الرئيسية » ملفات » زمن عبد زيد الكرعاوي : قراءة في كتاب تأويل النص الروائي للدكتور عبد الهادي الفرطوسي (ملف/8)

زمن عبد زيد الكرعاوي : قراءة في كتاب تأويل النص الروائي للدكتور عبد الهادي الفرطوسي (ملف/8)

zaman abd zaid 2اتجهت عناية الأدباء القدامى إلى شرح النصوص الأدبية والاحتفاء بها. وقد قامت محاولات نقدية إلى تصنيف الشعراء معتمدة على نصوصهم المروية وجاءت بعدها محاولات تتخذ من النص الأدبي منطلقا لنظرية أو تطبيق ولكنها لم تقم على مناهج علمية تؤسس لنفسها الاستمرار والديمومة حتى إن تلك الشروح والمحاولات صارت تدرس كتاريخ وتراث أهميتها في زمانها فحسب ، فكان لزاما أن تظهر مناهج تدرس النص بكل ما تحمل كلمة (دراسة) من معنى ودلالة ، فكان أن تتوجه عناية الغربيين وتتوسع لدراسة النصوص الأدبية شعرا وسردا وتؤسس مدارسا ومناهجا معتمدة على فلسفة ومفاهيم فراحوا يفتضون أسرار النص واستكناه مكامنه الخفية . وكان لنا نحن العرب أن نتلقف في عصرنا الحديث تلك المناهج .. ونستوردها إلا إننا تعاملنا معها كالغرباء ولاسيما تلك التي تدرس النصوص السردية وتنظر لها.
ثم حاول نقادنا هضم تلك المناهج النقدية الحديثة من بنيوية وسيميائية وتطبيقها على نصوص إبداعية ولكنهم غالبا ما كانوا يقعون بمطبات اغتراب المناهج عن النصوص الأدبية بسبب عدم اقتناعهم الفعلي بالمنهج أو عدم إختيارهم السليم للمنهج الذي يتلائم والنص المدروس وفي الوقت ذاته ظهر نقاد عرب سرعان ما هضموا تلك المناهج وتبنوها واشتغلوا بها فاستطاعوا فك أسرار النص وخفاياه ومكامنه باقتدار وهم بذلك أسسوا مادة ثرية بإمكان الدارس اعتمادها ومن هولاء النقاد الذين أثبتوا قدرتهم واقتدارهم النقدي الدكتور عبد الهادي الفرطوسي من خلال كتب نقدية لها قيمتها العلمية ورصانتها البحثية فكان أن أهداني أخر إصداراته النقدية وهو كتاب بعنوان (تأويل النص الروائي في ضوء علم اجتماع النص الأدبي) صدر عن بيت الحكمة العراقي لعام2009 فوجدته كتابا قيما لما فيه من حرفة في تحليل رواية (رجال في الشمس) للروائي غسان كنفاني معتمدا بدراسته على منهج دقيق ، فك من خلاله المعاني الكامنة التي احتواها النص الروائي والتي قد تستعصي على القارئ أن يتوصل إليها مباشرة ، ثم قام بإعادة معاني ودلالات الرواية إلى مرجعياتها التي أنتجها عبر دخوله إلى البنية الاجتماعية التي كانت وراء تكوين عالم الرواية سوسيولوجيا وثقافيا . اعتمد الفرطوسي في دراسته على علم اجتماع النص الأدبي موظفا ومستفيدا من مناهج نقدية عديدة منطلقا من أساس كون النص الروائي حكاية مرمزة وقد وضح المناهج التي اعتمدها واليات عملها واشتغالها إلا انه لم يبتعد عن بؤرة اشتغاله السيميائي عبر فك علامات الرواية المتشابكة والمنتجة لمعنى الظواهر الاجتماعية والتاريخية التي عاصرت الرواية أخذا بالاعتبار البنيات الخاصة في إطار الرواية الداخلي وعلاقته مع المحيط الخارجي المكون له والدخول إلى التجربة الواقعية عبر دراسة التجربة الفنية . ويبين الفرطوسي سبب اختياره رواية (رجال في الشمس) لتطبيق هذا المنهج كون كاتبها كان ينتمي الى حركة سياسية حديثة التكوين تعتمد التجريب طريقا لها وكون صدور الرواية تزامن وحدوث أول انعطافة إيديولوجية في فكر القوميين العرب وهو الحزب الذي ينتمي إليه الشهيد غسان كنفاني.

الروائي الراحل عبد الهادي الفرطوسي قرب قبر الجواهري في دمشق
الروائي الراحل عبد الهادي الفرطوسي قرب قبر الجواهري في دمشق

(تراتبية الدراسة)
قسم الدكتور عبد الهادي الفرطوسي فصول دراسته ووزعها على أساس ما سارت وأسست له المناهج التي طبقها ، تناول في الفصل الأول ( سيميائية المتن الحكائي) والذي كان في مدخله تعريفا للمتن الحكائي والمبنى الحكائي عبر إيراده أكثر من صورة له لأكثر من مصور ثم يحدد لنا المتن الحكائي في رواية رجال في الشمس عبر بيان مادتها الخام وتقسيمها الى خمس قصص قصيرة ولدت أربع شخصيات رئيسة وبين كل قصة من هذه القصص الصغيرة والشخصية التي تدور حولها القصة مبينا إن الشروط والسمات الواجب توفرها في القصص الصغيرة لتنتج وحدة عضوية في بنية الرواية موضحا إن القصص الصغرى في رواية رجال في الشمس تتوفر فيها هذه الشروط ثم بين لنا مكون أخر من مكونات المتن الحكائي وهو مااسماه (النوى والمحفزات) معتمدا على رولان بارت في هذا المفهوم ليبين لنا ويشير الى أحداث وردت في القصص الخمس التي تشكلت منها الرواية على إنها تمثل النوى مبينا المحفزات التي تمحورت حول كل نواة. وتناول الفرطوسي في الفصل الأول (الشخصيات) كعوامل وممثلين مبينا إن الدور قد يتجسد في فردا وجماعة وقد يكون شيئا أو فكرة مجردة وقد وضح أبطال الرواية وشخصياتها مبينا الشخصيات الرئيسة والثانوية ولم يهمل العلاقة بين الفاعل والموضوع كنمط أول وبين المرسل والمرسل إليه كنمط ثاني.
ومازال الفرطوسي في فصله الأول متحدثا عن (الفضاء الروائي واشتغاله السيميائي) معرفا الفضاء الجغرافي والفضاء الدلالي منتقلا الى بيان هندسة الفضاء الروائي مطبقا لثلاث أنساق فضائية رئيسة هي (المقوم الثابت ،المقوم نصف الثابت، والمقوم غير الشكلي) وقد نجح الفرطوسي في تطبيق النسق الثالث الذي يعد علاقات البعد والقرب بين الأشياء وحدات خاصة به مبينا فضاء الرواية الذي حدده بخمس أمكنة رئيسة هي (النهر ، السوق، المزبلة ، الصحراء ، القرية ) وقد وضحت الدراسة الوظيفة السيميائية للأسماء كأسم النهر الذي ورد في رواية (شط العرب) ويبين الفرطوسي الى إن وجود النهر في الرواية مشحون بدلالة أيديولوجية كونه علامة على وحدة العرب التي كانت واحدة من أهداف حركة القوميين العرب التي ينتمي إليها غسان كنفاني أما في الفصل الثاني فقد خصص لـ(الزمن والسرد و السيميائية) معتمدا مقياس موضوعي للزمن في العمل الأدبي الخاضع للدراسة ومقارنته بالزمن النسبي أو الذاتي ليصل بنا إلى أن الدراسات الحديثة المتنوعة التي تناولت الزمن لا تتلائم ورواية (رجال في الشمس) كونها ليست من مدرسة الرواية الجديدة لذلك اعتمد الفرطوسي على رولان بونوروف وريال اونوليه بالكشف عن الدلالات الرمزية معتمدا على ( زمن الكتابة) كونه مرتبطا بالواقع (الخارج_نصي) ولكن ما يؤخذ على الكاتب إنه لم يفرد له مبحثا مستقلا به وإنما أخذه ضمن المباحث الأخرى في هذا الفصل ثم تطرق الفرطوسي الى (الترتيب واشتغاله السيميائي) معتمدا تقسيمات (زمن المتن الحكائي وزمن المبنى الحكائي) وذلك لفك إشكالية تعدد الأحداث التي ترد في آن واحد ويورد الدكتور الفرطوسي عرضا واضحا لأنواع الزمن وأنواع المصطلحات التي أسس لها النقاد ليصل الى نتائج : kh-abdulhadi-5
إن زمن كتابة الرواية المدروسة هو عام 1963 وان الأحداث الكلية للرواية تمتد على عشر سنوات بين 1948_1958 في حين إن الحكاية الرئيسة استغرقت من الزمن ثلاث أيام ويورد الخواص التي استدل من خلالها على ذلك ، ويبين لنا من خلال الشواهد الكلامية في الرواية على وجود زمنين ، الأول زمن الحكاية الأولى والثاني زمن الاسترجاع الذي اخذ مديات واسعة ومن خلال هذين الزمنين …في المسافة مابين زمن الحكاية للأولى وزمن الاسترجاع يستدل الفرطوسي على إن الرواية تنتمي الى تيار الوعي الذي كان لبرغسون تأثيرا واضحا فيه حيث ركز على الحياة النفسية التي تتعاقب في الصورة المكانية للزمن والتي تتضخم كلما تقدم الزمن ويورد في الكتاب جدولا يبين فيه الترتيب الزمني الذي ورد في الفصول ويتناول كذلك في الفصل الثاني المدة واشتغالها السيميائي وقد تناول الفرق بين سرعة جريان الأحداث وسرعة سردها حيث تقاس سرعة الأحداث بالمقياس الزمني بينما تقاس سرعة السرد بالمقياس المكاني من حيث عدد الكلمات والسطور والصفحات وتتبع الفرطوسي في رواية (رجال في الشمس) الوحدات الزمنية الكبرى التي تمثلت بالفصول السبعة إذ احتوى كل فصل وحدة زمنية كبرى ثم ينتقل الى لغة الجسد التي احتوتها الرواية على أساس إن للجسد لغة تعبيرية لا تقل عن وحدات اللسان وبالتأكيد تفسير لغة الجسد بالاستناد الى المنهج السيميائي الذي يفك الدلالات الخفية للحركات ولم يهمل الفرطوسي في هذا الفصل (التواتر واشتغاله السيميائي) إذ اعتمد على مااسماه جينيت ب(الحكاية التكرارية) التي كانت حاضرة في أول رواية مدروسة وإن هذا النمط كان بؤرة محورية في النص وكذلك اقتنص الدكتور الفرطوسي حالات تواترية قد اختلط فيها التكراري بالتفردي وكان لهذا التكرار وظيفة دلالية بينها الدكتور الفرطوسي فضلا عن الوظيفة الإيقاعية .
أما الفصل الثالث فقد خُصص ل(الرؤية) وقد تناول فيها الراوي والمروي له ونمطِ السرد واشتغاله السيميائي ووجهة النظر وهو فصل كان مبني على مناقشة المبنى الحكائي في تقديمه المتن الحكائي. بما إن العمل السردي هو عمل فكري يصاغ بصورة جمالية ومعطيات الواقع هي التي تقترح الصورة الجمالية المقدمة كما يشير دكتور شجاع مسلم العاني لذلك فقد تتبع الدكتور عبد الهادي الفرطوسي الأنماط المهيمنة التي فرضتها معطيات الواقع فوجد إن الرواية ابتدأت براوٍ مجهول مستعينا بضمير الغائب ثم تكشف لنا الدراسة في تتبعها للرواية عن راوٍ من نمطٍ جديد يسميه فريدمان(الشخص الثالث الذاتي) وتبين الدراسة _وقد لازمت الصواب_ إنه بفضل تنقل الراوي من موقع شخصية الى مواقع أخرى استطعنا أن نحصل على رؤى متباينة لجميع الشخصيات الرئيسة في الرواية وقد وضحت الدراسة تلاعب الرواية بالضمائر والدلالة التي تقف وراء هذا التلاعب ثم ينتقل الكاتب لتناول عنصر أخر من عناصر الوضع السردي وهو المروي له وقد حدد في وقوفه في رواية (رجال في الشمس) يقف خارج في مقابل الراوي الرئيس وقد اسماه الفرطوسي بالمروي له المنزوي جانبا أو المستتر استنادا لدكتور سحلول فضلا عن وجود أنماط أخرى من المروي لهم . أما المبحث الأخير في الفصل الثالث فقد خصص لنمط السرد واشتغاله السيميائي مبنية على أساس تساؤل في كيفية تقديم الحكاية ( أيريها لقرائه أم يقولها لهم؟) إذ لاحظ كثرة التعليقات السردية التي رافقت الحوار بالوقوف على نموذج الحوار الذي أورده الدكتور يبين لنا الوظيفة التي أدتها التعليقات عبر فك عمل الأفعال الواردة بالسرد فضلا عن استخدام غسان كنفاني في روايته لأسلوب العرض ألمشهدي مستفيدا من تقنيات السينما أما فيما يخص المؤلف فقد صنف الفرطوسي المؤلف الى (مؤلف حقيقي- مؤلف ضمني) فالمؤلف الحقيقي في رواية رجال في الشمس هو غسان كنفاني الشخصية التي تعيش خارج الرواية أما المؤلف الضمني فهو غسان كنفاني الذي عرفناه خارج الرواية مضافا إليه صورة المؤلف كما رأها القارئ الضمني للرواية وهذه المعرفة المضافة للكاتب جاءت من كتابة الكاتب الناتجة عن لا وعيه. أما فيما يتعلق بوجهة النظر وما أرادت الرواية قوله وماذا أراد المؤلف أن يقول وباعتماد دراسة النص وفق المستوى التأويلي والمستوى التفسيري الذين اعتمدهما جولدمان واعتمدهما الفرطوسي بكتابه مما أوصله الى نتائج متميزة .
إن كتاب (تأويل النص الروائي في ضوء علم اجتماع النص الأدبي) للناقد الدكتور عبد الهادي الفرطوسي يضيف للمتلقي قيماً جمالية ومعرفية متعددة تضاف للمشهد النقدي الجاد المعني بالسرد ويضيف للمتلقي بُعداً معرفيا بالمدارس والمناهج النقدية فضلا عن حاجتنا الى تطبيق عملي وواقعي لهذه المدارس والمناهج التي طبقها الفرطوسي بجدية وحرص.

*عن موقع أصوات الشمال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *