عبد الستار ناصر : الرواية لعبة خبيثة (ملف/17)

abdulsattar-naser-6إشارة :
رحل المبدع الكبير “عبد الستار ناصر” في الغربة ودُفن هناك .. ومرّت ذكراه شبه يتيمة بلا ذكرى .. وبلا احتفاء ومراجعة تليق بقامته الإبداعية الشامخة .. أسرة موقع الناقد العراقي تقدّم هذا الملف إحياء لذكرى عبد الستار ناصر واحتفاء بمنجزه الإبداعي الفذّ. وسيكون الملف مفتوحا على عادة الموقع . تحية للمبدع الكبير عبد الستار ناصر.

الحوار :
– الرواية لعبة خبيثة
– ان اية سلطة قادمة لن تتمكن بعد اليوم من تقزيم المبدع
حاوره : فائز الشرع واثير محمد شهاب
لا يحتاج كاتب مثل عبد الستار ناصر إلى تعريف أو تقديم فاعماله وشهرته (المتعمدة) هي خير ما يعرف به ويقدمه الى القارىء مثقفا كان او غير معني بالثقافة، فقد تجاوزت جرأة عبد الستار ناصر السور الذي يعزل المثقفين عن سواهم من المهتمين بشؤون القراءة حتى لو كانت بعيدة عن الثقافة المعنية بالابداع. عبد الستار ناصر كاتب من طراز اشكالي، وتنبع من صعوبة تصنيفه ككاتب بسيط الاسلوب او معقدة الفكرة وبين ان يكون كاتبا ساخرا لكنه يحمل سوداوية الشعور بالاسى. مسيرته الابداعية والثقافية حافلة بالكثير من الانجازات ( روايات ومجاميع قصصية )، من اهمها : سيدنا الخليفة، صندوق الاخطاء، ابو الريش، نصف الاحزان، الطاطران، فضلا عن المئات من المقالات التي نشرت في الصحف العراقية والعربية، يقيم حاليا في عمان ويتفاعل بعمق مع ما يجري في وطنه العراق، ويحتضن كل وافد من وطنه او عائد اليه. ومن اجل ان لا نكون تقليديين في توجيه الاسئلة، انطلقنا من فضاء حواري اخر يختلف عن السائد، اذ لا بد لمن يغادر البلد – وطنه – من ان يكون في جو من الغرابة والغربة، لذلك قلنا له :
* ماذا كتبت في الغربة، واين وصل ابداعك في ظل هذه الاجواء ؟

غاب عنا قليلا مع مسحة حزن خفيفة، ثم قال لنا :
– ما كتبته في المنفى هو نفسه ما كان ينبغي كتابته في داخل الوطن، لو كانت ثمة حرية في التعبير، وما ذكرته في رواية ( أبو الريش ) هو امتداد طبيعي لقصة ( سيدنا الخليفة ) التي اعتقلوني بسببها عاما كاملا تحت الارض، وتبقى رواة ( صندوق الاخطاء ) التي تنبأت فيها بسقوط نظام القتل في بغداد وكنت على اكثر من يقين أن الحياة لا يمكنها أن تستمر تحت خيمة القتل والذبح وقطع الألسن وجزّ رقاب النساء ( الشريفات ) بحجة الدعارة، كنت اعرف أن القائد بلا قيادة، وأن الكتبة والشعراء أعطوه اكثر من حجمه مليارات المرات، وأن النهاية ستكون محض ( فضيحة ) من الدرجة المخزية، وكل هذا ذكرته في كتاباتي دون تردد “أن ما اقوله قد لا يكون صحيحا” ولكن الذي جرى اثبت بالدليل الملموس انني قلت هذا وكتبته قبل ان تأتي ساعة الحقيقة، وأنا بصراحة فخور جدا بما تنبأت به.kh naser 3

* اذن انت نبي عصرك، لما تمتلكه من نبوءة لغوية عالية ؟
ضحك ثم اجاب :
– انا، وعلى عكس افتراضات (الاخر) انسان بسيط، اخاف حتى من نفسي، وامنع دقات قلبي من النبض اكثر مما يحتاج قلبي، وحين رأيت نفسي في عمّان الحبابة، شعرت بالحرية تلتف حولي وتربطني برباطها، ومنذ اول ليلة في عمان بدأت الكتابة بانفتاح عظيم، حتى انني اصدرت (14) كتابا في عمان والقاهرة وبيروت خلال ثلاث سنوات فقط، وهي كمية كبيرة جدا موازاة ما كنت انشره في بغداد. ارجوكما لا تسألاني عن لغتي، فهي نفسها التي كانت تراودني في وطني، ولا فرق بين ما كنت عليه وما اصبحت الان فيه، واذا ما تغيّر القطار قليلا عن سكة المحطة، فهو انعتاق طبيعي بسبب حرية الاتجاه صوب الفرح الشامل الذي شعرت به وانا اكتب القصة القصيدة التي اريد والمقالة التي اريد والرواية التي كنت اتمناها، وقبل كل هذا الكلمة التي لا يأخذني بعد كتابتها رجل المخابرات ليسألني عن مغزاها !!

* اذن اليوم تمارس الكتابة من دون الاهتمام بالرقيب او رجل المخابرات، هل يعني ذلك انك قد عثرت على نفسك؟!
– اعتمد على خطأ في التأريخ، جرجرني من ثياب براءتي صوب الكتابة، وساعترف امامكما الان، بانني مجرد عابر سبيل اراد ان يصل (الواحة) حتى يستريح يوما او بعض يوم، اذا به يرى المكان ملك يديه، ربما بسبب غباء اصحاب الواحة، او ان الوقت كان مسحوبا من ساعاته لصالحه … هكذا الحال كما جرى مع بعض القادة والملوك الذين حكمونا ساعة سهو في الزمان والمكان، فأنا اصلا لا شأن لي بالمجد والشهرة والتأريخ، اذا بي ارى نفسي تحت خيمة اغرقني اصحابها بالقهوة والترحاب والمحبة، ولم استطع اخبارهم ان الشخص الذي ينتظرونه لست انا !
العالم يا سيدي العزيز محكوم بالاخطاء، واجمل تلك الاخطاء ان ترى نفسك محبوبا ومرغوبا به وانت لم تفعل أي شيء، ولكن ثمة من يشير اليك بسبابته ويقول (عثرنا عليه) اذا بهم يرفعونك فوق الاعناق مع انك في الوقت نفسه تخاف أن تسقط على الارض اذا ما اكتشفوا أنك لست (المطلوب رفعه على الرؤوس)!!kh naser 15
تأملنا قليلا في جمله الاخيرة واللذيذة ثم حرفنا الحوار إلى جهة ثالثة تبتعد عن المحور، قلنا له اين ذهبت جميلاتك يا سيدي؟!
يضحك :
– انتما تسألاني عن سفينة غرقت في المحيط، وتسألاني عن جنوني الذي سرقته السجون مني، اين الانثى في حياتي الان ؟
سأقول بأنها تسللت من خصاص الخيبة والاحزان وراحت تركض خائفة من كهولتي ولحيتي وانكساري، ولم اعد ذلك ( الدون جوان ) الذي تركع امامه النساء، ولن اصدق ما يقال عن وسامتي وجمال تقاطيع وجهي، انا غادرت الميناء وابتعدت عن الحانات الصيفية ولم اعد ذاك السوبرمان المذهل الذي ينقذ النساء من البراكين والزلازل والاخطاء ….
لقد كتبت خمسة كتب في الحب، وكنت مشتعلا بها ايام كان الحب مشتعلا بين ضلوعي، وفجأة، ولا ادري متى وكيف ولماذا انطفأ الحب تحت مسامات جلدي واصبحت مجرد شخص بارد كسول منطفىء توشك الفحولة ان تتبرأ منه، بل اوشكت ذات ليل فاجع ان ابكي ذكرياتي، ولو كنت اكثر قوة وجرأة لقتلت نفسي … من السبب وراء ذبح ذكورتي؟
أنا أعرفه وادري اسباب رغبته في قتلي، لكنه مضى ( والحمد لله ) الى غير رجعة بعد ان اشبعنا خرابا وذلا وتهميشا … يا لتلك السنوات العجاف المجرمة، كيف ترانا عشناها ولم نمت كمدا؟!
وبعدما احسسنا بـتسرب الحوار من بين يدينا، قلنا له:

– كيف تخلصت من عيون الرقباء ؟
صمت ثم اجاب :
– أنا منذ الصبا متفرغ للكتابة، لم اهبط الى مستنقع السياسة ولم اتوسل النجاة بقواربهم المثقوبة، حاول العشرات اغرائي بالدرجات الوظيفية والاموال والسفر والموبقات الحلوة، لكن المقامر الذي يلبسني كان اقوى منهم جميعا، فقد ذهبت الى مونت كارلو ولندن والقاهرة وبيروت وراهنت على خسارتهم في الروليت والبلاك جاك وانقذت روحي منهم.. والابداع في الكتابة كان اجمل حالات جنوني، وبه انقذت اصابعي من التلوث، وانا مؤمن ان لا شيء في الارض اكثر نظافة من وساخة الحبر الذي نكتب اوجاعنا به، وها انتما تقولا لي بأنني ( رفيع المستوى ) مع انني يا صاحبيّ اضحك من مدحكما الرائع هذا، فأي مستوى الذي انا ( رفيع ) فيه وقد مات الملايين امام عيني ولم افعل أي شيء؟!kh naser 13

قلنا له … بعد حين من الصمت، اين تجد نفسك في الانواع الادبية ؟
-لا احد ولا شيء قريب مني غير ماهو قريب مني فعلا،أنا اخاف من الكلمات مع انها تجلس في بيتي وتسامرني ليل نهار، الرواية تشرب الشاي على مقربة من القصة القصيرة التي تحتسي العرق الزحلاوي وهي تضع ساقا ايسر على ساق أيمن، وأنا بينهما خائف منهما، أسأل نفسي : لماذا تزوجت منهما معا؟
أدري أن الزواج من امرأتين ( بلوى مزدوجة ) كما وأنني اعرف أن الضحك بلا سبب من قلّة الادب، وأعرف ايضا أن العيش مع الغواني نتيجته المخازي، لكنني برغم ذلك تزوجت مرتين وجئت بالرواية – بعد عشرين سنة – ضرّة على السيدة الاولى، وحين استيقظت بعد ليلة الزفاف الثانية وجدت نفسي أحنّ الى زوجتي الاولى برغم كل ما قيل عن (( أبو الريش ))و (( وصندوق الاخطاء )) حتى أنني ( والله ) تمنيت لو أنني لم اكتب ولم أتزوج أيّ واحدة منهما. الرواية لعبة خبيثة، جميلة جدا، وزاهية جدا، لكن القصة القصيرة ليست لعبة، وان كانت كذلك فهي ليست خبيثة.

– واي اعمالك احبّ اليك ؟ واي كتاب ما زلت معتزا بقرائته وذكره؟

– مع أنني اضحك من ذاك الممثل الذي سألوه عن اقرب افلامه الى نفسه، والذي قال ( كلهم اولادي ) إلاّ أنني سأقترب قليلا الى المعنى نفسه واقول : ان الكتابة حالها حال الولادة، قد تأتي متعسرة حينا وقد تأتي يسيرة حينا اخر، لكن النتائج بعدها واحدة لا تتغير وهي ان يأتي الجنين الى الحياة محبوبا ومرغوبا بزيارته الابدية.kh naser 12

سأعترف أن أول كتاب احببته اكثر من سواه هو (( الحب رميا بالرصاص )) الذي نشرته الهيأة المصرية للكتاب، وفي هذا الكتاب اجمل ما كتبت من قصص.. ويأتي (( لا تسرق الوردة رجاء )) في الترتيب الثاني وقد نشره اتحاد الكتاب العرب في دمشق عام 1978.
كل هذا جرى في الماضي القريب، أما اقرب كتاباتي الى نفسي اليوم رواية ( نصف الاحزان ) التي اصدرتها دار الاداب ورواية ( ابو الريش ) التي جاءت بعدها بحفنة من السنوات.
ولعل اغرب ما تسمعاه الان مني هو القول :إن اجمل واحلى واخطر ما كتبته في حياتي هو روايتي (( الطاطران )) التي ستصدر ايضا عن دار الاداب في بيروت، وفيها احكي عن تجربة رجل عراقي امضى سنة من حياته ما بين روما وتيريستا ونابولي والبندقية في ايطاليا، رواية تحكي حوار الحضارات، الخسائر، والامنيات المكبوتة. نعم، كلهم اولادي، لكن اخر العنقود يبقى هو اقرب الاطفال اليك، وتلك غريزة لم تتغير على مرّ العصور.

– وكيف تنظر الى مستقبل الابداع في العراق؟

– أعتقد أن شعراء الجداريات وعبيد التماثيل يشعرون اليوم بكثير من الخجل، وعليهم الاعتذار من الشعب كله، والمستقبل سوف يشهد انقلابا شاملا في نوعية الابداع، كما ستظهر تباعا الاعمال المحجوزة في صناديق الذاكرة … نحتاج اليوم الى مؤسسات ثقافية تفكر في مدى اهمية المبدع وتبحث في رعايته ومعيشته وتطبع اعماله بشكل محترم، فما عدنا بحاجة الى شراء السلاح، ان ثمن صاروخ واحد يكفي لطبع مئات الكتب، كما اننا بأمس الحاجة الى مدة من السلام والامان والطمأنينة، ولا شيء مثل القراءة من يحقق شيئا من السلام مع النفس وشيئا من الامان في ربوع الوطن والكثير من الطمأنينة بعد هروب كتّاب التقارير الى غير رجعة.

ارى أن الابداع سيأخذ حصة الاسد في أي مشروع لاحق وسوف تأتي دولة الثقافة حين تختفي دولة الاسياد والعبيد، واكرر اننا بحاجة عظيمة الى السلام والامان حتى نبدأ العمل.kh naser 14

* وكيف هي الساحة الان برأيك؟
– المبدع العراقي تحرر الان من اكبر كابوس حلّ في التربة العراقية منذ مئات السنين، وهذه بداية طيبة لاكتشاف موهبة اديبنا وطبيعة ما كان يخفيه من جروح، ستظهر كتابات لم نكن نصدق انها مزروعة هكذا في الجسد العراقي.. المؤكد هو ان اية سلطة قادمة لن تتمكن بعد اليوم من تقزيم المبدع وسوف يكون الاديب هو الاقوى، والذي نراه في المشهد القادم هو ان سلطة الكلمة ستكون الاعلى وهذا ما أراهن عليه.

*عن موقع ايلاف

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *