عصام القدسي : رائع أنت يا موني

osam-alkodsi-2لم أزر حديقة عامة مثل زمن بعيد. وحين توقفت الحافلة التي تقلني أمام بوابتها الحديدية الكبيرة.شعرت برغبة عارمة تنبثق داخلي فجأة ، في الدخول إليها. نزلت على عجل ، ودخلت الحديقة . سرت فوق الشريط الإسمنتي وإحساس بالغبطة يتملكني. اتخذت مجلسي ،قريبا من مدخلها باسطا ذراعيّ على حافة ظهر المقعد الخشبي كطائر حط من الأعالي، أتطلع إلى الأشخاص الداخلين إليها بين الحين،والآخر .. كانت الشمس ترسل أشعتها الذهبية بتراخ ،.وثمة عامل على مرمى البصر ينكب على مسحاه يقوم بفتح ساقية صغيرة تسقي شجرة فتية،،وآخر في ركن قريب ،يشذب بآلته ، شجرة قتل البرد بعض أغصانها،واثنان يحمل أحدهما كيسا كبيرا من النايلون والثاني مكنسة ومجرفة، انهمكا في جمع الأوراق الذابلة التي بددتها ريح الشتاء الذي يشهد نهايته قريبا.كما كنت أبصر أشخاصا احتلوا بعض المقاعد الخشبية ،الموزعة بانتظام في أرجاء الحديقة وانشغلوا بالثرثرة ،وبعيدا كان هناك عدد من الأطفال يتقافزون ضاحكين صاخبين فوق هياكل الألعاب،الحديدية المطلية باللون الأحمر الصارخ والأصفر والأزرق والأخضر،الشديدة اللمعان ،يدورون معها،ويعلون ويهبطون .. ودخل الحديقة رجل وامرأة عجوزان وهما يسيران بخطى ثقيلة.كانت المرأة بدينة ترتدي تنورة بنية اللون وبلوزة رمادية ،وكان يسير خلفها رجل مسن نحيف البنية ذو وجه طويل ولحية بيضاء،يعتمر قبعة سوداء، تبدو منسجمة مع بدلته الداكنة ونظارته السميكة ذات الإطار الغامق ،كان محني الظهر وهو يتبعها حتى توقفا أمامي دون أن يلتفتا ،ثم استقرا على مقعد قبالتي تماما،تفصل بيننا مسافة قليلة.ولم تمض إلا دقائق حتى دخل شاب تمشي خلفه فتاة ،وجلسا هناك على مقعد تحت شجرة ،وشرعا بحديث،مشوق بانت إماراته من حنو جسديهما وحركات يديهما..وأخذت الشمس تشتد تلألأ ، وراح عمال الحديقة ينتقلون من مكان إلى آخر، ويواصلون عملهم.في هذا الأثناء اجتاز البوابة الكبيرة صبي يبدو في العاشرة من العمر يحمل كرة كبيرة تحت إبطه يتبعه كلب صغير أبيض ،تنسدل خصلات من شعره فوق عينيه الصغيرتين ،كان الكلب قصير القامة ،غليظ القوائم قياسا إلى حجمه ، يهتز يمينا وشمالا وهو يمشي،فيتقافز ذنبه ،متناغما مع حركة جسده .دخلا وراحا يسيران بخطى وئيدة . كان الصبي يتلفت حذرا، باحثا بنظراته ، وما أن اقتربا حتى لمحت الصبي يوشوش الكلب وهو يشير ناحيتي بطرف خفي .ورأيت العجوز تراقب الكلب من مكانها، بنظرات مستنكرة و تحاول آن تلفت نظر الرجل إليه ، ثم تشير إلى الصبي الذي جلس ـ منتحيا ـ القرفصاء وقد وضع الكرة فوق رؤوس أصابع كفه وانشغل بالتطلع إلى الكلب،بينما بدا العجوز غير مهتم بما تقوله ، فلم أجد تفسيرا لتصرفها هذا ، سوى إنها تكره الكلاب أو تخشاها وتبغض الصبيان الذين يحتفظون بها. سار الكلب خطوات وتوقف فجأة وانحنى إلى الأرض يتفحص خنفساء ،ومد يده ، يتلمسها بأصابعه ، وأطرق يشمها ،وما لبث آن دار نصف دورة حولها تبعها بنصف دورة معاكسة ثم تركها وواصل سيره نحوي .توقف ثانية على بعد خطوات مني . بدا الصبي نافد الصبر فهب واقفا وزجر الكلب بحدة : ـ موني .. لا تتأخر..
وسار مبتعدا ، ثم اختفى بين أشجار الحديقة . حالما سمع الكلب نداء الصبي تقدم مني يتشمم طرف حذائي ثم رفع رأسه إلي فأخذت أتأمل عينيه اللوزيتين :
ـ موني ،،ياله من اسم جميل ..اقترب ياموني
ولكنه ظل ،واقفا يتفحصني . فتشت حولي عن شيء ألقي به إليه فلم أجد . دسست يدي داخل جيب سترتي ، وأخرجت قلما رميت به بعيدا ، استدار ،وهو يبحث ببصره ثم سار باتجاهه ،والتقطه بين أسنانه وجاء به إلي مستندا بيديه على ركبتي ،مددت يدي وتناولت القلم منه وأعدته إلى جيبي وأحطت به بكفيّ في حذر شديد ،كما لو أضم إلي فتاة صغيرة بيضاء كقطعة الحلوى:
ـ رائع أنت يا موني ..
رأيته يتشجع، وصعد المقعد، وتكور في حجري ،ثم اخذ يتشبث بي،وهب واقفا ، وأدنى وجهه من وجهي ، ثم أخذ يداعب ياقة قميصي بمنخره الأسود المائل للبني،وتراجع خطوة وانحدر إلى اسفل . بسطت ذراعي على ظهر المقعد لأتيح له الحركة بحرية . دس الكلب رأسه تحت سترتي وأخذ يمرر بوزه فوق صدري ثم مضى يدعك موضع القلب ،بعنف لذيذ . بينما كنت أتطلع ،من فوق رأسه إلى الأفق البعيد وشعور بالسعادة يعتمل في داخلي
ـ لطيف أنت ..يا موني
ولم يلبث أن تحرك بسرعة وضغط فخذيّ برجليه ،ووطأ حافة المقعد وانسل إلى الأرض وانصرف من ورائي .أدرت رأسي نحوه فلمحته يهرول مبتعدا .التفت فرأيت العجوز تتطلع نحوي بقلق وهي تشيع الكلب بنظراتها.. تجاهلتها ورميت ببصري إلى البعيد وعدت ثانية استمتع بجو الحديقة ،واستنشق الهواء العذب ..كانت الشمس تعلو بمرور الوقت وحرارة الطقس ترتفع معها ،عندما غادرت المكان .
انتظرت الحافلة ،في موقفها قرب بوابة الحديقة .. وجاءت تتهادى في سيرها . صعدت إليها. واتخذت مكاني فيها،وحين سارت ،مددت يدي في جيبي لأنقد السائق الأجرة ، فلم أجد محفظة نقودي،.فتشت عنها جيدا ،وظننت أنني أتوهم . وبحثت عنها في جيوبي الأخرى.. فتأكدت من اختفائها ،عندها أدركت سبب تصرفات المرأة العجوز ونظراتها القلقة..وفكرت في العودة إلى الحديقة للبحث عن الكلب والصبي ، ولكنني عدلت عن الفكرة ليقيني إن الأوان قد فات وأن لا فائدة من ذلك.. (لقد فعلها موني.. ابن الكلـ ……… ب ).

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| بولص آدم : عجائب وغرائب الدكتور أبو لؤي .

لم اهتم لجرح ما عندما كنت طفلا، بقدر ما كان الذهاب الى مستوصف سكك حديد …

| شروق حمود : “عن المعاناة” للشاعر: شو جيانغانغ.

المعاناة شاعر يمشي على الطريق الشائك متلفحآ بصليب المعاناة صلاة الشاعر اليومية قبل العشاء شكرآ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *