الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » “الفاتنة تستحق المخاطرة” آخر رواية للروائي الراحل “فؤاد قنديل” (1)

“الفاتنة تستحق المخاطرة” آخر رواية للروائي الراحل “فؤاد قنديل” (1)

fuad kandil 5 (2)إشارة :

برغم صدور روايته الأخيرة “الفاتنة تستحق المخاطرة” في القاهرة قبل رحيله بوقت قصير ، فقد خصّ الروائي الكبير “فؤاد قنديل” موقع الناقد العراقي بنسخة وورد عبر البريد الإلكتروني اعتبرها هدية منه متمنيا علينا نشرها في الموقع. ووفاء له تقوم أسرة الموقع بنشرها في حلقات.

الحلقة الأولى : 

إهداء

إلى كوكبة كبيرة من الكتاب والشعراء الفرنسيين المصريين..
يتقدمهم روبير سوليه وألبير قصيري..

ف. ق


مَن الفاتنة؟ ومَن العُشاق؟
هل مصر التي عشقها الغرب؟
هل الإمبراطورية التي شغلت محمد علي؟
هل هي « جزيرة» التي هام بها «جوزيف»؟
هل المسلات التي حلم بها الفرنسيون؟
هل الأقصر التي اجتذبت الرحَّالة وعلماء التاريخ؟
أم تراها الهيروغليفية التي تعبّد في محرابها «شامبليون»؟

الشخصيات الرئيسية والثانوية

أسرة «جوزيف»: «روبير» و«عديلة».. «جوزيف».. رشيد البري.. نبيه البقلي، والد «عديلة».. «عسكر»، شقيق «عديلة».. «فاليري»، عم «جوزيف»، وبناته: «ليليان» و«سوزان» و«صوفيا».
الحجاجية: حكيم الحجاجي (العمدة).. جزيرة ابنته.. «مدثر»، الابن الأكبر.. «حفصة» و«فاطمة».. «بركة» (مصطفى).. «كاملة»، زوجة «حكيم».. «زهران»، شقيق «حكيم».. «نصر»، ابنه.. «رمضان» شقيق «كاملة»وأسرته.. «زاهر»، شقيقها الثاني .
الباشا محمد علي: إبراهيم باشا، ولده.. «عباس» حفيده. بوغوص سفيان.. الكولونيل سيف (سليمان باشا الفرنساوي)..
الطاقم الفرنسي: «ريشار»، رئيس المهندسين.. «هنري»، القبطان.. «روجيه»، الطبيب.. «فيكتور» و«بول» و«ساسي» و«أولان».. الإيطاليان: «ماركو»، طبيب.. «روسي»، عالم آثار.
الأهالي:
«قرشي»، طبيب مصري.. «هنومة» و«رقية».. «يعقوب» و«مرقص» و«مهران»، الحداد، و«عبد الشهيد»، المراكبي.. «بيبرس»، الراعي.. شيخ البلد «بركات».. «مجاهد»، صديق «نصر».. «يونس»، شيخ المسجد.. وآخرون.

(1)

أجمل ما خلق الله على الأرض الصباح الباكر الذي تزفه شقشقة العصافير والنسائم النقية الطازجة وقطرات الندى الساقطة من عيون السموات الرحيمة.. في شرف استقبال الصباح الوليد أرواح متلهفة اغتسلت بالصفاء والأمل.. تعودت أن ألقاه وأنا فوق سطحنا العالي الذي يشجعني على التطلع إلى كل أنحاء القرية من صحرائها الغربية ونيلها الذي يتهادى في صمت وتؤدة كجمل تشغله أفكار غامضة حتى جبالها الشرقية التي تمتد إلى سفوحها حقول خضراء تبدأ من تحت قدميَّ وتفرح مثلي بالصباح والندى، بينما تكشف في سرية كاملة وزهو خجول عن وجه جديد من النضارة والبهاء وقد أطلت كالأطفال براعم وثمار وزهور.
المشهد تكتمل صورته البهية بخروج الرجال وبعض أولادهم تسبقهم الأبقار والحمير والأغنام، متجهين إلى الحقول التي كانت محاصيلها من القمح إلى القطن والبرسيم والقصب متألقة بخضرتها تنتظرهم بشغف.. تمتد على مئات الأفدنة وأبعد من «مدد الشوف».. خضرة من كل شكل ولون.. الطيور تحلق وتحوم معلنة سعادتها باليوم الجديد.. تسرع بالتقاط ما تقع عليه عيونها من الحب ونتف الخضرة وما تجده من السنابل الناضجة.. الحمام ينطلق من الأبراج مهللاً ومُرَحِّبًا بالطبيعة المغسولة بالندى.. أقول في نفسي: ما قيمة الحياة دون هذه الطبيعة؟ وأحيانًا أقول: ليست الحياة إلا الطبيعة.. الطبيعة النابضة بالحب والجمال والحركة والإنتاج والفرح.. الحمد لك يا رب العالمين.. هكذا يُكتب يوم جديد قد يحمل البهجة والخير لبشر طال اشتياقهم للابتسام.
الأرض – على الرغم من الأمل الوليد – انشقَّت فجأة عن عشرات الخيول يمتطيها جنود يحملون البنادق وينتشرون في القرية.. يتحركون بسرعة داخل الشوارع والأزقة يمينًا ويسارًا كأنهم قضوا أيامًا في التدريب على مهاجمة هذه القرية بالذات. كثير منهم شُقر الوجوه.. على رؤوسهم طرابيش حمراء قصيرة تتدلى من خلفها خيوط سوداء حريرية لامعة معقودة بزرٍّ فوق الطربوش.. أسرعتُ أتراجع إلى الخلف؛ فقد كان رأسي عاريًا وشعري الطويل البني منطلقًا على ظهري والكتفين بحرية.. دخلت غرفة لم تكتمل تسد نافذتها عدة ألواح من خشب. من بين الفروق الطولية الرفيعة تابعت المشهد.
ترجل الفرسان وتقدم بعض الجنود من الخيول فسحبوها إلى الميدان.. تركوها لترتاح وتتناول فطورها من الحبوب.. أكمل الجنود الطريق مشيًا إلى أقرب الحقول يَحُشّون عيدان البرسيم ويحملونها إلى الخيول التي ربما غادرت بهم قنا، مقر الحكمدارية، قبل الفجر وظلوا يركضون بها لعدة ساعات دون راحة.. وقف أكبر الجنود سنًا ومقامًا أمام بيتنا وراحوا يطلقون الأوامر لمن دونهم من الشباب كي ينتشروا.. حدقتُ بتمهل في ملابسهم وسِحَنِهم.. تغطي صدورهم سترات زرقاء فوق قمصان بيضاء تميل قليلاً للصفرة، وعلى الخصور أحزمة حمراء عريضة وتحتها سراويل بلون القمصان، تم تجميع قماشها وحشره عند منتصف الساق في جتور بيضاء، والجتر كوز أسطواني محكم يبدأ من فوق الحذاء الأسود.. البنادق التي يحملونها مثبتة في مقدماتها «سناكي»، طول الواحد منها يعادل نصف سيف.. لمحت بقدر من الدهشة أن بحيرات العيون على الرغم من السلاح والسلطة والصوت العالي تلمع فيها فقاقيع من الرعب.
بدأ الجنود الكبار يضربون الأرض ويرفعون أصواتهم بالنداء على الأهالي عبر البيوت الصامتة والأبواب المغلقة.
– يا أهالي البلد.. حان موعد سداد الضرائب المتأخرة.. من لم يدفع فسيتعرض للعقاب، تعرفون النظام.. من يفكر في الهرب فسوف يُقتل فورًا.. الدولة لديها التزامات وأعباء ولا بد من الدفع.
أعرف أن البعض قد دفع حصته منذ شهر مثلنا.. هناك من طلب مهلة حتى يجمع ما عليه فلم يزرع هذا العام إما بسبب انخفاض الفيضان وإما لهجوم العُربان على أرضه ونهب محصوله قبل حصاده بأيام، والبعض قد يتعلل، ولو كذبًا، بأنه باع أرضه ولم تعد لديه حيازة، وآخرون اختفوا وتركوا الأرض دون زراعة من كثرة «الديّانة».
من بُعد.. ألمح من فوق الأسطح رجالاً يرتدون الجلابيب الداكنة.. يتقافزون قبل أن تلحق بهم رصاصات الجنود الألبان الموكلة إليهم مهمة الجباية تحت إشراف الصيارفة.. تُفتح بعض الأبواب ويخرج رجال يتقدمون في خطوات جنائزية باتجاه الصيارفة ليسلموا القروش المقررة على أراضيهم. يلمح الجنود العشرات ممن لا يجدون قوت يومهم يندفعون بالركض في الاتجاه المعاكس. يكون الجنود قد أعدوا بنادقهم للإطلاق واتخذوا وضع الضرب، وسرعان ما يطلقون الرصاص الذي يتجنبه الفارّون قدر الإمكان، لكن بعضهم يقعون بسبب الرصاص الذي أصاب أقدامهم أو ظهورهم، وعندئذٍ تنطلق النسوة بالصراخ والولولة؛ فقد كنَّ يتابعن رجالهن الذين لم يكن لديهم حل إلا الفرار ببقايا الكرامة ورفضًا للتعذيب والمهانة.
يسرع الجنود للحاق بصيدهم من الرجال العاجزين عن الدفع وعن النهوض. يساعدونهم على القيام أو يجرونهم كالزكائب حتى الميدان وعليهم حراسة ليلحق بهم بعض ذويهم من الفتيان والصبية ليضمدوا الجروح، إن استطاعوا.
أتذكر أن هؤلاء الجنود، كما قال أبي مرات، لا بد جاءوا في باخرة، ولم يأتوا إلينا برًّا من الحكمدارية.. أتحول إلى النيل فلا تقع عيناي على شيء، ثم ألمح بطرف عين صاري المركب يظهر من خلف معبد الأقصر.. يقول أبي:
تبدأ الحملة عملها من أسوان؛ حيث ينزل الجنود بالخيول إلى البر ويشرعون في جمع الضرائب ومطاردة خلق الله من الفلاحين المساكين، ومن لا يقدر على الدفع يعذَّب ويؤجَّل له، أو يُحمل إلى الباخرة التي تتوجه شمالاً إلى القرية التالية.. وهكذا حتى تصلنا وعليها المئات من المتعثرين.
سئمت المشهد البائس الخالي من الرحمة فهبطت لأسأل عن أبي وأطمئن عليه.. يحب أن يراني في الصباح ونشرب القهوة معًا بينما هو في فراشه قبل أن أساعده على النهوض أنا وأمي ليمشي خطوات حتى الكنبة في وسط الدار، ومنها يستطيع أن يرى عبر الباب الخشبي الكبير نور الله والعابرين في الشارع، ويطمئن على أحوال الدنيا ويعرف أخبار الناس؛ فقد يشعره هذا بأنه لا يزال على قيد الحياة.
كانت أمي «كاملة» قد أبلغته بما يجري. علت وجهه سحابة من الأسى فتنهد واهتزت ذراعه الراقدة ذليلة في حجره.
ينقضي وقت قبل أن تظهر نوعية ثالثة من الرجال الذين باتوا الليلة الماضية والليالي السابقة عليها دون عشاء يُذكر ولو لقيمات خشبية وبعض الحشائش الخضراء التي يلتقطونها عادة من الحقول خلسة أو من ضفاف الترع.
يخرج هؤلاء الرجال منكسي الرؤوس إلى الجنود وموظفي الجباية.. يقفون وأذرعهم متدلية وتعسة إلى جوارهم أو معقودة على بطونهم وهم يعرفون بالضبط ما الذي سوف يحيق بهم وماذا ينتظرهم من عقاب.
يسأل الصرَّاف كل شخص عن اسمه، وتمر عيناه كالسهام على كشف الأسماء إلى أن تعثر على اسم العبد الفقير وأمامه المبلغ المطلوب سداده.. يردد الصراف على سمع الرجل الذي يشبه قطنة مبتلة طلب الدفع فلا يجد الفلاح أية إجابة ولا تبلغ الصراف كلمة. يعيد الطلب مع التهديد بالعواقب فلا يسمع ردًّا إلا تنهدات وتمتمات لعلها تنادي الله كي يتدخل بكرمه.. يتقدم الجنود ويحيطون بغير القادرين المقرين بعجزهم وقلة حيلتهم. يرفع الصراف صوته قائلاً لأهل الشارع الواقف على ناصيته:
– فلان الفلاني مطلوب منه خمسون قرشًا ضرائب حيازته، والقانون أقر الجَلْدَ لمن يعجز عن السداد في حدود جنيه أو أقل.. بمعدل جلدة عن كل قرشين.. يا بلاش، من لم يدفع المقرر عليه إذا كان خمسين قرشًا مثلاً يُجلد خمسًا وعشرين جلدة. فهل منكم من يسد عن هذا الرجل؟ مولانا الباشا الكبير يسهل عليكم، وقد قال:
– بعضكم سند لبعض. أما من يستحق عليه أكثر من جنيه فتُقطع من يده إصبعٌ بعد الأخرى حتى يدفع لنفسه أو يدفع له غيره أو يوافق على الخدمة المجانية بحفر الترع أو بناء الجسور مقابل الطعام فقط حسب الأحوال.
أعاد الجابي ما قاله بطلب السداد والمساندة ثلاث مرات فلمَّا لم يجد من يتطوع بالسداد أشار إلى الجنود للإمساك بالفلاح المدين وربطه بأقرب نخلة بحيث يتوجه نحوها بصدره ويعانقها، ثم يعري الجنود ظهره ويبدأ تنفيذ الحكم.. حدث هذا مع أحد عشر رجلاً، وأنقذ البعض خمسة بأن دفعوا بدلاً عنهم، وفي الأغلب يكونون من أقاربهم. ومن يرفض العقوبة يُربط بالحبال مع أقرانه ويتم جرّه إلى المركب ليعمل دون أن يتلقى أي «سحتوت» لمدة عام كامل، وقد يزيد حسب الظروف.
مع أذان العصر يكون الجابي قد انتهى من مهمته، ونزلت العقوبات بمستحقيها، وتبدأ الرحلة إلى الباخرة والحبال تجر الفلاحين وسط ولولة النسوة من الأمهات والزوجات والشقيقات والبنات اللائي لا يتوقفن عن الصراخ والبكاء واللطم.. يتبعهن العيال الصغار حفاة مكشوفي العورات في الأغلب، تتوزع على جلودهم السمراء خرائط الملح المترسب من عرق صبته حرارة الليل ورطوبته.. بعضهم يبكي لأن أمهاتهم يبكين، والبعض خرج للفرجة على الموكب الطويل الكئيب الذي يذكرهم بالمولد. جنود في ثياب ملونة وبنادق وخيول، ورجال مربوطون، ونسوة في جلابيب سود وأصوات تتعالى، لكن عيونهم تتعلق باهتمام بالطرابيش الحمراء ذوات الزر والخيوط السوداء اللامعة التي تتطوح يمينًا ويسارًا كذيول الجياد.
ترفع النسوة رؤوسهن إلى السماء يطلبن الغوث والفرج، كما لا يفوتهن الدعاء لله أن يهدم بيوت الظالمين وأن يُيَتّم أطفالهم ويُرَمّل نساءهم، ويرجونه متضرعات أن يشتت شمل الباشا وجنوده وأن ينتقم منهم شر انتقام، حتى يصل الموكب الحزين إلى ضفة النيل؛ حيث يجدون الباخرة مليئة بمئات الرجال الذين عجزوا عن السداد ورفضوا العقوبة وارتضوا مفارقة الأهل اعتمادًا على أن الله سيتولاهم؛ فهم خلقه وهو الكفيل برزقهم.
رأيت الباخرة من قبل وهي تغادر المرسى بنعومة في الظاهر كبطَّة كثيفة اللحم، وهي في الواقع تعاني شيخوختها وأحمالها الثقيلة وانخفاض منسوب المياه في النهر، ولا يكون بمقدور القبطان أن يفعل لها شيئًا إلا أن يتقبل على مضض احتكاك قاعها بتلال الطين المتكدس على مدى آلاف السنين، حتى أوشكت أن تظهر للعين في بعض المواضع حتى إبان الفيضان، وهو ما اعتاد أن يشكل جزرًا كثيرة وسط النيل كتلك التي وُلدت بها قبل أربعة وعشرين عامًا.
يتجه المركب عموديًّا صوب منتصف النهر كأنه يعتزم الوصول إلى الضفة الغربية، ثم يميل جهة اليمين ليأخذ طريقه نحو الشمال، ولا يؤثر ابتعاده في نقصان جبال الحزن؛ فالأيدي المنكسرة تواصل التلويح، والعيون التي أصبحت مآقيها بلون الدم لا تكف عن نزف الدموع، والقلوب المفارقة يُسمع صوت تصدعها بين الضلوع.. تجلس النسوة على الشاطئ ويُعِدن عقد الطُّرَح على رؤوسهن في وضعية التعبير عن الحزن العاصف وقد قصمت ظهورهن رحلة الرجال المجهولة ولا يعلمن ما المصير ومتى يحين اللقاء مجددًا.. هل يسبقهم الموت إلى الأهل فتغيب عن الحياة أمهات وآباء؟ وقد يختطف المرض المتوحش الصبية الصغار.. لا أحد يعرف أي شيء عن أي شيء.. المجهول يفضي ولا بد إلى الخوف.. المجهول عوَّد الناس على الطعنات. لكن الإيمان راسخ بأن الله سوف يبعث قدره ومعه اللطف والرحمة.
فجأة تقول امرأة إنها أخطأت في حق زوجها إذ لم تتمسك به ولم تدافع عنه ضد الظّلَمَة.. تؤيدها أخرى قائلة:
– فعلاً.. تركناهم ووقفنا نتفرج عليهم.
تمنع ثالثة موجة التأنيب قائلة:
– ماذا بأيدينا لننقذهم؟
تندفع رابعة:
– كان بأيدينا الكثير.. كيف فاتنا أن ننقضَّ على الجنود ونخمش وجوههم ونأكل جلودهم بأسناننا؟ كان يكفي أن نرميهم بالطوب ونعمي عيونهم بالتراب.. أمور كثيرة كان يجب أن تحدث.
أيدتها خامسة، وأشعلت الشابات غير المتزوجات المشهد، إلى أن زعقت فيهن جدة لها أحفاد اختطفوا ولدها الوحيد:
– كفاية يا مَرَة أنت وهي. ما حصل حصل. في المرة المقبلة بيِّنَّ كرامة.. كنتن ترِدن ضرب عشرين عسكريًّا مسلحين بالبنادق والسيوف والجبروت، وبعد أن تضربنهم بالطوب وتأكلنهم بأسنانكن ماذا سيحدث؟ ستصبح المصيبة مصائب. ربنا يتولانا.
هتفت بحفيدها:
– ولد يا «سليم»..
أنهضتها النسوة واعتمدت على عكازها ووصل «سليم» فوضعت كفها المعروقة على كتفه ذات السنوات التسع.
جفت الدموع مع توالي عبارات الملامة وخفتت الأصوات وتركت مساحة للتنهدات والأسف.. تصاعدت طلبات الصغار الذين نام بعضهم على صدور الأمهات.. وبينما الشمس تتأهب تدريجياً كي تغادر الأفق في موكبها الأرجواني، بدأت النسوة في القيام المتمهل والعودة إلى بيوتهن يجرجرن الخطوات الثقيلة، لا تكاد الكثيرات يشعرن بأقدامهن، ومع ذلك لم يكن بالإمكان تجنب التفكير في الأمسيات الخالية من الرجال، والبيوت الساكنة التي لن تكف عن سؤال الرياح والقدر: متى يعود الغائبون؟ ثم تجيب نفسها:
– ليتهم يعودون حتى لو لم يكن في البيت لقمة أو شربة ماء.
والآن وقد تبددت الطرق ودنت الخطوات من البيوت لم يبقَ غير طلب العون من الله الذي لا تضيع عنده الودائع، ولأنه المُطلع على كل شيء؛ فسوف يكون السند والحافظ، وسوف ينتقم من كل ظالم.
فلا بد من يوم معلوم تترد فيه المظالم..
أبيض على كل مظلوم..
أسود على كل ظالم..
في صباح اليوم التالي، كنت على السطح كعادتي أستقبل يومًا جديدًا فانتشت روحي بالمشهد.. الرجال يتجهون إلى الحقول وعلى أكتافهم الفؤوس، تسبقهم البهائم ويتبعهم الأولاد الصغار، والنسوة يحملن الجِرار إلى النهر لجلب الماء، كأن الأمس لم يكن فيه ما يغضب، وكأن أحدًا لم يفارق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *