ع316، 1997/21_22.
7- الوجودية/ 17.
8- مفهوم الوعي واللاوعي، موقع الشامل، info@achamel.net.
9- ينظر: م. ن.
10- ينظر: اللامعقول/ 11.
11- الشعرية بين الحضور والغياب، بشرى موسى صالح، بغداد، مجلة الأقلام، ع 11_12، 1992/ 118.
12- المدخل إلى نظرية النقد النفسي (سيكولوجية الصورة الشعرية في نقد العقاد)، زين الدين المختاري، إتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1998/ 64.
13- ينظر: مفهوم الوعي واللاوعي، موقع الشامل، info@achamel.net.
14- ينظر: موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، عبد المنعم الحفني، دار الطليعة، بيروت، ج1، 1987/ 193.
15- وهو مسلسل مكسيكي مدبلج كان يعرض على شاشة التلفاز في تسعينيات القرن العشرين، وقد حاز على مشاهدة عراقية عالية؛ وهو يعالج علاقة عاطفية بين امرأة ورجل نصفه إنسان ونصفه الآخر حيوان.
16- نبوءة فرعون/ 46.
17- أنا- الراوي الغائب … قراءة في المجموعة القصصية (ضباب كأنه الشمس)/ 82.
18- ينظر: الرواية العربية البناء والرؤيا _مقاربات نقدية_، سمر روحي الفيصل، إتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003/ 175.
19- ينظر: رواية الأنثى وروايات الذكر، مهند يونس، بغداد، مجلة الأقلام، ع11_12، 1992/ 78.
20- ينظر: علاقات الحضور والغياب في شعرية النص الأدبي/ 37.
21- ينظر: لسان العرب، مج6، ج50/ 4505.
22- مسرحية لعبة الحلم لأوغست سترندبرغ، سرمد السرمدي، الحوار المتمدن، ع 2948، 2010،www.youtube.com/ alsarmady.
23- ينظر: معجم المصطلحات نقد الرواية/ 20.
24- ينظر: نبوءة فرعون/ 31_32.
25-م. ن/ 46_47.
26- الخطاب والأيديولوجيا، سارة ميلز، تر: عريب اسكندر، بغداد، مجلة الثقافة الأجنبية، ع1، 2011/ 29.
27- ينظر: النص الغائب دراسة في جدلية العلاقة بين النص الحاضر والنص الغائب/ 230.
28- ينظر: جذور القلق الوجودي عند الإنسان المعاصر ومعناه، حسن الولهازي،arab-rationalists.net .
29- نبوءة فرعون / 42.
30- ينظر: م. ن/ 38 _39.
31- ينظر: الوجودية/ 19.
32- ينظر: غنائية الفرح الأنثوي، .. رؤية في مسرحية (السكس ـ فون) لجواد الأسدي/ 175.
33- ينظر: نبوءة فرعون/ 19.
34- نبوءة فرعون/ 41.
35- ينظر: لسان العرب، مج 4، ج 32، مادة ( عذب )/ 2852.
36- نبوءة فرعون/ 42.
37- لسان العرب، مج5، ج43/ 3883.
38- ينظر: الأنثى ومرايا النص _مقاربة تأويلية لبلاغة الخطاب النسوي المعاصر_، وجدان الصائغ، نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 2004/ 137.
39- نبوءة فرعون/ 42.
40- ينظر: لسان العرب، مج2، ج9، مادة (حبر)/ 749.
41- نبوءة فرعون/ 104 .
42- ينظر: أزمة الجسد الأنثوي، قراءة في رواية (زيتونة الشوارع)، سوسن البياتي، ضمن كتاب: سحر النص من أجنحة الشعر إلى أفق السرد (قراءة في المدونة الإبداعية لإبراهيم نصر الله)، إعداد وتقديم ومشاركة، محمد صابر عبيد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2008/ 164 _165.
43- ينظر: معجم مصطلحات نقد الرواية/ 171.
44- نبوءة فرعون/ 40.
45- ينظر: م. ن/ 40.
46- م. ن/ 74_75.
47- التحليل النفسي، دانيال لاغاش، تر: متري شماس، المنشورات العربية، 1972/ 57.
48- ينظر: نبوءة فرعون/ 23.
49- ورد في الرواية (أربع أصابع) والصحيح ما أثبتناه.
50- نبوءة فرعون/ 57.
51- م. ن/ 64.
52- نبوءة فرعون/ 65.
53- ينظر: فلسفة المكان/ 26.
54- نبوءة فرعون/ 65.
55- معجم مصطلحات نقد الرواية/ 172.
56- بناء الرواية/ 78.
57- أشكال الرواية الحديثة، وليام فان اوكونور، ترجمة: نجيب المانع، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980/ 49.
58- ينظر: معجم مصطلحات نقد الرواية/ 176.
59- نبوءة فرعون/ 66.
60- ينظر: معجم مصطلحات نقد الرواية/ 163 _164.
61- القلق: أسباب، أعراض وعلاج، www.webtep.com.
62- ينظر: الذاكرة والنسيان، دراسة سيكولوجية من الناحية النظرية والتطبيقية ومن الحياة العادية والمرضية، أحمد عطية الله، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط2، 1980/ 15.
63- أي أن المخلوقات خُلقت للعبادة نحو قوله تعالى: ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭼ [سورة الذاريات، الآية: 56] 64- الحلم وتأويله، سيغموند فرويد، تر: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت/ 58_59.
65- ينظر: تعريف الحلم، منتديات بوعزة، www.bou3azza.yoo7.com
66- ينظر: التحليل النفسي/ 59 _61.
67- تعريف الحلم، منتديات بوعزة، www.bou3azza.yoo7.com
68- نبوءة فرعون/ 32.
69- الرواية والمكان/ 27.
70- ينظر: م. ن/ 28_29.
71- وهو الذي يعني تحريم القيام بأعمال معينة أو استخدام أشياء أو ألفاظ بعينها خشية التعرض للأذى، فضلاً عن الامتثال الاجتماعي والأخلاقي، ينظر: نقد نظرية التحليل النفسي، ترجمة وتعليق على كتاب (سيجموند القلق مأساة في ثلاث مشاهد)، برسيفال بيلي، ترجمة وتعليق: محمد هلال، دار المناهل للشر والتوزيع، سلطنة عمان، ط1، 1999/ 249.
72- ينظر: تفسير الأحلام، محمد بن سيرين، تحقيق: عبدالله سندة، دار الرضوان، سورية_ حلب، 2002/6.
73- م. ن/ 126.
74- ينظر: التحليل النصي، رولان بارت، ترجمة وتقديم: عبد الكبير الشرقاوي، دار التكوين، دمشق، 2009/ 76_77.
75- نبوءة فرعون/ 15.
76- م. ن/ 83.
77- الحلم وتأويله/ 7.
78- نبوءة فرعون/ 86.
79- الرواية ليست سيرة ذاتية مقدمة من وجهة نظر الكاتب فقط/ 150.
80- ينظر: الواقعية السحرية والجنس في رواية المسافات/ 17.
81- م. ن/ 17.
82- ينظر: نقد نظرية التحليل النفسي/ 73.
83- ينظر: التحليل النفسي/ 62.
84- ينظر: تأويل متاهة الحكي في تمظهرات الشكل السردي، محمد صابر عبيد، دار الحوار، سورية، ط1، 2007/ 57.
85- مكونات السرد/ 96.
86- نبوءة فرعون/ 32.
87- تأويل متاهة الحكي/ 57.
88-م. ن/ 32.
89- ينظر: غنائية الفرح الأنثوي/ 175 .
90- ينظر: تفسير الأحلام/ 21_22.
91- ينظر: نبوءة فرعون/ 86.
92- نبوءة فرعون/ 102.
93- الغياب في الشعر العراقي الحديث (1980_2003 م)، عبد الخالق سليمان جميان، أطروحة دكتوراه، إشراف: د. علي كمال الدين الفهادي، كلية الآداب، جامعة الموصل، 2011 / 12.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *