نجاة عبد الله: غريبة الروح..

          *(وكنت أسأل نفسي ذاك السؤال الذي سأله الحلاج لنفسه ماذا افعل) 
                                                                                              
                                                                                                              
   لطالما رسخت تلك العبارة في رأسها المليء بشعوذة الحياة وطلاسمها وغرورها وهي تتبختر بين الطفولة والهرم بوقاحة الشباب ..  غرقت روحي بعدما فتحت عليها نزق دجلة وبكاء الفرات .. يداي التي كنت اشير  بهما الي كلما هممت بفكرة او بصفعة لايقاظ هذا الرأس الصامت خانتني كثيرا وهي تهددني بالابتعاد الى أقرب جيب ارضي .. وجهي لا يتقن الضحك وهل يضحك من يعرف ما الذي يجري في تلك الحياة العراقية البحتة … ما زلت بذات الملابس وذات الوجه وذات الحزن وذات الصمت تقلبين سنوات العمر  … اليوم بللك المطر كنت تشتمين الطبيعة في سرك وانت تركضين خلف الباصات وتستمعين مضطرة الى اصوات السواق وهم يصرخون بل يتفننون في الصراخ لاستدعاء الركاب .. يؤلمك قبح العالم ، وقبح تلك النفوس التي تتبختر بشرورها ومكرها وهي ترتدي قناع من الطيبة على وجه مليء بالقروح الادمية قناع سرعان ما تكشفه وخزة او صدفة .. لكني تذكرت باني احبك جدا .. ماذا وهل يتسع هذا العالم لأحاسيس إمرأة مطفأة جال بها الوجد واينعت على اصابعها الدموع .. تذهبين الى اقاصي اليتم وتعودين بريئة من خيبة السنوات .. ايتها الوحيدة حد الضجيج … ماذا تفعلين وقد شاخت المواسم من دون ان تثمر فرحة واحدة .. ماذا تفعلين وقد انفلت عقد الوطن وتفتت حباته تحت عجلة التقدم  الى مزيد من الحواجز الكونكريتية مزيد من الخراب والاهمال والوجوه العابسة مزيد من الارامل والايتام والمعاقين والصامتين والمتذمرين والموجوعين والراحلين  .. كنت تقلبين الصور واحدة تلو الاخرى .. هنا حديقة الامة ، الخضرة على اوجها ، الاماكن نظيفة ، بحيرة البط  ، الرجال يبتسمون والنساء يرتدين اجمل ما لديهن من ثياب ، والاطفال يضحكون من القلب ، الشوارع نظيفة زاهية حالمة بغد اجمل من سابقه ، ابو نؤاس يرفع نخب الحب بوجه العشاق .. حديقة الزوراء تتبختر بالبحيرة اليابانية والانواع النادرة من الطيور والاسماك  ، ليس من لغة تسود المكان غير الاضواء الخافتة وبريق الاشجار وصوت ام كلثوم يشدو بالحب ليس من لغة تسود المكان غير لغة الحب .. شارع الرشيد والمقهى البرازيلي حيث يجلس طلبة الجامعة ممن يتداولون في امور الفن والادب .. مقهى حسن عجمي والنقاشات الادبية المتاججة والسماوروالجمروليالي الشتاء الحزينة من فرط الوجد .. الان ماذا تفعلين وليس من شيء يفرحك غير الاحلام وما ان تستيقظين حتى تهرم يداك حول ابريق الشاي وهو يطلق اصوات تعلن عن رغبته في ان يتحول الى كوب ترتشفين منه الشيء القليل ثم تجدينه باردا بعد ان تاخذك فكرة او تزداد لديك الرغبة بسماع صوت فيروز لكن العالم معطل الا تعلمين يا نجاة  ان البطاريات اثلجت وتعطلت في قلب الراديو ،  الكهرباء شحيحة ليس الان هو وقت زيارتها مع رغبتك البطرة تلك ،  البنزين لم ينفذ لدي لكني لا اتخيل ابدا ان اخلع يدي من صب البنزين وانا ابذل جهدا  في تشغيل المولدة الكهربائية  لاستمتع بالجمال .. هل يشترط ان استمع اولا الى صوت ناشز ليتسنى لي ان استمع الى فيروز …. اكتم عنك بان الثلج هبط قليلا حين ابتدا هذا العام .. واعرف بانه غطى نصف الكرة الارضية لعيون الكريسماس وعيون الام تيريزا وعيون الجاثمين على صدر الحلم ليفيقوا من غفوتهم وينصتون للغة البراءة وهمس الارض حين تصبح محبة عاشقة ..
  أي يوم ومن أي طراز سوف يكون هذا الذي ستشطبين عليه بالاحمر في الروزنامة المعلقة على الحائط .. تحدقين في المرآة مليا تتاملين تفاصيل وجهك من  دون ان تعرفين ما الذي قد يتساقط منه في الطريق وبأي ملامح سيعود .. يخفق قلبك من الخوف .. وما ان تصطدمين بهذا الخريف الناعس حتى يمتلا قلبك بمحبة بغداد تديرين نصف وجهك على دجلة تتاملين الموج والشناشيل وخضر الياس وتنصتين بوجل الى حركة الامواج ودعاء المشتاقين لرحمة الرب .. تغمرك الجوامع بالرحمة والكنائس باعياد الميلاد .. تبتعدين عن الخوف وتحلمين  بقدوم  الغد ان تقطعين شارع الرشيد سيرا على الاقدام .. تقبلين الشواكة .. وتشربين الشاي في مقهى منزو انيق في شارع النهر وتذهبين الى شارع المتنبي تشطبين لوحة الخراب بدمعة فذة .. ثم تدلفين الى المتحف البغدادي .. ويهفو قلبك الى الكاظمية والاعظمية والكيلاني والسفينة ، تتشبث يداك بجسر الشهداء وتتسمر قدماك على ارض بغداد وتهفو عيناك الى القوارب التي ما ان تجرح خد الماء حتى تحنو  عليه من جديد .

*ا لمقولة لمصطفى كامل مؤلف كتاب الحلاج

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.