عصام القدسي : العنقاء

osam-alkodsi-2لاشيء يشغل بال الجميع ، مثلما هو يشغله .فهو في أغلب الأحيان محور حديث كل أثنين يلتقيان سواء كانوا من الرجال أم النساء اللواتي يغتبن الآخرين .وهو أيضا مصدر تعاسة بعضهم الآخر .فكم ظنوا به الظنون ، وكم أسندوا له وقائع هولا يعلم بحصولها . وكم شط خيال البعض حتى أشاع انه كائن خرافي لايموت واذا حصل ذلك فان روحه ستنتقل الى مخلوق آخر ليواصل حياة اخرى ، ويذكرون الدليل على ذلك أنه تجاوز عمر المئة عام وهو لما يزل بكامل قواه ، لايشتكي مرضا أو يذكر معضلة تواجهه تكدر حياته. وقد ذهب البعض الى أبعد من ذلك ، حين أدعى أنه يكلم الجان وأنهم يأتمرون بأمره ، فيطلق يدهم في فعل ما ، ويردعهم عن أفعال أخرى . وهذه كلها أقوال لانصيب لها من الصحة ، يطلقها بعض الخبثاء بقصد النيل منه والحط من قدره والتشكيك بأمره ، بعدما قام ـ ودون أن يتعمد ذلك ـ بكشف نياتهم السيئة وافعالهم الدنيئة التي اضرت ببعض اهل المحلة ، وذلك اثناء حالات الهذيان التي تنتابه من وقت لآخر . حتى وهو يحتضر في هذه الساعة المتأخرة من الليل ، ترى اللؤم في عيون هؤلاء ، واليقين بأنه لن يموت مهما طالت به حالة الإ حتضار..
هكذا كانت الأفكار تتدفق في رأسي وأنا بصحبة أبي مع بعض نزلاء الغرف الأخرى نحيط به مفترشين بُسُطا قديمة في غرفته البائسة ، في الوقت الذي تجمع فيه خارج الغرفة بعض النسوة من نزلاء البيت وأهل المحلة ، وهن يتظاهرن بالحزن وينُحن بتكلف باد في نبرة نواحهن ، أما هو فقد كان ممددا على فراشه النظيف على الأرض، شاحب الوجه متخشب الأطراف ، يعاني سكرات الموت .وقطع أبي الصمت الذي خيم على الجميع حين قال : ـ هل عرفتم له أهلا؟ أبناء ..أقرباء؟ فأجابه بعضهم بالنفي. لاأحد يعرف متى جاء الى المحلة ، وسكن هذه الغرفة ، ولا أحد يعرف شيئا عن حياته الخاصة وما يخفي من أسرار، عدا ما ذكره الأ قدمون وتوارثه الأبناء من أنه جاء ـ والله أعلم ـ من قرية بعيدة ربما هربا من ثأر أو ماض شاء له أن يموت ، وعمل في مهن كثيرة ، ثم سكن المحلة وهذه الغرفة نفسها في هذا البيت القديم ، بعدها أستأجر ذلك الدكان الصغير لقربه من مسكنه .وقد مات الكثير من ساكني المحلة قديما. وولدت أجيال بعدهم وأجيال ،وهو كما هو، تراه قابعا على الدوام في قعردكانه المتصدع يراقب كل شيء بعينين ضيقتين .وقد تراه فزعا وهو يتطلع الى السماء ، وكأنه يرى شيئا لايراه غيره .يعقب ذلك حادث يلم ببعض أبناء المحلة .ذات مرة شوهد يقرأ بكتاب أصفّرت أوراقه وتهرأ غلافه ، ثم راح يتمتم بكلمات غير مفهومة .قيل وقتها أنه يمارس السحر .وحينما واجهه مختار المحلة بما سمع ، أنكر أنه يعرف القراءة .يومها أضطر المختار مع عائلته أن يقضي ليلته في الطريق . فقد أنهار سقف المنزل الذي يقطنه.وأختلف أهل المحلة في تفسير ماحصل ، بعضهم قال : ـ أن الأمر لايستحق جهدا في التأويل . وأن ما حصل كان سيحصل يوما ما ، إذا ماعلمنا أن الدار قديمة قدم المحلة ، وقد أكل الدهر عليها وشرب ، فلم تعد تقوى على الوقوف بوجه الزمن .أما أصحاب الضغائن ومن يتبعهم من السذج ، فقد عزوا الأمر الى الرجل وقواه الخفية القادرة على إلحاق الأذى بمن يتعرض لوجوده .كنت أجلس صامتا بين الرجال الذين راحوا يحدقون بين الحين والآخر في وجه الرجل وهو يحتضر، وانا افكر بكل مايجري وما قيل ويقال عنه ، واقلب كل ذلك في رأسي لعلّني أهتدي الى الحقيقة التي تنصفه. ما زال الوقت يسير ببطء شديد ، كعربة حملت فوق ما تحتمل ، فباتت تتقدم بصعوبة بالغة ، لتتوقف طويلا قبل ان تواصل سيرها الوئيد وظننت ان الرجل يتلذذ وهو يرانا على هذه الحالة من الانتظار المر، فقدشارف صبر الجميع على النفاد ، والليل بهيم ، والدقيقة تلحق بالدقيقة بشق الانفس لتصبح ساعة مضت ، والساعة تعادل دهرا وسط هذا الجو المشحون بالترقب .وكاد الجميع ينهار ، والرجل يحدق ـ وهو في فراشه ـ بالسقف الخشبي المتداعي بعناد. وسمعنا من يردد (لا الله الا الله) تبعه آخر يقول وهو يتنهد (قد يظل هكذا حتى الصباح ) ولم يلبث بعدها ان بدأ جدار الصمت يتصدع شيئا فشيئا ، اذ لم يتمهل آخر، حتى راح يروي حكاية عن رجل ظل يعاني سكرات الموت ثلاثة ايام .وقص آخر حكاية قريبة لها بالمعنى ، وتوالت الحكايات والمواعظ ، والفجر يقترب ، وقد همد صوت نواح النسوة خارج الغرفة .وهب احد الجالسين واقترب من الرجل الذي لازال يحتضر تفرس في وجهه ، ثم القى عذرا وانصرف. وانصرف آخر وهو يردد حكمة ما .وانصرف آخر صامتا ، تبعه ـ بعد لحظات ـ آخر.وهكذا حتى انصرف الجميع ، وبقينا أنا وأبي قريبا من الرجل . كان الفجر قد بدأ يتفتق . بعدها اخذت خيوط الشمس تتسلل الى الغرفة من خلال زجاج النافذة المكسور ، وأبي يتطلع اليّ والحيرة تمنعه من الكلام . والنعاس اخذ ينال مني ، ثم غفوت . وانتبهت فلم اجد ابي في الغرفة وادرت بصري، كان الرجل يحدق الى الاعلى ثم رأيت أجفانه تختلج ، وانفاسه بدأت تتردد في صدره ، وهويحاول الإلتفات نحوي . أقشعر بدني ، وكدت أن أغادر الغرفة ، لولا مجاهدتي خوفي وقراءة المعوذتين والإيحاء لنفسي بأن ماأراه وهم ، وخداع بصر ، أتعبه السهر وشوشه التفكير ..

شاهد أيضاً

ابتسام ابراهيم الاسدي: بلاد الحرب اوطاني … 

آه أيتها الراء تنتكسينَ كـُلَّ مساءٍ في جسدي وتقيمين على مخيلتي سارية آه أيتها الراء …

عصمت شاهين دوسكي: أيام عجاف

أيام عجاف تمر على الروح تطرق أبواب الجروح بان الكسوف لا نهر .. لا عسل …

هُوَ شاعرٌ وأنا كذلك
فراس حج محمد/ فلسطين

هو شاعرٌ وأنا شاعرة لذلك ربّما اختلفنا في بعض التفاصيل من وردة مهداةْ بصورة مرسومة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *