الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » حسين سرمك حسن: ليلة تسليم جلجامش لليهود؛ فضح مغالطات التناص بين الفكر العراقي القديم والفكر التوراتي (14)

حسين سرمك حسن: ليلة تسليم جلجامش لليهود؛ فضح مغالطات التناص بين الفكر العراقي القديم والفكر التوراتي (14)

hussein-5حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
2016

تناقض غريب .. واعتراف وتصحيح
______________________
لقد قال ناجح – كما أشرت قبل قليل – إن حكاية باتا هي الينبوع الذي تغذّت منه الأساطير الخاصة بعقائد الخصوبة والانبعاث وأضفت ملمحاً أو اكثر على عدد من الآلهة في الشرق وخصوصا الآلهة الشباب الذين وردت إشارات لهم في متن الدراسة (يقصد طبعا تموز/ دوموزي وديونيسس وآتوس وغيرهم) .
هذا ما قاله ناجح على الصفحة 113 ، فتعالوا نستمع الآن إلى ما قاله على الصفحتين 110 و111 ، أي قبل صفحتين من استنتاجه المفرط السابق . يقول ناجح :
(ويمكننا الإشارة إلى أن شخصية الشاب بايتي تمثّل امتداداً طبيعياً لعدد غير قليل من الحكايات والخرافات ، وكذلك الأساطير وتتبدّى من خلاله عناصر عدد من الآلهة الشباب في الشرق مثل أوزوريس /أدونيس/ديونيسيس/أتيس – ص 110) (94).
ماذا يعني “الإمتداد الطبيعي” الذي وصف به ناجح شخصية بطله باتا ؟
يعني أن باتا امتداد لآلهة قبله ، آلهة هم الأنموذج السابق عليه ، وهو – أي باتا – امتداد للآلهة الشباب الذين سبقوه مثل أدونيس وأتيس وغيرهما .
ثم يستعير وجهة نظر من المفكر الفرنسي “مرسيا إيلاد” في كتابه “العود الأبدي” ليسند وجهة نظره هذه فيقول :
(وأقدم أسطورة تتحدّث عن عذاب إله وآلامه هي أسطورة موت الإله تموز وانبعاثه . وقد عرفت هذه الاسطورة تكرارا وتقليدا في جميع أنحاء الشرق القديم تقريبا وظلت آثار سيناريو هذه الأسطورة باقية حتى ظهور المذاهب العرفانية – الغنوصية – التي عُرفت بعد نشوء المسيحية – ص 111) (95).
هذا يعني – باعتراف ناجح وبعظمة لسانه كما يُقال – أن أقدم أسطورة لإله قتيل كانت أسطورة تموز العراقي وليس أوزوريس المصري كما كان يكرّر ، وأن أسطورة باتا ليست هي الأصل والينبوع الذي تغذّت منه الأساطير الخاصة بعقائد الخصوبة والانبعاث وأضفت ملمحاً أو أكثر على عدد من الآلهة في الشرق وخصوصاً الآلهة الشباب كما قال بعد صفحة واحدة من قوله هذا .
يواصل ناجح طرح وجهة النظر الصحيحة التي سينقضها بعد صفحة واحدة :
(لقد مات “بايتي” واستعاد حياته سحريا وظل الموت يتكرر ، ولكنّه تكرّر غير موسمي محكوم بعناصر البنية السردية لنص حكاية الأخوين – ص 111) (96).
أي أنّ حكاية باتا تفتقر إلى أهم ميّزة من ميّزات أسطورة الألوهة القتيلة الشابة ، وهي التكرار الموسمي . فكيف سيصير أصلا وينبوعا لأساطير الخصوبة والإنبعاث للآلهة الشابة في الشرق التي تتميّز بطقوسيتها وتجدّدها وتكرارها السنوي ؟؟ najeh almamoriy 4

تناقضات جديدة
__________
ثمّ يواصل ناجح القول :
(وقراءة الحكاية [= حكاية الأخوين] عبر المدلول الرمزي لبنية الحياة / والموت ، ستجد تناظرا مع الألوهة الشابة المذكرة ، والاختلافات معها طفيفة مع ضرورة ملاحظة العود الانبعاثي الحلولي في جسد آخر حيواني / نباتي والمهم هو استمرار حياته من خلال منظوم (هكذا وردت !) الخصوبة وعقائدها في الشرق لذا أشرنا إلى أن هذه الحكاية امتداد طبيعي لعدد غير قليل من الأساطير والآلهة ، واستطاعت التوحيد بين السحري / الديني ، الالهي وبين الاجتماعي / السياسي – ص 111 و112) (97).
وهكذا يناقض ناجح نفسه من جديد عبر صفحتين أو ثلاث .
لكن هكذا نعود – وهذه هي النظرة الموضوعية الغير منفعلة – إلى اعتبار حكاية باتا امتدادا لأساطير الآلهة الشابة القتيلة في الشرق بدءاً من اسطورة الإله تموز العراقي ، وليست أصلا وينبوعا لأساطير الخصوبة والإنبعاث للآلهة الشابة في الشرق ، كما سيقول ناجح بعد قليل في مناقضة صريحة لنفسه وللوقائع الموثّقة .
وناجح نفسه قال ذلك بصورة مبكرة ، ولكنه نسي ما قاله . لقد قال :
(واندفاع الشاب “بايتي” لقطع ذكورته يفضي به إلى محيط الألوهية الشابة التي عرفتها ديانات الشرق الأدنى القديم – ص 76) (98).
وبعد أشواط من الكتاب يعود ناجح ليناقض نفسه مجدّداً حين يقول :
(وانطلاقا من هذه التوصّلات الجديدة ، فان الشاب “بايتي” حاز على بعض من عناصر الالوهة الشابة في سوريا / واسيا الصغرى ، ومصر . وهو أكثرها قرباً للاله اوزوريس لانهما يمثلان نتاجا واحدا للبنية الذهنية الاسطورية في مصر القديمة ، وهذا لا يلغي خاصية التماثل مع الالوهة الشابة المذكرة الاخرى ، والتي تسيدت في ديانات الشرق القديم – ص 142) (99).
وما يعنيه السطر الأول هو أن الفعل “حاز” يجعل باتا في موقع من يأخذ لاحقاً من أنموذج موجود سابقاً ؛ أي أن محيط الألوهة الشابة في ديانات الشرق الأدنى القديم كان موجودا ومؤسّساً ومعروفاً ، ثم جاء باتا لينتمي إليه عبر فعله الإخصائي الذاتي كما يرى ناجح . إذن باتا لا هو منبع ولا هو أصل لعقائد الألوهة الشابة في الشرق الأدنى القديم .
وفي موضع آخر يقضي ناجح من جديد على حكمه السابق – وهو في كل الأحوال حكم متحمّس وسريع – حين يقول :
(وتاكيدا لما ذكرناه سابقا (ولاحظ أنه لا يدري أن ما ذكره سابقا يناقض ما يذكره حاليا ولا يؤكده !!) ، فان الشاب بايتي انموذج مرتحل للاله الشاب القتيل – ص 145) (100).
ومن المفروغ منه أن (المرتحل) هو من ينتقل من مكان إلى آخر ، وبذلك يكون باتا نتيجة وافدة ، لا سبباً منتقلاً ، وناجح نفسه يؤكد ذلك ليقضي على رأيه السابق حين يكمله بالقول :
(وما يعزز هذه القراءة كون بايتي زارعا للحنطة والشعير . واقترن الاله الشاب القتيل بالقمح الذي يظهر وينمو ويحصد ومن ثم يعاود ظهوره مرة ثانية – ص 145) (101).kh-najeh-8

# هل باتا إله للخصب ؟ 
———————–
والمشكلة أن ناجح “يندفع” لإثبات فرضيته المسبقة هذه في أن باتا من الآلهة الشابة القتيلة حتى لو كلّفه هذا الموقف ليّ عنق الحقائق وتحريفها . يقول ناجح :
(وأهم التناصات الموجودة بين حكاية الأخوين وأسطورة الاله “أوزوريس” هي خاصية الخصاء وقطع الذكورة الدالة على قوة الرجولة والمعبر عنها بافعال جنسية / تخصيبية ، وفقدان الالوهة الشابة المذكرة لقضيبها يعني رمزيا تعطّل الاله عن مجاله الحيوي في نظام الخصوبة الكلي وبذلك تتوقف الحياة بشقيها الانساني / الحيواني – النباتي – ص 75) (102).
ثم يعود ليكرّر الاستنتاج نفسه فيقول :
(وكان الفرق بينهما هو أن اخصاء “بايتي” فعل ذاتي ، واخصاء “اوزوريس” خارجي نفذه الاخ الشرير “ست” ولهذا الاخصاء دلالة واسعة لها صلة كبيرة بتعطل الحياة وايقاف عجلتها والقضاء عليها تماماً على نظام الخصب فيها – ص 105) (103).
وأنا أسأل القرّاء الآن :
هل تعطّلت حركة الحياة ، وتوقّفت عجلة الخصب في الطبيعة ، عندما قام باتا بإخصاء نفسه ؟
هل هناك أدنى إشارة في الأسطورة إلى ذلك ؟
والجواب هو : كلّا .
لقد كان فعله أشبه بحالة فرديّة ذات تأثير شخصي لم يتعد دائرة وجوده ووجود أخيه الأكبر وزوجته . ولكن الباحثين المتحمّسين أوديبيّاً ، وأحيانا حدّ الإنعصاب ، هم الذين يوسّعون دور الشخصيّة ويضخّمون الأفعال الفرديّة ليرفعوها إلى مستوى الظواهر الطبيعية أو الكونيّة . الباحث (فراس السواح) – على سبيل المثال – من الباحثين الأبناء المنحازين بحماسة مفرطة إلى الإلهة الأم – يعلّق على مقطع لا يقبل اللبس من أسطورة هبوط إنانا هو :
(اضطجع الرجل وحيداً في غرفته
ونامت المرأة على جنبها وحيدة)
علّق السوّاح على هذا المقطع بالقول :
(يُفهم مــن ذلـك أنّ الرجال والنسـاء قـد تباعدوا جنسياً ، فعشتـار هي القوة الإخصابيـة في الإنسـان والنبات ، قـد غابـت عـن الوجود وغـابت معهـا كـل مظاهــر الإخصاب التـي تعكسهــا في الحياة – 23) (104).
فهـل كـانت هنـاك أدنـى إشـارة الـى مـوت القمـح وجفــاف الأرض والـزرع والضرع في المقطـع السابق ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *