أ.د. نادية هناوي سعدون*: الشخصية الروائية بين التوحد والتشظي في رواية “سعيدة هانم” لميسلون هادي (ملف/21)

nadia-hanawi-2*ناقدة وأكاديمية عراقية
إشارة:
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر حلقات هذا الملف عن المبدعة الكبيرة القاصة والروائية العراقية “ميسلون هادي”. واحدة من أبرز سيّدات السرد العربي، ولا نبالغ لو قلنا السرد العالمي، بل النوبلية بامتياز لو توفرت الترجمة لنصوصها الفريدة. أكثر من 35 نتاجا في الرواية والقصة وأدب الأطفال. هذه الطافية بحذر بين الواقع والخيال، وبين الحلم واليقظة، الفيلسوفة الشعبية لمحنة الموت والحياة، الأمينة على خيبات محليتها التي ستوصلها حتما إلى العالمية المتزنة المحترمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقراء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدعة الكبيرة ميسلون هادي.
المقالة :
تحتفي ميسلون هادي في روايتها ( سعيدة هانم ويوم غد من السنة الماضية) والصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت 2015 بالمكان جاعلة منه محورا تدور حوله الشخصيات.. وما مشكلة المكان سوى أنه يحفل بالمتضادات والمتناقضات الأمر الذي يُشعر الشخصية الرئيسة سعيدة هانم بالامتعاض والضجر فيتشتت وعيها إزاءه وتتبرم من سوداويته وفوضويته.
وهذا ما يولِّد تضادا نفسيا يجعلها ترى نفسها متشظية بين التماهي في المكان أو التضاد معه أو بكليهما معا والبغية هي البقاء على قيد الحياة ولما كان المكين تابعا للمكان فان من الحتمي والطبيعي ان يتشكل المتمكن فيه بحسب ذلك لذا تحاول ألا تتشابه معه” وهذا هو بالضبط ما تفعله بعض السحالي الصغيرة عندما تتشابه مع بيئتها للدفاع عن نفسها” ص20
وتغدو الثلاثية التعادلية ( التماهي × التشابه × التلون) بمثابة البؤرة الثيماتية للتشظي بهدف صنع عالم خاص لعله ينقذ الشخصية من اليأس، ويحول بينها وبين الضجر والتشتت وكل ذلك جرى على وفق خط كتابي ذي منزع واقعي غرائبي جسدته الرواية احداثا وشخصيات.. maysalon-15
وعلى الرغم من أن المكان بمرارته وفوضويته قد سبب لسعيدة هانم انشطار وعيها إلا إنها آثرت الالتصاق بالبيت/المكان لتكون هي المتمكن فيه المنتمي بايجابية بعكس اخيها سليمان بيك الذي ظل عاجزا وسلبيا غير منتم للبيت متنكرا له ولذكرياته مهاجرا إلى كندا بلمح البصر” ضاق باشتعال الأخضر واليابس في الحرب التي بدأت ولم تنته ..وصار البيت يداهمه الحرس في الليل والنهار” ص21
ولقد افلح استعمال اسلوبية رسم اللوحات ـ التي كانت مليكة جان تنتقي موادها الاولية من النفايات والمهملات التي يعج بها المكان/ البيت لتحول البشع إلى جميل ـ في تدعيم السرد بتقانة الوصف لتنعكس عبرهما حساسية الواقع المعيش..
وتكون الرحلات السياحية الوهمية إلى أمكنة مثل الشمال ومصر والشام بصحبة العمة حورية تعبيرا عن انكسار الشخصية الداخلي ايضا وولعها بالهروب من بشاعة واقعها لعلها تنجو منه.. ولكونها تظل تكابد روتين الواقع المضجر والفراغ واللامعنى الفضفاض والسرمدي فانها تقع فريسة لهواجس الوحدة والانعزال فتكون ضحية الجنون بسبب الاعتياد والرتابة.
ولذلك تتخيل لها قرينا يرافقها شبيها بها مؤنثا تظنه أختها وتعطيه اسم مليكة جان وتجعله يشاركها البيت والعمل” معها حق مليكة جان ان تبحث في علاقة الجوهر بالمظهر بين المكان والمتمكن فيه معها حق في ان تخاف على نفسها بالأخير من ان تتحول هي الأخرى إلى قمامة إذا ما مكثت طويلا في هذا المكان” ص134. kh maysalon 10
ولما كانت مليكة هي ذاتها سعيدة لذلك فاننا سنجد تفسيرا لكل حركة أو تصرف أو سلوك يصدر عن كل واحدة منهما” في المساء متكورة على نفسها مثل قطعة مخربطة من غطاء الفراش جلوسها ذلك يعبر بشكل مضحك عما كانت عليه فعلا فهي مشوشة على الدوام لأنها تريد ان تجمع بين ما تفكر به وبين ما يجب ان تفعله فتجده متناقضا إلى حد كبير” ص51
ولان الواقع يشعرها بالتقزز والقرف والتشوه لذلك تظل البشاعة تلاحقها في خيالها لتبدو غريبة الأطوار وهي تحاول الكشف والمعرفة وامتلاك الإرادة وما هذا الشعور إلا بسبب التضاد النفسي إزاء ما تفكر فيه مليكة جان التي ملكت على سعيدة دواخلها فصارت مثل ظلها ” فعلا كنت اشعر باني لست أنا ووجدت نفسي ..لا اعرف أين أدير وجهي من نظرات مليكة جان” ص42 وتمتعض من نفسها ايضا” وظلت تبصق على نفسها فترة طويلة أمام المرأة.. مليكة جان لا زالت تبصق على نفسها ” ولكون سعيدة تسمع همس مليكة وصراخها الداخلي وأسئلتها وأجوبتها لذلك تندفع عفويا متمردة على السكوت ومحتجة على الصمت بإزاء ما يجري في الواقع.. ” كنت أحاول أن اعثر لها على تفسير لهذه الظاهرة ولكن لا تفسير محدد سوى أنها تريد التغلب على الزمن وتبحث عن حياة جديدة لكل شيء يختفي من حياتها” ص31
وهكذا تظل الشخصية الرئيسة متشظية إلى ما لانهاية ما دام القرين(مليكة جان) يطبع المكان أشياءً وموجودات بطابع خيالي فيفقد الزمن وظيفته ويتساوى الغد مع الأمس ويكون الماضي هو المستقبل.. وما التشظي هنا الا ترميز على ازدواج الذات في ظل واقع معيش غمرته المآسي والمنغصات..

شاهد أيضاً

د. زهير ياسين شليبه: قراءة في قصة بني أندرسن الغنائية “أغانِ سفانته االشعبية*” (ملف/4)

أُشتهر الشاعر بني أندرسن 1929-2018 في بداية السبعينات بالذات بكتابه الغنائي الساخر “أغانِ سفانته الشعبية …

سعد جاسم: فراشات الخريف (هايكو) (ملف/29)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

صباح الأنباري: قراءة أولية في قصيدة سعد جاسم «هو يشبه أنكيدو» (ملف/28)

في قصيدة الشاعر سعد جاسم (هو يشبه أنكيدو) تبدأ العنونة بتحديد ذكورية الشبيه (هو) متبوعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *