الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » علي غدير : عشر سنين

علي غدير : عشر سنين

ali-ghadir-2مضت عشر سنوات، على لقائنا الأول والأخير. كنا يومها؛ لانزال في ريعان الصبا، لا نذوق من الحياة سوى حلواها، ولا نستطعم من الأيام إلا طيبها. كم أحرجت يومها، حين ساررني أبي، برغبته في تزويجي من (عادل) ـ ابن أخته ـ الذي توسم فيه كل الخير مستقبلاً. أذكر أن أبي احتضنني؛ ليداري تورد وجنتيَّ. لكن (عادل) أفُلَ فجأة، كما ظهر فجأة!
جاء يومها؛ لحضور حفل زِفاف أخي، ليلةً واحدة قضاها في بيتنا، أمست أحلى ليالي عمري. كيف لا؟ وأنا أتعرف لأول مرةٍ، على قريبٍ متفهمٍ. لم أجد سوى (عادل) بين أقاربي، من استطيع الحديث معه عن هموم الشباب وطموحهم، وعن مشكلة المرأة عموماً، والقروية خصوصاً. وبرغم أنه لم يكن يكبرني بأكثر من ثلاث سنين، إلا أنني كنت ألمس النضجَ في أفكاره، والخبرةَ في أحاديثه، وكأنه رجل عجنته الحياة، وحنـّكته.
تمنيت في تلك الليلةِ الربيعيةِ المقمرة، أن تتحقق رغبةُ أبي، التي داعبني بها عشيتها. تمنيت من كل قلبي، أن أصبح زوجة هذا الرجلِ، المبكر في رجولته. وتخليت مدى السعادةِ التي ستغمرني بين أحضانه… لكن القدرَ، يأبى إلا أن يتم مسيرتهُ، ولو خطا على قلوبِ الأبرياءْ. فهو يقسو عليهم، بحجة انه أدرى بمصلحتهم، وأكثر حكمةً منهم.
شاء القدرُ، أن يعلن أبي خطبتي لابن أخيهِ دون مشورتي. وحين ذكرته برغبته القديمة، قال لي بشزرٍ:
ـ ابن عمك أولى بلحمكِ، وابن عمتك (عادل) لم يتقدم لخطبتك… هل تريدينني أن أدلل عليك؟!
استسلمت لقدري، وندبت سني عمري الأربعَ عشرةَ، وهي تتمرغ بين يدي ابن عمي القروي الجِلف، الذي جلس بين فخذي مذعوراً، بعد أن فضَّ بَكارتي ليلة الزِفاف، وهو يصرخ:
ـ أين الدم… أين الدم؟!
وبينما كنت أنا أتلوى؛ مابين ألم وحشيته في المضاجعة، وتوتر أعصابي من صراخه الفاضح، وجهلي عما يبحث عنه. راح يلطمني بكتلي يديه على وجهي، حتى سال الدمُ من كل منفذٍ في جسدي، سوى المنفذ الذي يرقبه، ابن عمي المنكوب بعرضه، والذي شرع باب الغرفة، لينادي على أبيه وأمه ويشهدهما الكارثة، دون أن يبالي بعريي أمامهما، وأمام بعض الفضوليات، اللاتي كن لازلن ماكثاتٍ في انتظار إعلان الشرف. فرحنَ يتأسفن على ما فرطت من كنزٍ، بسبب ثقافة المدينة؛ التي تسلب عذرية القرية كما تصوّرنَ.
عدت فجر اليوم التالي إلى بيت أهلي في المدينة، مدماة الوجه، مذلولة النفس، فاستقبلتني أمي تلطم خدها وتولول. ولم أعلم من هو الرجل، الذي تطوع لإيصالي إلى بيت أهلي، كان كهلاً من أهل القرية، ولم ينبس معي ببنت شفةٍ، طوال الطريق الذي استهلك ساعةً من عمري المهدور. بل أن الرجلَ، صحِبَ معه امرأةً تبدو زوجتهُ، ليدرأ عنه خطري. أنا الركامُ المتهالكُ على المقعدِ الخلفي، كعاهرةٍ مهيَّئةٍ للرجم.
حضنت أمي، وغرقت في بكاءٍ بلل جيبها الممزقَ على سمعتي، وسمعتها قطعاً، فكلُ الأخطاءِ التربوية، تُشجب على عاتقِ الأم، وكلُ الفضائلِ تناطُ على صدور الآباءِ. ولولت أمي، وندبت حظها وحظي معها. بينما أنا، حتى تلك اللحظة، لم أكن أعلم سر الفجيعة!
كان خالي قد أخمد نار الثورة، التي تأججت في صدر أبي وأخي، فأجلسهما دون حراك، حتى يرى أمراً ما. أدخلتني أمي في غرفتها وأوصدت عليَّ الباب، فمكثتُ في سكونٍ مطبقٍ، كسجينٍ زُجَّ به خلف القضبان، بلا تهمةٍ ولا محاكمة.
مرَّ الوقت طويلاً عصيباً، قبل أن يدور المفتاح في قبضةِ الباب، لتدخل أمي، وهي لا تزال تولول، تصحبُها امرأةٌ عجوزٌ شاحبةُ الوجه طويلته، صفراءُ الأسنانِ، يتدلى قرطاها الذهبيان الكبيران، من تحت عمامتها المكورةِ فوق رأسها، لتعكسَ بريقَ الذهبِ على وردتي أنفها المدبب، كرمحٍ يشيرُ إلى جثة! لم أفهم الكلمات التي دمدمتْ بها في أذن أمي، لكنني أدركتُ ما تريد، فقد همستْ أمي لي؛ لأخلع سروالي الداخلي، وأنفّذ ما تريده مني (أم صالح).
أغمضت عينيَّ؛ لأبعد عني شبح ابن عمي، الذي جاء هذه المرة بعمامةِ (أمِ صالح)، التي مدت يدها بين فخذيَّ، وراحت تبحث عن شيء مفقودِ الأثر. ومابين تألم نفسي الذليلة، وإلحاحِ (أم صالح)، ووضاعة ابن عمي… جلجلت الحقيقةُ:
– لا زالت عذراء!
دوَّت زغاريدُ أمي في أرجاءِ المنزلِ، ودعواتُها على أناس مجهولينَ بالفضيحةِ، وجاء أبي، غيرُ مصدقٍ دعوى (أمِ صالح)، وراح يسألها بوجمٍ، ليتأكد من شرفه الذي تقرّره عجوزٌ أمية:
ـ ربما كان الفتى ذو عضوٍ قصيرٍ، ألا تفهم أيها القروي؟
لطم أبي براحته على فمه، وضحك وهو يجيبها:
ـ صدقت… فالولد سر أبيه.
وراح يدلس في يد (أمِ صالح) بأوراقٍ ماليةٍ، ثمن البراءةِ التي أعلنتها. وقد أغدق عليها، لعلها تروّج بالبراءةِ، ما بينَ بيوتِ الحي. أو لعلها ترسل بها إلى القريةِ، لتخمدَ النار التي شبَّت هناك. ثم استدار أبي إليّ، وقبلني من رأسي، وقال:
ـ براءة يا ابنتي… براءة!
بيد أن شهادةَ (أم صالح)، كانت كحرثٍ في بحرٍ هائجٍ. فقد لاك أهل القرية سمعتي، وأصبحتُ علكةً في كلِّ فمٍ، حتى قاطع أبي أخوتَهُ وأبناءَ عمومتِهِ، واعتزلَ القريةَ، ليريحَ قلبهُ من لغواهم. أما أخي، فقد طلق ابنة عمي، شغيرتي، التي لم ترتكب إثماً، سوى أنها أخت ذلك الوغد الذي طلقني… كم هي سوداءُ أعرافنا!
****
يفصلني عن ذلك المساءِ الربيعي المقمرِ، زمنٌ طويلٌ مرٌ، تسري مرارته في دمي، كأفعى تنفث سمومها مع كلِّ نبضةٍ. كبرت معي الأفعى، فحولتني إلى امرأة سيئة، بعد أن اكتشفت مكمن الصلاح، الذي يعقد الآخرون حوله آمالهم. لكـَم آلمني أن يرتبط مصير المرأةِ، بغشاءٍ أرقِ من جناحِ ذبابة؛ يمزقُه بُصاق رجل؟! لكـَم أحسست برِخَصي وأنا أدرِكُ بعدَ حينٍ، سرَّ ثورة ابن عمي الأخرق. نقمتُ على الحياةِ وكرهتُها، ونقمت على المجتمعِ، الذي يكيل الأمور بمكيالين، فكالَ التهمةَ عليَّ وركنني في قعرِ الرذيلةِ، برغم براءتي، وكالَ الفضل لابن عمي، وارتقى به فوق قمم الفضيلة؛ برغم ظلمه لي.
تمرغت الأفعى في جسدي، الذي انتقض كشعبٍ ثائرٍ، يبحث عن مفجر لثورته، فآتى أكـُله على يد (مناف). كان لقائي به صدفة، خلال حفل عيد ميلاد إحدى صديقاتي، التي عرفتني به:
ـ هذا مناف، زميلي في الكلية، وهو رسامٌ ماهرٌ، هو الذي رسم لوحة (فتاة الغروب) التي أبديتِ إعجابك بها.
ثم استدارت إليه، لتكمل التعريف التقليدي الذي أمقته:
ـ وهذه (سميرة)، أعز صديقاتي… وأصدقهن.
كان التعارف خاطفاً، لكنه ترك أثره عليَّ طوال الحفل، فلم تغادرني نظرة (مناف) إلا نادراً. وبدأ كأنه يقتنص فرصة ما، ليخلو بي. ولعله كان قناصاً ماهراً، أو لعلني كنت فريسةً سهلةً، أو لعل القدرَ أرادَ أن يستعرض الجزء التالي من مأساته، على جثتي التي تعفنت منذ زمن بعيد.
****
عشر سنين مرت على لقائي بأول وآخر رجلٍ، بصم في قلبي بصمةً لا تُمحى، ونث على روحي شذى مشاعر لا يجف، وهمس في عمري، أغنيةً صادقة اللحن… لا تنسى. كنت لا أفترُ عن ذكره لحظةً واحدةً، حتى حين أتمرغ في وحل الرذيلة، على سرير (مناف) الذي استدرجني بسهولةٍ، وقد ظن – لغبائه – أنه ماهرٌ في إيقاع الفتيات. ولم يعلم، أنني أنا من كنت أبحث عن بئرٍ، لأطمر فيه آلامي، لعلي أرتاح ساعة زمنٍ، من أنين قلبي العميق.
بسذاجة من لا يجيد إتيان مداخل التعارف، قال لي وهو ينتهز فرصةً واتته خلال الحفل:
ـ وجهك يلهمني لرسم لوحةٍ… هل تحبين الرسم؟
أردت أن أختصر عليه معاناةَ رحلةٍ قد تطول، فقلت له بلا مراوغة:
ـ متى نلتقي؟ وأين؟
أشرق وجهه بابتسامة فرحٍ غير متوقعة، وقال:
ـ في أي يوم تشائين… في مرسمي الخاص.
ـ سأتصل بك خلال يومين.
دفعته كلماتي الأخيرةَ، ليتأكد من استقرارِ عقدة ربطة عنقه البنية، في مكانها المناسبِ، وأن يبحث عن مرآة في الصالةِ، ليبصرَ شعره الأشقر، وعينيه اللتين تحاكيان في ألوانهما عيونَ القطط، وبشرته الطريةَ، التي لولا شاربيه الخفيفَي المنبت، لضاهت بشرةَ بعض الفتيات.
كان مرسمه غرفةً واسعة، في شقةٍ مرتبةٍ تعود لأمه الموظفةِ الكبيرة في الدولةِ، المناضلةِ السابقةِ في الحزب الحاكم، التي كان يحلو له، أن يستعرض علي صفحات نضالها السري، أبان الدولة الساقطة. أثاث الشقةِ فاخرٌ، كأنها مملكة مؤقتةٌ تحتفظ بعرشها، حتى تسقطها ملكةٌ جديدةٌ.
جلست على أريكةٍ وسطَ المرسمِ، وأنا أعلمُ أنني أسقطتُ ملكة كانت تجلس قبلي هاهنا، وأنني سأسقطُ ذات حفلٍ، بذات الطريقة.
ـ أنت أكبر من أن أرسمك، في لوحة واحدة.
قالها بتملقٍ ليداري خيبة الكلمات، فليس كلُّ الرجال يجيدون فن الكلام، برغم أن كلَّ النساءِ تواقات للكلمات الرقيقة… تمنيت أن أسمع منه الكثير، لكنه كان عجولاً، لا يجيد الإغواء، ولو أنه كان صياد سمكٍ، لعاد بصنارته مرزومةً خاوية، كلَّ ليلة.
بدا مرتبكاً مضطرباً أجوفَ، إلا من شبق يمزقه، ففاجأته:
ـ عليَّ أن أذهب!
خارت قواه، وانهارت أعصابه:
ـ إلى أين؟! لم نفعل شيئاً بعدُ!
ـ ولن نفعل أي شيءٍ، ما دمتَ متردداً.
انقضَّ عليَّ كصقرٍ، ينهار على أرنبٍ بريّ، لكنني لم أتفلت كالأرنب، بل لبدتُ كشاةٍ مردفة لا تصدُّ ولا تردُّ.
****
مضت الأسابيع نلتقي فيها بانتظام، أنا و(مناف)، وقد اشترطت عليه أن يبقى أمرنا سراً، حتى على صديقتي، زميلته (عبير)، فكان ما أردت. أكثر من عام قضيته بين أحضانه مترعة بالحب، كانت الساعاتُ التي أقضيها في فراش (مناف)، تمنحني من الدفءِ، ما يمحو عن قلبي صقيع السنين الماضيات. كنت أعلم انه لا يبادلني ذات الشعور المرهف الذي أضمره له… لقد أحببته من أعماق جرحي، ربما لأنه علِم مكمن الألم، ومنبع الآهات، فراح يداويها بما أوتي من هبات. لقد ملأ من حيث لا يعلمُ، الهوة السحيقة في نفسي، تلك التي أحدثها زواجي الفاشل، الذي دام بضع ساعات.
أحببت (مناف) بفرطٍ دون أن أبوح له بحبي، أو هكذا خيّل لي. كنت أضاجعه بشهوةٍ نهمةٍ، وكان يغدق عليَّ من لهيب جسده الثائر، حد الجنون أحياناً. طالما قرأت في عينيه وهو يلهث فوقي، نظرة الرجال إلى العاهرات! لم لا؟ وأنا آتيه كل أسبوع بانتظامٍ، ليبعثر جسدي لاهياً، ويطفئ فيه نيران فتوته المتأججة، ثم يدلس في جيبي بعض الأوراقِ النقديةِ. تلك التي باتت أمي لا تسألني عن مصدرها، كما كانت تفعل أول الأمر بقلق… أمي التي بدأت تقاسمني واردي بصمتٍ أليمٍ، فالحاجة تدفع بالمرءِ إلى أن يبيع أي شيءٍ، وهو قادر بعد ذلك، على أن يختلقَ المبررات التي تخدر ضميره إلى حين.
قبيل كل لقاء بـ(مناف) كنت أقرر أن أطرح عليه سؤالاً، طالما خنقني بثقله، وما منعني عن طرحه سوى خوفي من غضبه، كنت تواقة لأسأله: (متى سينتهي هذا؟ وكيف هي النهاية؟). تمنيت في كل لقاءاتنا أن يأتيني الجواب: (الآن… وبالزواج.)، وخشيت أن تأتي الصاعقة ذات يوم: (الآن… وبالفراق.). لذلك، من أجل كلمة، كنت أرجئ السؤال إلى ما لا طرح! بيد أن السفينة تعجز عن المضي، في مخر عباب بحرٍ دون هدايةٍ إلى الأبد، فهي إما أن تبلغَ مرسى، أو أن تغرقَ، بعد أن تخور قوى رُبانها، وحين خارت قوى قلبي؛ غرقت سفينتي… وأي غرق!؟
جاءني الجواب دون أن أطرح السؤال على (مناف)، بعد عامٍ من زرع البصماتِ في مسامات جسدي، الذي أمسى مسرحا هرئ الدكة فقير الجمهور، ساذج العروض…
فاجأني مناف وهو يزر أزرار قميصه إثر فيضان شاعري أغرق ألواح سفينتي المحطمة، وقال:
– هذا آخر لقاءٍ لنا… لا يمكنني أن ألتقي بكِ بعد اليوم.
أمام إذهال الكلمات جف الدم في عروقي وجمدت يدي على ثوبي الملقى بجانب السرير ونسيت في دوامة الغرق أنني عارية تماماً، من كل شيء إلا من أشلاءِ قلبٍ، وضميرٍ قام يتثاءب من ثقل نومةٍ غطت عليه زمناً مضى.
– سوف أتزوج بعد أسبوع.
جاءت رصاصة الإجهاز بهذه الكلمات، فما كان مني إلا أن ارتديت ثيابي لأغطي رذيلتي وانسحب ببعض احترام؛ فما دام الآخرون لا يحترموننا، أجدى بنا أن نحترم ذواتنا. ليس أبشع من أن يفقد المرء احترامه لذاته، حينها فقط يفقد كينونته.
لملمت أغراضي، وركنت جانباً المبلغ الكبير الذي تركه لي (مناف)، مع أغراضي؛ ليرفأ به طعنةً عميقةً غرزها في بقاياي.
عادت الأفعى ترقص رقصة الشيطان في دمي، وتسخر من صبري وتدغدغ شهوتي؛ حين ركنت مركبة سوداء حديثة الطراز، معتمة الزجاج، أمامي. في إشارةٍ من صاحبها لأركب… (هل أركب؟) تساءلت في سريرتي؛ فانتفض عصفور صغير في قلبي يصرخ (لا… لا). مسكينٌ هذا العصفور، لا زال يأمل أن يعيش! مسكينٌ هذا القلب، لم يعش إلا ليلةً واحدةً منذ عشرِ سنين، ثم مات… وبات مضخةً للدم، لا منى فيها ولا أمل.
****
– مفاجأة سارّة!
صرخت أختي الصغرى في وجهي، وهي تفتح لي الباب مضمخةً بالفرح.
– هاتها.
أجبتها وأنا على يقين أن ليس في الكون ما يفرحني:
– ادخلي غرفة الضيوف؛ وسترين إنساناً ينتظركِ منذ ساعتين!
كنت في حالٍ من الإحباط، لا يمكنني حتى من النطق بالتحية، فتوجهت إلى غرفة الضيوف لأبصر المفاجأة، كان الرجل مطرقاً على المنضدة يضع خطوطاً أخيرة لوجه فتاةٍ على ورقةٍ بيضاء.
– مرحباً.
بالكاد حييته، فرفع رأسه، وأشرق بسمرته وبسمته الباعثة للحياة:
– سميرة!
– (عادل)!!!
نهران من الدمع سبقا يديّ إليه، رغبت أن أحتضنه لو لا النجاسة التي تغلف جسدي:
– كيف أنتِ أيتها الأميرة؟ أ هذه دموع الشوق؟
بل دموع الخوف من العشر سنينِ القادمات، التي ستختفي خلالها ثانيةً.
– هذه المرة، سنختفي معاً.
كفكفت دمعي بمنديله الذي أعطانيه، وتساءلت:
– لم أفهم!
– اغسلي وجهكِ أولاً ثم تعالي لنتحادث منفردين.
– بل سأغسل قلبي وجسدي وأعود إليك.
كنت أدعك كل مسافةٍ في جلدي لأنقيها من الدنس الذي حملنيه (مناف)، لعلي أتطهر فتقبل الحياة توبتي على يد (عادل)، هذا الرجل الذي بدا كزورقٍ أمينٍ يمد حبالهُ، لينتشلني من أعماق الرذيلة، ويبحر بي إلى براري الفرح. أشرق قلبي قبل وجهي، وزهت ألوان ثيابي وبدت أميرات القرون الوسطى، يحسدنني على ما أرفل فيه من سعادة وحب:
– لماذا غبت؟ لماذا جئت؟
أسئلة كثيرة وددت لو يتوقف الزمن لأطرحها على (عادل)، لئلا تفوتني لحظة تلهيني عن النظر إلى رجولته المتكاملة ظاهراً وباطناً. هو ذا الرجل الذي تحلم به النساء وتسمح له وحده أن يكون السيد، لا لشيءٍ، إلا لأنه حين يتسنم السيادة يخدم رعاياه، كأنه عبدٌ مخلص.
– غبتُ ريثما تنضج الحياة… وجئتُ لأقدمها لكِ على طبقِ العمرِ الجميل.
ابتسمت لكلماته الدافئات كشمسِ نيسان، وأرض نيسان، كتلكَ الصبيحة التي أعقبت زفاف أخي قبل عشر سنين، حين خرجنا أنا و(عادل) بصحبة أبي وأمي وأختي إلى الفلاة، نبحث عن الكمأة. ما كان أروعه وهو يتعلم على يدي كيف ينقّب عنها، وينبش الأرض لاستخراجها. لم يكن يحمل أحاسيس الفتية الذين عرفتهم حينها، من استنكار التعلّم على يد أنثى، بل كان يقول بافتخار:
– ما أجمل التتلمذ على يد امرأة.. إنها تمنح من المعرفة ما لا يمكن نسيانه.
وحين سألته:
– المعرفة فحسب؟
أجاب على الفور:
– وأشياء أحلى بكثير… المرأة تمنح الحياة.
حدّق فيّ ملياً وقال:
– سميرة.
جاء نداؤه كهمسٍ ملائكي، يدعو إلى التوبة:
– يا حياة سميرة.
أجبته باستغفار تائبٍ نصوح.
– أنتِ تشجعينني لأبوح بما في داخلي دون مقدمات.
– بل دونما إباحة… أنا أسمعُ وأرى كل شيء.
– هل تقبلين الزواج بي؟
– ……..
– لماذا وجمت؟ أ أخطأت التعبير؟
هززت رأسي نافيةً، قبل أن أقول بشرودٍ، شهد تصادم كلماتي بدمعاتي:
– إن قولك أشبه بقول ربٍّ لعبدٍ كفر به: هلا تدخل الجنة؟
ابتسم بسكينة وهو يقول:
– والرب يقبل توبة عبده… فلم لا نقبلها نحن؟ خصوصاً وأننا نحن البشر كلنا خطاءون.
– لكن خطأي كبير… إنه طامةٌ فادحةٌ، لا تُمحى ولا تُغتفر.
– وحبي لك أكبر… إنه نهرٌ جارف، لا يُبقي ولا يذر.
ابتسمت لفرحتي بسعة قلبه… هو الذي لا يعلم عن ذنبي شيئاً، لكنه يغفره جملةً وتفصيلاً.
– ما أروعك؟! مِمَ خلقكَ الله؟
– من ذات مادتكِ الرائعة… إن أدران الجسد يزيلها الاغتسال، وأدران النفس يمحوها الاستغفار. والأهم في كل ذلك سلامة القلب فمنه المبتدأ وإليه المنتهى… أريد منكِ جواباً صريحاً بعد يومين، حين أعود لرؤية خالي، فإن وافقتِ خطبتكِ منه… وإلا فأنتِ حرة.
– ما الذي تقوله… أنا موافقة قطعاً.
تنهّد قبل أن يقول:
– لن أعتبر قولكِ هذا نهائياً… سأزوركم بعد غد لأسمع منك الكلمة الأخيرة، لقد علّمتني الهندسة التي حملت شهادتها أن أجري حسابات أولية، ثم نهائية بعد ذلك.
ابتسمت له:
– ثم ماذا؟
غمز بعينه اليسرى:
– سأتزوجك… ونسافر إلى (تركيا) إن وافقت، فقد أمضيت عقداً مع شركة إنشاءات عالمية لمدة عشر سنين، سيمكنني من تكوين أساس لحياتي المستقبلية.
****
كادت الحياة أن تنزلق على العسل، وتتمرغ في الأفراح، وتستلقي على المرح؛ لولا أن رن الهاتف مساء اليوم التالي، لأجد مناف على الطرف الآخر من الفرح يلوّح بعودة الأسى:
– ما هذا الذي بلغني… أحقاً ستتزوجين؟
– ولمَ لا.. ما دمت أنت ستفعل؟
بتمرد أفعى قال لي:
– من حقي أنا أن أتزوج، أما أنتِ فلا.. أنتِ امرأتي الخاصة، وستبقين لي وحدي.
باضطراب طائرٍ جريحٍ رددت عليه:
– وما الذي يجبرني أن أبقى معك؟ خصوصاً بعد أن أعلنت بنفسك قبل أيام انتهاء عرض المسرحية.
– واليوم غيّرت رأيي… أصبحت الفكرة أن أتزوج وتبقين أنتِ خليلتي.
زاد اضطرابي، وأنا أقول:
– ما الذي يجبرني على البقاء معك؟
– شريط الصور الذي سجلته في إحدى ليالينا الحمر، وحده كافٍ ليربطك بي طوال عمرك… وإلا!
أغلقتُ السماعة، وأغلقتُ معها الباب على الفرح، وراحت الأفعى في جوفي تقهقه شماتةً، واظلمّت الدنيا في عيني. هو يومٌ واحدٌ جاء بالفرح بعد عشر سنين من آخر فرحةٍ زارت قلبي، هل هو قدري أن أفرح يوماً كل عشر سنين؟ كم بقي من العمر إذاً؟ يومان… أم ثلاثة؟
****
كنت مدثّرة بأغطية المرض؛ حين جاءت أختي لتخبرني بمقدم (عادل):
– إنه ينتظرك في صالة الضيوف.
– لن أستطيع مقابلته.
رددت من تحت الغطاء مستقبلةً الحائط، قابضة على منديل (عادل) المبتل بالدمع.
ارتعش جسدي بينما يدٌ دافئةٌ تمسح شعري، وصوتٌ أدفأ ينهدر إلى أعماق نفسي المرهقة كشلالٍ مسترسلٍ:
– ما بكِ يا حبيبة العمر.
وكأنني أحلم، أجبت دون حراك:
– إن ما بي لا تصفه الكلمات، فكيف يصف الحطب ألم النار؟
– ألا تحتاجينني إلى جانبكِ؟ لأمنحك الأمان وأهدئ من روعكِ.
كانت يد (عادل) الأخرى تداعب وجنتي الرطبة بالدمع، بينما سبابته تروغ إلى شفتيّ المتقرحتين؛ تلتمس منهما أملاً:
– وافقي على الزواج يا حبيبتي، وستبتدأ الحياة الجميلة.
انهمر الدمع من أعماقي الثكلى، يدفع بكلمات تعرج حزناً:
– أنا لا أنفعك يا (عادل).. ابحث عن غيري.
بحزم قال:
– أنا لا ابحث، فلو كنت كذلك لوجدت العشرات… أنا أحب، وليس من سواك، احتجز له قلبي.
– لا تعذبني أرجوك، اتركني فإنني لا أنفعك.
– (سميرة)… كل الشروخ تلتحم، إلا شروخ الحلم، سنبدأ حياةً جديدة، وننسى الأمس بكل تفاصيله، مهما حمل من أخطاء وكوارث.
– لا يمكن ذلك فالماضي موصول بالحاضر والمستقبل، وأنت رجل تحاول أن تعيش بفرح… فابتعد عني.
– أنتِ فرحي… ولن أتخلى عنك إلا إذا رغبت عني!
– اعتبرها كذلك.
– لا تختلقي المعاذير أرجوك.. لقد تخطيت أهلي وأصدقائي، ورضيت بما تمنحينه مهما قل، وجئتك عاشقاً نزقاً… وها أنت تصدين عني!
– لأنك أنبل من أن أمرغك بأخطائي.
– أنا أقبلك على ما أنت عليه، حتى ولو كنت متورطةً في أمر جسيم، ما رأيك بذلك؟
همس في إذني مداعباً:
– حتى ولو كنت حُبلى من رجلٍ آخر! هل فوق هذا من تنازل؟
ابتسمت بسخرية من نفسي، وقلت:
– كلما تكلمت أكثر، عظُمت في نظري أكثر، وازداد رفضي للزواج بك أكثر… سامحني أيها الحبيب الأوحد… لن أتزوج بك، وعليك أن تحترم رغبتي مادمت تحبني.
بهدوء سحب يده اليسرى عن شعري، وآخر يده اليمنى قليلاً عند شفتي حتى طبعت عليها قبلة مرطبة بالدمع.
****
ما أسخر القدر!؟
يتلاعب بنا كما يشاء، كبيادق على رقعة العمر، ينقلنا من مأساة سوداء إلى فرح أبيض، ثم يكشف عن الفرح فإذا به أسودَ، وعن المأساة فإذا بها بيضاء! لكننا حينها، نكون قد سقطنا خارج الرقعة.
خمسة أيام مرت عليَّ وأنا طريحة الفراش، كان (عادل) في صباح اليوم الخامس، قد استقر في (أنقرة)، بينما حريق هائل التهم شقة (مناف) الذي مات محترقاً؛ فقد أخذ السكر منه مأخذه، ولم يصحُ على الحريق الذي شبَّ ليلتهمه مع كل موجودات الشقة، وبضمنها شريط فيديو يوثق ليلة حمراء جمعته بي… أنا التي بات عليّ أن انتظر عشر سنين أخريات، ريثما يعود عادل… هذا، إن عاد.
——

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *