د. رسول بلاوي: توظيف الموتيف في شعر يحيى السماوي (ملف/30)

rasol-balawi-3إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.
الباب الثالث: تقنيات التعبير
الفصل الأول: استدعاء الشخصيات التراثية
التراث:
التراث في اللغة: «هو الورث والإرث والميراث وأصل التاء في التراث “الواو”؛ ويقال: وَرِثْتُ فلاناً مالاً أَرِثُه وِرْثاً وَوَرْثاً إذا ماتَ مُوَرِّثُكَ، فصار ميراثه لك. وأَوْرَثَ الميتُ وارِثَهُ مالَه أَي تركه له» (ابن منظور، 1410هـ ، مادة ورث).
و التراث بمفهومه الإصطلاحي هو خلاصة ما خلفته (ورثته) الأجيال السالفة للأجيال الحالية في مختلف الميادين الماديّة والفكريّة والمعنويّة. فهو ما ينتقل من عادات وتقاليد وعلوم وآداب وفنون ونحوها من جيل إلى جيل.
و يعبّرُ التراث عن الأمة وهويتها، بل هو خيرُ معبّر عنها، لأنّه جزء منها، وهكذا كلّ تراث هو جزء من الأمة التي أنجزته، فلا يمكن أن تؤسّس أيّة أمة نهضتها على تراث آخر غير تراثها، لأنّ التراث يختزن إمكانات النهوض والإبداع في حياة الأمة، وهو زادها التاريخي، ولا تتحقق المنعطفات الكبرى والنهضات في حياة الأمم من دون زادها التاريخي.
و للتراث وظيفة أساسية في تجليّة الهويّة الحضاريّة للأمة، وتأكيد ذاتها وحماية هذه الذات من الذوبان والإنكسار، بإعتبار أن التراث يتّسع لمجموعة الرؤى والأفكار والخبرات والإبداعات مما أنتجه الأمة في طول تجاربها الحياتية الشاقة في حالات الإنتصار والهزيمة، وفي حالات الإزدهار والركود، وفي حالات الزمن المتحرك المحيط بجميع فعاليات الأمة ومكتسباتها (فائزي، 2011م، موقع المثقف).
و كان التراث مصدراً سخيّاً من مصادر الإلهام الشعري، حيث يستمدّ منه الشعراء نماذج وموضوعات وصوراً أدبية؛ و الأدب العربي المعاصر حافل بالكثير من الأعمال الأدبية العظيمة التي محورها شخصية تراثية. فلهذا يعدّ التراث في الأدب العربي المعاصر، مصدراً أساسيّاً من المصادر الثقافية والقيم الإنسانية التي عكف عليها الشعراء المعاصرون، وإستمدوا منها شخصيات تراثية عبّروا من خلالها عن جوانب من تجاربهم الخاصة.yahia-13-2
استدعاء التراث في الشعر المعاصر:
لقد أدرک الشعراء المعاصرون انّ التراث مصدر غني وهام يتوجب عليهم أن لا يستغنوا عنه. فکثيراً ما قاموا بإستدعاء الشخصيات التراثية في شعرهم بغية توظيفها في بنية النصّ، بما تحمله من دلالات وإشارات تنمّي القدرة الإيحائية للقصيدة. فاستدعاء هذه الشخصيات تُعتَبر من أبرز التقنيات التي اعتمدها الشعراء في قصائدهم، لتمنحها حمولة فكرية و وجدانية لا تخفى على المتلقي، لأن الشخصيات المستدعاة غالباً ما يكون لها في الذهن و الوجدان إيحاءات دلالية و عاطفية، تفرض على القارئ نوعاً من التماهي معها، بما تمثله في وعيه و لاوعيه الفردي و الجماعي من حضور و تأثير قويين.
و توظيف الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، يعني «إستخدامها تعبيرياً لحمل بُعد من أبعاد تجربة الشاعر يعبر من خلالها ـ أو يعبر بها عن رؤياه المعاصرة» (عشري زايد، 1997م: 13).
لقد شاعت الشخصيات التراثية / الرموز التاريخية في القصيدة العربية الحديثة، حيث عکف الشعراء علی موروثهم، يستمدون من مصادره المختلفة – من موروث ديني، و موروث صوفي، و من موروث تاريخي، و موروث أدبي، و موروث أسطوري أو فولکلوري – عناصر و معطيات مختلفة، من أحداث و شخصيات و إشارات، يبنون منها رموزهم.
فقد وجد الشاعر المعاصر رهن تصرفه تراثاً شديد الغنی متنوع المصادر، فأقبل علی هذا التراث بنهم، يمتاح من ينابيعه السخية أدوات يثري بها تجربته الشعرية و يمنحها شمولاً و کلية و أصالة، و في نفس الوقت يوفر لها أغنی الوسائل الفنية بالطاقات الإيحائية و أکثرها قدرة علی تجسيد هذه التجربة و ترجمتها و نقلها الی المتلقي (السابق: 73). kh yahia 9
أسباب استدعاء الشخصيات:
ومن أسباب إتجاه الشعراء العرب المعاصرين إلى الشخصيات التراثية في شعرهم هي الظروف السياسية والاجتماعية الخانقة التي مرّت بها الأمة العربية؛ ففي العصر الحديث مرّت الأمة العربية بظروف من القهر السياسي والاجتماعي، وأدت فيه كل الحريات، وفرض على أصحاب الرأي ستار من الصمت الثقيل كانت أية محاولة لتجاوزه تكلف صاحبها حياته (السابق: 32 و33). فلهذا إستخدم الشعراء العرب المعاصرون الشخصيات التراثية في شعرهم ليستطيعوا أن يتستروا وراءها من بطش السلطة إلى جانب ما يحققه هذا الإستخدام من غنى فني. ففي الواقع إنّ الظروف القاسية التي اجتاحت البلاد العربية هي التي دعت الشاعر ان يلجأ الی استخدام الرموز بما فيها الشخصيات التراثية ليتکلّم من خلالها و يعکس معاناته و رؤاه بحرية أکثر.
و من الأسباب الأخرى التي إتجه الشعراء العرب المعاصرون إلى استخدام التراث والشخصيات التراثية، هو أن يتمكّنوا من تصوير خلجات حاجاتهم النفسية وآلامهم وهمومهم من خلال هذه الشخصيات التراثية. فالشعراء المعاصرون يرجعون إلى التراث و يعاودون الرجوع على أمل أن يستطيعوا بهذه الوسائل أن يعبّروا عن أصدق تمثيل لهمومهم الخاصة، وربّما أكثر تهدئة لها.. و بهذا ان الشاعر في العصر المعاصر يدوّن المعطيات التراثية و يعبّر عنها، فإنّه أصبح يرى أنّ دوره هو أن يختار من هذه المعطيات ما يوافق تجربته، بحيث يمنح تجربته نوعاً من الإصالة والشمول عن طريق ربطها بالتجربة الإنسانية في معناها الشامل، ومن ناحية أخرى يثري هذه المعطيات بما يضيفه عليها من دلالات جديدة ويكسبها حياة جديدة. فليس غريباً إذن أن نجد الشاعر العربي المعاصر يفسح المجال في قصائده للمعطيات التراثية التي تتجاوب معه والتي مرّت ذات يوم بنفس التجربة وعانتها كما عاناها الشاعر نفسه (اسماعيل،1972م: 307).
أهمية الإستدعاء و وظيفته:
لقد أدرک الشاعر المعاصر أنه باستغلاله هذه الإمکانات يکون قد وصل تجربته بمعين لا ينضب من القدرة علی الإيحاء و التأثير؛ و ذلک لأن المعطيات التراثية تکتسب لوناً خاصاً من القداسة في نفوس الأمة و نوعا من اللصوق بوجدانها، لما للتراث من حضور حي و دائم في وجدان الأمة، و الشاعر حين يريد الوصول الی وجدان أمته بطريق توظيفه لبعض مقومات تراثها يکون قد توسل اليه بأقوی الوسائل تأثيرا عليه، و کل معطی من معطيات التراث يرتبط دائماً في وجدان الأمة بقيم روحية و فکرية و وجدانية معينة، بحيث يکفي استدعاء هذا المعطی أو ذاک من معطيات التراث لإثارة کل الإيحاءات و الدلالات التي ارتبطت به في وجدان السامع تلقائياً (عشري زايد، 1997م: 16)، فليس غريبا إذن «أن نجد الشاعر يفسح المجال في قصيدته للأصوات التي تتجاوب معه و التي مرت ذات يوم بنفس التجربة و عانتها کما عاناها الشاعر نفسه (اسماعيل، 1967م: 307).kh yahia 8
ولا بدّ أن نشير إلى أن توظيف أسماء الأعلام التاريخية / التراثية يتمتَّع بحساسية خاصة لأنَّ هذه الأسماء بطبيعتها «تحمل تداعيات معقدّة، تربطها بقصص تاريخية أو أسطورية، وتشير قليلاً أو كثيراً إلى أبطال وأماكن تنتمي إلى ثقافات متباعدة في الزمان والمكان» (مفتاح، 1986م: 65)؛ لهذا فإنّ، إدراك القارئ، لدلالة مثل هذه النصوص، التي تقوم بتوظيف أسماء الأعلام التراثية يتوقف على معرفة القارئ بهذه الشخصيات وإمكانية تعيينه لها من خلال السياق.
و الأحداث التاريخية و الشخصيات التاريخية ليست مجرد ظواهر کونية عابرة، تنتهي بانتهاء وجودها الواقعي، فإن لها الی جانب ذلک دلالاتها الشمولية الباقية، و القابلة للتجدد – علی امتداد التاريخ – في صيغ و أشکال أخری؛ فدلالة البطولة في قائد معين، أو دلالة النصر في معرکة معينة تظل – بعد انتهاء الوجود الواقعي لذلک أو تلک المعرکة – باقية، و صالحة لأن تتکرر من خلال مواقف جديدة (عشري زايد، 1997م: 120)، إذ «إن التاريخ ليس وصفاً لحقبة زمنية من وجهة نظر معاصر لها، إنه إدراک إنسان معاصر أو حديث له، فليست هناک إذن صورة جامدة ثابتة لأية فترة من هذا الماضي (ناصف، 1981م: 205).
و هذه الدلالة الکلية للشخصية التاريخية، بما تشتمل عليه من قابلية للتأويلات المختلفة هي التي يستغلها الشاعر المعاصر في التعبير عن بعض جوانب تجربته، ليکسب هذه التجربة نوعاً من الکلية و الشمول، و ليضفي عليها ذلک البعد التاريخي الحضاري، والذي يمنحها لوناً من جلال العراقة (عشري زايد، 1997م: 120).
و بالطبع فإن الشاعر يختار من شخصيات التاريخ مايوافق طبيعة الأفکار و القضايا و الهموم التي يريد أن ينقلها الی المتلقي، و من ثم فقد انعکست طبيعة المرحلة التاريخية و الحضارية التي عاشتها الأمة العربية في الحقبة الأخيرة، و إحباط الکثير من أحلامها، و خيبة أملها في الکثير مما کانت تأمل فيه الخير، و سيطرة بعض القوی الجائرة علی بعض مقدراتها، و الهزائم المتکررة التي حاقت بها رغم عدالة قضيتها..انعکس کل ذلک علی نوعية الشخصيات التاريخية التي استمدها الشاعر المعاصر (المصدر السابق: 120).
و من الطبيعي أنّ الشاعر لا يتعامل مع التاريخ مثلما يتعامل المؤرخ الذي تهمُّه الحقائق التاريخية، فيمحّصها بحثاً عن تأکيدٍ لها نفياً أو إثباتاً. أمّا الشاعر فـ«يضفي عليها من ذاته و واقعه، و طبيعة الحالة النفسيّة التي دفعته الی الإستعانة بجزء من التاريخ. و هو يتعامل معها علی وفق قناعته بما تکتنفه هذه المادة التاريخية من قيمة معنوية و دلالة إيحائية يريد إيصالها الی ذهن المتلقي و شعوره» (حداد، 1986م: 80).
مصادر الإستدعاء:
إن الدارس للشعر العربي الحديث يلحظ أن مصادر التراث التي استرفدها الشاعر المعاصر قد تنوعت وتعددت ما بين: مصادر دينية، ومصادر تاريخية، ومصادر أدبية، ومصادر شعبية، وقد كان لهذه المصادر أثر كبير في تعميق تجربته الشعورية، وإرهاف أدواته التعبيرية، ولعل استرفاده الموروث الأدبي بخاصة، واستخدامه له يكون قد برز واضحاً في صور تعامله مع التراث، حيث تتجلى طبيعة ارتباط الشاعر بالماضي، ومدى تفاعله معه، وقدرته على توظيفه وتطويره، والإضافة إليه.
فقد تأثّرَ الشعراء في العصر الحديث بالشخصيات التاريخية بصفة عامة، والشخصيات الأدبية بصفة خاصة، إذ إن استدعاء الشخصيات في النصوص الحديثة، بمثابة الارتداد الفني بالرجوع إلى الماضي لشحن نصوصهم بدلالات شتى ما كانت لتتأتى لولا هذه التقنية الفنية التي تحاول استنطاق الشخصية المستدعية ومحاورتها أحياناً لنقد الواقع أو السخرية من أحداثه و وقائعه المتناقضة أو الفاسدة؛ بمعنى أدق إن الشخصية الأدبية المستحضرة أشبه بالمرآة الخفية التي تعكس الوجهين معاً في آن، وجه الماضي بإشراقه ونضارته، ووجه الحاضر بتناقضاته وسلبياته.
ومن الملحوظ أيضاً أن الشخصيات التي حظيت بالقدر الأعظم من اهتمام شعرائنا المعاصرين هي تلك التي ارتبطت بقضايا معينة، وأصبحت في التراث رمزاً لتلك القضايا وعناوين عليها، سواء كانت تلك القضايا سياسية أو اجتماعية أو فكرية، أو حضارية، أو عاطفية، أو فنية. ولقد كان الشعراء يتأولون بعض جوانب حياة الشخصية التراثية، لتصلح عنواناً على القضية التي يريدون أن يحملوها عليها.
استدعاء الشخصيات في شعر السماوي:
و الشاعر يحيی السماوي من أبرز الشعراء المعاصرين الذين أحسنوا استدعاء الشخصية التراثية في شعرهم و ذلک يعود الی اطلاعه العميق علی التراث العربي و الاسلامي وقد وجدناه يلحّ علی استدعاء بعض الشخصيات دون غيرها للتعبير عن رؤيته الفنية حيث اعتبرناها في هذه الدراسة موتيفات لابدّ من دراستها.
يُعد توظيف الشخصيات والرموز التراثية سمة بارزة في شعر السماوي، وهي تشير إشارة جلية إلى عميق قراءته للتراث، وقدرته على استغلال عناصره ومعطياته التي من شأنها أن تمنح القصيدة فضاء شعرياً واسعاً غنياً بالإشارات والدلالات.
تتخلل قصائد يحيى السماوي أسماء كثير من الشعراء الأقدمين والمعاصرين. فهو يلحّ على إعادتها كي يراها ماثلة بين عينيه نضاحة بمكتنزاته الوجدانية، وكأنّ حضورها هو الذي يقيه من الموت في المنفى، ويؤكد وجوده ويصل ذاكرته بذاكرة الوطن .. إنه يستعيد بهذه الوجوه والأسماء عالمه الحبيب الذي كـَتب عليه الأشقياء أن يُحرم منه، أما أسماء الشعراء القدامى فقد نظمها على هذا النسق(الباب، 2010م: 83):
نـُعـاقِـرُ قـهـوة ً بالـهـيـل آنـا ً
ونسـمُـرُ تحـت دالـيــة ٍ بـآنِ
وحيناً نسـتـريحُ إلى قـصـيـد ٍ
لـقيس بن الملوّح ِوابن هاني
وللضـلّيـل ِ قام إلى عـبـيط ٍ
ليرشف َمن قوارير ِالغواني (هذه خيمتي .. فأين الوطن: 82 )
وذكر من المحدثين شعراء العراق والفنان العراقي ” فؤاد سالم ” وذلك في قصيدة “من يملك الوطن”، فيقرن أسماء الشعراء بأسماء الأبطال المناضلين الذين ثاروا على النظام البائد، واستشهدوا في سبيل تحرير الوطن رجالا ً ونساءً:
يملكه ُ الشاهدُ والشهيدْ
وموقظ ُ الثورة من سُـباتها
يملكه الطريدْ
وشاهر السيف على ” أبرهة الجديدْ ”
و ” مريم الناعمُ ” … ” أم مصطفى ”
و ” حيدر الجضعانْ ”
” نازك والسياب والجواهري ..
سعدي .. بلندٌ .. وفؤاد ٌ ..
كاظم الريسانْ ”
يملكه كلَ الذين أعلنوا العصيان ْ
على عـدوّ الله والإنسانْ
فليُسْـقِطوا هويّـة الأوطانْ
عنـّـا ..
غدا ً نـُسْـقِط عن رقابهم رؤوسَـهم
فـيسْـتـَعـيد مقـلـتيه ” شاكر الجوعانْ ” (هذه خيمتي.. فأين الوطن: 122 و123)kh yahia 3
وهؤلاء أكثرهم من شهداء الإنتفاضة الشعبية في مدينة السماوة التي ينتمي إليها الشاعر ويترنم بها في قصائده.
أبطال السماوي هم – أحياناً – رموزٌ و قادةٌ في التاريخ الاسلامي و العربي يستلهم منهم دروس التاريخ و عبره، و قوة العقيدة و استمراريتها و حيويتها عبر القرون؛ لقد تحولوا الی مؤشرات يقاس بموجبهم کل حدث معاصر و سنلاحظ کيف يستلهم السماوي وقفة الامام الحسين (ع) في کربلاء وقوة صموده و صلابته و صبره و تحوله الی قيمة مطلقة للشهادة في سبيل المبادئ و الحق هذه القيمة التي ثبتت بالاستشهاد و الدم.
و يتحول أبو ذر الغفاري الصحابي الثوري الی قوة إمداد غيبي في المطلق يزرع الشجاعة و الصمود في هذا الزمان فيطلب منه الشاعر ان يقوم بالناس بعدما تغيّرت القيم و المبادئ.
فإن الصور التي يرسمها الشاعر لهؤلاء الأبطال تتلألأ فخراً و مهابة و جمالاً و زهواً حيث يجعل کلاً منهم رمزاً و أمثولة تُحتذى بعد أن يجسّد بطولاتهم، و يضع الأجزاء الصغيرة للموقف تحت العين الفاحصة، فيعطي المفاهيم و المعاني مزيداً من التألق و اللمعان و البهاء و الشموخ بالفاظه المناسبة و اشتقاقاته الرائعة و تشبيهاته الجميلة المذهلة و استعاراته الجديدة غير المکررة.
استدعاء يحيی السماوي لهذه الشخصيات أو تلک التي تناغمت في دلالتها مع الوجدان العربي هو دليل انتمائه لأمته، فالامام الحسين (ع) و ابوذر الغفاري يرمزان الی البطل العراقي.
و من اللافت للإنتباه أن شخصيات الشاعر المستدعاة کانت شخصيات متمردة و لکنّها لم تشکل تمرداً جماعياً، و لذلک منيت بالهزيمة، فاختار السماوي لحظة انهزامها لکنها توافق واقعه.
يسعى السماوي إلى استخدام موتيف الشخصيات التراثية وسيلة للإعادة والإلحاح والتأكيد على ما في ذهنه لإصلاح الواقع، ولهذا فهو لم يكن معنياَ بتكرار اسم بعينه بقدر ما يبحث عن قيم ومبادئ تتمثل في الأشخاص.
شخصية الامام الحسين(ع):
نجد مجموعةً من الأسماء التي يذکرها يحيی السماوي لا تأتي لمجرّد الدلالة علی شخصياتٍ موجودةٍ علی أرض الواقع بقدر ما تدلُّ علی قيمٍ و أفکار و معانٍ يريد الشاعر أن يشيرَ اليها، منها شخصية الامام الحسين بن علي(ع). إنّ السماوي يستحضر مأساة کربلاء ليأخذ منها نموذج التضحية و الفداء قبل البکاء و الأسی علی ما جری لأهل البيت (ع)، فالامام الحسين (ع) رمزٌ خالدٌ للتضحية و الفداء من أجل المبدأ / الدين، و هو رمز الباحث عن العدالة و نُصرة المستضعفين في وجه الجبروت.
و الرمز ينطوي على معان ٍ ودلالات عظيمة في حياة الفرد. ويكون أشد تأثيرا عندما يقترب ذلك الرمز من التقديس والهيبة. فيفرض على الفرد أن يحتفي به ليعبر تعبيرا حقيقيا عن تلك المعاني. خصوصا اذا كانت قيمة الرمز تتسامى على الوجود المادي للمرمز له. فالامام الحسين عليه السلام في موقفه البطولي فرض على الملأ وجودا بقيم عالية جدا حتى صار رمزا لكل القيم في الشهادة في سبيل المبدأ الذي آمن به. لقد جاء الحسين “بفكرة”، هي فكرة التصدي لسلطة طاغية متجبرة في الأرض، ولعظمة تلك الفكرة استحقت أن تكون “فكرة سامية” و”معنى مقدّسا ً”.
فالإحتفاء بقضية عاشوراء كرمز روحي ليس مجرد استذكار أمجادها أو ذكر فضائلها ومآثرها، ولا البكاء والنحيب على مقتل الامام الحسين رغم استسلامنا لذلك الموقف المذهل وذرفنا للدموع، انما هو احياء لمعانٍ ومواقفَ ودلالات تلك الحادثة التي حفرت في تأريخ الإنسانية أثرا لم تُزِلْهُ كل متغيرات الحياة، احياء من شأنه أن ينقلنا الى الأجواء الروحية النقية الخالصة للحسين وأهل بيته (ع).
إن حالات الرفض التي استحضرها الشعراء ليواجهوا بها حيرة هذا الزمان واشتداد الطغيان فيه هي اشراقات الوعي والشهادة في سبيل الحرية.. وإذا كانت هذه الرموز غائبة عن الرسمي من الكتب فإنها حاضرة في صدور الناس و وجدانهم تمثل احتجاجهم على فشل الواقع.
و أبرز من فتن الشعراء من شخصيات الرفض شخصية الحسين(ع) ـ وتكاد تكون أكثر شخصيات الموروث التاريخي شيوعاً في عصرنا المعاصر ـ فقد رأى الشعراء في الامام الحسين(ع) المثل الفذ لصاحب القضية النبيلة الذي يعرف سلفاً أن معركته مع قوى الباطل ستؤدي الی شهادته وشهادة أصحابه، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يبذل دمه الطهور في سبيلها، موقناً أن هذا الدم هو الذي سيحقق لقضيته الانتصار والخلود، وأن في استشهاده انتصاراً له و لقضيته (عباس، 1978م: 161)؛ يقول يحيی السماوي:
أخـفـتَ الـمـوتَ حـتـى خـرَّ ذُعــرا ً
فـأنـتَ الـحيُّ والــمــوتُ الـدَّفــيــنُ
جـهــادُكَ آخِـرُ الآيــات ِ خُــطّــتْ
بـنور الـعـرش ِ سُـورَتُهـا ” حُـسَـيـنُ “(السماوي «ي»، 2011م، موقع المثقف)
فقد استدعى السماوي شخصية الامام الحسين بهذه الدلالة ليعبر من خلالها عن أن الهزيمة التي تتلقاها الدعوات والقضايا النبيلة في هذا العصر، واستشهاد أبطالها المادي أو المعنوي ـ انما هو انتصار على المدى الطويل لهذه الدعوات والقضايا.
تشكِّل شخصية “الحسين بن علي” و واقعة “كربلاء” ، تراجيديا البطولة الساعية إلى تحقيق التغيير الحضاري في المجتمع الإسلامي في العصر الأموي، لكن مقابلة هذه الثورة بالقمع والتنكيل أدى إلى فشلها، وإلى موت مأساوي لبطلها ومشعل وقودها “الحسين بن علي”، ولم يكن سبب هذا الفشل نقصاً أو قصوراً في دعوة صاحبها أو مبادئه، وإنما سببها أنها كانت أكثر مثالية ونبلاً من أن تتلاءم مع واقع ابتدأ الفساد يسري في أوصاله (عشري زايد، 1997م: 121).
لقد كان “الحسين” صاحب قضيتين : سياسية وأخلاقية ضد الفساد الذي استشرى في المجتمع الأموي، ولذلك تسابق الشعراء في تصوير هذه الشخصية باعتبارها صاحبة قضية إنسانية كبرى تتسم بالأخلاق النبيلة، وترفض الواقع، وتقف وحيدة في أرض المعركة بعد أن تقاعس أشياعها عن نصرتها والدفاع عن مبادئها النبيلة، وهي صورة تاريخية يمكن اعتبارها معادلاً دلالياً لسلبية الأمة وتخاذلها عن نصرة الحق والخير في العصر الحاضر، وبذلك سقط صاحب هذه الدعوة شهيداً من “شهداء الحب”.
بهذا يصبح “الحسين بن علي” بطلاً تاريخياً، ويصبح موته مثالاً يحتذى به في التضحية والفداء من أجل القضية.
الشاعر يری في الامام الحسين المثل الأعلی و الأروع في الثبات علی الحق، حتی دفع حياته ثمناً له، و استشهد في سبيله، و هو إذ ذاک يناصر الإسلام، و يقتدي بهدي جده رسول الله (ص)، و لقد سجل باستشهاده صفحة ناصعة في تاريخ الإسلام، جعلته من الأبطال الأوائل الذين نعتز بتاريخهم و سيرتهم و نقتدي بهم.kh yahia 15
و يظل استشهاد الامام الحسين في کربلاء يلهم الشعراء، متخذين من الحسين رمزاً للبذل و التضحية بالذات في سبيل الحق (المرزوقي، 2005م: 188 و 189).
و لعل حادثة کربلاء بما تمثّل من رمزیة للمأساة بکل معانیها، کانت من أکثر الصور و الحوادث فی دواوین الشعراء. و لعل السبب فی ذلک یعود الی أن من الشعراء من یری فی شخصیة الامام الحسین (ع)، الممثّل الحقيقي لکل دعوة نبیلة، انطلقت و ثارت علی واقع ظالم، و لم یقدر لهذه الدعوات و الثورات، أن تصل الی اهدافها، فکانت نتیجتها الفشل و الهزیمة، لا لعیب أو قصور فی مبادئ اصحابها، و إنما لکون دعواتهم قمة فی النبل و المثالیة، لا تتوافق و الواقع الفاسد آنذاک(عشري، 1997م: 121 ).
و الشعراء ینتظرون ثورة تتسم بهذه المبادئ المثالیة، ثورة حسینیة حقیقیة بعیدة عن التزييف و التزویر. ثورة من وجهة نظره یحال بین صاحبها و ماء الحیاة، ثورة یدفع فیها حیاته ثمنا لدعوته. لذلک اهتم بها الشعراء و أکثروا من توظیف هذه الشخصية فی شعرهم. و لا نکاد نجد شاعرا یخلو دیوانه من ذکر لها. و أصبحت ثورة الحسین منتجعا لأفئدة و أهواء کل من ثاروا علی ظلم، أو ثاروا من أجل قضیة شرعیة أو اسلامیة؛ يقول السماوي مخاطباً الامام الحسين (ع):
فـأنـتَ لــكـلِّ ذي عــزم ٍ حــســـامٌ
وأنـت لـكـلِّ مــذعــور ٍ حُـصــونُ (السماوي «ي»، 2011م، موقع المثقف)
و کما يقول في رثاء الشهيد کامل شياع:
و الناهضين الی الصباح
و ناسجي ثوبِ المحبّةِ
من حرير الياسمينْ
باسم الحسين..
و باسم موسی..
و ابن مريم..
باسم کلّ الطيبينْ (لماذا تأخرتِ دهراً: 9)
إن السماوي يقدّم رمز الحسين (ع) كبطل عظيم وشجاع بدلالات القيم النفسية والحسية. فالحسين (ع) في شعرالسماوي بطل التراجيديا وليس مجرد بطل التاريخ الحقيقي؛ و في ظل هذه الظروف المأساوية التي يعاني منها العراق و عموم البلاء و قلّة المعين يخاطب الشاعر الامام الحسين (ع) و يطلب منه أن يقوم بثورة جديدة:
أبـا الأحـرار هـلّا قــمْـتَ فــيـنـا ؟
فــقــد عـمَّ الــبـلاءُ .. ولا مُـعــيـنُ
فــيــا مَــنْ ” حـاؤهُ ” حَـقٌّ وحِــلــم ٌ
ويـا مَـنْ ” سِـيـنُـهُ ” مُـنْـج ٍ سَــفـيـن ُ
ويـا مَــنْ ” يـاؤهُ ” يُــسْـــر ٌ ويَــمٌّ
ويـا مَـنْ ” نـونُـه ُ ” نـورٌ مُـبـيـن ُ (السماوي «ي»، 2011م، موقع المثقف)
و يأخذ رمز الحسين موقعاً عميقاً في بعض قصائد السماوي، فقد كتب الكثير من القصائد التي تتضمن الفكر الحسيني كقصيدة “يا آل ياسر” المنشورة في مجموعة “قلبي على وطني” وقصيدة “نداء إلى أبي ذر الغفاري” … وثمة قصائد كثيرة تتضمن هذا المنحى كقوله في قصيدة “عصفا بهم “من مجموعة “نقوش على جذع نخلة ” مخاطبا الشعب العراقي:
حاشاك تنثرُ للغزاة ورودا
فلقد خُلِقتَ كما النخيل عنيدا
لازال فيك من “الحسين” بقيّة ٌ
تأبى تُبايعُ في الخنوع ” يزيدا ” (نقوش علی جذع نخلة: 12)
و في الأبيات التالية يکرّر الشاعر نفس المعنی و الفکرة:
هل هذه بغداد؟ کنتُ عرفتها
تأبي مهادنةَ الدخيلِ العاقِ
تأبي مساومةً علی شرف الهوی
فتذودُ دونَ شذاه بالأرماقِ
ورثت عن “المنصور” صهوةَ عزمه
و عن “الحسين” مکارمَ الأخلاقِ (المصدر السابق: 165)
فالشعب العراقي لازال فيه بقيّة من فکر الامام الحيسن(ع) و منهجه النضالي و قد ورث منه مکارم الأخلاق.
يجيبُ الشاعرُ ردّاً علی تعليقي في موقع المثقف حول قصيدته “يا سيدي الحسين” کما يلي: « أنني أرتعب رهبة حين أزمع الكتابة عن أهل البيت الأطهار فترتجف أضلاعي قبل أصابعي الممسكة بالقلم، فلا أصعب عليّ من رهبة الوقوف بين أيديهم المطهرة المباركة.
أبوح لك بأمر: لقد كتبت الكثير عن الحسين ومسلم بن عقيل والعباس وزينب ـ عليهم السلام أجمعين ـ في شبابي لكنها لا ترقى إلى مستوى الطموح فتركتها … فمثلا : كتبت عددا غير قليل من المنظومات الدينية / السياسية والتي يُطلق عليها في اللهجة الشعبية الجنوبية العراقية مصطلح ” بستات ” … كتبتها لأحد مواكب العزاء في السماوة» (السماوي «ي»، 2011م، موقع المثقف).
هذا لايعني أن كتابته كانت طائفية، فالحسين عليه السلام لم يكن طائفيا بل كان مثالا سماويا ً / أرضيا ً كونيّا ً للتسامح وكفى به رمزا لهذا التسامح أنه بكى على أعدائه خوفا عليهم من جهنم، أرأيت مقتولا يبكي على مصير قاتله؟
فهو يکشف بتكراره لمأساة الامام الحسين عن صدى إنكساري معيّن؛ أو شعور نفسي ضاغط على ذاته كالقلق و الوجع، والغضب، والشعور بالأسى والحزن والتوتر، كما في قوله:
“طفلٌ بلا ساقينْ
وطفلةٌ مشطورةٌ نصفينْ
وطاعِنٌ دونَ يدٍ
وامرأةٌ مقطوعةُ النهدينْ
وكُوَّةٌ في قِبَّةِ “الحسينْ”
جميعها: حصادُ طلقتينِ من دبابةٍ
مرَّت بـ “كربلاءْ”
تحيَّةً ليومِ “عاشوراءْ” (نقوش علی جذع نخلة: 125)
يعلّق الناقد السوري الأستاذ عصام شرتح علی هذا المقتبس کما يلي: « يأتي تكرار الأصوات المجهورة؛ ممثلة بالنون والهمزة مكثفاً الصدى الانفعالي للذات الشاعرة؛ وباعثاً شعوريًّا على الإحساس بالأسى الشعوري، إزاء ما يحدث في العراق من جرائم واغتيالات؛ إذْ إنَّ تنوين الكسر وتنوين الرفع؛ جاء كاشفاً عن الحركة النفسية الدالة على الشعور بالحزن، والأسى المرير على الجرائم التي يقترفها المحتل في العراق دون رحمةٍ أو شفقة؛ وهذه الجرائم استرجاع لجريمة مقتل الحسين؛ هكذا؛ جاءت الأصوات فاعلة في تحفيز الرؤية وتعميق الشعور الانفعالي الحزين إزاء كلّ المصائب والآلام العاصفة التي تمر على الشعب العراقي ابتداءً من جريمة اغتيال الحسين إلى الجرائم الكثيرة التي تحدث في العراق» (شرتح(آ) ،2011م: 337).yahia-13

شخصية ابوذر الغفاري:
اسمه “جندب بن جنادة”، صحابي من الأوائل اشتهر بتقواه، وتقشفه، وثورته على الفقر، والظلم الاجتماعي، وعبر عن ذلك بصيحته الشهيرة “عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه”.
تبرز تجربة أبي ذرّ الغفاري في المعارضة من خلال قصائد کثيرة في الشعر العربي المعاصر. و ينظر اليه بإعتباره المطارد في سبيل موقفه الذي يدعو الی عدالة بين الجميع، و يرفع الصوت عالياً محتجاً و هو يری النقاء الثوري زمن النبي، يتحول الی ترف و ابتعاد عن طهر الثورة الأول، فقد اتخذوا بعده ستور الحرير و نضائد الديباج، و کان رسول الله ينام علی الحصير..و يطاف عليهم بألوان الطعام، و کان رسول الله لا يشبع من خبز الشعير)الصوري: 1979م : .(73
و من أهم مواقف أبي ذر التي يستدعيها الشعراء صموده العنيف في مواجهة (عثمان بن عفان) و (معاوية بن أبي سفيان)، حتی مات منفياً في الرّبذة، ثم اصراره العنيف أيضاً علی الوقوف الی جانب الفقراء، و الدعوة الی توزيع الأموال بالمساواة بين الناس و دعوته الی خروج الجائعين علی السلطان و اشهار سيوفهم في وجهه حين لا يجدون قوتاً لأطفالهم.. )الکرکي، 1989م: 198)
لا ريب أن التماثل الدلالي بين حياة “أبي ذر” وحياة الإنسان العراقي المعاصر، ينتج دلالات جديدة منها الثورة، والسير وحيداً، والموت وحيداً، والنفي مرتين، ورفض البذخ والترف واكتناز الذهب والفضـة، بالإضافة إلى القمع السياسي زمن “معاوية”، مقابل الاحتلال زمن التخاذل العربي. وهذا كله جعل من شخصية “أبي ذر” رمزاً إنسانياً بدأ برفضه لموقف “عثمان بن عفان” من أموال الغنائم ، إلى اضطهاده ، ثم موته منفياً. ولهذا يستثمر الشاعر هذه الأبعاد ليعقد صلة بينه وبين الإنسان العراقي، ويطلق صرخة احتجاج في وجه الأنظمة العربية المعاصرة التي تعيش حياة ترف وبذخ .
ولا يخفی ان الشاعر يحيی السماوي يتماهی مع شخصية أبي ذر و يتقمّص هذه الشخصية لأن هناک قواسم مشترکة بينهما، فکلاهما ثارا علی الحکومة و کلاهما کان منفيينِ.
إن ارتباط الرموز الدينية التاريخية في شعر السماوي بالمواقف المميزة لها ما يفسر تعويله على شخصية أبي ذر الغفاري، لما لها من علوق بالذاكرة الجماعية لمتلقي شعره، بسبب الشحنة التاريخية الروحية لهذا الرمز، ولما يجمع بينها من قيم إيجابية؛ كالانبعاث والتمرد والمواجهة، في شعره دون تصريح وتعبير مباشر.
وما اختياره لهذه الشخصية العظيمة إلآ ليعبر من خلالها عن أن الهزيمة التي تلقتها الدعوات والقضايا النبيلة في هذا العصر، واستشهاد أبطالها ـ المادي والمعنوي ـ إنما هو انتصار على المدى الطويل لهذه الدعوات والقضايا . وأبو ذر الغفاري شخصية ارتبطت بالتمرد على الواقع الفاسد في عصرها؛ يقول السماوي:
أبا ذرْ
قمْ
إنّ سيفك الذي ينام في المتحفِ
ماعانقه الفرسانْ
وقومك الذين بايعوك أمسِ
أنكروا البيعة َ
خانوا النهر والبستانْ
ومنذ أن غفوتَ والقاتلُ قاض ٍ
واللصوصُ يمسكون قبضة الميزانْ (هذه خيمتي فأین الوطن: 23 و24 )
ولعلنا هنا نلمس الفرق بين الماضي والحاضر .. الماضي الذي يزهو فيه السيف ويفخر الفرسان، والحاضر الذي نام فيه السيف وتكاسل الفرسان .. ولكن يبدو أن جذوة الأمل مازالت في نفس السماوي، فهو لا يرى أن أبا ذر قد مات وتستحيل عودته .. بل ” غفا ” وفي ظل هذه الغفوة قلبت الموازين وأصبح القاتل قاضيا واللصوص حكاما ولكن لابد للغفوة أن تنتهي وأن يستيقظ المنقذ لتعود الأمور إلى طبيعتها .
إذن السماوي ينظر إلى أبي ذر الغفاري باعتباره الرائد أو المخلص أو المنقذ من معمعة هذه المهزلة.
أبا ذرْ
لا العشبُ في الحقولِ
لا الموجةُ في النهرِ
و لا الاله في الأذانْ
فغادرت ظلالها الواحاتْ
و نحن في سباتْ
و ليس من مؤذّن يهتف بالجهاد في الصلاةْ
“بلال” في زنزانةٍ مجهولة قد ماتْ
لذا فنحن اليوم لا نميّز الأصواتْ (المصدر السابق: 24 و 25)
هنا يحسّ الشاعر بالأسى والخزي والحزن والندم تجاه ما يحصل في الأمة العربية والمجتمع العربي فهو يرى بأن مجتمعه يتلاشى ويتآكل من الداخل بسبب النزاعات السياسية و القضايا الاجتماعية. ثمّ إن القضايا السياسية والإجتماعية التي يراها الشاعر في المجتمع العربي، تُثقل كاهله، فلهذا هو يبحث عن مخلّص ينقذه من مآسيه، ويبعث الحياة من جديد، فأبو ذر الغفاري رمزٌ للحرية والثورة والخصب والإنبعاث، وهو بمثابة ملاذ آمن للشاعر، يحاوره الشاعر ويخاطبه راجياً أن يجد فيه بريق الخلاص والطمأنينة، فيستنجد به ليُطيح بالوثنية الجديدة:
کلّ عصرٍ
و له “ربٌّ” و “هولاکو” جديدٌ..
فلِمَن جيّشتِ الخوذة أمريکا
و أرسلت سُفنا؟
ألکي يُصبحَ “حرّاً” بيتنا؟
و “سعيداً” غدنا؟
يا أباذر الغفاري ألا قمتَ بنا؟ (البکاء علی کتف الوطن: 44)
ويضفر الشاعر نسيجاً واحداً من خيطين مختلفين، أحدهما من وحي شجاعة أبي ذر الغفاري وفضائله، والآخر مشهد عصري يدل على الجبن واستمراء الولوغ في مستنقع الخنا والرذيلة التي يعربد فيها أشباه الرجال، على حين تخضب الأرض من حولهم وتحتهم دماء الأبرياء (الباب، 2010م: 97):
أبا ذرْ
تـَعَـلـَّمَ الرجالُ بعدك الحروبَ
في زوايا عُـلـَبِ الليلِ
وفي المؤتمراتِ..
في الإذاعات ..
البيانات التي لوّثتِ الجدرانْ
فانتصروا بالدفّ والمذياع والغناءْ
ونحن؟
نستحمُّ في بحيرةِ الدماءْ (هذه خيمتي فأین الوطن: 25)
و يستخدم الشاعر في النص التالي تقنية التضاد: القاتل واللص قاضيان، والميدان الذي تجَـوّل فيه الفرسان حديقة للعجزة والجبناء، والرداء الأبيض للصحابي المناضل الطاهر ثوب للغانية التي ترقص للسلطان في الليالي الحمراء:
ومنذ أنْ غفوتَ والقاتلُ قاضٍ
واللصوصُ يمسكون قبضةَ الميزانْ
أبا ذرْ
وأصبح الميدانْ
حديقةً يصولُ في أرجائها الأشـلُّ
والمعمودُ والجبانْ
وثوبك الأبيض شـالٌ للأنـيسـةِ التي
سـامرها السلطانْ (المصدر السابق: 23 و24 )
وفي المقطع الأخير يرسم يحيى السماوي لوحةً تشكيليةً من دم قلبه تخضبتْ ومن دماء قتلى الإخوة الأعداء التي تملأ ساحات المدن العربية وأزقتها، وقد سقطوا فيها صرعى الغدر والخيانة (الباب، 2010م: 97):
أبا ذرْ
أمسِ رأيتُ الجثث الملقاةَ في الشوارع الخلفيةْ
لكنما الـثـقـوبُ في ظهورها
تنبتُ كالزنابق الحمراءْ
فاعلمْ بأنَّ القاتلين إخوتي
وأنَّ من داخلنا الأعداءْ
وليس من نداءْ
غير المناشـير التي تبصقها الريح
وغير الخطبِ الجوفاءْ
تـُطلـَقُ من فنادق الغرب
ومن صالاته الخضراءْ (المصدر السابق: 26)

شخصية ابو رغال:
و یستدعی الشاعر شخصیة تراثیة ذات مدلول سلبي بوساطة الکنية، و هذه الشخصیة هی شخصية “ابو رغال” و قد اشتهر ابو رغال بقصته المعروفة کدلیل لأبرهة الحبشي عندما قصد الکعبة هادماً:
تبدّلت النفوسُ و عفّرتها
مطامها فغيّرتِ الخصالا
و لُوّنتِ الوجوه فلستَ تدري
أ”معتصماً” تُحَدّثُ أم “رغالا”
لُعِنتَ “أبا رغال” کم حفيدٍ
ترکتَ بنا يُماهيکَ ابتذالا
لُعِنتَ “أبا رغال” بئس جاهاً
کسبتَ و بئس منزلةً و مالا
فَتَبّاً للدليل يقودُ زحفاً
علی أهليه غيّاً أو حلالا (الأفق نافذتي: 123)
يعلّق الشاعر علی هذه الشخصية قائلاً: المقصود “ابو رغال” العربي الملعون الذي قام بدور الدليل لجيش أبرهة الحبشي في غزوة مکة المکرمة.
في هذه المقطوعة یختار الشاعر ما یناسب تجربته من ملامح هذه الشخصیة، و هو ملمح الخیانة، إذ یؤول هذا الملمح تأویلاً خاصا یلائم طبیعة التجربة لدیه، ثم يعبّر عن الواقع المعاش من خلال هذا التأویل و هذه الأبعاد المعاصرة، فأصبح کل من يؤدي هذا الدور الخياني جدیراً بأن یکون ابا رغال و لابدّ من الإشارة بأن الشاعر اختار الکنیة لشهرتها و لم یختر الاسم المباشر أو اللقب. و في المقتبس التالي يقول:
فاکنس بمکنسة الجهادِ الوَحلَ
و استأصل جذورَ “أبي رغالْ”
«لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذی»
حتی يزال الإحتلالْ (نقوش علی جذع نخلة: 129)
فالشاعر في هذه الأبيات يعلن الجهاد لإستئصال جذور المنافقين و المخبرين الذين جاؤوا بالإحتلال أو باركوه .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *