د. رسول بلاوي: توظيف الموتيف في شعر يحيى السماوي (ملف/29)

rasol balawi 4إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.
رسالة مقدّمة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة الفردوسي – مشهد – الفصل الثاني: الرموز  –موتيف المطر:
عندما وصف الشاعر العربي المطر لم يكن وصفه مباشرا دون رؤية عميقة لأسرار الوجود فكان الشاعر يرسم في تصوره للمطر فكرا متحدا وصورا تأملية تصدر عن وحدة التراث والمعتقد تحكمت في صياغة عباراته فالشعراء الجاهليون كانوا ينظرون الى المطر المنثور من السماء بإكبار وتقديس حيث رأوا فيه مادة الحياة التي خلق منها كل شيء كما راوا فيه سرا خفيا قادرا على قهر الجدب وبعث الخصب والرزق.
ومن هنا جاء تقديس العرب للمطر واعتباره مادة الحياة ومصدرا للخصب والنماء فتفاءلوا به وسمّوا ابناءهم بمعاني المطر كالمنذر بن ماء السماء واخيه المتمطّر وسموا سحابا ومطرا وغيثا وغوثا ومغياثا وغياثا ، وكلها من اسماء المطر.
فالمطر اجمل ما في حياة الشاعر العربي وله اتصال وثيق بوجوده ووجود اهله وماله فهو يعني بالنسبة اليه الحياة والنماء والنقاء والبقاء.
وعندما جاء الاسلام وغمر فيض النبوة الصحراء العربية اولى اهمية للمطر وقد استخدم القرآن الكريم صورا للمطر والسحاب والرعد استخداما واسعا ودقيقا فهو حياة الكائنات واصل الموجودات منه خلق الله كل شيء وهو الرحمة والطهر والغيث والبركة وهنالك الكثير من الآيات التي اشارت الى ذلك منها قوله تعالى: ((والله انزل من السماء ماء فاحيا به الارض بعد موتها)) سورة النحل / 65؛ وقوله تعالى: ((وانزل من السماء ماء طهورا)) سورة الفرقان 48 / . فقد ورد في القرآن الكريم ذكرُ المطر كثيراً وسيلةً وسبباً لإنعاش الأرض وإنبات الفاكهة والخضرة وما يعتاش عليه الإنسان والحيوان.
المطر فعل کوني هائل، لا يدر أحياناً الا بعد أن يعاني الإنسان معاناة المخاض و الولادة، فيأتي بعد سهر و تعب و تضرع و توسل، و بعد أن تتم عملية الإخصاب و التزاوج. ريح الجنوب تلقح السحابة الخاوية فتمتلئ ماء و تتم الولادة و تفضي الی مطر غزير ترفد الحياة بکل مقومات الخصب، و تحلب الرياح السحاب حلباً، أو تمريه مرياً فيدر ضرع السحابة العظيم بخصب الحياة (شمسي، 2008م: 70).
لا يکتفي السماوي بالمدلول البسيط للمطر، بل يتألق به، و يعود الی مرجعيات تراثية – أسطورية في تأمله لهذه الظاهرة الطبيعية مستفيداً من معرفة جمالية بجوهر الرمز، و سماته الإيحائية و الانفعالية، و کذلک الحسيّة و السياقية، فيدخل بذلك الرمز الأسطوري في علاقة جديدة مع السياق:
صاح صوفائيلُ بي:
لا تفزعُ
فإن الخيرَ جاء
هذه الأمطارُ بعضٌ
من کرامات التي أکرمها الله (بعيداً عني.. قريباً منکِ: 101)
و يقول أيضاً:
زخّت الزهراءُ من عليائها
مطراً من الضوء المبارکِ..
فاستحمّ القلب بالنور المقدسِ.. (المصدر السابق: 129)yahia 11
و لم نجد المفهوم الواقعي المعهود للمطر إلا قليلاً في شعره، فتحقق نجاح توظيف رمزية الطقوس المطرية، لأنّ «تعدد الدلالات ينهض من الکثافة الشعورية و المعنوية التي يعبّر عنها الرمز و يقوم عليها، أي أنّ الإيحائية إذ تکون سمة الرمز، تکون أيضاً سمة للتجربة الجمالية من حيث الکثافة و العمق و التنوع، و لهذا فإنّ المجانية و الاعتباطية في طرح الرموز لن تؤدي بحال من الأحوال الی ايحائية ذات وظيفة جمالية تعبيرية» (کليب، 1997م: 72)، فالإيحاء يأتي ليعمق الرؤية الشعرية و ليفتحها علی القراءات المتعدّدة، و هو ما لا تنجزه التقريرية و المباشرة، بخاصة في نصوص شعرية توظّف الأسطورة، و تقدّم عوالماً مدهشة للبحث الإنساني الدائم عن الخصب و الحب و الجمال و الحياة و… في التصورات و القيم المتجسدة في الطقوس المختلفة حول الأرض، الماء، الإله، المرأة…(بوعديلة، 2008م: 115).
ويتخذ المطر في سياق شعره مدلول الجمال و المحبة، فهو المنقذ من الجفاف و المخلّص من الجوع، و هذا يقودُ القراءة الی دلالات ثقافية – سياسية عن الشأن العراقي و العربي بل و الإنساني کذلک. و هذا المطر الأسطوري يصبح رمزاً للانبعاث الإنساني و أداة الإنسانية، لأنّه «أداة لتفجير الطاقات الباطنة في ذات الشاعر، و هذه الأداة تتکئ علی مترسبات الشعور و اللّاشعور و معطيات الواقع و اللاواقع، يمتزج فيها الحُلم بالواقع و الرمز بالحقيقة في جدليّة متشابکة»(عيد، 1985م: 97)؛ فيقول السماوي:
لو کنتُ مطراً
لواصلتُ بکائي
کي تضحکُ السنابل.. (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 127)
وتكرار كلمة «المطر»، في مواضع عدة من شعرالسماوي، إنما هو تكرار شعري موظف، دلّ به على حركة الطبيعة، فهذا المطر هو الخيط الواصل بين السماء والأرض، الواصل بين الجفاف والخصب، بين الموت والحياة، وهو الخيط الواصل بين الظلم والحرية، لأنه خيط الثورة، فكما يغير المطر الطبيعة، كذلك تغير الثورة المجتمع.
إن المطر عند الشاعر يعبر عن رؤية ريفية، وهو عنده مطر نقي، ينقل الأرض من الجدب إلى الخصب، وهو عنده رمز الثورة، تنقل المجتمع من القهر إلى الحرية، فإذا المطر فِعْلُ خلق وتغيير وبعث وحياة:
يا أحبائي و هل من مطرٍ
يکنسُ العتمةَ إن غُيّبَ رشد؟ (زنابق برية: 92)
و أصبحت لفظة “المطر” عنده ليست مفردة تعني عنصراً من عناصر الطبيعة بل استحالت الی لفظة سحريّة دالّة، و يکون الشاعر قد شحن هذه المفردة بطاقات دلاليّة جديدة و خاصّة. إن المطر عند هذا الشاعر بما هو أصل الحياة يذکّرنا بما وردَ في طيّات النّص القرآني الکريم ((و جعلنا من الماء کلّ شيء حيّ)) الأنبياء / 30 ؛ بينما يکون المطر في قصائد أُخَر حاملاً لمعنی الثورة علی کلّ ظالم سياسيّ أو جور اجتماعيّ، و يکون في المرّة الثالثة جديلاً للدم و صنواً له. و يمکن أن يکون رمزاً الی البعث و الحياة و أخيراً يظهر في أحايين حاملاً للنقيضين: الموت و الحياة (الربعي، 2009م: 50).
رَمَزَ بالمطر الذي هو ظاهرة طبيعية تثور فيه الطبيعة أحياناً لتتجاوز العادي والمألوف من سماتها، الی الثورة الاجتماعية التي يريد الشاعر أن تتفجر في العراق لتقضي علی القحط السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي و تحمل المجتمع خصباً و خيراً و عدالة و رفاهية و شبعاً يعمّ العراق.
و يرمز بالمطر الی الخير و الإخصاب و النمو الإيجابي في قصيدة “مهاتفة من امرأة مجهولة” يقول:
من أنت يامجهولة المطرِ
زخت فأورق ماؤها شجري
أيقظتِ قنديلاً وقافية
وأضأت كهفي مطلع السحرِ
أيكون طيفاً؟ أيُّ زائرةٍ
من قبل هذا الليل لم تزر
أم تلك يقظة عاشق تعبت
أحداقه من مرود الضجر؟ (هذه خيمتي.. فأين الوطن؟ : 171)
بقوله: “من أنت يا مجهولة المطر” الخطاب للمجهولة المتصلة، مع اعتماد الشاعرية بثيمة “المطر” أي نبأ الخير، والإخصاب، والنمو الإيجابي، كلها موعزات جليلة مقدسة للخير، “زخت” أي المتصلة المجهولة، وهذا تأكيد لحالة المطر المختلف، فمجيئها لم يكن مطراً خفيفاً أو عادياً، إنما هي زخة، إشارة للمطر العاصف، والزخ عند المرأة يعني إثارة أقصى عاطفة تؤم بجنسها، بمعنى أعطت كل ما تكاثر من مجسات مشاعر تهتف مناداتها له، ولهذا جاءت الثيمة “زخت” معبرة عن ملاءمة صحيحة مع ما أينعت مشاعر المرأة، فأوحت بما تستجير به الروح من شوق وشجن (کمال، 2010م: 213).
أما المعادل البلاغي هنا فقد تحقق في: “أيقظتِ قنديلاً وقافية” و قد استمر الخير الناتج من الزخ العاطفي الإنساني، لماذا إنساني؟ لأنه حقق للعطف دلالاته للحنان والإنسجام، فما دام المطر هو المنتج المادي للخير، فكل ما يتأتى منه يكون خيراً وعافية، ولكن المحقق البلاغي الأجمل في هذا البيت: إنه ساوى ما بين القنديل، أي المشار للضوء، والشروق، والحياة المنعمة بالسعادة والرخاء الروحي، بـ “القافية”، التي تساوى مؤداها الكيفي بمضمون مؤدى الضياء، أي “القنديل” (المصدر السابق: 214).kh yahia 16

موتيف الثغر:
تأتي في الغزل العربي صورٌ کثيرة، تربط بين ثغر المرأة الحبيبة و موضوع الخصب، بوصفها مصدراً له، و يتحول ثغر المرأة في کثير من نصوص الغزل الی نبع للخير، و مصدر لإرواء العطاشی، و کأن الشاعر العربي لم يکن يتغزل و إنما يطرح معنی من المعاني المرتبطة بخصب الحياة و البعث و الخير، لأن المرأة تمنح من ثغرها خصب الحياة و نماءها. فرضابها دائماً ما يکون مطراً صافياً، أو ماء صافياً، أو خمراً معتقاً ممزوجاً بالعسل المصفی، و کل هذا يوحي بخصب الحياة أو بنشوة الإنسان الروحية.
و الشاعر يحيی السماوي طالما يذکر الثغر في شعره باعتباره موتيفاً ، کيف لا يذکره وثغر الحبيبة العذب أسکره و أنساه کأس الخمرة التي ما کان يوماً يملّ مسامرته:
و نسيتُ کأساً
کنتُ قبل رحيقِ ثغرکِ
لا أملّ مُسامره (لماذا تأخرتِ دهراً: 33)
و لکي يزداد ثغر الحبيبة عذوبة، يضفي الشعراء عليه روائح الأزهار التي مسّدها الندی فتضوع و تعبق شذی و عطرا ذکيا، ان ثغرها يفوح بروائح الخزامی و نشر البخور، و يختلط بالکافور و المسک و الأقحوان و القرنفل و غيرها من الروائح التي تبعثها أزهار رياض البادية، يقول السماوي:
و الروض؟
أودع ثغرها
وَهَجَ القرنفلِ
في الأصيلِ (قليلک لا کثيرهنّ: 23)
و يتعادل رضاب المرأة موضوعياً مع فکرة المطر الذي يتمنون سقوطه و ينتظرونه، و يصف الشعراء ثغر المرأة بالمطر الصافي، رغبة منهم في هطوله لأنه مصدر للخير و النماء. فعذوبة الماء الذي تدره السحب يشبه ريق المرأة عذوبة و صفاء.
و هکذا يقدم لنا تصوير ثغر المرأة في الغزل العربي، صورة واضحة من صور الخصوبة المرتبطة بالمرأة و بعالمها الرمزي. و بمقتضی ظروف البيئة الصحراوية للجزيرة العربية و هي ظروف بيئية قاسية، أتيح للشاعر العربي أن ينشر رغباته علی کل ما حوله مما يتعلق بخصب الحياة و نمائها، فوجد في ثغر محبوبته ما يمکنه من تلبية هذه الرغبات و هي رغبات جماعية لا فردية، و من هنا استطاع أن يخلق من ثغر المرأة رمزاً معادلاً لمصدر الماء العذب، الذي يعطي للحياة خصبها (شمسي، 2008م: 58).
يقول السماوي:
جئتُ مذبوحاً من الشوقِ
ظميئاً..
فاسقني من ثغرکَ العذبِ
و لو کأس زفير (بعيداً عني.. قريباً منک: 76)
و له أيضاً:
و أعرفُ الشتاء من وشاحها المخملِ..
و الربيعُ من سرب الفراشات التي
تحوم حول ثغرها المخضّلِ (المصدر السابق: 87)
فالشاعر يعرفُ فصل الربيع الذي يرمز الی الخصب، من الفراشات التي تحوم علی ثغر الحبيبة.
و ارتباط ثغر المرأة بالخصب له صلة دينية، فمن الماء يخلق کل شيء حي(سورة الأنبياء / 30)، فهو أساس خصوبة الأرض، و حياة ما ينبت فيها، و هو بهذا يقترن بالخصب الذي «تعده العرب موسماً للفرح و الرزق الذي يصنعه الماء» (القيسي، 1970م: 43).kh yahia 19

موتيف الليل:
مفردة “الليل” أو بالأحری ثيمة “الليل” تُعتَبر من الموتيفات المُحبّبة لدی السماوي فقد أکثر من تکرارها و الإلحاح عليها ولا شك في أن مثل هذه الكثرة التكرارية تعني شيئاً ما في تجربته، وحتى نقف على قيمة تكرارها لا بد من أن نقف على دوره الدلالي. ويبدو لي أن البحث في هذا الدور الدلالي يجب أن يأخذ منحى سياقياً؛ بمعنى أن يكون الكشف عنه من خلال السياق البنائي الذي يشكل البؤرة الاستعارية لدال الليل ويتفاعل معها أو تتفاعل معه لإنتاج الدلالة والوظيفة.
إننا وجدنا السماوي يتعلق بکلمة “الليل” و يدمن علی ملازمتها في قصائده ملازمة مثيرة للتساؤل و ملفتة للانتباه مما دفعنا لإخضاع هذه الظاهرة للتحليل و التفسير، فاستخدامه لکلمة “الليل” في قصائده يتعدی حدود الاعجاب بموسيقی و جمال هذه الکلمة و ايحائيتها الشاعرية، أو شمولية معانيها و دلالاتها و يتعدی حدود الرغبة الآنية أو الموسيقية بالاکثار من تکرارها فکثرة استعمال هذه الکلمة و الالحاح في تردادها باشکال و انماط متعددة يدل علی أن معنی هذه الکلمة إنما يلامس بعض الذکريات المختزنة في أعمال العقل الباطن لدی الشاعر، و ما تکرارها بهذه الکثافة و الترکيز إلا انعکاس لما تمثله هذه الکلمة من مدلولات تشکل بعض الثوابت الراسخة في ذاکرة الشاعر و تجاربه الحياتية و الشعورية، و للتدليل علی هذا الرأي و لتأکيده قمنا باجراء بعض المقايسات حول استخدام هذه الکلمة في بعض شعره.
فلا شك أن استخدام کلمة الليل بهذه الکثافة الغريبة هو أمر لا يمکن أن يکون عفوياً أو مصادفة بأي حال من الاحوال. و هذه الکثرة في استعمال کلمة الليل لم تضعف تعابيره و لم تسرّب الملل و التکرار لنصوصه و معانيه، و لم تورث لشعره الخلل و الارتباک بل لا يفطن اليها الا المتتبّع المستقصي أو الباحث الدارس.
و إذا أردنا من خلال منهج التحليل النفسي أن نفتش عن الاسباب السلوکية و النفسية التي تقف وراء تعلق الشاعر بهذه الکلمة علی هذا النحو المرکّز و استخدامها بهذه الکثافة و الاصرار فسنجد أن ذلک ناتج عن انعکاس تأثير التجارب الشعورية المرّة و القاسية و الحزينة المکبوتة في أعماق الذات و التي عاناها الشاعر خلال حياته السرية أو شبه السرية، ذلک النمط من الحياة الذي اضطر لممارسته سنين طويلة بسبب مواقفه السياسية.
فالسماوي شاعر سياسي معارض ناهض عهوداً سياسية مختلفة في بلاده و نتيجة ذلک تعرّض للاعتقال و المطاردة، و اضطر للهرب و الاختفاء و التشرد و التعرض لخطر الموت عدة مرات «إن ظروفاً حياتية کهذه تدفع الانسان و تجبره علی انتهاج أساليب الحذر في سلوکه و السرية في تصرفاته و التکتم في شؤونه و حياته، و تجعله يميل الی التخفي و الخلوة و الابتعاد عن الاضواء. و لعل الليل بظلامه و عتمته و غموضه من المستلزمات المصاحبة و المرافقة لمثل هذا النمط من الحياة، و هو أفضل بيئة لممارسة ذلک الاسلوب المطبوع بالسرية و الکتمان و الحذر و التشکک، و الليل خير ملجأ لمن أراد أن يبتعد عن رقابة الآخرين و فضولهم.. و بمرور الوقت و بتکرار الممارسة اليومية يتعلق هذا الانسان بصورة لا إرادية بالليل بعد أن يخلو اليه و يطمئن فيه فتنشأ بالتدريج بينهما صداقة و تآلف و مودة، فالليل هو الاسرار و العتمة و الاختفاء و هو الظلام الذي يخفي کل شيء و هو الغموض و الکتمان و الظنون و هو بعد کل ذلک صديق المناضلين و رفيق المظلومين المطاردين في کل مکان علی هذه الارض» (ياسين، 2003م: 184).
و هذا ما حصل مع السماوي فقد قامت بينه و بين الليل صداقة حميمة تعززت علی مر الأيام و السنين کنتيجة طبيعية لتلک الحياة السياسية المليئة بالاخطار و المطاردة و هواجس الاعتقال و السجن و العذاب.
لقد شکّل الليل عند السماوي شاطئ الأمان النسبي، و الطمأنينة العابرة، و السلام المؤجل و الهدنة القلقة طيلة أعوام نضاله السري و حياته السياسية المشحونة بالخوف و المجهول، فصار الليل بحکم الواقع هو الزمن المشبع بالحرية بالنسبة اليه و هو زمن التنفيذ و الفعل الملبي لطموحات الذات و رضی النفس، و هو الصديق الثابت الحنون الذي أخفی الشاعر بظلمته وضيّعَهَ عن عيون اعدائه و مطارديه ساعات المحنة و الترقب و الخطر، و لعل الاحساس بالوفاء هو الذي يدفع السماوي باللاشعور لعشق الليل و ملازمته و العيش معه و اطرائه بالاوصاف الحلوة المحببة، بعد أن أصبحت لفظة الليل تعني له من الدلالات و المعاني ما لا توحيه لأي انسان آخر:
لُذنا بثوبِ الليلِ نَسترُ شوقنا
من عين ملتصٍّ و من مرتابِ (البکاء علی کتف الوطن: 78)
و يقول الشاعر مخاطباً بغداد:
بغدادُ.. ليل العاشقين طويلُ
يشقی به الفانوسُ و القنديلُ (زنابق برية: 15)
لقد انعکست تلک الصداقة و الصحبة بين السماوي و الليل علی مفرداته و الفاظه و لغته الشعرية دون قصد منه، فصارت کلمة الليل تتسلل من بين أنامله لتستقر في ثنايا سطوره و جمله و صياغاته الشعرية و تنبت فوق دفاتره دلالات موحية يستحلي قربها و يأنس لمرآها و يطمئن لمعانيها. فأحياناً الليل عنده زمن لقائه العشاق:
و يانخل السماوة أين أيکٌ
يدبّ اليه ليلاً عاشقان؟ (هذه خيمتي فأين الوطن: 80)
و قد حنّ الشاعر الی ليالي مدينته السماوة، فيقول:
و يا سماوة قنديلي به عطشٌ
لنجم ليلکِ .. لو عادت ليالينا (المصدر السابق: 133)
الليل هنا يدلّ علی الفرح و الرفاهية و السعادة و اجتماع الأحبة و المسامرة معهم في مدينة السماوة.
والليل في شعر السماوي عالم و کون قائم بذاته و الشاعر ينسب الی الليل الکثير من موجودات النهار و مظاهر الحياة فيه، کما ينسب الليل الی تلک الموجودات و الظواهر و کأن الشاعر يريد أن يُجرّد لليل دنيا أخری مستقلة يسلخها من دنيا النهار و کأنک تراه يأخذ الکون و يهرب به الی الليل .. فنراه يقول في قصيدة ” ما نفع أشرعتي بدون صواري؟” :
يومي له ليلان … أين نهاري؟
أتکون شمسي دونما أنوارِ؟
أبحرتُ في جسد الفصول مهاجراً
طاوي الحقول و ليس من أنصار
زادي يراعي و المداد… و صهوتي
خوفي.. وظبية هودجي أفکاري
أبدلتُ، بالظلّ الهجيرَ … لأنني
قد کنتُ في داري غريب الدارِ (البکاء علي کتف الوطن: 29) kh-yahia-13
نستشفّ من هذه الأبيات انّ يوم السماوي له ليلان، فکأن النهار أيضاً أصبح ليلا و ذلک بسبب غربة الشاعر في وطنه و شدّة وطأة الحزن عليه.
وعند استعراضنا لتشكيلات دال الليل في سياقاتها الشعرية وجدنا أن السماوي قد تعامل معه من خلال دوائر دلالية مختلفة في كامل نتاجه الشعري، كان من أبرز هذه الدوائر دائرة القسوة:
أن َّ «هولاكـو» الجديـدَ
أتـى
لـيَـحـرثَ حـقـلَ دجـلـةَ بالـقـنـابـلْ
ويدُك َّ أعـشـاشَ الـحَـمـامِ
وأن ْ يُـطـيـلَ الـلـيـلَ
في وطـنِ الأرامـل ْ (لماذا تأخرت دهراً: 11)
فالليل في هذا المقتبس يشي بالقسوة و الظلم و الاستبداد. کما استخدم الليل بوصفه مصدر القسوة للإحساس بالغربة في المقطع التالي:
سـأعيـدُ تـرتـيـبَ الأمانـي ..
أولاً : فـأسٌ أشـجُّ بـهِ
صـخـورَ الـلـيـلِ
عَـلَّ الـفـجـرَ يَـنـبَــثِـقُ
لـيَـطـلَّ فـوقَ عـراقِـنـا
الألـقُ .. (المصدر السابق: 112)
كذلك يصوّر السماوي المشاعر و الافکار التي أثارتها في نفسه وحشة الليل، حيث نراه مسکوناً باليأس و قد وقع في شرک رؤی مخيفة لليل لا انجلاء له:
أمسِ
توسَّدتُ يدي
على سريرٍ من رمالِ البحرِ
كان الليلُ موحِشاً يفيضُ عُتمَةً (قليلک لا کثيرهنّ: 78)
و أحياناً يحمل الليل دلالات الضياع و اليأس:
انا ضائعٌ – مثل العراقِ- ففتّشي
عني بروضکِ لا بليل صحاري (البکاء علی کتف الوطن: 33)
وقد وظفت كلمة ليل مضافة الی كلمة “الصحراء” على اعتبار ان الليل يشكل زمنا خفيا لتلك الطبيعة الغریبة التي تربى الشاعر بين تضاريسها الاسطورية… والصحراء بجميع محمولاتها هي مجرى الاحداث والحلقة التي تدور حولها هذه الاحداث.
و الليل عند بعض الشعراء الوجدانيين عالم جميل، و معشوق حميم. و انسجاماً مع هذا الميل، أصدرت نازک الملائکة، مثلاً، مجموعتها الشعرية الأولی بعنوان (عاشقة الليل). و واضح من العنوان ان الذات الشاعرة تسفر عن وجهها لتشکل دلالات (الأنا) العاشقة، و دلالات المعشوق (الليل). يقول السماوي في اهداء ديوان “قليلک لا کثيرهنّ” :
للصبحِ يغسلُ بالضياءِ الدربَ
من وحلِ الظلامْ..
لليلِ ينسجُ من حريرِ نسيمهِ
بُردَ المسرَّةِ للأنامْ (2006م: 6)
فالصبحُ و الليلُ نراهما في هذه اللوحة شخصين أولهما “يغسلُ” الدروب بالضياء، و قد تحوّل الضياء عن طبيعته اللطيفة الی سائل ذي طبيعة جديدةٍ، و صار صالحاً لأن تغتسل به الدروب، و کذلک صار للظلام جسم نحسّه بإضافته الی کلمة “وحل” بما توحي به من کثافة معتمةٍ في مقابل ضياء الصبح، و ثانيهما “الليلُ” و قد غدا “نسّاجاً” يوظّف في منسوجه مادّة لطيفة أثيريةً، و هي “حرير النّسيم”، و هذا التضايف کما رأينا قد أنتج مرکّباً جديداً له طبيعة دلالية مغايرة، تُتَباَدلُ فيها متزاوجة خصائص الحرير و النسيم، فينتجان مرکّباً ثالثاً ذا طبيعة وجدانية وحسّيّة في آن، و هو “بردُ المسرّة”.
الصبح يُرمز به هنا الی تباشير الخلاص، و انبثاق أنوار الحرية بعد ظلمات الظلم و القهر و الاستبداد، و التي يُشار اليها بالوحل، و کذلک “الليل” الذي ينسج من حرير نسيمه برود المسرّة يغدو رمزاً لزمن الهدأة و السکينة و الطمأنينة الوارفة في ظلال الأمن و الاستقرار و العدالة، و هي بعض أحلام الشاعر، و أهمّ مرتکزات رؤيته الشعرية (بدوي، 2010م: 159 و 160).
و کثيراً ما يشير الشاعر الی الليل کظاهرة طبيعية موظفاً اياه حسب ما هو مألوف في المعنی الوضعي لهذه المفردة:
زائـري في غـفـلـةٍ
مـن مـقـلـةِ الأحزانِ
مَـنْ أسـرى بـكَ الـلـيـلـةَ ؟ (لماذا تأخرت دهراً؟: 79)
و في المقطع التالي:
جئـتـكِ الـلـيـلـةَ عـصـفـوراً
طـريـدَ الـرَّوضِ
مـهـدورَ الـمـواويـلِ .. (المصدر السابق: 88)
و أيضاً:
جـئـتـكِ الـلـيـلـةَ طفـلاً
شاخَ
مـن قـبـلِ الـفِـطـامْ (المصدر السابق: 89)
ففي هذه النماذج استخدم الشاعر لفظة “الليلة” بالمعنی الوضعي و المتداول لهذه المفردة لتدلّ علی ظرف زمان.
ومن مفردات الزمن يوظف نصف الليل لارتباط هذا الوقت بالغارات التي تشنها السلطات الغاشمة الديكتاتورية على بيوت معارضيها وأهليهم ورفاقهم ، لاغتيالهم أو سلخهم أو الزج بهم في زنازين السجون ، فيقال ” زوار الفجر ” أو ” زوار نصف الليل ” كناية عن جنود أولئك السفاحين والشياطين العتاة. ويسمي الشاعر هذه الغارات الرهيبة بالفتوحات من قبيل السخرية، وشر البلية ما يضحك، لأ ن مدبريها الأوغاد يعدونها بطولات ويتباهون بها.kh yahia 17

موتيف الطفولة:
تلعب السنوات الخمس الأولى من عمر الإنسان، في عرف علماء النفس، دوراً رئيساً في تحديد مساره المستقبلي وتجربته الحياتية القادمة ومكوناته النفسية و والتخييلية ومعظم استجاباته واستعداداته، إضافة إلى ملكاته ومواهبه الخاصة. وهذا ما يجعل بصمات هذه الفترة المبكرة من عمر الإنسان قوية ومؤثرة في مجمل حياته وإطار شخصيته العام.
و الشاعر يأسف علی ضياع زمن الطفولة، لکونه ملاذاً يحميه من الحزن و الشجن. فغياب هذا الزمن الخاص يعني غياب المسرة، و الوقوع في دوامة الحاضر الاغترابية. «الإرتداد الی ذکريات طفلية ماضية، يعني محاولة لمغادرة حالة اغتراب، للإرتباط بعالم بريء نقي» (جعفر، 1998م: 101).
إن الاهتمام بالطفولة نزعة رومانسية يمکن أن نردها الی جذر نفسي يدفع الشعراء «الی (البُعد) الزماني عن الحاضر. فالحاضر يثقل کواهلهم بمتطلباته الکثيرة و مسؤولياته الجسيمة من سعي حثيث في طلب الرزق الی عبودية أليمة للمفاهيم الاجتماعية. و يجعلهم يتوقون الی زمان ماضٍ کان الواحد منهم خالي الذهن من هذه المشقة کلها»(بلاطة، 1960م: 63).
و موضوع الحنين الی الطفولة أو الشعور بالحب للذين يشبهون الاطفال في براءتهم هو موضوع متمم في شعر السماوي فالاطفال مازالوا يحتفظون بالبراءة و الفطرة البدائية التي فقدها الانسان المتحضر.
و الطفولة في نظر السماوي هي رمز للانتصار علی المرض، و الشيخوخة، و الهرم، والفاقة.. و أحياناً لا تتعدی کونها رمزاً للبراءة.
يوظف السماوي موضوع حبه للطفولة کرمز لاستعادة الخبرة البدائية للإنسان التي ترمز بحياة اجتماعية بسيطة مشترکة، و الشاعر يحمل في داخله بساطة و نقاء و براءة الطفولة التي هي، من وجهة نظر السماوي، شرط لازم لتحقيق الانتصار علی المرض و الشيخوخة و الفقر.
و تشکّل صورة الطفل الذي هو نقيض للموت و الانتصار عليه الموتيف / الرمز الذي يتکرر في العديد من قصائده.
فشاعرنا علی رغم کبر سنه طالما یشبه نفسه بالطفل حتی إنّ الطفولة أصبحت صفة ملازمة یکررها و یرددها الشاعر فی کل حین هربا من كهولة العمر وشيخوخة الواقع العراقي:
فأعود – في الخمسين – طفلاً
بيته الدنيا..
و دُميتُهُ القمر! (لماذا تأخرتِ دهراً: 26)
و أيضاً يقول الشاعر:
جزتُ خمسيناً و تسعاً و أنا
لم أزل طفلاً بريء الحمقِ (المصدر السابق: 166)
و له أيضاً:
قاربت “سيتيناً” و لمّا أزل
طفلاً له بناهديکِ افتتان (المصدر السابق: 105)
وعلى هذا النحو راح الشاعر يدحرج طفولته في قصائد وهو يفعل ذلك من أجل استعادة الصورة التي افتقدها في طفولته، وبدلاً من أن يتلفت وراءه كي يراها راح يسعى إلى خلقها.
ولو بحثنا عن مفردة الطفل والطفولة وتكرارها العذب في نصوص يحيي السماوي لتيقنا بان هناك طفلا حقيقيا جميلا يسكن في احدي زوايا نفسه، قد يكون في قلبه الكبير.
الشاعر يقدم الشهيد کامل ناطقا باسم الطفولة وباسم الطيبين والرياحين وكل المعذبين ويزفه بهذه الصفة الي الفردوس الأعلی:
و ناطقاً باسم الطفولة
باسم حُلم الکادحين..
باسم الحسين ..
وباسم موسي ..
وابن مريم ..
باسم كل الطيبين
باسم البنفسج ..
والقرنفل..
باسم زيتون وتين
باسم الممدّد ..
والمشرد ..
والمهدّد ..
والسجين ..
قد كان مندوب اليقين
في مهرجان الأمر بالأنوار
في فردوس رب العالمين. (لماذا تأخرت دهرا؟: 11-10 )
وقد يعود الإنسان بعد عمر طويل طفلا لا يعلم من بعد علم شيئا ولكن شتان ما بين الطفولتين فالشاعر لا يعني الطفولة المتأخرة وإنما يعني تلك الفترة التي هربت كالماء من بين الأنامل بخفة:
يضاحكني الندي
فأعود – في الخمسين – طفلا (المصدر السابق: 26)
و في الإهداء الذي افتتح به مجموعته الشعرية الرابعة عشرة “قليلك لا كثيرهن” والتي جاءت في صورة قصيدة استهلها بقوله :
للطفلِ
يحبو فوق أرصفة الكلام (قليلك لا كثيرهن: 5)
وحين نراجع المنجز الشعري للسماوي بأكمله فسنجد أن الطفولة استعادتْ ذكرياتها البهية .. الطبيعة الفردوسية الآسرة في العيش في الرحم الأمومي المنعم .. تمظهرات “القدرة الكلّية ” التي لا تجد أفضل من سماوات الشعر تحلق فيها و تبني وتهدم، وتحيي وتميت .. أقول سنجد هذه الطفولة موضوعاً وثيمة ورمزا أساسيا في بنية القصيدة ” السماوية ” .. وقد جاء هذا البيت الاستهلالي دقيقا جدا في توصيف ما قلناه .. فهو لا يستهدف معالجة الطفولة كمرحلة عمرية فيها البراءة بل انه يستهدف المعنى الشعري للطفولة.. الطفولة كعملية شعرية ولهذا حددها بـ ( للطفل يحبو فوق أرصفة الكلام ) هو الحبو الذي يخرق حدود الموجودات المادية وينفذ بـ ” البراءة ” إلى لبها …(سرمک (ا)، 2012م: 14 و15).
على الرغم من أنّ محنة الوطن ، كانت عاملا ً من أبرز العوامل في اغتراب الشاعر النفسي، لكنه منذ طفولته، كان الألم والفجيعة خِدنه، يغذيان نفسه؛ يقول :
أنا سادنُ الوَجَع ِ الجليل ِ ..خَـبَرتهُ
طـفـلا ً .. وهـا قاربتُ يـومَ ذهابي
أنا طفلكِ الشيخُ .. ابتدأتُ كهـولتي
من قـبل ِ بـدء ِ طـفولـتي وشـبـابي
لـَعِـبَـتْ بـيَ الأيــامُ حـتى أدْمَـنـَتْ
وجَعي .. وخَرَّزَت ِ العـثارُ شِعابي
يحـدو بـقافـلـتي الضَـياعُ .. كأنني
للحزن ِ راحٌ .. والهـموم ِ خـَوابي
(ستٌّ وخمسونَ) انتهيْنَ وليس من
فــَرَح ٍ أُخِـيط ُ بــه فـتـُوقَ عـذابي (البکاء علی کتف الوطن: 76 – 74)
كان اغتراب الشاعر النفسي يبدأ منذ مرحلة الفطام من ثدي أمه وما يترتب عنه من حرمان وسوء تكيّف شأن كل طفل ينقطع عنه نسغ الحياة. و ما دام أنه لا يعيش معنى الطفولة في ظل نظام كانت الطفولة من بين ضحاياه ، فإن هذه المرحلة لديه إمتدت في حياته إلى ما بعد الطفولة في منفاه الثاني حيث فطامه الرمزي الآخر عن ثدي الوطن الأم .. فهو ما فتئ يكرر أنه مازال طفلاً في إهاب شيخ، محروما ً من رؤية وطنه الذي غادره مكرها ً بعدما انضمّ إلى معارضة حكم النظام الديكتاتوري، وكان يراوده أمل العودة، لكنه فوجئ أن ” العراق ” قد خضع لاحتلال أجنبي لا يقلّ قسوةً ووحشية ً، فآثر المنفى والغربة على العودة الذليلة إلى واقع الوطن المتردي :
جئتك ِ الان أواسيكِ بموتي
ألحِديني صدرَك ِ الطفلَ
انسجي ليْ من مناديل المراثي كـَفـَنا (المصدر السابق: 36)
إن طفولة يحيى لم تكن سعيدة، هو مثل بقية الأطفال في بلدته ووطنه، لا يحصل من السلطة على حقوق الطفولة، ولهذا فهو موجـَع، وهذا الوجع والأسى سيبقى ملازما له، لأنه سيظل فاقدا لحقوقه شابا ورجلا وكهلا، على الرغم من تغير السلطة التي كان يؤمل أن تكون على وفق ما تخيله وسنراه محبطا تجاهها، وتجاه الذين نكصوا ولم يحققوا أو ينفذوا ما كانوا ينادون به، وهو شاركهم مضحيا حتى بالنفس.لذا يقول:
أنا سادنُ الوَجَع ِ الجليل ِ ..خَـبَرتهُ
طـفـلا ً .. وهـا قاربتُ يـومَ ذهابي (السابق: 74)
كذلك يقول في قصيدة ياهند:
يا هند منذ طفولتي وأنا
راع خرافي الشوق والوجد (السابق: 106)
وفي قصيدة هل هذه بغداد:
يا من أضعت طفولة وفتوة
ماذا ستخسر لو أضعت الباقي ( نقوش علی جذع نخلة: 168)
يکشف لنا الشاعر عن رؤيته تجاه الطفل و الطفولة في تعليقٍ له علی إحدی قصائده المنشورة في موقع المثقف کما يلي: «فأنا فعلا لازلت طفلا والله …بدليل رفضي شيخوخة العصر الراهن ..
الشاعر طفل دُميتُه الكلمات ..والفلاح طفل دميته الأرض … والعاشق طفل دميته المعشوقة وأنا بي من هذه كلها سمت … أصدقك القول سيدي : لا أجد متعة كمتعة لعبي مع الأطفال ، ولقد شعرت بالحزن لأن طفلتي ” سارة ” كبرت ولم تعد تطلب مني أن تركب على ظهري وأنا أسير في الحديقة أو في صالة البيت على أربع مثل حصان !» (السماوي «أ»،2011م، صحیفة المثقف).kh yahia 3

موتيف الحمامة:
إن الشعراء اتخذوا من هذا الطائر وسيلة للتعبير عما رسخ من مکبوت نفسي مؤلم، و للتعبير عن الاستجابة الخاصة التي يبديها الإنسان الشاعر للطبيعة، فالعذاب والنوح الذي تعلنه الحمامة هو المکافئ الخارجي لانفعال الشاعر الداخلي و لحزنه و ألمه و نوحه علی من رحل منه، و کأن ما تعلنه الحمامة ينسجم مع ما يکنه الشاعر في نفسه، و کأنها تعبر عن مکبوته و ما يحتضنه من ألم و نعتقد أن رمز الحمامة في الغزل العربي القديم لا يحوم إلا في هذا الجو و لا يدل إلا عليه و لا يوحي إلا به (شمسي، 2008م: 116).
و لهذا أصبحت العلاقة بين الشاعر و الحمامة علاقة تعاطف قائمة علی المشارکة الوجدانية التي تربطهما معاً.
و تروي کتب الأخبار أن العرب عدوا الحمامة طائراً مقدساً «و کانوا يقدسون حمام مکة المحرم .. حتی أنهم وجدوا إلهاً دعوه “مطعم الطير” نصبوه علی المروة کما أن هنالک بين الأصنام ما کان يهدی له الشعير و الحنطة» (الحوت، 1979م: 107).
و قد عني دارسو التراث الشعبي بالمغزی التقليدي للحمام في حياة البيئات الشعبية فقالوا «ان الحمام دون بقية الطيور أحيط بقداسة في الظن الشعبي. و قد کان مقدساً لدی بعض الديانات کديانات عشتروت و افروديت، و هما الهتان للحب و الخصوبة و يشيرون الی أن التبرک بالحمام يضاعف القدرة الجنسية أو عاطفة الحب»(صالح، 1956م: 106).
و للعلاقة التي تربط الشعراء العشاق بالحمامة أصول رمزية لأنها «رمز للمأوی و رمز للود و رمز للخصوبة و الأنوثة و الوداعة، ثم هي رمز للحزن و الشوق و الصبابة و البکاء، ثم هي رمز للألفة المشهور من تآلف الحمام» (الطيب، 1970م:3/910)؛ و من بين هذه الأصول أن سيدنا نوحاً أرسل الغراب بعد أربعين يوماً من إبحار السفينة في الطوفان لينظر هل انحسر الماء، فمضی و لم يعد؛ ثم أرسل الحمامة فامعنت في البحث عن مکان يابس، فلم تجد شيئاً، ووجدت الماء محيطاً بکل مکان، فعادت، ثم ان نوحاً عليه السلام لبث سبعة أيام بعد ذلک، ثم أرسلها مرة أخری، فرجعت عند المساء، و في فمها غصن زيتون في رواية التوراة، و من کرم في رواية العرب، فسر سيدنا نوح بذلک، و کافأها علی حسن قيامها بما عهد اليها به (السابق: 3/ 911- 912).
و تتيح لنا هذه القصة أن ندرک أن الحمامة رمز من رموز المأوی و انتظار الرجاء، و حسن الخلق و الوفاء و خفة الحرکة، و کل هذه المعاني – دون شک – لها صلة جوهرية بصفات المرأة الحبيبة، ناهيک عما في هذه القصة من معاني الخصب الذي يؤکده قول الجاحظ في الحيوان علی لسان صاحب الحمام، حين يقول: «أما العرب و الأعراب و الشعراء فقد أطبقوا علی أن الحمامة هي التي کانت دليل نوح و رائدة و هي التي استعجلت عليه الطوق الذي في عنقها، و عند ذلک أعطاها الله تعالی الحيلة، و منحها تلک الزينة، بدعاء نوح عليه السلام، حين رجعت اليه و معها من الکرم ما معها و في رجليها من الطين و الحماة ما برجليها، فوضعت من ذلک الطين خضاب الرجلين، و من حسن الدلالة و الطاعة طوق العنق» (1969م:3/195 – 196).
و مما يذکره الابشيهي عن طبع الحمام قوله « و من طبعه أنه يطلب وکره و لو کان في مسافة بعيدة، و ربما صيد و غاب عن وطنه عشر سنين و هو علی ثبات عقله و قوة حفظه، حتی يجد فرصة فيطير و يعود الی وطنه… و من طبعه أنه لا يريد الا ذکره الی أن يهلک أو يفقد أحدهما، و أنه يحب الملاعبة و التقبيل» (الابشيهي، 1952م:2/123).
الحديث عن الحمامة و أشواقها و همومها هو حديث الشاعر عن نفسه، و عن حبه و أشواقه و يلاحظ ذلک من خلال المقارنة بين وجدان الشاعر الصاخب و حال الحمامة و هي تئن تحت وطأة الفقد و الحرمان من فرخها الذي افترسه الصقر، و کأن إحساسها العميق بالشجن الذي ولّده الفقد هو کإحساس الشاعر الذي ولد بفقد الحبيبة.
و تنطلق مشاعر الشعراء و هم يسمعون نوح الحمام، لأنها تذکرهم بحبيباتهم النائيات و لانها رمز الحب و الوفاء و الحنين، و لهذا امتزج نوحهم بنوحها (شمسي، 2008م: 123و 124).
إن الحمامة کانت قرينة الشاعر يحيی السماوي في غربته و حنينه و اشتياقه و أحزانه و لواعجه؛ فقد تحوّلت في شعره الی عنصر رمزي يُشکّل البناء الشعري، و يفتح عوالم الرؤية علی مساحات الوطن و الکون؛ و قد تحمل رمز الهجرة و البعد عن دفء الوطن، لکن – کذلک – تحمل شوق العودة اليه، و هي الدلالة التي يبحث عنها الشاعر / الانسان في وطنه:
يا من أسرتَ غدي أغِث أملي:
اياک تُرخي – أسري – صَفَدي
سَيَضيعُ لو أطلقتَ مختبلاً
طارت حمامتُهُ و لم تَعُدِ (نقوش علی جذع نخلة: 47)
و أيضاً يقول مخاطباً حبيبته:
بينک و الفرات
آصرة…
کلاکما يسيل من عينيّ
حين يطفح الوجدُ
و حين تشتکي حمامةُ الروح
من الهجير في الفلاة.. (السماوي، قليلک..لا کثيرهنّ: 16)
فيرمز بالحمامة الی البراءة، إذ ان الشاعر لم يقترف ذنباً داخل الوطن حتی يتعرّض لهذه المعاناة في المنفی، فإضافة لفظة “الحمامة” الی روح الشاعر و قلبه تدلّ علی براءته:
قلت لأمي:
حفنة أيامٍ
و تعودُ حمامةُ قلبي لروابيکِ.. (الأفق نافذتي: 85)
لا بدّ للشّاعر داخل هذه الدّوامة والدّائرة الجهنّمية من استراحة هي أشبه باستراحة المقاتل.. حينما يتحوّل قلبه إلى طائر يمضي – أو يسري – به إلى الوطن الحبيب / العراق مَسْقَطُ الرّوح كما جاء في قصيدته “طَيْرٌ أنا قلبي” من ديوان “قلبي على وطني” :
طَيْرٌ أنا قلبي، إذا سكن الدُّجَى
يمضي به نحو العراق جَنَاحُ (1993م: 159)
ان للحمام وقعا متفردا في شعر يحيى السماوي ، ويبدو أن الطفل يحيى في السماوة كان مولعا بالحمام، وتلذذ بشدوها أو نوحها أو هديلها، وبتقادم عمر يحيى وحين قرأ توظيفات الشعراء للحمام ،خزن ذلك في ذاكرته فامتزجا ، فكان حصيلة ذلك كأسا مزاجها النظرية والفعل.
في مراهقة يحيى التي يفصح عنها في بعض قصائده هي مراهقة اعتيادية كما عند غيره تبدا بحب إبنة الجيران بعد تملصه من العقدة الأوديبية، وربما يختلس قبلة أو يحاول، لكن العرف الإجتماعي والتقاليد ومراقبة الأبوين الصارمة لا تسمح بالمزيد ويبدو ان الأم لم تكتف بتوبيخه أو تخويفه عندما يرتكب معصية، بل هي تعلمه كيف يفترض أن يكون عليه المجتمع فهو يقول عنها:
أذكر أن أمي حدثتني عن بيوت دونما أبواب (الأفق نافذتي: 46).
لكن مراهقة يحيى بسبب من التقاليد الصارمة والبيئة لا يمكن أن تحرق المرحلة العمرية التي يجب أن يمر بها، فإذا كانت الأنثى الحقيقية محرمة عليه، وممنوعة عنه، فلا بد أن يجد البديل، البديل الرقيق الناعم الهادىء، البديل الذي يستطيع أن يسامره، ويناجيه، ويبثه حزنه وافراحه دون اعتراض لا منه، ولا من مجتمعه، فوجد ذلك واكتشفه، إنه الحمام، الذي أضاف له شاعرية، ولم يبخل عليه بالسماع، ولن يقول له لا ولو أشبعه قبلات، ولن يقول له لا لو تلمسه برفق، وفضلا عن ذلك كله فهو يغنيه ويبثه لواعجه وشجنه، فيشتركان في الألم اللذيذ (محمد سعيد «ق»، 2011م، موقع المثقف).
و أحياناً في شعره يتخذ الحمامة رمزاً للنهد، فيقول:
أحرس يا حبيبتي حمامتي صدرک
حين تقترب الصقور (قليلک لاکثيرهنّ: 41)
و يقول أيضاً:
و حمامتي تبرٍ
تمرّدتا علی قفص الإزار (المصدر السابق: 19)
کما نلاحظ ان الشاعر يرمز بالحمامتين الی نهدي الحبيبة و ذلک لعفتهما و عصمتهما فطالما نجده في منجزه الشعري يخاطب حبيبته بـ “معصومة النهدين”.kh yahia 9

موتيف الریح:
الريح رمز من رموز الشوق و الحنين، و دلالته علی المرأة واضحة في قصيدة الغزل العربية، و قد تهب الريح من اتجاه ارض الحبيبة البعيدة و تذکر الشاعر بها، فيلجأ الی بث لواعج نفسه، و يهتف بحبه و شوقه اليها، و تکون رمزاً من رموزها، لأنها تحمل عطر الحبيبة و رياها و نفسها الذي يتنسمه في الريح الهابة من مکانها.
و معرفة العرب بالرياح و مهابها مکنتهم من معرفة حالة الطقس و التنبؤ بهطول المطر فرياح الجنوب لواقح للسحاب بينما تکون رياح الشمال عقيمة لأنها باردة اذ ان للرياح طباعاً معروفة اختصت الصبا بخيرها و الدبور بشرها (شمسي، 2008م: 165). و لعل مناجاة الشعراء العشاق لرياح الجنوب تنطوي علی معنی متصل بالخصب و الحياة، و هو الصق المعاني المتصلة بالمرأة کونها رمزاً من رموز الخصب و الحياة ايضاً في نص الغزل العربي.
و کان العرب يميزون بين الريح و الرياح فينطقون الأولی مع الغضب و العذاب و الثانية مع الطمأنينة و الهدوء (الصائغ، 1982م: 272).
و فی المعجم الشعري للسماوي وردت لفظة ” الریح ” بصیغة المفرد و أحیانا بصیغة الجمع «الریاح».و للريح في شعره دلالة علی الشوق، و الحنين و الاشتياق:
فما نفعُ الشراعِ بغير بحرٍ
و ريحٍ؟ کن بحاري و الرّياحا (هذه خيمتي فأين الوطن: 248)
و له دلالة عند الشاعر علی القوّة المخصبة المولّدة، فالريح تلقح السحاب، و بذلک يفسّر قوله تعالی:«و أرسلنا الرياح لواقح» الحجر / 22؛ تلقح الزرع و الاشجار، و يدخل السماوي هذا المعنی للريح التي ترمز الی اللقاح و الإنجاب و التوالد و الخصوبة فيقول:
لکنني
سأحرثُ الحقلَ
فقد تقود لي الرياحُ يوماً
موکبَ الأمطار (قليلک لا کثيرهنّ: 97)
و في الأهداء لديوان “قليلک لا کثيرهنّ يقول الشاعر:
للريح قادت للثری العطشان
قافلة الغمام.. (المصدر السابق: 7)
و للریح فی شعره دلالة علی القلق، لتقلّبها و تعدّد اتّجاهاتها، فهی لا تبقی علی حال، و شأنها فی ذلک شأنه، لما یدهمه من الخطوب و المحن المتوالیة:
ريحُکِ و ليس شراعي
أوصل سفينتي
الی الضفة الأخری
من نهر القلق! ( مسبحة من خرز الکلمات: 19)
وهو حین یعبّر عن ثورته و غضبه یستعمل الریح و الأعصار رمزاً لها، کما فی النص التالي:
ايتها الرياح
خذي رماد جرحِنا
و لقّحي مياسمَ الثورة أو أسنة الرّماح
فربما ينهضُ فجرٌ ضاحکٌ
من رَحِمِ الجراح (هذه خيمتي فأين الوطن: 161)
فالریح ترمز لغضب الشعب و ثورته و انفعالاته، و لما کان السماوي شاعر مقاومة و شاعرا ثوریا، فقد استعمل رموزا تتماشی مع مقاومته و ثورته فاستخدم رمز الریح دلالةً علی القوة و رمزا للمقاومة و الثورة و إشارة الی الإخصاب، و رمز التحدي:
فمتی ينتفض النخلُ الفراتي
متی تکنس ريحُ القهرِ عار الأزمنة؟ (المصدر السابق: 75)
و لدلالة الریح علی الدمار جذور دینیة، ففی القرآن الکریم استخدمت للعذاب و فی سیاق الشدة فی قوله تعالی:«و أما عاد فأهلکوا بریح صرصر عاتیة»، الحاقة / 6.

موتيف الصحراء:
و من الصور الممتعة في شعره، صورة الصحراء. فهي توحي بسمة کونية ترتبط بسمو و علو الروح و تشير الی حياة الشاعر أو روحه، و ليس الی العقم و الفراغ الذي يمکن أن يتبادر الی الذهن عند أول نظرة.. فقد جاءت الصحراء التي ترمز الی بيئة معينة لتحمل في طياتها الحياة، علی الرغم من قساوتها.
و ترد الصحراء عند الشاعر لغیر دلالاتها فی الشعر العربی، ففی التراث القدیم لم ترمز الصحراء لشيء، و هی عند امرئ القیس تعنی الصحراء و حسب، کما فی قوله:
و ألقی بصحراء العبیط بعاعه
نزول الیماني ذی العیاب المحمّل ( الزوزنی، 1987م: 164).
و قول الحارث بن حلزة:
و طراقاً من خلفهنّ طراقٌ
ساقطات ألوت به الصحراء(المصدر السابق: 360).
تنصرف الصحراء فی شعر السماوي لدلالات مختلفة، و لها ظلال متعدّدة، فمن ذلک استخدامها للتعبیر عن الانتماء و ارتباطه بجذوره العربية علی ما یتّضح لنا من قوله:
لي طبعُ صحراء السماوة.. لم تَخُن
شرفَ الرمالِ اذا استبدّ هجيرُ ( زنابق برية: 138)
فالصحراء رمز الأصالة و العروبة و و الأرض و الوطن و الإنتماء و الجذور و التاریخ، و المجد العربي.

تقع السماوة على أطراف صحراء شاسعة تمتد من السماوة حتى السعودية وتسمى صحراء السماوة، وفي امتدادات هذه الصحراء عاش المتنبي زمنا ليتعلم العربية الصافية.. و في هذه الصحراء أيضا كان يوجد حصن “السموأل” الذي يُضرب به المثل في الوفاء بالعهد.
و الصحراء في شعر السماوي أيضاً صورة من صور التحدي و الثورة في وجه القمع و التسلط:
فخذوا بنصحي:
عيونکم لا تقوی
علی عواصف صحارانا .. (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 131)
و من دلالات الصحراء التی نستشفها من شعر السماوي معنی الوضوح و الصفاء و البساطة و الطیبة، فيستخدم الشاعر هذه المفردة في معانٍ رومانسية:
و أقمتُ في صحراء وجدي ناسکاً
دنفاً.. و أرسلتُ الفؤاد رسولا ( لماذا تأخرت دهرا: 75)
و أيضاً:
خضّبتِ بالحناء صخرِ رجولتي
و فرشتِ صحرائي بعُشبِ صباکِ ( البکاء علی کتف الوطن: 139)
و أحياناً تدلّ هذه المفردة علی أرض المنفی / الغربة:
أبدو شجرة في صحراء:
جذري في مکان
و ظلي في مکان آخر! (مسبحة من خرز الکلمات: 77)
فالصحراء هنا أرض الغربة التي يعيش فيها الشاعر حيث يکون ظله هناک فقط أمّا جذوره ففي وطنه العراق؛ و أيضاً في البيت التالي:
صُبّي علی رملي مياهکِ.. ربما
سيزينُ صحراءَ الشريدِ نخيلُ (هذه خيمتي فأين الووطن: 20)
و للصحراء دلالة علی الجدب و الصفرة و الموت و الخواء و الفراغ و القحولة:
يا حرقةَ الصحراء معذرةً
ما عادَ في کوزي سوی وشلِ (لماذا تأخرت دهراً: 46)kh yahia

موتيف الشمس:
کان الإنسان القديم يری الشمس وجوداً حيوياً «لا يکشف الأشياء للبصر وحده، و إنما يکشف الأسرار للبصيرة أيضاً و لهذا عندما ينسب الالوهة للشمس لم يکن يميز بين الشمس کوجود مادي والشمس کإله» (الحوراني، 1978م: 230 -231) و قد کانت هذه الفکرة بالنسبة للإنسان القديم أمراً طبيعياً لعدم قدرته علی تمييز الظواهر الطبيعية علی وفق تأمل عقلي و منطقي سليم.
و عبادة الشمس من العبادات القديمة المتطورة اذا ما قيست بالعبادات البدائية الأخری التي کان يؤديها الإنسان للأحجار و النباتات و غيرها من الطواطم المعروفة، فهي أول الأجرام السماوية التي کان لتأثيرها المادي علی الإنسان و الحيوان و النبات أثر في لفت أنظار البشر اليها.. (عبدالرحمن، 1984م: 46) فعبدوها و بنوا لها المعابد و قدموا لها القرابين.
و کان الجاهليون يقدّسون الشمس و القمر، و يؤکد ذلک قوله تعالی((و من آياته اللّيلُ و النّهارُ و الشّمسُ و القمرُ لا تسجدوا للشّمسِ و لا للقمرِ و اسجدوا للّهِ الذي خلقهُنّ إن کنتم إيّاه تعبدون)) فصلت / 37.
الشمس فی المعنی الإصطلاحي: نجم ثابت و کتلة ملتهبة من النار، و لکن لها فی المعجم الشعري دلالات مختلفة، فهی تدل علی “الحق الواضح” فی شعر السماوي حیث أصبح حق الوطن واضحاً کالشمس:
الکلّ أعمی في النهار..
مادام أنّ الصبحَ کهفٌ موصَدُ
و الشمس غادرتِ المدينة (البکاء علی کتف الوطن: 175)
و الشمس فی شعره دلالة علی الوهج و التجلي، و هو في هذا کله ینطلق من الصفات الحقیقیة للشمس:
ايتها البعيدة کقلبي عن يدي..
القريبة کالشمس من عيوني.. (مسبحة من خرز الکلمات: 11)
و ايضاً في البيت التالي:
أظلمت نافذتي .. و انطفأت
مقلة الشمس بصبحي فاشرقي (لماذا تأخرت دهرا: 167)
و لإرتباط الشمس بالحیاة فلاغرابة أن تنصرف فی شعره الی الأمل الذی سیبعث فی الغد القریب:
يومنا مرَّ علی داجية
فعسی تأتلق الشمسُ غدا (البکاء علی کتف الوطن: 168)
کما في البيت التالي:
شاخ الطريق و خطوتي اکتهلت
و دَجَت شموسُ الصبح في مقلي (لماذا تأخرت دهرا: 79)
أما الشمس بمعناها الرومانسي فتنصرف فی شعره الی الحب، حیث ترمز الی الاشراق و جمال المحبوب، فیقول:
خلّ أکون لشمسِ طلعته
ظلّاً و للصوتِ الصدوقِ صدی (زنابق برية: 84)
و أيضاً:
فلتطفئ الريحُ سنا شمعةٍ
مادمتِ انتِ الشمسُ و البدرُ (بعيدا عني..قريباً عنک: 133)
و للشمس دلالة علی المیلاد و الحریة و الاستمرار، و ذلک لتجددها کل صباح، فکأنها تولد من بطن العتمة :
و برغم أن الليل طال و عربدت
عِتَمٌ و أنّ الدرب غير معبّدِ
آمنت بالوعد العظيم.. و أنه
يبقی بقاء الشمسِ دينُ محمّد (زنابق برية: 80)

موتيف القمر:
کانت للقمرمکانة متميزة لها أثرها في تقديس الجاهليين له، و قد اکتسب منزلة دينية کونية، و کان القمر محور الاعتقادات الفلکية الدينية الأولی عند البدوي إذ کان يرعی قطعانه علی ضوئه، و عبادة القمر لاحقة بحياة المراعي و البداوة، و أما عبادة الشمس فمرحلة أرقی، و هي عالقة بحياة الزراعة. و يأتی القمر دائماً رمزاً للصورة المثلی للرجل، بينما جاءت الشمس رمزاً للصورة المثلی للمرأة، و و لهذا قلما نجد القمر في صورته الرمزية مقترناً بالمرأة، لاسيما في الغزل الجاهلي، لأن القمر في اعتقاداتهم رمز للإله الأب، و هو علی رأس العائلة المقدسة: “القمر و الشمس و الزهرة” (شمسي، 2008م: 221).
يقول د.حسين سرمك: إن القمر رمز ذکوري في موروثنا الأسطوري في حين أنه رمز أنثوي في أغلب الحضارات القديمة. و يعتقد انها المعادلة الصحيحة أن تکون في السماء الشمس أنثی و القمر ذکر..(2010م(ش): 13).
و اننا حين نطالع الشعر الجاهلي لا نری القمر الا رمزاً للرجل ذي البراعة و الجلال و سيد القوم و تدخل هذه المعاني في باب المديح دائماً، و من أجل هذا قل وجود شعر جاهلي نجد فيه المرأة مشبهة بالقمر.
و في الغزل الاسلامي يفرغ رمز القمر من مضمونه الديني و الأسطوري ليمتلئ بالجمالية الصرف، لاقترانه بجمال المرأة و ذلک نتيجة لانحلال الروابط بين الدين ذي التکوين الأسطوري و بين الشعر الذي أثر فيه دين الإسلام تأثيراً الغی بموجبه المنطق الديني الأسطوري لينهض منطق العقل مکانه.
لقد برز رمز القمر في الغزل الإسلامي حاملاً دلالة الجمال، و ليس فيه ما ينبئ عن الدلالة الدينية أو الأسطورية، انه رمز مباشر لجمال وجه المرأة الحبيبة المشرق المتألق (شمسي، 2008م: 222)؛ کما يصف السماوي جمال محبوبته بالقمر:
انا لا أعجبُ لو قيل: علی الأرض قمر
يتمشّی…. (عيناکِ لي وطن و منفی: 71)
أحياناً يضفي الشاعر علی القمر دلالات أخری؛ کما في البيت التالي يری أحبابه و قومه قمراً يضيؤون له ليلته / عتمته في الغربة:
ليلتي تأبي سواکم قمرا
فأقيلوا مستهاماً عثرا (زنابق برية: 139)
أو في البيت التالي أيضاً:
إن تکن حقلاً فخذني شجرا
أو أکن ليلاً فکن لي قمرا (المصدر السابق: 195)

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *