الرئيسية » ملفات » فليحة حسن : الوظيفة الدلاليّة للون في (بوصلات) و (إنجيل أم ّ سعد) (ملف/9)

فليحة حسن : الوظيفة الدلاليّة للون في (بوصلات) و (إنجيل أم ّ سعد) (ملف/9)

faliha 8مدخل
يعد اللون واحدا من أهم الرموز الإشارية التي استعان بها الإنسان لتوضيح أفكاره ، حتى أصبح اللون رسالة يمكن إن ترسل من مرسل يقصدها لتجد المتلقي الذي يتبناها.
واللون – كما يعرفه فردريك مالنر في كتابه (الرسم كيف نفهمه ونتذوقه) – (هو كلمة تستخدم لوصف الإحساس الذي يتسلمه الدماغ عندما تثار شبكية العين بفعل أطوال موجية معينة للضوء) ،وبمرور الزمن انتقل اللون الى أذهان العامة ، مرتبطا بهالة أسطورية استغلت في ترسيخ بعض المعتقدات إذ أضحى لكل لون دلالته التي يعرف بها . وقد امتدت سطوة اللون حتى صار يثير في بعض الديانات ردود فعل معينة ، فلو أخذنا اللون (الأخضر ) مثلا ، لوجدناه رمزا للحياة والتجديد والانبعاث الروحي والربيع والأمل، وهذا أمر اتفقت عليه الديانات المسيحية والإسلامية والصينية على حد سواء، كما وإننا نرى إن الديانة المسيحية قد جعلت من الأصفر لونا للحسد والخيانة والوشاية فكثيرا ما نرى يهوذا الاسخريوطي وقد رسم مرتديا لملابس صفراء. وقد أجبر اليهود في بعض البلدان على ارتداء ملابس صفراء ، وطليت أبواب الخونة في فرنسا في القرن السادس عشر باللون الأصفر وقد أجبر الأسبان الهراطقة – المنشقين علنا عن عقيدتهم – على ارتداء الصليب الأصفر ، كذلك أجبرتهم محاكم التفتيش على الظهور للجماهير وهم يحملون شموعا صفراء، وقد استخدم الصينيون اللون البنفسجي كلون للحداد، وكثيرا ما استخدمته النساء المسنات تعبيرا عن الحزن الذي انتهى أجله ، أما اللون الأزرق السماوي في الديانة المسيحية فهو رمز لزهرة المشتري المرتبط بمريم العذراء بوصفها ملكة السماء، وكثيرا ما كان المصريون يسحقون ويطحنون اللازورد وهو حجر أزرق اللون شبه ثمين ويستخدمون المسحوق الناعم الناتج عن ذلك اللون الأزرق الزاهي المعروف باللازوردي . أما اللون الأبيض فقد عد لونا للتطهير وارتبط بالعذارى والعرائس المقدسات، إلا إننا نراه في كل من الثورتين الفرنسية والروسية لون المكرهين على الهجرة لظروف سياسية ولون رجال الشرع والقانون. فإذا ما أخذنا تأثيرات تلك الألوان في النفس البشرية وما تثيره من انفعالات لوجدناها متباينة من حالة الى أخرى .
فإذا ما انتقلنا الى الشعر وخاصة العربي منه لوجدنا اللون يحتل مساحة كبيرة فيه ، فقد بسط اللون كثيرا من سطوته على الصورة الشعرية لدى بعض الشعراء فصار الشاعر مثلا يستغل درجات السلم الدلالي كلها أو بعض منها للتعبير عن الحالة النفسية المعيشة ، فهو يستخدم اللون الأحمر تعبيرا عن توتر الحالة الشعورية واشتدادها فإذا ما استوعب عناصر التوتر تلك وتمثلها بوعي ودراية استخدم الأخضر والذي هو مزيج بين العقل والعاطفة ، فإذا ما أوصلها الى نهاية طبيعية استطاع أن يدفعها نحو أفق أوسع، ربما استخدم له اللون الأزرق ، أو الأزرق المائل الى البياض . abdulhadi-alfartosi-4
وبعد تحرر الشعر العربي الحديث من الموسيقى الخارجية ، وأعني بها الوزن والقافية أو حرف الروي اعتمد على إيقاع أو موسيقى داخلية ، ذهب بعض المهتمين به الى أن تلك الموسيقى الداخلية إنما هي موسيقى (لونية) وهذا ما نجده واضحا في حديث المايسترو يوسف السيسي ، حينما قال إن الموسيقى الداخلية التي تتحقق فيها جوهرية الشعر الحديث هي موسيقى لونية إيحائية.
من هنا نستدل على إن إيقاع اللون يمكن أن يكون مظهرا من مظاهر الإيقاع التكويني في القصيدة الحديثة أو انه قادر على استقطاب حركة إيقاعية لا تقل أهمية عن الوزن الخارجي أولا .
وان الوعي الشعري اتجه نحو اللون لكونه طاقة تشكيلية لها خصائصها النفسية والبصرية المعبرة عن عناصر الذات ثانيا فإذا ما أراد الشاعر مثلا التعبير عن التوتر الذاتي الداخلي استخدم الأحمر، فإذا ما انتقل الى الصراع بين الذات ومحيطها لجأ الى الأخضر، وبما إن الوظيفة الشعرية لا تعتمد على مبدأ التطابق وحده بقدر ما تنمو عبر قوانين التقابل و الاختلاف والتضاد،استغل الشعراء اللون في التعبير عن الجدل القائم بين الحياة والموت فرسمت الأرض خضراء بالأمل، فإذا ما أجدبت اصفرت وأثارت إحساسا باليأس والقنوط ، ومثلما البحر صار لونه يتردد بين اخضرار السطح جزرا وازرقاق العمق مدا ، إذ إن اللون صار يستخدم كإشارة لعواطف بشرية محددة على وفق انتماء بصري معين .
وقد تصور فريق من الباحثين الإنجليز إن هناك أحد عشر صفة لونية عامة ممكنة الوجود تنتشر ألوانها بطريقة واحدة وضمن نظام ثابت هو كالآتي:
أرجواني
وردي بني أزرق اصفر أخضر أحمر أبيض
أخضر أصفر أسود

برتقالي
رمادي
7 6 5 4 3 2 1

وقد ادخلوا ذلك النظام في إطار القوانين العلامية التي ترى إن جميع اللغات تخضع لقانون شامل يضبط نشوء الألوان وتحولاتها المتتابعة.

التوظيف اللوني
فإذا ما تحولنا الى قراءة اللون عند الشاعر عبد الهادي الفرطوسي في مجموعتيه (بوصلات) و (إنجيل أمّ سعد) لوجدناها تشي بأن اللون الأخضر يطغى على الصورة الشعرية المرسومة لديه. وهو يتعامل مع هذا اللون بطريقتين :
في الأولى أراد له العمق فجاء بصور شعرية واضحة من مثل ربطه بين الاخضرار في الشوارع وقلوب العشاق ، فهو يقول :
((وشوارع خضر كقلوب العشاق))
ومثل قوله :
(( يكتبني في مراياك بيتا من الشعر أخضر))
وهذه الطريقة على رأي سيزان تجعل اللون أكثر عمقا من غيره ، تقول : ((عندما يكون اللون على أكبر قدر ممكن من العمق يكون الشكل على أكبر قدر من الامتلاء أي أكبر قدر من الوضوح ))
والثانية وسم هذا اللون بسمة الخلود والديمومة إذا جاء مقترنا بالفعل المضارع ، فالفعل المضارع كما نعرف ينماز بقدرته على الاستمرارية والديمومة والتواصل. فهو يقول:
((أسمع همس أناملك الخضراء))
و ((تمسك عودا أخضر))
و ((تخضر في شفتي القصيدة))
ولما كانت كلمة (أخضر) علامة تعني لونا محددا، فان الشاعر اتخذه أنموذجا يرمز الى الأمل المرتبط بالغيرية والمستمد منها ، وهو هنا أراد أن يسلب من الاخضرار صفاته السلبية المتمثلة بدلالته على الانهيار الخلقي والجنون والتحريض على الغواية. وهذه الدلالات التي اعتمدها بعض الرسامين والمسيحيين في تصويرهم إبليس بجلد أخضر اللون وعيون خضراء ضخمة.
وذهب الشاعر الى ابعد من ذلك حينما ربط بين الاخضرار وبين بعض المدلولات الحياتية تأكيدا لصفة الاخضرار الدالة على الهدوء الدنيوي الممزوج بالرضا، فقد جعل من الاخضرار صفة ملازمة لكل من القمر والأنامل و الهواء والحلم والزمن والعود والغصون والمطر والفوانيس والنور والشوارع وقلوب العشاق والبيت والقصيدة ..
وبما إن الشعر يقوم على التقاء الثنائيات المتضادة فيما بينها لذا فإننا نرى الى جانب طغيان الاخضرار على وجه قصائد الشاعر فقد ينز بين الحين والآخر ، وحسب متطلبات الصورة الشعرية ، لون مغاير للاخضرار وهو اللون الأصفر والذي جاء مرتبطا بمدلولات ربما حملت للشاعر ذكريات مؤلمة ، وأعني بها ( ملك / الدم / الخريف ) ، وهي مصاحبات يجب على المحلل أن يراعي المردودية الدلالية لها ، فمثلا حينما أراد الشاعر أن يعبر عن كراهيته للقهر استخدم مفردة (ملك) بما فيها من رموز للسطوة والاستبداد واضطهاد الحرية ، وربط بينه بين الاصفرار ، ولم ينبه الى هذا الحد بل تعداه الى ربطه بالريح (رمز الزوال وعم الاستمرارية)وهذا واضح من حركة الريح وعدم ثباتها ، فالأصفر هنا جاء به الشاعر تعبيرا عن العدوان والعنف والتحفيز، وحينما يريد الشاعر أن يصور لنا مدى مقته للدم / الحرب ربما ربط بينه وبين اصفرار الصديد/ القيح ، والذي هو نتيجة حتمية لتراكم الدماء ، مؤكدا بذلك رأي ايزنشتاف الذي رأى أن الذهب بلونه الأصفر الذي يستخدم كرمز لأكثر القيم ارتفاعا وأعلاها استخدم أيضا في الأساطير الشعبية – على سبيل الاستعارة والمجاز- للدلالة على القذارة والنجاسة، فما القيح إلا نوع من القذارة الصفراء ، وهو حينما يذهب الى تصوير القنوط وفقدان الأمل واليأس يربط بينه وبين ذبول أوراق الخريف واكتسائها بالأصفر.
فإذا ما تحولنا مع الشاعر الى اللون الزرق وجدناه يستخدمه بطرق متباينة ، فهو تارة يعبر عن السكينة والهدوء والامتلاء، فيلون السماء والحقيقة وأحلام حبيبته به ، كما في قوله :
((لسماء كانت زرقاء))
وقوله : ((أزرق كالحقيقة))
وقوله : ((لأحلامك الزرق))
ونجده يعبر عن الوحدة والصمت والفراغ والبرودة، حينما يربط بينه وبين الانتظار ،كما في قوله : ((زرقاء كالانتظار))، أو يربط بينه وبين الوهم: ((وكفاه ممسكتان بخيط من الوهم أزرق))، وقد يربط الشاعر بين الأزرق والنصل للدالة على الشر مثل :((سوى النصل يزرق..
يحمر..
يلهث في حافتيه استعار..
الى الثأر …
هيا اغمديه))
وهو بهذا يتضامن مع شخوص المسرح الياباني (الشريرة) التي تظهر مرتدية الملابس الزرقاء،أما اللون الأحمر والذي هو في دلالته مرتبط بالعدوان والعنف ، وهذا متأت ربما من كونه لون الدم ، فأن الشاعر هنا قد استخلصه للإثارة أو التحريض على الثورة في قوله :
((تخرج من أعماق الموقد جمرا أحمر))
وربط بينه وبين الشر مرة أخرى حينما جعل النصل يكتسي به كرد فعل طبيعي للقتل أو الغدر، ويعكس اللون الأحمر الذي يوحي بالعاطفة الجنسية المجردة عن الحب.
استخدم الشاعر اللون الأبيض رابطا بينه وبين الحب دلالة على براءة ذلك الحب: ((لبيضاء كالحبّ)) ، وبينه وبين ذات الشاعر دلالة على طفولته ونقائه : ((خذي من بياضي)).
أما اللون الأسود فقد سلب منه الشاعر صفة الوقار التي كثيرا ما تحلى بها هذا اللون ، وربط بينه وبين الموت ، كما في قوله :
((الذكوات نسوة مدثرات بالسواد))
وفي قوله : ((ينفث من غدته قطرات سوداء))
وفي قوله : ((أعشاشا سوداء بلون الموت))
وفي قوله ((ممر من الرمل أسود))،
ويربط بين السواد والشر كما في قوله :
((عيون هي الفحم ))
وفي قوله : ((ثعابيناً سوداء)). أي إن الشاعر جاء بالسواد نعتا للموت والشر، على حد سواء.
أما اللون البنفسجي ، والذي هو لون بارد يوحي بالهدوء والسكينة، فقد رسخ فيه الشاعر هذه الصفة حينما لوّن حدائقه به ، في قوله : ((بشّروا بحدائق البنفسج))
وفي قوله : ((المبشرون بحدائق البنفسج))
وحينما لون أغصانه :((غصن بنفسج فوق شجيرة حناء))
وحينما لون شفاه حبيبته: ((ويمد الحلق الى شفة من نار وبنفسج يحلم أن تمطر قطرة )).
وحينما جعل الحبيبة تتضرج به ، أو يتضرج هو بها ، كما في قوله:
((ألا تذكرين بأنا مشينا
على ضفة الحلم
يوم تضرج فيك البنفسج)).
أما الرمادي ، والذي كثيرا ما يستخدمه الفنانون للإيحاء بعتامة المجتمع الصناعي المعاصر ، وبالوجود المهدور والممل، فإننا نرى الشاعر قد جاء به مضافا أو مضافا إليه في ثلاثة عشر موضعا مختارا ، تأكيدا لهذه الصفات . فهو حينما يريد أن يشي بحالة القبح التي يعيشها المجتمع المعاصر يأخذ رموز ذلك المجتمع وأعني بها (الرجل / المرأة) ويضفي عليها صفة الرماد ، فيقول :
((تفتح الباب سيدة من رماد))
ويقول في قصيدة أخرى : ((يا امرأة من هزيع الرماد الذي لا يشب))
وفي موضع آخر يقول : (( وهات اخضرارك يغسل عني الرمادي .. يكتبني في مراياك …)).
فإذا أراد تصوير وجوده المهدور وسم أعوامه وقصائده بالرماد فقال :
((لأحلامك الزرق …/ للسجن … / للنفي … / للتعب المستريح على حلم غاب تحت رماد السنين))
ونجده يقول في قصيدة أخرى :
((مطرا من عقيق
تساقطت في هدأة الروح بين رماد القصيدة واللغة القاتمة))
وإذا ما انتابه الملل صور كل ما يحيط به باللون الرمادي، الأشجار والشواطئ والصمت والموقد… وهو بذلك يلتقي مع مخرجي الأفلام – كما يصفهم جانيتي – ومنهم هتشكوك حيث يعتمدون غياب اللون كتعليق رمزي مناسب على نضوب الحياة.
من هنا يتضح لنا أن للألوان قدرة كبيرة على نقل الإحساس العاطفي في إزاء الموجودات إذ إنها المسؤولة المباشرة عن ذلك ، فإذا تحدثنا عن موجودات تثير فينا البهجة أو الكآبة فإننا نريد منها ألوانها الموحية بذلك لا أشكالها.

المفارقة

تتجسد المفارقة اللونية في كثير من الصور الشعرية في المجموعتين المذكورتين نحو : (القمر الأخضر) و ( أسمع همس أناملك الخضراء) و(المطر الأخضر) و(الزمن الأخضر) و(شوارع خضر كقلوب العشاق ) و(بيتا من الشعر أخضر) و (الذكوات نسوة مدثرات بالسواد) و (أعشاشا سوداء بلون الموت) و(بحر من الرمل أسود) و(شواطئ الرماد) و(سيدة من رماد) و(أشجار الرماد) و(ملوكا من صدأ بني منطفئ) و(زمن نرجسي كعيني فلانة) و(فار دم أصفر كالصديد) وغيرها ….
فالقمر لا يتصف بالخضرة إلا في عيني الشاعر، وهو في حقيقة الأمر يبهرنا بلونه الذهبي المتقد في كبد السماء ، وإنما رآه الشاعر أخضر حينما مزج بينه وبين الأمل الذي رغب في الإنشاد الى أوتاده ، والأنامل الآدمية لا تكون خضراء مطلقا فهي قد تأتي بيضاء أو سمراء أو أي لون آخر لا يفقدها صفتها الآدمية تلك ، فإذا ما رسمها الشاعر خضراء فلأنه أراد بها أن تكون كريمة بما تجود به من التواصل معه وإشاعة ديمومة الأمل الذي مازال يسمع همسه فيها. وهو حينما يضفي على ماء المطر – الذي هو في الأصل لا لون له – لونا أخضر لما لهذا المطر من قدرة على محو جدب الأرض وكسائها بالربيع والاخضرار، فإذا ما أحس الشاعر ببريق الأمل تحول كل شيء الى الأخضر: عقارب الزمن ،و الشوارع ، وقلوب العشاق ، وأبيات الشعر وهي في أصل حقيقتها ليست كذلك.
فإذا ما انتقل الشاعر الى حالة نفسية مغايرة ، هي حالة التشاؤم سلب بياض الذكوات منها ، ودثرها بالأسود . فإذ يبتني الطائر عشه بأوراق الأشجار وأغصانها ، فقد تضفي طراوة المواد المستعملة في البناء ألوانا شتى، إلا إننا لا نعقل أن نرى عشا طلاه طائراه باللون الأسود ، وإلا فلماذا يفعل ذلك ؟! …إذا فلون العش الأسود لون مجانب للحقيقة ، والشاعر إنما رآه أسود تعبيرا عما يجول بباله من حالة التشاؤم أو الحزن ، وما ينطلق على لون العش ينطبق على لون الرمل الذي وإن اسمرّ نتيجة ترسبات جيولوجية ، فتلك السمرة لا تصل حد السواد الذي رمى إليه الشاعر في تصويره ((بحر من الرمل أسود)) . وما يقال عن البحر هنا يقال عن الشواطئ التي هي في الأصل تأخذ من الأرض الملاصقة للبحر لونا بهيجا ، فإذا ما انتقل الشاعر الى المرأة وصب جام حزنه على صورتها بدت له سيدة من رماد ، دلالة على حالة الانطفاء التي شعر بها الشاعر إزاء الموجودات التي انعكست على كل ما يراه، ولم تقف عند حد المرأة بل تعدته الى الأشجار التي فقدت هي الأخرى زهو اخضرارها ولطافة فيئها وارتمت رمادا.
فإذا لاحت في مخيلته صورة الملوك رآهم أشياء صدئه بنية اللون ، ربما لتثبيت حالة الاشمئزاز ـ التي يحملها الشاعر لهم ـ فعمد الى سلب اللون من صور الملوك ، لأنه قد وجد في اللون عنصرا من عناصر تثبيت الموضوع أولا ، ثم أراد لهذه الصورة الامتداد نظرا لأهميتها ثانيا، وهذا ما أكده صاحب كتاب فهم السينما إذ قال : ((اللون عنصر من عناصر التثبيت وكثيرا ما يخسر موضوع يكون هو الغالب في صورة الأسود والأبيض من ناحية الأهمية عندما يتم تصويره بالألوان)).
فإذا ما تحولنا الى زمن الشاعر لوجدناه مصورا بلون نرجسي ، والنرجسي هنا لون يوحي بالتعالي وحب الذات والغطرسة ، أي إن الشاعر عمد هنا الى تجسيم صورة الزمن وإظهار تعاليه وغطرسته، نظرا لما فيه من محن وآلام ، والنرجسي هنا امتد ليلتحق بلون عيني الحبيبة التي لم ير فيها الشاعر سوى الغطرسة والعلو وحب الذات.

التوظيف البياني

لقد تحقق الأداء البياني في (بوصلات) و (إنجيل أم سعد) على مستويين :
• المستوى الكنائي:
الذي طغى على معظم القصائد في المجموعتين ، وهذا يعني إن اللون قد استخدم من أجل التشفير والابتعاد عن التصريح ، حفاظا على المستوى الأدائي في القصيدة وإبعاداً للنص عن المباشرة .
لقد كنى الشاعر بالألوان عن الحالة النفسية المصاحبة لكتابة القصيدة ، فهو مثلا صبغ كل شيء بالأسود كناية عن الحزن مرة وعن الشر مرة أخرى وعن الموت ثالثة، فكون الذكوات مدثرات بالسواد كناية عن الحزن ، لأن البياض هو اللون الحقيقي للذكوات كما مر ، وهو حين جعل الأعشاش سوداء ، وحين صير بحر الرمل أسود كان ذلك كناية عن الموت وفي قوله :
((ينفث من غدته قطرات سوداء
لها رائحة الدينار))
كان ذلك تعبيرا عن الشر ، ويؤيد ذلك اقتران السواد بالدينار ، وتتحق الوظيفة الكنائية ذاتها في قوله :
((وينساب الرعب ثعابينا سوداء تفح بعينيه الغائرتين))
وهو أن أراد أن يعبر عن حالة النضوب والانطفاء جاء بلون الرماد كناية عن ذلك وهذا ما نراه في قوله :
((وأطرق بابا مشاعا لكل الزبائن ..
تفتح..
سيدة ..
من
رماد))
تتحقق كنائية الرماد ضمن سلسلة من الكنايات تتمثل في (مشاعا) و (تفتح) والرسم المقطع للبيت الشعري لتؤدي مجتمعة دلالة كنائية واحدة يكون الانطفاء ملمحا لها، ويتجسد التعبير الكنائي عن النضوب بوساطة اللون الرمادي في قوله :
((هات اخضرارك
يغسل عني الرمادي
يكتبني في مراياك
بيتا من الشعر أخضر))
كما يعبر عن انطفاء القصيدة في قوله:
((تساقطت في هدأة الروح بين رماد القصيدة
واللغة القاتمة))،
أما إذا أراد الشاعر أن يعبر عن حالة النقاء والبراءة تحول الى الأبيض ليكني به ، فيقول: ((بيضاء كالحب)) ، أي نقية مثل الحب ، وهو حين يكني عن براءته هو يلجأ الى الأبيض أيضا فبقول : ((خذي من بياضي)) ، أي من براءتي .
فإذا ما صار الشاعر الى اللون الأخضر كنى به عن مدلولات عدة أهمها ما يأتي :
1- الجمال : (الزمن الأخضر) ، (فوانيساً خضراء)، (خيطا من نور أخضر) ،( شوارع خضراء كقلوب العشاق )،(جرعة من حلم أخضر) .
2- الكرم: (أسمع همس أناملك الخضراء )، (المطر الأخضر).
3- الأمل : (القمر الأخضر) ، (أخضر كالهوى) ،( تمسك عودا أخضر) ،(تخضر في شقتي القصيدة).
4- الشباب : (هات اخضرارك).

وهكذا الحال مع اللون الأزرق الذي استعمل كناية عن الوحدة والصمت والفراغ والبرودة، فيقول مثلا : ( أحلامك الزرق) ، (زرقاء كالانتظار) ،( خيط من الوهم أزرق) . وقد يرد كناية عن الشر ((سوى النصل يزرق يحمر)).
أما اللون البنفسجي فقد كنى به الشاعر عن حالة الهدوء المغايرة للثورة وهذا ما نراه واضحا في تصويره لشفة الحبيبة والتي صور بها حالتين متضادتين : حالة التوهج العاطفي مستخدما لفظة النار ، وحالة الهدوء مستخدما لفظة البنفسج : فيقول:
(( يمد الحلق الى شفة من نار وبنفسج يحلم أن تمطر قطرة))
فإذا ما انتقلنا الى الأصفر لوجدنا الشاعر يكني به عن اليأس والشيخوخة وفقدان النضارة والأمل ، كما في قوله :
((على وجنتيها اصفرار الخريف ومن مقلتيها يطل السقم))
كما استخدم الأصفر كناية عن القبح والاشمئزاز: كما في قوله :
((وفار دم أصفر كالصديد))
كما استخدمه كناية عن الجدب والخواء والقحط حينما قال :
((ملك الريح الصفراء))
وكنى الشاعر عن الثورة واستمرارها باللون الأحمر، فقال :
((تخرج من أعماق الموقد جمرا أحمر))
• التشبيه :
وهو المستوى البياني الثاني الذي هيمن على قصائد المجموعتين، ونلاحظ طغيان العلاقات الذهنية بين طرفي التشبيه ، مثل : أزرق كالانتظار ، أزرق كالحقيقة ، بيضاء كالحب ، زمن نرجسي كعيني فلانة ، أخضر كالهوى.
حيث تصف الألوان ظواهر ذهنية مجردة من اللون، وقد يأتي طرفا التشبيه ماديين لكن العلاقة بينهما ذهنية لا حسية، كما في قوله : ((شوارع خضر كقلوب العشاق)) ، وفي قوله ((وفار دم أصفر كالصديد)).

نتائج البحث

بما إن فعل القراءة فعل إيقاعي في الأساس نظرا لما ينطوي عليه من انتظام وتسلسل وتركيز وربط مقدمات تقود الى نتائج وبداية ونهاية،فإن قراءتنا لدلالة اللون عند عبد الهادي الفرطوسي في ديوانيه (بوصلات ) و (إنجيل أم سعد) قد أدت الى ما يأتي:
1 – إن اللون عند عبد الهادي الفرطوسي لم يأت كلاحقة عزلاء على النص ، بل جاء عاملا مساعدا على توسيع أفق المتلقي.
2 – استخدم اللون أداة للتشفير ،لتوصيل ما ورائية المعنى .
3 – أظهرت المساحة اللونية الخضراء كبراً حجمياً عن مثيلتها الصفراء، وهذا ما يدلل على إن المورد اللوني المبذول من لدن الشاعر إنما هو مورد مستثمر لخدمة استمرارية الحياة وديمومتها ، مما يؤدي الى الكشف عن مدى ارتباط الشاعر بالحياة والتواصل معها.

مصادر البحث
1 – أنجيل أمّ سعد : عبد الهادي الفرطوسي : مكتب الأقلام – النجف : 2000 .
2- إيقاع اللون في القصيدة العربية: علوي الهاشمي : بغداد (من بحوث المربد التاسع).
.3 -بوصلات : عبد الهادي الفرطوسي : مطبعة الأدباء – النجف : 1998 .
4-جماليات اللون في السينما: سعد عبد الرحمن قلج :وزارة الثقافة -القاهرة :1975 .
5 – دعوة الى الموسيقى : الكويت – عالم المعرفة : 1981.
6 – الرسم كيف نتذوقه :فردريك مالنيز : ت -هادي الطائي : بغداد – دار الشؤون الثقافية : 1993 .
7 – فهم السينما : لوي دي جانيتي: ت – جعفر علي : بغداد – دار الرشيد :1981 .
* * *

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *