محمّد حسين الأعرجي: العودة للعراق

ليس عجيباً أن يكون العراقيُّ الذي تُحسِن إليه نذلاً فيعضّ اليد التي تمتدّ إليه بالطعام، والإحسان، بل لعل البشر جميعاً ـ إلاّ من ندر ـ من جِبلّة واحدة.
ولكنّ مساويء العراقيّ لا تظهر لك جليّة إلاّ في الغربة؛ لأنّك تكون ـ بحُكم الحنين إلى الوطن ـ محكوماً بلقاء مجتمعٍ عراقيٍّ مُصغَّر يحمل كلَّ عُقد مجتمعك الذي غادرتَه.
 أمّا الفرق بين المجتمعيْن فهو أنّك وأنت بين ملايين يسهل عليك الاختيار والانتقاء، ولكنّك وأنت بين حفنة بائسة ماديّاً، وأخلاقيّاً، لا تملك حق الاختيار، إذ هو مفروض عليك، ومن العجائب أن يكون الأعمش كحّالاً، أي أن يكون الاختيار اضطراراً!

والمهمّ أن كيف يكون التعايش، وعلى أيِّ أساس ينبني؟
إنه لا ينبني إلاّ على أساس المصلحة الآنية، وإلاّ على أساس الرابطة القومية، أو المذهبية، أو الحزبيّة، وأحياناً على تشابه الأمزجة في الإقبال على الحياة، وفي العزوف الكاذب عنها.
وأتذكّر أنّ أحد الأصدقاء اليساريّين الكُرد قد نزل عندي ضيفاً في الجزائر فقمتُ له بما يجب أن أقوم به ـ لكلِّ عراقيٍّ مُضطهَدٍ معارض ـ  من توسّط في التعيين، وفي الحصول على سكن له، وما إلى ذلك، وكنتُ أقوم بكل ذلك؛ لا لأنّه كان زميلي في كلية الآداب فحسب؛ وإنّما لأنّه كان معارضاً للنظام.
وكرِهَ الوحدةَ، وفراق زوجه وأبنائه وذويه؛ فصار يُساكنني ـ وقد كان لم تبدأ الحرب العراقية الإيرانية ـ وفوجئت ذات ليلة أنّه يتصل هاتفياً من بيتي إلى بغداد بأبي بكر رسول وزير العمل والشؤون الاجتماعية على أيام نظام صدّام حسين، وأنّ ابا بكر ينصحه بالعودة لأن في نية صدام حسين أن يُوسِّع المجلس الوطني العراقي المزعوم، وأنّه سيكون من أعضائه!
وانهارت جُدُرُ المعارضة الملحية، وانهارت ضيافتي إياه أيضاً، وإذا بصاحبنا يضرب أخماساً بأسداس، وينقطع عن التدريس في جامعة الجزائر قبل امتحانات نصف السنة ينظر أن كيف يظفر بمقعد في المجلس النيابيّ المزعوم، وينظر أن كيف يلتحق بالعراق، وبمجلسه الوطني المزعوم!
وقامت الحرب المشؤومة فانهار كلُّ شيء، وليس في هذا ما يثير، ولكن كان من المثير لي أن سألتُ أحد زملاء صديقنا أثناء دراسته في موسكو، فأجابني:
لا تصدِّق، أنّه غادر الجزائر طمعاً في المنصب وحده، وإنّما غادر؛ لأنّه لم يجد كُرداً يؤلِّف معهم منظّمة كردية.
وإذاً المعارضة في العراق منخورة حتّى قبل أن يسقط النظام، ومن الظُلم الفادح أن نمسح سكين الخروف الذي ذبحناه بصوف بريمر، فقد ذبحنا وأكلنا، فصار طعامنا من عاقول، وشرابنا من غسلين.
وأتذكر أنّ شاعراً مبدعاً اتصّلت بي زوجته أنّه سيخرج من سجنه في الكويت، وأنَّها قابلته يوم أمس فطلب منها أن تتصّل بي في الجزائر لأدبِّر أمر تعيينه أستاذاً في جامعتها على غير أوراق رسمية.
ونجحتُ في تعيينه بسبب شهرته، ولكنّه لم يمكث في الجزائر إلاّ ما يقرب من شهر، ثمّ غادرها بحجة أنّه لم يجد الأجواء المرجوّة فيها، ولم تكن هذه الأجواء إلاّ غياب تجمّع شيعيّ.
وأُراني استطردتُ فلأقل: إنّني أحسنتُ غاية الإحسان على وفق ما أستطيع إلى اثنين من العراقيّين، وكان بحسبي من ذلك الإحسان أن زوجتُهما من عراقيّتين حافظتين غيب زوجيهما، على حين لم يكونا يطمحان أن يتزوجا من عاهرتين بولنديتيين، ولكن هكذا جرت الأمور، ولعن الله الغربة، والمجتمع العراقيَّ الضيِّق!!
ودعوني أقول: إنّني عيَّنتُ أحدهما في جامعة بتيزي وزّو، فخرج منها بمبلغ أهّله أن يتملك شقّة، على حين لم يكن مؤهّلاً أن يمتلك ” صريفة “.
فكيف جُزيتُ عن كلِّ هذا؟ جُزيتُ خير الجزاء بأن تآمرا عليَّ مع فاجرة عراقية جنسيّتها بولندية بأن تقيم اعتراضاً عليّ أنّني ظلمتها في تصحيح وثيقتها الامتحانية، مما يعني الاستغناء عن خدماتي في الجامعة. والعجيب أن كان النظام العراقيّ الساقط قائماً، وكانت المؤامرة تعني أن أُسلِّم نفسي ـ بعد أن استقرّ كلُّ عراقيّ في منفاه ـ إلى نظام صدام حسين.
كان هذا في شهر آذار سنة 1993.
وبدأت المطارق تدق في الرأس أن إلى أين أذهب وقد فات موعد التقديم إلى الجامعات؟
ولمعتْ في رأسي فكرةٌ وقد قابلتُ صديقي الأستاذ الدكتور يانوش دانيتسكي أن تُقبل زوجتي لدراسة الدكتوراه في قسم الدراسات العربية والإسلامية الذي يرأسه في جامعة وارشو؛ لكي يكون لي ذلك مسوِّغاّ أن أحصل على إقامة لمدة سنة في بولندة؛ فأبدى غاية الترحيب، وطلب إليَّ أن أبعث إليه أوراقها بفاكس، كلَّفني أكثر من خمسين دولاراً وفعلتُ، ولكنّني فوجئتُ بصمت القبور؛ لأنّ صديقيَّ الكريمين كانا قد خاطباه ألاّ يفعل، وخاطبا مُعيداً سورياَ مسؤولاً عن القبول ألاّ يفعل.
والعجيب أنّ هذا الصديق المزعوم ذا الجنسية السورية المُخفق الفاشل في دراسته يُعطي شهادات القبول ـ عادةً على أنّها مهنةٌ حلال ـ  لدراسة الماجستير والدكتوراه للمهرِّبين العراقيّين لكي تُسهّل أمور من يهرِّبونهم من الأفاقّين واللصوص وقطّاع الطرق والمشعوذين لقاء ثمن عالٍ في الحصول على رخصة السفر من لدنّ النظام السابق بدعوى قبولهم لدراسة الماجستير أو الدكتوراه في الجامعات البولندية على الرغم من أنّهم لا يمتلكون أحياناً حتى الشهادة الثانوية العراقية. ولكنّه يمتنع عن إعطاء شهادة قبول حقيقية نظامية! والفضل في ذلك لمن أحسنتُ إليهم ممّن كنتُ أظنهم بشراً.

كنتُ أُدرك كلَّ ذلك وكنتُ أُخاطب من يُداهنني كاذباً منافقاً يلعبُ على الحبلين تافهاً بقول المتلمس الضبي:
فإمّا أن تكون أخي بحقٍّ            فأُدرك فيك غثّي من سميني
وإلاّ فاطَّرحني واتَّخذني            عدوّاً أتّقـيه ويتّقيــني
ولكن كان يردّني عن ذلك القول قولٌ آخر للمتنبي على الرغم من أنّني كنتُ أُجاهرُ به عن بَرَمٍ هو قوله:
     ومن نكدِ الدنيا على الحُرِّ أن يَرى        عدوّاً له ما من صداقته بُدُّ
والمُهم الآن أن هيّأت لي كلّ هذه النذالة أن عُدتُ إلى العراق في يوم 19/ 9 / 2004ـ على غير توقّع منهم ـ بعد سقوط النظام الساقط؛ فأثريتُ ببيع قطعة أرض لقاء بيتٍ من أجمل بيوت العامرية، وهيّأت لي أن تُحتسب مدّة غربتي لأغراض التقاعد، وهيّأت، وهيّأت.
وكانّ كلّ هذا لم يكن عندي رغم رفاهيّتي الاقتصادية وحريّتي إلاّ باطل الأباطيل وقبض الريح.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هانم داود : الألعاب الإلكترونية .

الألعاب الإلكترونية تسبب انطوائية للشخص المدمن عليها أكثر من غيره ،فهى تعزله عن أسرته وعن …

| مهند النابلسي : “فلسطين الصغرى: يوميات حصار”* .

مع انطلاق مهرجان عمّان السينمائي الدولي- أول فيلم، اليوم، سيتاح لمحبي السينما مشاهدة أفلام مختلفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.