عصام القدسي : الغريم ..

osam-alkodsi-2هذا القط ، من أين جاء . ؟ ومتى . ؟ وكيف تسلل إلى بيته .؟. كلما تأمله ، راودته خرافة أن روحا عاشقة تسكنه، تنافسه في حبه لزوجته الجميلة الغضة. ذات صباح رآه أول مرة ، ماثلا أمامه ، بجسمه المكتنز ، وفرائه الأبيض كالسحاب، وذيله الغليظ يتلوى ، ليرسم دوائر في الهواء .كان يتطلع إليه بفضول وصلف ، لم ير فيه قطا سويا، فوجهه مثل وجه رجل ، وعيناه فيهما غموض غريب ، تغيران ألوانهما من لون إلى لون آخر بسرعة مذهلة. فهما قوس قزح يبهت أحيانا، ويحتد أخرى ، ليعبر عما يجول في خاطره وما يحس به . ذات ليلة كانا جالسين ، يشاهدان التلفزيون ، والقط يجلس بالقرب منهما ، متظاهرا بالنعاس .سألها عنه فقالت ، وهي تبتسم كطفلة رغم بلوغها الثلاثين: ـ تغار منه..!!
قال بلهجة مازحة ـ نعم. انظري إليه كيف يتطلع إليك بشهوة عارمة. قالت ضاحكة ـ انه حبيبي.
ولم تكد تتم كلامها ، حتى رأى القط يقفز إلى حجرها. وما أن أستقر فيه حتى راح ينظر إليه بتشف .رآها سعيدة به ، فلم يعترض على وجوده . وفسر أحيانا ، تعلقها به ، بسبب حرمانها من الأطفال ، لأسباب يعرفها هو قبلها. وتركه على سجيته يتنقل في البيت مثلما يشاء. اجل تركه وشأنه ، ولكنه لم يغب عن باله لحظة. فكلما أمعن النظر في تصرفاته أزداد يقينه بأن هذا القط ، تسكنه روح رجل مولهة بزوجته ، يغازلها أمام ناظره. فأزداد مع الوقت غيرة منه وحنقا عليه. فهو يراه دائما ملتصقا بها ، يتبعها بجسمه المكتنز، وذيله الذي يرفعه بوجهه كهراوة وهو يهرول وراءها من صالة الضيوف إلى غرفة الجلوس إلى المطبخ.. وإذا رآها منشغلة بأعمال البيت ، جلس على مؤخرته يراقبها بوله غريب،فإن أنكشف عن ثوبها ، من جسدها الأبيض الممزوج بحمرة صافية ، توقدت عيناه والتهبت كمصابيح ملونة ، وتلوى وتثاءب ثم عاد لمراقبتها من جديد ، وباهتمام مريب. لقد أصبح القط بمرور الوقت ، شغله الشاغل ومصدر قلقه ، بعدما أخذ يتمادى،حينما راح يتسلل إلى غرفة نومهما ويرى من زينتها ومفاتنها ما يرى . وكم من مرة رآها تهمس في أذنه بشيء لا يعرفه وإذا سألها، ضحكت وقالت:
ـ هذه أسرار بيني وبينه ، لا نقولها لعذول مثلك.
ذات ليلة دب الخلاف بينهما ، حينما رأى القط يسبقه إلى السرير، ويندس إلى جانبها ، فتحضنه وتغيب بمشاعرها عما حولها .
أذهله ما رأى وصعد الدم إلى رأسه وراح يغلي كالمرجل. ولم يلبث أن انفجر ليلتها ، فصرخ بوجهها ، وتناول منفضة السجاير، أمامه ، ليضرب بها القط الذي أجفل وقفز من جانبها ، ووقف على حافة السرير، يراقب بارتباك ما يجري ، ولما انحدرت الدموع من عينيها وقف ـ القط ـ متوترا نافشا فراءه يتفرس بوجهها . ثم يحول نظره إليه وقد ارتسمت على وجهه نظرة شرسة ، ظن لحظتها أن القط سيتحول بسحر خفي ، إلى نمر ينقض عليه ويهشمه بمخالبه. لكنه لم يلبث أن قفز من حافة السرير بخفة ورشاقة إلى الأرض،وانسل من الفتحة الصغيرة لباب الغرفة إلى الخارج .
اختفى القط. ولم يعد يراه بعد تلك الليلة . أذن هو كان يفهم كل ما يجري حوله .وربما كان على علم بخفايا الأمور. وكاد ينسى ما حصل ، خصوصا ان زوجته لم تتطرق إلى الموضوع إلا مرة أو مرتين بعد الحادث. ثم سكتت عنه. نعم كاد يكون كل شيء طبيعيا بينهما ، لولا الشرخ الذي تركه ذلك القط الماكر بينه وبين زوجته. فهو يراها حزينة ، وان حزنها يزداد كل يوم . وثمة شيء مشترك بينهما قد انكسر منذ رحيله عن البيت . وأحس بالندم على ما فعل . وتمنى أن يعود ، وكم سخر من أوهامه التي قادته إلى فعل ذلك . وكم فكر ان يهيم في الأرض بحثا عنه .ولكنه أخيرا ترك للزمن أن يصلح ما تصدع . مر وقت طويل ، وكادا أن يبدءا من جديد ، ويعود ذلك الانسجام القديم بينهما والشوق المتواصل رغم انهما لم يفترقا قط . حتى عاد يوما من عمله ، ليجده ماثلا أمامه بفرائه الأبيض وعينيه الملونتين بألوان قوس قزح . رآه يتشبث بطرف ثوبها، وهي تفتح له الباب بابتسامة طالما افتقدها فيها . فهتف وهو يمد يده للقط مصافحا ، وليداري قلقا فاجأه ـ أهـــــلا.

شاهد أيضاً

مورفين قصة قصيرة
بقلم د ميسون حنا/الأردن

سأل الشيخ: ما هو الجمال؟ نظروا إليه بدهشة واستنكار لأنهم مجتمعون للنقاش حول شجار أدى …

“زخّات… زخّات…” وقصص أخرى قصيرة جدّا
بقلم: حسن سالمي

أبو الكبائر وحدي في ساحة البناء… من حولي شعب يتدرّب على قتل الوقت… “هلمّوا نبني …

زهير بهنام بردى: الكتابة توشوش الضوء

قيد لحظة ٠٠٠٠٠٠٠ أمس كان بإمكاني أن أجيءَ على قيدِ لحظةٍ لكنّني جئتُ بوعدٍ ليس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *