أ.د.نادية هناوي سعدون*: جيروم ستولنيتز بين تأصيل الفن وتأويل النقد

nadia-hanawi-2*ناقدة وأماديمية عراقية

ملخص البحث
جيروم ستولنيتز بين تأصيل الفن وتأويل النقد
يتنزل هذا البحث في خانة النقد وما بعد النقد فهو يعنى بدراسة الفن والجمال والنقد معا عبر وقفة نقدية تحليلية مقاربة لكتاب الناقد جيروم ستولنيتز الموسوم ( النقد الفني دراسة جمالية وفلسفية ) ..
وتتأتى قيمة هذا الكتاب من كونه متميزا في مجال التنظير الفلسفي والجمالي لمشكلات الفن وارتباطه بسائر جوانب النشاط الإبداعي الإنساني..
وقد اشتمل البحث على ثلاث وقفات نقدية تحليلية اهتمت الوقفة الأولى بالرؤى الشكلانية والظاهراتية للقراءة والقارئ ، وعلاقة ذلك بتحديدات الناقد ستولنيتز لأنماط النظريات التي عنيت بالفن والجمال كنظرية المحاكاة والنظرية الشكلية .. تلتها وقفة ثانية استعراضية عند الفن وتطوره عبر العصور مع عرض تحليلي لمفهوم الناقد للتجربة الجمالية وطبيعة الجمال وتركيبه وعلم الجمال وأنواع النقد والتي يوظف فيها قدراته الفلسفية احتجاجا ومناقشة ، تأصيلا واصطلاحا ، وموقفه من الوعي الاستيطيقي وتفريقه عن التجربة الاستيطيقية وهو في كل ذلك لا يتوانى عن طرح آرائه على شكل خطابات حوارية يحث فيها قارئه على سبيل الشرح والتحليل …
كما قمنا بمقاربة نقدية بين ما طرحه ستولنيتز حول الفن التشكيلي وبين طروحات الناقد المصري عز الدين إسماعيل …
واهتمت الوقفة الثالثة بالنقد السياقي الذي أولاه ستولنيتز اهتمامه لا سيما طروحات كارل ماركس منتقلا منه إلى النقد الجديد الموضوعي مؤكدا أن الكتابة النقدية مزيج من الأنواع النقدية .
Jerome Stolnitz between Art and literature criticism
The Abstract

This research is dealing with the meaning of Art which is dealing with the Art of criticism through study the critical ( Jerome Stolnitz ) his book which addressed by ( Aesthetics and philosophy of art criticism )
The value of this book is coming from its important in the theory of art and the philosophy of art or the Aesthetic process behind the psychology of beauty .

There are three steps in this research the first one is analyes the problems of art that connected with humanities activates …

The second step preformed analyes the art and beauty –the Essesence of aesthetic –Theory of poetry and fine art like the concepts of imitation in antiquity and Jerome Stolnitz always uses speeches with readers such as asking question and we mention to his scours which that prove it in his book and we made compressive between (Jerome Stolnitz ) with Ismel Aiz –Aldine .

The third step is dealing with the Social criticism –ideas of Marks with new criticism insurance that written criticism mixed between all kinds of criticism.kh jerome

ـ1ـ
تؤكد النظرية الظاهراتية في الأدب فكرة مفادها أن على من يدرس عملا أدبياً أن لا يعنى بالنص الفعلي فحسب بل عليه أن يعنى أيضا وبدرجة مماثلة بالأفعال التي تضمنها ذلك النص ..!! وبهذه الطريقة يواجه أصحاب النقد الجديد بنية النص الأدبي بالطرائق التي يمكن أن يدرك بها ذلك النص.(1)
ويقدم النص المقروء ـ أيا كان شعرا أو سردا ـ نظرات تخطيطية مختلفة يمكن لموضوع العمل أن يظهر من خلالها… ذلك أن الالتقاء بين النص والقارئ هو الذي يحقق للعمل وجوده ولا يمكن لهذا الالتقاء أن يعين بدقة ولكن ينبغي أن يبقى التقاء فعليا.. فكل ما نقرأه يغوص في ذاكرتنا ثم يستدعى ثانية ليوضع كخلفية معرفية وينتج عن ذلك امتلاك القارئ قدرات تمكنه من تطوير تداعيات لا يمكن التنبوء بها … لهذا يشترط لكي نقرأ ” أن نكون على معرفة بالأساليب الأدبية والاصطلاحات التي ينشرها ذلك العمل كما يجب أن يكون لنا مقدار من الفهم بقوانينه التي تعني القواعد التي تتحكم بوسائل صياغة المعاني ” (2)
ومن هذا المنطلق لا تكون القراءة مجرد إدراك حسي لما هو مكتوب فحسب، بل هي وعي جوهري للموجودات والمجردات معا .. فالنصوص الأدبية تنشط مدركاتنا الخاصة وتمكننا من إعادة فهم العالم الذي تقدمه وهو ما يطلق عليه المنظر الألماني المعروف ( ولفغانغ ايزر ) البعد الفعلي وبقصد به البعد الذي يمنح النص واقعيته (3)
وهذا البعد ليس هو النص نفسه ولا هو القارئ وتخيله، بل هو نتيجة للاثنين معا اعني النص والقارئ المتخيل معا.
ويتغير هذا البعد الفعلي بطبيعة الحال بحسب الانطباعات التي تنشأ نتيجة لهذه العملية … وهي تتغير من فرد إلى آخر ولكن ضمن الحدود التي يفرضها النص المكتوب كمقابل للنص غير المكتوب .
وأن هذا التغيير في المنظورات هو الذي يشعر القارئ بأن رواية ما أكثر مطابقة للحياة من منطلق قيام ذلك القارئ بممارسة مستويات تأويل تضفي على تلك الرواية الروح الديناميكية التي تمكنه من إغراق تجربة غير مألوفة في عالمه الشخصي ….. وهذا هو سبب شعور القارئ بأنه مستغرق في حوادث تبدو واقعية له في زمن القراءة على الرغم من أنها في الحقيقة ابعد ما تكون عن واقعه الخاص ..
وبعبارة أخرى فنحن نستطيع أن نكّون صور أشياء غير موجودة في الجزء المكتوب من النص وهذا يتضح بشكل أكبر حين يقارن القارئ بين النص المقروء والنص المكتوب حتى يغدو فعل تكوين الصورة الذي ينجزه عند ذاك هو فعالية واحدة من مجموعة فعاليات نقوم من خلالها بتكوين صيغة كلية لذلك النص الأدبي المقروء .(4)
ومن هنا تتجه ” قراءتنا إلى النص من خلال تحديد مفهوم مبسط عنه يقف عند سمات تشكله وما تنهض به من مقومات لنراه تشكيلا لغويا ذا خصوصية تعبيرية تؤيدها مستويات متعددة من الأداء الجمالي المنسجم في تكوين بنية خاصة تستفيد من المنجزات المعرفية والجمالية ” (5)
وقد تسعى مستويات التأويل إلى بلوغ الأنموذج المتماسك حين تـــظهر مساحات جديدة من اللاتحديد وعندما نقرأ ؛ فإننا نتأرجح بدرجة قليلة أو كثيرة بين بناء الأوهام وتبديدها .
ومن خلال عملية إعادة المحاولة والخطأ عبر قراءات متعاقبة تنتظم المعطيات المتنوعة ….. ومن ثم يتحقق إدراك القارئ لما ينبغي أن يقوم به من علاقات وتوقعات وتساؤلات واستقراءات وتأملات تفـضي به إلى ديمومة فعل القراءة وإعادة الإنتاج بدينامكية .
وقد حدد المنظرون الشكلانيون والظاهراتيون لتلك العمليات مكونات لها ذخيرة من النماذج الأدبية وتقنيات واستراتيجيات خاصة .(6)
ومن خلال ما تقدم ولأهمية فعل القراءة وما يتبع هذا الفعل من عمليات النقد وما بعد النقد ؛ فإننا سنخصص بحثنا في هذا الموضوع حول كتاب نقدي له من الأهمية ما تجعلنا بحاجة إلى سبر أغواره وهو كتاب {النقد الفني دراسة جمالية وفلسفية } للناقد جيروم ستولنتيز في محاولة لرصد ما قام به من مستويات تأويلية للفن والجمال وتحديدات تنظيرية للنقد وما بعد النقد ……..
ـ2ـ
*متاهات التأصيل لمفهوم الفن *
للناقد جيروم ستولنتيز كتب نقدية متميزة وهي :(البناء الشكلي للنظرية الاستطيقية ) و(الألفة الفنية والقيمة الجمالية) و (نحو التقويم والتقدير الجمالي ) و(القبح في الفن ) … إلا إن كتابه (النقد الفني دراسة جمالية وفلسفية ) يعد كتابا متميزا في حقل التنظير الفلسفي والجمالي لمشكلات الفن..؛ أولا لما للفن من ارتباط بسائر جوانب النشاط الإنساني، وثانياً لريادة المؤلف في التنظير إلى العمل الإبداعي بمعنى النظرة الشاملة المتكاملة إلى الفن بوصفه محوراً لكل ما يقال في عالم النقد … فلا تضاد بين الفن للفن والفن للمجتمع.
وقد شاعت كلمة الفن عبر العصور وتطور الأجيال وكلمة الفن جمعها فنون ومنها فنون الشعر أي أنواعه وهناك الفنون الجميلة والأدب على رأسها لأنه خلاصة الإنسان وخلاصة الفنون وفيه الصورة الجامعة للفنون يقول الياس أبو شبكة ” فللشعر عناصر متساوية يجب أن تجري كلها في حلبة واحدة فلا تنحط الفكرة عن الموسيقى أو الصورة عن الفكرة ونريد أن نقارن بين الفنون لكن الأدب له دلالات إيحائية تجعله اقرب إلى الإنسانية فالفن يفهم بمجرد تأثيره ومصدره الإلهام … لهذا طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته وهنا نذكر الآية الكريمة ( والشعراء يتبعهم الغاوون ) وقول الرسول الأعظم ( لئن يمتلئ جوف أحدكم ..) ” (7)
ليس لان الشعر شر كله بل بما يسعد الإنسانية ويحقق الخير فالشعر قد يكون حكمة.. ومن هنا يمكن أن نفهم الصورة المثالية التي تعبر عن علاقة الفن بجوهر الحياة .
وعن صدق الفن وجد جيروم أن علاقة الفن بالحياة علاقة جدلية لها سمات البيئة والعادات والتقاليد والمناخ الحضاري والإنساني الذي ينطبع في روح الفنان فلولا الشعر لما عرف تاريخ العرب في الجاهلية أو الفروسية عند اليونان .
وتكمن ماهية الأدب عند جيروم في التنظير للأدب أو النظريات في الأدب التي قد أختلف النقاد إزاءها فبعضهم يرفضها وبعضهم يؤيدها …. فهل الأدب فن أو علم أو منهج؟ وهل يفصل الأدب عن الحياة و السياسة و الاقتصاد و العلم و الفلسفة ؟ وهل هو الصورة التي تعكس الحياة وطبيعتها ؟ ؟!!
لقد وجد أفلاطون في الفن (محاكاة المحاكاة) واخرج الشعراء لأنهم لم يسيروا وفق منطقه المثالي في الجمهورية فهم مفسدو الأخلاق ومصورو الرغبات الدنيئة وأن الفنان الذي يريده أفلاطون هو الذي يتسامى بفنه نحو المثل الأعلى ..
ونظر أرسطو إلى الفن بوصفه قائما على الأخلاق والفلسفة ؛ ووظيفة الفن بمفهوم أرسطو ليست التقليد للأشياء مثل التصوير الفوتوغرافي إنما التقليد بمنطق أرسطو هو تصوير الأشياء لواقعها الذي تنبض به حركته الداخلية فيقدم الفن لنا النماذج والصور المشتقة من القوانين العامة التي تحكم الطبيعة وهذا ينطبق على الشعر الجيد الذي يتسامى عن المحسوس إلى الأداء العقلي … وأننا نتذوق العمل الفني على ركائز هي:جمال الفكرة _ جمال اللفظة _جمال العبارة _جمال الأسلوب ……….
وعلى الرغم من أن ستولنيتز قد حذر مرارا وتكرارا في تضاعيف الكتاب من نسيان العمل الفني عبر الإغراق أو الانقياد إلى التفاصيل المتعلقة بالحياة الواقعية ..!!(8) إلا انه أعطى الجمال والفن الاهتمام الأكبر ؛ ولم يمنح الأدب الاهتمام المماثل الذي يستحقه .. لاسيما فيما يتعلق بالأنواع الأدبية إذ كانت معالجته عمومية اقرب إلى الفنون التشكيلية منها إلى الأجناس اللغوية باستثناء باب النقد وأنواعه … والذي استدرك فيه هذا القصور بما تناوله في متون الباب من موضوعات أدبية كان قد أغفلها سابقا.
والجدير بالذكر أن هذا الكتاب قد نال في طبعتيه: الأولى الصادرة عام 1967والطبعة الثانية عام 1981، اهتمام الباحثين والدارسين فقد اقبلوا على قراءة هذا الكتاب لاسيما ما يتعلق بالجمال والفن بوصفهما مهارة يحكمها الذوق والعاطفة..
وتتأتى أهمية هذا الكتاب من طبيعة الموضوعات والقضايا التي عالجها كقضية التجربة الجمالية وطبيعة الفن وتركيبه وعلم الجمال وأنواع النقد …
والأهم من كل ذلك هو مناقشاته الفلسفية النظرية وطبيعة طرحه للأسئلة ووضع الحجج ومناقشتها..!! من ذلك على سبيل المثال لا الحصر تساؤله.. لماذا ندرس علم الجمال ؟ وكيف ينبغي أن ندرس علم الجمال ؟ وما المجالات الرئيسة للدراسة ؟ و ما هي التجربة الاستطيقية ؟
وقد أجاب عن هذه الأسئلة بطريقة حوارية في محاولة لمعالجة القضايا.. معززا تلك الإجابات بتطبيقات واقعية تقريبية….
كما تتأتى قيمة الكتاب أيضا من خلال الإلتقاطات الفكرية التي ضمنها المؤلف في تضاعيف بحوثه وتشمل:
1ـ الأسئلة التي يوجهها للدارس في تضاعيف البحث لاسيما في نهاية كل فصل .
2ـ الجرأة في طرح قضايا او مشكلات فنية كثر الجدل والاختلاف إزاءها .
3ـ التأصيل النظري لمفاهيم مهمة في الفن والجمال والنقد .
4ـ إيـــــراد المراجع وذكر المصادر التي تمد القارئ بالمفيد من الكتب فضلا عن إضفاء السمة الأكاديمية على الكتاب.
5ـ الاستنتاج أو التلخيص الذي يحرص على تقديمه في نهاية كل مبحث.
كما تتضح رؤيته النقدية من خلال تأصيله لبعض الاصطلاحات من قبيل الموقف الاستطيقي الذي عـرّفـه بأنه ” انتباه وتأمل متعاطف منزه عن الغرض لأي موضوع للوعي على الإطلاق ” (9) ؛ وعلم الجمال الذي أخذ يظهر ” إلى جوار النقد الأدبي وتاريخ الأدب كنوع جديد من الدراسة الأدبية يكون جزءا من العلم المعروف باسم استتيكك ويسمى علم الجمال الأدبي وتجتمع مواضع بحثه في أمرين : كيفية تولد العمل الأدبي في نفس الكاتب وتأثير العمل الأدبي في الجمهور ) (10)
أما الوعي فيعني عنده ” المعرفة العقلية غير الحسية للتصورات والمعاني وعلاقاتها المتبادلة ومثل هذه المعرفة تحدث في التفكير المجرد كالمنطق والرياضة ” ( 11 ) في حين تعني التجربة الاستطيقية ” التجربة الكلية التي نمر بها عندما يتخذ هذا الموقف ..” وفرَّقها عن الموضوع الاستطيقي ” الذي يُتخذ إزاء هذا الموقف والقيمة الاستطيقية هي قيمة هذه التجربة أو موضوعها ” .(12)
وقد دفعه هذا إلى التفريق بين دلالة الوعي الاستطيقي في التجربة الإنسانية العملية والتجربة الاستطيقية ” فالانتباه والتفسير الانتقائي يتمثلان في تجربة الفنون كما يتمثلان في تذوق الطبيعة وبقدر ما يشير العمل الفني إلى الاتجاهات التي ينبغي على الإدراك والتفسير السير فيها فيكون مجال النشاط الايجابي للمشاهد أقل مما هو في حالة تذوق الطبيعة غير أن الفارق بين الاثنين .. إنما هو الفارق في الدرجة.. وليس من الصواب أن نجعل منه تقسيما ثنائيا وقاطعا ” (13)
وقد حدد الناقد جيروم ستولنتيز آليات الارتباط بالموضوع من الوجهة الجمالية .. عبر ثلاثة شروط :
الشرط الأول / إذا لم يكن يضعف الانتباه الجمالي إلى الموضوع أو يقضي عليه.
الشرط الثاني / إذا كانت متعلقة بمعنى الموضوع وطابعه التعبيري.
الشرط الثالث / إذا جعلت لاستجابتنا الجمالية المباشرة للموضوع طابعا ارفع ودلالة أقوى.(14)
وهو كذلك يسخر من القواعد التي تخمد العبقرية …!! وكان د.محمد مندور قد نقل عن الناقد الألماني لسنج صاحب كتاب (لاوكون)قوله :” إن العبقرية تضع نفسها فوق كل القواعد وإنتاج العبقرية هو القاعدة … وفي الحق أن كل ناقد فني ليس عبقريا وان يكن كل عبقري يولد ناقدا فنيا والعبقري يحمل في حناياه إحساسا بكافة القواعد ” ( 15)
ولا يخلو تأصيله للاصطلاحات الجمالية والفنية من خطاب حواري يحاور به قارئه مغلبا فعل التخاطب على فعل الغياب وفعل التحاور على فعل الشرح والتحليل كقوله :” ركز الانتباه على الموضوع فحسب ولابد أن يكون أي شيء آخر تقوله أو تفعله خاضعا لهذا الهدف الأساسي ” .(16)
أمّا بالنسبة إلى قضية الإبداع الفني فانه عرفها ” أنها عملية لاواعية ولا إرادية وان الفنان الخلاق يميزه الجنون والعبقرية… وهذا الفنان ” شخص يفكر من خلال وسيط فني معين ويشتمل الوسيط على عناصر حسية معينة هي الألوان والأصوات يتم ترتيبها والربط بينها ” (17)
كما وصفه في موضع آخر بأنه ” الشخص الذي يتميز بالحساسية نحو الوسيط الذي يخلق فيه العمل الفني ” (18)
هذا وأن اهتمامه بالنظرية الفنية والتجربة الجمالية يذكرنا ببنديتو كروتشه الذي آمن ” أن الخلق الفني عملية باطنة وان عملية الحدس الفني لا تحدث إلا في الخيال بلا اتصال ” (19)
وقد قاد هذا الاهتمام جيروم ستولنيتز إلى تحديد نظريات بعينها ومنها نظرية المحاكاة واضعا لها ثلاثة أنماط فهناك:ـ
1ـ المحاكاة البسيطة / وتذهب هذه النظرية إلى ” أن العمل الفني يكون في أفضل حالاته عندما يكون اقرب شبها إلى الحياة ” (20)… ولعله في هذه النظرية متأثر بالرسام الايطالي المعروف ليوناردو دافنشي في عصر النهضة .
2ـ نظرية محاكاة الجوهر / إذ انطلق من تأكيد أرسطو للقيمة والدلالة الكامنة للفن وضرورة ملاقاة الفن على أرضه وبشروطه الخاصة على الرغم من أن جيروم لا يرى استعارة (المرآة) أمرا حاسما ..!! و يشاركه في هذا الرأي كبار النقاد الغربيين من أمثال صموئيل جونسون والسير جويشوا رينولدز فالأول يدافع عن نظرية المحاكاة البسيطة في حين أن الثاني يرفضها ويأخذ بمحاكاة الجوهر .(21)
3ـ نظرية المثل الأعلى / وهي تركز على أخلاقية الموضوع وتركز على ما يقع خارج نطاق الفن أي ما يحاكي (الأنموذج ـالتجربة المعتادة ـ الماهية ـ المثل الأعلى )
4ـ النظرية الشكلية / تعد هذه النظرية نقيضا مضادا للنظرية السابقة نظرية المحاكاة فالفن الحديث أصل النزعة الشكلية..(22) وان ” الفن الصحيح منفصل تماما عن الأفعال والموضوعات التي تتألف منها التجربة المعتادة فالفن عالم قائم بذاته …. وان قيمة العمل تتمثل في التنظيم الشكلي للعناصر التصويرية من خط وكتلة وسطح ولون فالاهتمام ينصب على ما هو كامن وفريد في التصوير ” …(23)
وقد سبقه الناقدان كلايف بل وروجر فراي في تأكيد النزعة الشكلية كنظرية النقاء الفني الجمالي وعندهما ” الفن الحديث هو وحده الذي يمكن أن يسمى فنا جميلا ” (24)
لكن جيروم تمسك بالفن والحياة في التحليل النقدي للنزعة الشكلية ذلك ” أن الفن اللاموضوعي يكشف لنا عما يكمن في قلب كل تجربة لنا … إننا نرى ما لم نرَ قط ونسمع ما لم نسمع قط ومع ذلك فأنَّ ما نراه ونسمعه لحم من لحمنا وعظام من عظامنا ” (25)
4ـ النظرية الانفعالية / وهي نظرية جمالية معبرة عن وجهة النظر الرومانتيكية للفن ؛ فالفن تعبير عن الشخصيةـ تعبير عن الانفعال وتوصيله ـ تعبير عن التجربة الجمالية … (26) وقد” تأثر أولئك الذين قادوا الثورة على المناهج السياقية بالنظرية الوجدانية تأثرا قويا ؛ تلك النظرية التي ترى أن الفن انفعال كما قال اوسكار وايلد ” (27)
وقد استند جيروم ستولنيتز في تدعيمه لهذه النظرية وتأصيلها على كتابات كل من :
ـ كيرت دوكاس وكتابه (أنت والفن والنقاد)
ـ الفرد ايشتن وكتابه (الموسيقى في العصر الرومانتيكي )
ـ د.و.جوتشوك وكتابه ( الفن والجمال)
ـ ستيفن بيير وكتابه ( المسافة الانفعالية في الفن)
ـ جيمس سكوت وكتابه (صناعة الأدب)
5ـ نظرية الجمال الفني / تؤكد هذه النظرية أن الطريقة التي نتحدث بها أو نفكر عبرها هي التي تؤكد قيمة الفن بالنسبة إلى الإدراك الاستطيقي وهذه القيمة هي الجمال في الفن الجميل (28)
6ـ نظريات حكم القيمة / وتشمل :
1ـ النظرية الموضوعية 2ـ النظرية الذاتية 3ـ النظرية النسبية الموضوعية وتتحرك هذه النظريات في حدود تعين معنى حكم القيمة وتحققه
وفي الوقت الذي ترى فيه النظرية الموضوعية القيمة كامنة في العمل … فإن النظرية النسبية الموضوعية تحاول الخروج من الطريق المسدود الذي تنتهي إليه النظرية الموضوعية والتخلص من فوضى النظرية الذاتية ..(33)
وهناك نظريات أخرى كالنظرية الحدسية ونظرية السمات المصاحبة والنظرية التعريفية التي تبدأ بالموقف الطبيعي .. وتنتهي بإثبات صحة الأحكام الجمالية أو بطلانها ….(34)
وقد تأثر ستولنيتز في معالجة هذه النظريات بمؤلفات عدة منها :
• (مشكلات في علم الجمال ) فيتس
• (الابتعاد عن التشابه في نظرية التصوير) فراتس بلانشارد
• (فلسفة الفن ) كيرت دوكاس
• (التحولات) روجر فراي
• (خمسة الفن) هاليدي
• (الجميل في الموسيقى ) ادوارد هانسيلك
• (المعنى والحقيقة في الفنون ) جون هربيرز
• (العين جزء من الذهن ) ليو ستيرج
• (الاستطيقيا وأوجه النشاط الاستيطيقية ) س.ج. دوكاس
• (مشكلات الاستطيقيا ) اليريو وكريجر فيفاس
• (حول مادة مقرر دراسي في التمهيد للاستطسقيا) تشارلس جوس
• (الفنون وفن النقد) تيودور جرين
• (الاستطيقيا والنقد) هارولد ازبورن
• (الحكم الاستطسقي ) د.د.برول
• (البناء الشكلي للنظرية الاستطيقية ) جيروم ستولنتيز
• (الفن والنظام الاجتماعي ) د.و. جوتشوك
• (مفهوم المسافة النفسية) لستر لونجمان
• (مرجع حديث في علم الجمال) ملفن ريدر
• (مشكلات علم الجمال) فيفاس وكريجر
• (مفهوم الارتناط بالموضوع في علم الجمال) هنري د.ابكن
• (ملحوظة عن التمثيل في الفن) ارفنج م.كوي
• (الفن بوصفه تجربة ) جون ديوي
• (مسعى الفيلسوف ) اروين ادمان
• (الموقف الجمالي ) هربرت س. لانجفلد
• (الحكم الجمالي) برول
• (النقد العملي) رتشاردز
• (الجمال والطبيعة والبشرية) تشاندلر
• (الفن بوصفه تجربة ) الفن ديوي
• (الأساس المبرر للنقد في الفنون ) ا.م. فوستر
• (لاوكون ) جوتهولت لسنج
• (العملية الجمالية) برترام موريس
• (السمة الجمالية ) ستيفن بيبر
• (أساس النقد في الفنون) بيير
• (الزمان في الفنون التشكيلية ) اتبين سوريو
• (الألفة الفنية والقيمة الجمالية) جيروم ستولنيتز
• ( مدخل الى الدراسة النفسية التجريبية للجمال ) فالنتين
• (الجمال وغيره من صور القيمة) س.الكسندر
• (ماهية علم الجمال ) بندتو كروتشه
• (العملية الخلاقة) بروستر جيزلين
• (تشريح الالهام ) روزا موند هاردنج
• (الفن والجمال ) ماكس شون
• (الجرح والقوس) ادمند ولسون
• (الضحك) برجسون
• (محاضرات اكسفورد في الشعر) برادلي
• (الإدراك الحسي والقيمة الاستطيقية) لي
• (تحليل الفن ) باركر
• (دراسة في علم الجمال ) ريد
• (القبح في الفن ) جيروم ستولنيتز
• (دراسات جمالية ) كاثرين جلبرت
• (المسعى المشترك ) ف.رز ليفيس
• (تحليل للمعرفة والتقويم) ليويس
• (علم الجمال والنقد ) اوزبورن
• (نحو التقويم والتقدير الجمالي) جيروم ستولنيتز

ولعل من المفيد أن نذكر أن من أهم تلك المؤلفات التي أفاد منها ستولنيتز كثيرا في تنظيراته : كتاب د.و. جوتشوك (الفن والنظام الاجتماعي ) وكتاب بيرسي لوبوك (صنعة الكتابة الروائية ) وكتاب ادوين موير (تركيب الرواية) وكتاب توماس مونرو (نحو نظرية علمية إلى الاستطيقا) وكتاب دويت باركر (تحليل الفن ) وكتاب ستيفن بيير (مبادئ التذوق الجمالي ) وكتاب جورج سانتيانا (الإحساس الجمالي ) وكتاب دونالد توفي (دراسات في التحليل الموسيقي )
وخلاصة القول إنَّ هذه النظريات التي حاول جيروم ستولنيتز تأصيل الفن من خلالها ، تؤكد حقائق مهمة من بينها ” أن كل نظرية في الفن تتصل مباشرة ببعض الأعمال الفنية وعلينا أن لا ننسى هذه الحقيقة العظيمة الأهمية لمجرد كوننا قد قررنا انه لا توجد نظرية ذات صحة شاملة … فكل نظرية تطرح أسئلة مختلفة عن الموضوع الفني وتلقي ضوءا على جوانب مختلفة منه ” (29)
كما انتهى ستولنيتز من خلال هذه النظريات إلى الإيمان بفردانية العمل الفني وتكامله إذ ” لابد من تحقيق التوازن بين وجهتي النظر الخارجتين عن نطاق العمل الفني و هما نظرية المحاكاة والنظرية الانفعالية وبين وجهتي النظر الاستطيقية الخالصة وهما النزعة الشكلية ونظرية الجمال الفني ” (30)
وخصص جيروم ستولنيتز عن تركيب الفن مساحة واسعة في كتابه لمعالجة قضايا تتعلق بالمادة والشكل وتركيب الفن ومادة الفن والحواس العليا والدنيا والوظائف الجمالية للشكل .
أما فيما يتعلق بمسألة (التعبير)، فإنّ معالجته لها جاءت على المحاور الآتية:
1ـ طبيعة التعبير 2ـ التعبير والترابط 3 ـ التراجيديا والكوميديا 4ـ الحقيقة الفنية
5ـ الفن والأخلاق 6ـ تقدير الفن .
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن للناقد العربي د. عز الدين إسماعيل وجهة نظر شكلية للفن ؛ وتحديدا لفن الشعر ” فالقصيدة صارت تتراوح لدى الشعراء بين شكلين مهمين احدهما مسهب للغاية بحيث يضم كثيرا من التفصيلات الجزئية التي تتجمع وتتراكم وتتجاذب وتتحاور وتتحدد أو تتشقق وتتحول بين لحظة وأخرى فتهرب ليحل محلها تفصيلات أخرى وهكذا …. أما الشكل الثاني فهو على العكس أميل إلى التجريد لاستخلاص الجوهري من التفصيلات وهو غير التجريد العقلي أو الفلسفي لأنه ما يزال حميم الصلة بأرض التفصيلات الحية ولكنه يعرف كيف يبصر من خلالها بأكثرها جوهرية ” (31)
وقد علق د.عز الدين إسماعيل نهضة الفنان التشكيلي الغربي على مدى استيعابه للمدارس الفنية كالتجريدية والتكعيبية للوصول إلى لغة لا يمكن ترجمتها إلى أي لغة أخرى في حالة إسقاط فكرة الموضوع من اللوحة ,, وبهذا أصبحت اللوحة مجرد تكوين أو تشكيل يعكس ولع الفنان بلغته الخاصة الخطوط والمساحات والألوان …. (32)
وفي هذا يغلِّب الدكتور إسماعيل الشكل على المضمون والهيأة على المحتوى؛ لكن هذا لا يعني أن الدكتور إسماعيل يتبنى السريالية أو يدافع عنها.. على طريقة بودلير ونيرفال ؛ إلا انه معجب بما قالوه عن استخدام الفن فهو أداة لارتياد المجهول واستكشاف ما يحيط به من غوامض لاسيما فكرة السفر والحلم والخيال العقلي بتجاوز المألوف العادي .
ـ3ـ
* جيروم ستولنيتز وتأويل النقد *
تعد مؤلفات النقاد كل من: رينيه ويليك (تاريخ النقد الحديث ) وازبورن (علم الجمال والنقد ) وريتشارد ماكيون ( النقد الأدبي ومفهوم المحاكاة في العصر القديم ) وس.هـ . بوتشر (نظرية أرسطو في الشعر والفن الجميل ) … و اندريه ريشار (النقد الفني) ….. من أهم المصادر في التنظير الذي وضعه جيروم ستولنيتز لأنواع النقد الأدبي ومنها النقد التاريخي ، وقد كان متأثرا أيضا بالنقاد من أمثال كاستلفترو وتوماس ريمر وجون درايدن والكسندر بوب وغيرهم ..
وقد عدَّ جيروم ستولنيتز المفكر والناقد ( هيبولت تين) من أوائل من استخدم المنهج التاريخي في دراسة الأدب (35) .. وتحديدا تمييزه بين النقد التفسيري والنقد التقديري فاحدهما يفسر العمل والآخر يحكم عليه وفضلا عن ذلك فان النقد التقديري يفترض مقدما النقد التفسيري (36)
كما كان معجبا ب(سانت بيف) الذي عده رائد(النقد السياقي ) وهو ذلك النوع من النقد الذي يبحث في السياق التاريخي والاجتماعي والنفسي للفن .. (37) على الرغم من أن النقاد اخذوا ” ينصرفون إلى النقد التفسيري وهو الذي يحرص على الشرح والإيضاح والمساعدة على الفهم أكثر من حرصه على الحكم وتحديد القيم ” (38)
وقد كان النقد السياقي قديما قدم النقد الفني ذاته … لكن لماذا عد جيروم النقد السياقي من أعظم المنجزات العقلية ؟
لقد أجاب عن هذا السؤال بنقاط جوهرية هي:
1ـ أن فكرة السياق من اقوي أفكار القرن التاسع عشر.. وان هذا القرن كان ذا اتجاه تاريخي.
2ـ كثير من مفكري القرن التاسع عشر يريدون أن يجعلوا النقد علميا ذلك لأنهم كانوا معجبين بدقة العلوم الطبيعية ويقينها لا سيما الحركة الوضعية
3 ـالتطور العقلي في العلوم الاجتماعية لا سيما علم الاجتماع والانثربولوجيا الحضارية والاقتصاد وعلم النفس (40)
4ـ أن بعض الأعمال الفنية نواتج اجتماعية تعكس سمات العصر الذي ينتمي إليه..!(39)
إنَّ هذه الأسباب كانت هي الدوافع التي شجعت على النقد السياقي إلى حد بعيد .. ولعل هذا الباب الذي أطلق عليه النقد الفني هو الأهم من كل أبواب الكتاب..
وقد عد جيروم كارل ماركس أبا لمدرسة النقد السياقي ذلك ” أن ماركس من الشخصيات الكبرى في الحركة التي اتجهت إلى دراسة جميع النظم في المجتمع ومن ضمنها الفن بطريقة علمية ” (41)
ومن هنا نفهم هذا الاهتمام المنقطع النظير بطروحات ماركس حول النظام الاقتصادي ونظام الملكية ووسائل الإنتاج وعلاقتها بالإيديولوجية..؛؛ لكن هذا لا يعني انه كان مؤيدا لماركس في كل تلك الأطروحات..!!!
إذ أن من القضايا التي دحضها ولم يوافق ماركس عليها ما يأتي : قضية القول بأنَّ العامل الاقتصادي هو السبب الوحيد الذي يجعل النظم الأخرى على ما هي عليه ؛ وعن ذلك قال : ” هذا الرأي ينطوي على تبسيط مفرط ولا توجد أدلة تؤيده .. وهذا الرأي على خطأ في حالة الفـنون الجميلة ” (42)… لـكـن لمــاذا ؟؟
لقد حدد جيروم ستولنيتز السبب بما يأتي:ـ
1. أن الفن يتأثر بقوى أخرى في المجتمع غير العامل الاقتصادي.
2. أن الأفكار والمعتقدات يمكن أن تترك طابعها على الفنان.
3. الفنون الجميلة لم تكن لتوجد لولا وجود وسط وقوالب وأساليب فنية.
4. ليس في استطاعتنا أن نفهم تاريخ الفن ما لم نفهم الأسباب الفنية المتخصصة..(43)…. بل إن بعض الماركسيين المعتدلين كانوا يرفضون الزعم بان العامل الاقتصادي وحده المؤثر في الفن.(44)

وانتهى إلى القول بان الماركسية نظرية تعيننا على إدراك أن العمل الفني يحيا في عالم اجتماعي.. لكن أمر إثبات ذلك مشكوك فيه إلى حد بعيد (45) .. وان هناك أعمالا فنية عديدة لا تسري عليها مقولات التحليل الاجتماعية الاقتصادية ” وان المفاهيم الأساسية فيها هي بالضرورة أضيق من أن تفي بأغراض النقد الفني ” (46)
وقد ابتكر جيروم صفة ( التزييف المتعصب ) ليطلقها على بعض الماركسيين الذي يرتكبون خطأً حين يذهبون إلى أن تفسيرهم هو التفسير الوحيد المشروع للعمل …” فالأعمال الفنية متعددة القيم والتفسيرات المسلمة للعمل الواحد يمكن أن تتعدد إلى حد يستحيل معه تبرير القول بوجود معنى واحد فريد للعمل ” (47)
كما رفض ما يسمى ب( إذكاء المشاعر الثورية) لأنها ليست مفهوما جماليا ” والماركسي شأنه شأن أفلاطون وتولستوي لا يتجاهل أو يرفض قيمة الفن لذاته فتقديره أخلاقي لا جمالي ” (48) ؛ واستدرك بأن استخدام تعبير ( الوعي الاجتماعي ) خطأ آخر رآه يتكرر في النقد السياقي.. وهكذا فإن ” الماركسيين يصفقون لمسرحيات ابسن بقدر ما تدعو إليه من ثورة اجتماعية ” (49)
لكن كيف يتوخى الناقد هذه المحاذير والأخطاء ؟
لقد حرص جيروم على توكيد شيئين ينبغي علينا أخذهما بعين الاعتبار عند قراءة النقد الماركسي :
1. أن نحرص على تمييز الحقائق المنشئية أي المتعلقة بأصل العمل وبين التفسير أي إيضاح ما ينطوي عليه العمل والتقدير .
2. أن نكون على وعي بحدود النظرة السياقية..؛؛ كأن نتساءل : ما الذي يوجد في العمل مما لا يمكن تفسيره بعبارات اجتماعية ؟ (50) ….
وفي معرض المقارنة بين كارل ماركس و معاصره هيبولت تين ؛ وجد أن هذا الأخير قد بذل مجهودا أعظم مما بذله ماركس نفسه في سبيل نشر النظرية الاجتماعية في الفن ….
ولعل السـبب وراء هذا الرأي يعود إلى: ـ
1. أنَّ تين ” درس ظاهرة الفن بوصفه عملية اجتماعية بطريقة تفوق في دقتها ومنهجيتها طريقة ماركس في دراستها بكثير.. وان الفن ناتج مباشر يمكن التنبؤ به للقوى الاجتماعية ” (51)
2. تأثر تين بالنجاح الهائل الذي أحرزه العلم …
3. أن الأدب ينبغي أن يدرس بطريقة تكشف حتميته (52)
4. أن العوامل الثلاثة ( الجنس ـ البيئة ـ العصر ) هي الأسباب الوحيدة لكل المنجزات الأدبية..
ولكنه بالمقابل اخذ على تين تحويل المفاهيم الواقعية السياقية إلى معايير للتقدير .(53) .
5ـ أن القول بأن الفن مرآة للعصر اشد خطورة في النقد الفني لأنه يؤدي إلى تجاهل فردانية الفن الجميل (54) … وان العمل ليس مرآة وإنما هو أشبه بنسيج .. أو كائن عضوي أي تنظيم فريد لعناصر تربط بينها علاقات متبادلة..(55)
وخرج بنتيجة هي ” أن من واجبنا أن نستخدم المعرفة الاجتماعية المنشئة عندما تساعدنا على فهم ما هو متضمن في العمل.. وان يكون النقد السياقي مساعدا ” (56)
وانتقل إلى نوع آخر من النقد السياقي وهو النقد النفسي الذي يهتم بنفسية الفرد ..وقد أولى الشخصية الرئيسة في تطور النظرة النفسية إلى الفن وهي شخصية فرويد اهتماما كبيرا…مؤكدا ” أن الفرويدية تعاني من نفس مظاهر القصور وسوء الاستعمال التي تعاني منها بقية مدارس النقد السياقي .. لأنها مهيأة لمعالجة عناصر العمل الفني ذات الدلالة النفسية… وان هذه المدرسة لا تكفي لإصدار نقد تقديري ” ( 57)
فكيف يتوخى الناقد النفسي الحذر من هذا المطب ؟؟؟
في رأي جيروم ينبغي على الناقد أن ” يحترم الدلالة الباطنية للفن الجميل وعليه ألا يرتكب خطا الانقياد لاهتماماته النفسية إلى حد إغماض عينيه عن المزايا الجمالية للعمل ” (58)
ومثـّل لهذا النقد بدراسة روايتي فراتس كافكا (المحاكمة )و(القلعة ) ،كما اهتم بمشكلة هاملت وما دار حولها من نقود . (59) .
ثم انتقل إلى النقد الانطباعي الذي ظهر نتيجة بزوغ حركة الفن لأجل الفن التي تشك في جميع القواعد النقدية سواء منها السياقية والكلاسية الجديدة أو أية قواعد ؛ ” فالقواعد أكثر جمودا وشكلية من أن يتأثر بها الناقد الذاتي الذي يستجيب للعمل الانفعالي والفن لايمكن أن يُحكم عليه بالقواعد ” (60)
ويعد أناتول فرانس من الذين آمنوا بهذا الفهم للنقد في مجال الأدب مؤكداً أن العنصر الشخصي لا يمكن أن ينفصل عن النقد الفني ” ( 61)؛ لكنه توجس من مدى كون الانطباعية الأساس في النقد لأسباب منها :
1. أن الانطباعية لا تضع حدودا لما يقوله الناقد..
2. خروجها عن النطاق الجمالي ..وتحولها إلى تدفق انفعالي صرف ..
3. أن كبار الانطباعيين أنفسهم لم يكونوا يؤمنون بالانطباعية الكاملة المطلقة كاوسكار وايلد وأناتول فرانس وباترولوميتر (62)
وان كان كثيرون لا يعترفون بان التأثرية أو الانطباعية منهج جمالي يستقبل النصوص الشعرية بمرآة حساسة من الإدراك… وقد تكون التأثرية صنوا للامنهجية . (63)
وفرق بين القصد النفسي والقصد الجمالي وان النقد القصدي هو النقد الذي يهتم بمقصد الفنان وهو رد فعل على الانطباعية أولا لوصفها بأنها دعوة إلى التعاطف الجمالي وثانيا لأنها تخلط في مفهوم القصد الذي قد يكون لفظا نفسيا .. كما انه لا وجود لقصد واحد (64)
ومن النقد القصدي عرج على النقد الباطن الذي هو تسمية لحركة ” النقد الجديد التي هاجمت النقد السياقي ورفضت القواعد والسياق والقصد والانطباع ( 65).. لكن ما علاقة النقد الباطن بالحركة الشكلية ؟
لقد كان لـ(هنسليك وفراي ورانسوم وبروكس) اهتمام بالوسط الذي يستخدمه الفنان وهؤلاء ” النقاد الجدد يركزون اهتمامهم على النمط الشكلي للعمل غير أن الشكل يكون على ما هو عليه نظرا إلى تفاعله مع كل شيء آخر في العمل .. وان التحليل الشكلي لا يمكن أن يكون شكليا فحسب وانما ينبغي أن يُبحث في الدلالات التاريخية والاجتماعية للألفاظ والرموز ” (66)
لكنه اخذ على أصحاب هذا النقد الجديد أن اهتمامهم بالعمل ذاته يؤدي بهم إلى الأخذ بالنظرية الموضوعية … وان ازدراءهم للانطباعية قد يؤدي بهم إلى رفض النسبية فمنهجهم في النقد وهو التحليل البنائي الباطن يفضي إلى الرأي القائل أن القيمة الأدبية كامنة غير علائقية …… وأنهم يحاولون الهرب من متاهة النسبية والانطباعية ” (67)
وقد أسهب في الحديث عن الموضوعية بوصفها نظرية وعلاقتها بالقيمة الجمالية للعمل والحكــم عليه
(68)
وأكد أن الإحاطة بتصنيف للنقاد ليس سهلا ؛ فمعظم الكتابات النقدية مزيج من واحد أو أكثر من الأنواع النقدية ” وان الناقد الجيد يكيف أساليبه ومعايير القيمة لديه تبعا للعمل الخاص الذي يدرسه ومن ثم فانه يستخدم في الحالات المختلفة أنواعا مختلفة من النقد كما انه يضع في اعتباره الجمهور الذي يكتب له ومستوى ذوقه ومدى تعوده العمل على هذا الأسلوب أو النمط ” (69)
وأخيرا فان كتاب{ النقد الفني (دراسة جمالية وفلسفية)} يبقى كتابا نقديا رياديا في حقل التنظير للفن والجمال والنقد معا تأصيلا وتأويلا ؛ وما على الدارس إلا أن يرجع إليه ليستقي القواعد الجمالية ويستنبط المعايير الفنية التي لا غنى عنها في معالجة موضوعات الفنون الجمالية وفي تحليل القراءات النقدية وما بعد النقدية ..

فهرس هوامش البحث
1) ينظر:نقد استجابة القارئ من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية ، تحرير: جين تومبكنز، ترجمة : حسن ناظم وعلي حاكم ، مراجعة وتقديم :د.محمد جواد الموسوي ، المجلس الأعلى للثقافة ، المطابع الأميرية ، 1998 /113.
2) مقدمة في النظرية الأدبية ، تيري ايغلتن، ترجمة إبراهيم جاسم العلي ومراجعة د.عاصم إسماعيل ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ،1992/85.

3) ينظر:نقد استجابة القارئ /119، وينظر أيضا : المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية ، وليم راي ، ترجمة : يوئيل عزيز ، دار المأمون للترجمة والنشر ، بغداد ، الطبعة الأولى ، 1987.
4) ينظر:نقد استجابة القارئ /125.
5) النص وأسراره إنتاج قرائي في نصوص يمينية حديثة ، د. علي حداد ، مركز عبادي للدراسات والنشر ،ط1 ، 2002/ 19.
6) ينظر: مجلة أقلام ، العدد الرابع 1998، اثر استقبــال نظرية التلــقي على النقـــــد العربي الحديث ، د. إسماعيل علوي إسماعيل / 23ـ33.
7) أفاعي الفردوس في حديث الشعر ، الياس أبو شبكة ، بيروت ، 1948/ 15.
8) ) ينظر: النقد الفني دراسة جمالية وفلسفية ، تأليف :جيروم ستولنيتز، ترجمة:د.فؤاد زكريا ، الطبعة الثانية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1981 / 39ـ 41.
9) م.ن / 45.
10) في الأدب والنقد ، د.محمد مندور ، دار نهضة مصر الطبعة الخامسة ، القاهرة ، بدون تاريخ / 183.
11) النقد الفني دراسة جمالية وفلسفية / 55 .
12) م.ن/ 56 .
13) ) م.ن / 68 .
14)م.ن /79 .
15) م.ن/ 67 .
16) م.ن/ 82 .
17) م.ن/ 147.
18) م.ن/ 148 .
19) ) م.ن/ 150.
20) م.ن/ 163.
21) م.ن/171 .
22) م.ن/ 195.
23) م.ن/ 195ـ198.
24) م.ن/ 203.
25) م.ن /229.
26) ينظر:م.ن /237 .
27) في النقد الأدبي منطلقات وتطبيقات، عبد الرضا علي وفائق مصطفى، دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل / 172.
28) ينظر: النقد الفني/ 268.
29) م.ن/ 306 .
30) م.ن /316 .
31) الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية ، د.عز الدين إسماعيل ، دار الفكر العربي ، الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة ، 1966 / 422
32) النقد الفني/ 449.
33) ينظر: م.ن / 588ـ 642 .
34) م.ن/ 616 .
35) وقد ترجمه صباح الجهيم.. وهو من منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1979..ينظر: في النقد الأدبي منطلقات وتطبيقات / 186.
36) النقد الفني/ 669.
37) م.ن/ 684.
38) في الأدب والنقد / 89.
39) النقد الفني/ 68.
40) م.ن/ 681ـ 682.
41) م.ن / 682 .
42) م.ن / 683.
43) م.ن / 683ـ684.
44) م.ن / 684.
45) م.ن / 686
46) م.ن /689
47) م.ن /690
48) م.ن /691
49) م.ن /691
50) م.ن /692.
51) م.ن / 693.
52) م.ن / 693ـ 694.
53) م.ن /697.
54) م.ن /696.
55) م.ن /697.
56) م.ن /697.
57) م.ن /699.
58) م.ن /700 .
59) ينظر: م.ن / 706ـ 712.
60) م.ن/ 719
61) م.ن / 721
62) م.ن / 721.
63) ينظر: متاهات، د.جلال الخياط، دار الشؤون الثقافية العامة بغداد، الطبعة الأولى، 2000 / 60.
64) النقد الفني/ 724ـ725
65) م.ن / 728ـ 730.
66) م.ن / 737.
67) م.ن / 739
68) م.ن / 739ـ 742
69) م.ن / 742.

شاهد أيضاً

ارتقاء الأرواح
النقد الأدبي الجاد والتحليل المنطقي
أحمد لفتة علي وعصمت شاهين دوسكي
بقلم: الصديق الأيسري- المغرب

يعتبر الكاتب والأديب أحمد لفتة علي من بين الأدباء المرموقين ومن ضمن المثقفين الطلائع الذي …

عجز التّاريخ عن أن يكون معلّماً مثاليّاً
مادونا عسكر/ لبنان

يقدم الروائيّ المصري باسم جبرة في رواية “أحمس” الجزء الأوّل المعنون بـ “الوباء” رؤيته من …

نـجيـب طــلال: باب ما جـــاء في احتفاليـــة “كــورونـــا” (02)

احتفالـــية كـــورونا : حقيقة وليس وهْما ولا تخاريف بأن فيروس ” كورونا ” أيقظـنا من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *