زياد الجيوسي*: صباحكم أجمل : لنا جذور..

 

* كاتب من فلسطين المحتلة

  • أي جمال سيحمله لي هذا اليوم الغائم؟! ساءلت نفسي وأنا أخرج لجولتي الصباحية المبكرة في دروب رام الله، متنشقاً الياسمينات، ومتأملاً الأرصفة الجديدة التي زرعت بالأشجار، ومتمنياً على بلدية رام الله أن لا تترك أرصفة بدون أشجار، فقد لاحظت في بعض المواقع أن هناك أرصفة لم تزرع، ولم تترك بها حفر تدل على نية الزراعة.

صباح رام الله غائم صبيحة السابع من آذار، فهمست لطيفي البعيد القريب: صباح غيوم الخير في سماء رام الله، ترقبها الياسمينات بانتظار ربيع آت. تناولت إفطاري، وشربت قهوتي مع شدو (فيروز) وأنا أتأمل الشارع من نافذة صومعتي. جهزت نفسي للمغادرة، ورتبت حقيبتي ودفاتري وعدسة التصوير، وغادرت متجهاً إلى تجمع سألتقي معظم من فيه لأول مرة، ملبياً دعوة طيبة من المشاركين في حملة (لنا جذور)، هذه الحملة التي بدأت شعلة انطلاقتها في ضواحي القدس زهرة المدائن، لتنطلق بعدها إلى محافظات قلقيلية وطولكرم وجنين وطوباس ونابلس، وفي القريب إلى بيت لحم ورام الله، وهذه المرة إلى حورية كنعانية الجذور أخرى؛ بلدة (بني نعيم) شرق مدينة (الخليل)، والتي ورد اسمها منقوشاً على (مسلّة الفرعون مرنفتاح). هذه البلدة التي لم يتح لي زيارتها في الماضي، حيث هناك الأصالة والتاريخ والإصرار على التشبث بالأرض، على الرغم من كل المعاناة من الاحتلال، ومن مستوطنيه الذين لا بد أن تلفظهم الأرض ذات يوم، مبشرة بصباح أجمل.. وأنا بالكاد عدت من زيارتي التي استمرت عدة أيام للحورية الكنعانية (عنبتا) والجميلات (بلعا) و(كفر اللبد).

ما شجعني على المشاركة بالحملة، أنني سألتقي حورية كنعانية ضاربة الجذور في التاريخ، إضافة إلى أن الذين فكروا بها وبدؤوا بتنفيذها متحملين المشقات والتعب. مجموعة من الموظفين بدون قرار رسمي؛ موظفين يؤمنون أن علاقتهم بالوطن لا تتوقف على مستوى العمل الوظيفي الرسمي، بل تمتد لتضرب جذورها في تربة الوطن، وإن اهتمت بعض المؤسسات الرسمية بعد طرح الفكرة بدعمها، ومؤسسات أخرى تجاهلت الفكرة ولم تدعمها، أو حاول البعض تجيير الحملة لصالحهم الشخصي، وفكرتهم تقوم على زرع شجرة لكل مغترب عن فلسطين، وفي كل منطقة من الوطن في أراض عامة غير مشجرة، تزرع وتسيج وتصبح حديقة، منطلقين من فكرة تقول: “ولأننا نحلم بدولة ذات بيئة نظيفة من الاحتلال والتلوث، ولأن الشجر يقاوم الاحتلال والتلوث كالبشر، قادنا تفكيرنا إلى أن الشجر سيكون هو الرمز الذي يجمع هذا المثلث: رسالتنا إلى جالياتنا الفلسطينية، مقاومة الجدار والاستيطان، حماية بيئتنا من التلوث”. وما شجعني أيضاً أن الشجرة هي الرمز، وأنا مرتبط بالشجرة إلى درجة العشق، وقد كتبت الكثير من النصوص تحدثت عن ضرورة حملات التشجير، وتحدثت كثيراً عن ذاكرة رام الله وأشجارها، مطالباً بأن يتم إعادة التشجير من جديد، وساهمت بالكتابة وبالزرع في أكثر من حملة تشجير.

كان السؤال الذي يدور في ذهني قبل أن التقي هذه السواعد الشابة: لماذا المغتربون فقط؟ ولماذا لا تكون الحملة زراعة شجرة لكل فلسطيني مهجر ونازح ومبعد قسراً إضافة إلى المغتربين؟، لكن حين عرفت أن الموظفين أصحاب الفكرة يعملون في دائرة تتعلق بشؤون المغتربين في وزارة الشؤون الخارجية، تفهمت الموضوع، وأملت أن تبادر القطاعات الأخرى في كافة المؤسسات أن تعمل على حملات مشابهة، فتزرع شجرة لكل من أجبر على مغادرة الوطن، وأن يقتدوا بهذه الفكرة الشبابية الجميلة، والمعبرة عن روح التصميم على الصمود، فالوطن سيكون أجمل بشجره الأخضر، وخصوصًا أننا نشهد دوماً الاحتلال ومستوطنيه وهم يدمرون الشجر ويحرقونه ويقتلعونه، وخصوصًا الزيتون الذي يشكل شوكة في حلق الاحتلال.              

حين وصلت نقطة التجمع ورأيت الحوريات الكنعانيات، والشباب الرجال يستعدون بكل حماس للمشاركة، نظرت إلى الغيوم في السماء وهمست لنفسي: هذه أول بشائر الخير، فهذه السواعد الشابة هي حلم المستقبل والفرح القادم، وهم الذين أنشدت لهم (فيروز) في ظل الهزيمة: “الغضب الساطع آت وأنا كلي إيمان”، وبينهم التقيت بصديقي القديم حافظ النمر، وقد كان يشغل منصب سفير فلسطين في دول أجنبية، فكان لقاءً حاراً، فقد تعارفنا منذ حوالي العشرون عاماً، فقلت له: ما زلت شاباً يا صديقي، فهمس لي: وسأبقى.. وضحكنا، وتعرفت إلى منسقة الحملة السيدة رانيا البراغيث، ابنة الشهيد إبراهيم براغيث الذي جرى اغتياله من قِبل الاحتلال نهاية العام 1979، فشعرت كم أن دم الشهداء يروي أشجار الوطن، ويجعلها تغرس جذورها في الأرض عميقاً، وأن زهراتهم وأشبالهم لا يتوقفون عن متابعة المسيرة، فهم يعرفون من خلال دماء الشهداء أنه في هذه الأرض (لنا جذور)، ولن تتمكن قوة في الكون من اجتثاثها، وأنهم سيواصلون المسيرة حتى تجد أرواح شهدائنا الراحة، فتلك الأرواح ما زالت محلقة في فضاء الوطن تبحث عن مأوى، ومأواها فقط وطن حر وشعب سعيد، وقد حدثتني الكثير عن الحملة منذ إشراقة الفكرة، وحجم الصعوبات التي واجهتها، والعراقيل التي وضعها البعض، والذين مدوا أياديهم بيضاء بغير مصلحة، إلا مصلحة الوطن لإنجاح الحملة، وأوردت لي الكثير من الأسماء، ولفت نظري اسم سيدة اندفعت بكل حمية ونخوة لإنجاح الحملة، وهي السيدة انتصار أبو عمارة، فكانت مثالاً للالتزام والوطنية والانتماء.

تحركت بنا السيارات والحافلات من رام الله. مررنا بجوار القدس المحرمة علينا نحن أبناؤها، لنسلك طريق وادي النار الصعب والمتعب، تمزق أرواحنا مشاهد المستوطنات الاحتلالية التي تحتل الروابي والتلال، حتى وصلنا إلى مشارف بلدة بني نعيم، وواصلنا الطريق لنقطة التجمع في مشروع إنشاء مشتل ومدرسة تعليمية، حيث وجدنا الكشافة وأهل البلدة باستقبالنا، إضافة إلى العديد من المسئولين، وكان من ضمن الحضور السفير التونسي مدعواً، ليبدأ حفل استقبال وحسن ضيافة، وإلقاء العديد من الكلمات التي لم تخل في قسم منها من الإطالة، ولعل من أجمل فقرات حفل الاستقبال الشعر الذي ألقاه الزميل وائل الشيوخي، والفقرة الفنية التي قدمها الصديق الفنان عبد الفتاح العيسة، والذي أثار عاصفة من الضحك، وهو يقلد أصوات الزعماء العرب والقادة الفلسطينيين، لتقدم بعدها فرقة من زهرات بني نعيم، مجموعة من لوحات الدبكة الشعبية، جعلت الجمهور يقف احتراماً للإبداع، لننطلق إلى الحديقة التي سيبدأ العمل بها.

المشهد المثير لثورة الروح، والتي تجعل حتى الجسد ينتفض، والدمعات الفرحة تتسلل إلى المقل، لحظة وصولنا المكان الأول المقرر لزرع الجذور، في أرض عطشى للشجر على أطراف المركز، حين اندفع الجميع بعنفوان وشوق نحو الأرض والأشجار، كأمطار الخير التي حنت للأرض، فكان لقاء الحبيب مع الحبيبة، والحبيبة مع الحبيب، ليسطر الجميع؛ حوريات وشباب، رجال وشيوخ، أمهات وجدات، أشبال وزهرات، لقاء العشاق لأرضهم، حتى شعرت بأن الفضاء قد امتلأ بجيوش من أرواح الأجداد تحفهم الملائكة، ويقودهم جدنا كنعان الأول، يباركون أحفادهم، ويهتفون بالسلام الوطني:

(فلسطين داري، فلسطين ناري
فلسطين ثاري، وأرض الصمود
بلادي بلادي
بلادي يا أرضي يا أرض الجدود).

لننطلق من هناك إلى مقام النبي لوط، ونقطة لقائه مع سيدنا إبراهيم الخليل حسبما تروي الموروثات، ومقام فاطمة ابنة الحسين بن علي كرم الله وجهه، والذي دمره الاحتلال، فهو احتلال يريد تدمير كل شي، البشر والشجر، والتاريخ والمقدسات، فاندفع الجميع للزراعة بالعنفوان السابق نفسه، بل أقوى، فهنا يوجد برج لجنود الاحتلال، وما هي إلا دقائق إلا ودوريات جيش الاحتلال ورجال شرطته قد أحاطت بنا بسلاحهم، ولم يتوقف أحد عن الزراعة، بل في وقفة تحدّ من الحوريات والشباب، تكاتفوا وواصلوا الزرع ما جعل جنود الاحتلال يقفون ما بين دهشة وخوف، وأصابعهم على زناد البنادق، ثم ينسحبون إلى سياراتهم يرقبوننا من بعيد، وكأنهم يستمعون لصرخات البشر والشجر: نعم هنا لنا جذور. لتكتمل المهمة ونتجه إلى مدينة الخليل، تحت إصرار مضيفينا ومشاركينا على استضافتنا على الغداء، وبعد الكرم وحسن الضيافة، اتجهنا بدعوة من رئيس مجلس الإدارة لشركة رويال الصناعية التجارية، ليحتفوا بنا بجولة في قاعات عرض المنتجات الوطنية الرائعة، ثم استضافة في قاعة واسعة، لنتعرف إلى مؤسسة وطنية ضخمة، ولعل أهم ما يميزها حرصها على البيئة، ومنع تدخين لفائف التبغ في داخلها بالمطلق، بحيث أن جميع العاملين فيها والبالغ عددهم 400 شخص لا يدخنون، مقابل امتيازات تقدمها الشركة بحيث أنها أصبحت كمنتجع للعاملين، وبعد الضيافة الجميلة والجولة الرائعة، وبعد السلام الوطني، أثار فرحنا الفنان عبد الفتاح العيسة مرة أخرى، لنودعهم عائدين في المساء إلى رام الله ، ننظر إلى المستوطنات ونقول: سترحلون أنتم.. فنحن باقون فلنا جذور.

أبتسم فرحاً لنساء وطني في يوم المرأة العالمي.. أستذكر رحلة الأمس بتفاصيلها، فأشعر بالزهو أني رافقت هؤلاء الشباب الرجال، وتلك الحوريات الكنعانيات، وتذكرت ما خططته في زيارتي منذ أيام لجمعية الهلال الأحمر في بلدة عنبتا، حين قلت للملائكة البيضاء من ضمن ما كتبت، وشعرت لحظتها أني أخاطب كل امرأة فلسطينية: :وحين التقيتكن زالت حيرتي في عيون قد غفا فيها الحمام، ووجدت في أرواحكن مفهوم المرأة الملاك، وعرفت كيف ينسكب العطاء مغموراً بالحب، فكان اللقاء حلم يوم تحقق بأرضٍ كأنها شفاه حيرى بنار رحيقها، وفيكن وجدت الحلم الذي يشعل العطاء حباً من جديد، كأنه بركان، ويملأن الربى براعم ياسمين لتنبت على الشواطئ المغتصبة.”…

صباح راميّ آخر، وفضاء ملبد بالغيوم، ونسمات باردة، أحتسي قهوتي وروح طيفي البعيد القريب تحيطني، مستمعاً لشدو فيروز وهي تشدو:

“(هليّ عالريح يا رايتنا العالية، يا حبّي الراجع أهلا، يا غالي وغالي أهلا، صارت سمانا أحلى، وجبال إلي عنا أعلا، شفتك والدنيا قبالي، وأيام تعنّ على بالي، عالدنيي كلها كلها).

 

صباحكم أجمل، ووطن يزداد جمالاً بشجر أخضر وسواعد شابة.

 

(رام الله 8 آذار 2011)

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.