هديّة حسين : مدرسة نجيب باشا النموذجية، ما الذي تبقى منها؟

hadiya hussein 8ثمة أمنية كانت تراودني على مدى سنوات طوال، تلك هي زيارة مدرستي الابتدائية في الأعظمية، ربما كنت ثمة أمنية كانت تراودني على مدى سنوات طوال، تلك هي زيارة مدرستي الابتدائية في الأعظمية، ربما كنت أفتقد الطفلة التي كنتها، محاوِلة الإمساك بذلك الزمن الجميل الذي تسلل من بين الأصابع، وكلما عزمت على ذلك انهمرت الصور في ذهني واستيقظت أحلام طفولتي، مرممة ما انكسر وموصلة ما انقطع.
لا أدري لأيما سبب كنت أؤجل تلك الزيارة، ربما هي انشغالات الحياة، أو الخوف من لقاء طفلة بامرأة أخذت منها الحياة أكثر مما أعطتها، حتى جاء قرار خروجي من العراق في عام 1999، يومها خشيت على تلك الأمنية من سياط الحنين.
وهكذا وجدت نفسي أسير في الدروب الموصلة الى مدرسة “نجيب باشا النموذجية” مخترقة شارع المغرب ومستحضرة وجوه رفاق الطفولة، مي فخري السوز، أصبحت فيما بعد رسامة وعملت في دار ثقافة الأطفال قبل أن تهاجر الى أمريكا، وحسيب ابراهيم المفتي، الذي أصبح دكتوراً وهاجر الى أمريكا في زمن النظام السابق (كانا من أقرب رفاق طفولتي وقد كتبت عنهما قصتين بعنوان، مي.. وحسيب) وسندس حسيب الربيعي، ابنة أخ محمد نجيب الربيعي، التي أصرت مع شقيقتها سهى أن توصلاني يومياً بسيارتهما الخاصة من وإلى البيت، وهذا ترف ما كنت أحلم به أنا القادمة من حي شعبي، وكثيراً ما كانتا تصران عليّ للذهاب الى بيتهم في شارع الزهاوي لأقضي معهم عدة ساعات، وكثيرة هي الوجوه التي قفزت الى ذاكرتي وأنا أمشي في الطريق الى المدرسة، وسن، مأمون، مناهل، مديحة، رفاه، وضاح وشقيقته لباب، نادية، عواطف.. وغيرهم.
بل ذهبت مخيلتي الى أكثر من هذا، فقد استيقظ ذلك الزمن بكل ما كان عليه.. مدرسة فارهة بساحات ثلاث، لها مدخل يشبه مدخل بوابة كبيرة، تنتصب أربع شجرات نبق شامخة عند السياج الداخلي من جهة اليسار، كنا ندخل في معركة غير متكافئة مع فرّاشات المدرسة لنجمع النبق الطري الساقط (ثلاث فراشات كن يعملن في المدرسة) وأمام تلك الشجرات تمتد ساحة للاصطفاف الصباحي قبل الدخول الى الصفوف الموزعة أمامنا على طابقين، وإذا ما دلفنا من ممر عريض في أحد الجوانب سنصل الى أربع صفوف منعزلة هي صفوف الأول والثاني، تنفتح هذه الصفوف على ساحة مزروعة بالثيل ومزدانة بورود الجوري وأشجار الرمان، يتوسطها بناء خشبي لمربعات متداخلة كنا نتسابق لاعتلائها، وفي نهايتها دورة مياه نظيفة، وخلف الصفوف تقع الساحة الواسعة، وفي أحد جوانبها ثمة مرسم ومطعم ودورة مياه ثانية بعدد من الحنفيات.
كانت قدماي تسابقان أحلامي، تسبقها مرة وتنصهر معها مرات، أنا المرأة القادمة من واحة تلك الطفولة التي كانت.. حتى وقفت أمام بوابة المدرسة، وأول ما صدمني تلك اللوحة البائسة المعلقة على واجهتها، حيث تغير الاسم من “نجيب باشا النموذجية” الى “خولة بنت الأزور” فما الذي جاء بالأخت خولة من عهد الخلفاء في القرن الهجري الأول الى أواخر القرن العشرين؟ هكذا تموت التسميات.. رجل من رجالات العراق في ثلاثينيات القرن الماضي، أنشأ المدرسة وأراد لها أن تكون نموذجية بكل معنى الكلمة، يندثر اسمه ويُعطى جهده لخولة بنت الأزور التي لا تدري شيئاً عما حل بهذا البلد ولا دراية لها بالمدارس الحديثة، علماً أن بعض المؤرخين يؤكدون بأن شخصية خولة بنت الأزور وهمية.
وانتبهت الى يسار المبنى حينما اجتزت البوابة فلم ألحظ تلك الشجرات الشامخات، فقد اقتطعت ولم يبق منها الا أثر دائري على الأرض كان يوماً ما شجرات، يشبه تلك الأخشاب الدائرية في دكاكين القصابين.
كانت أصوات التلاميذ تأتي صاخبة ومتداخلة حينما كنت أهم بالدخول الى الإدارة، وعلى مدى نصف ساعة دار الحديث بيني وبين المديرة حولة المدرسة وأيامي فيها، والزيارات التي يقوم بها بعض ممن كانوا تلاميذ هنا ذات يوم وأصبحوا في مراكز مهمة، وقد استقبلتني المديرة بحرارة بعدما علمت بأنني كاتبة وكنت في هذه المدرسة من تلاميذها المتميزين.. سألتها عن سبب قطع الأشجار، إذ ماتزال مقولة “إقطع ولا تزرع” تسكن في ذاكرتي، فجاء الجواب مضحكاً من قبل المديرة (تساقط الأوراق في الخريف هو السبب، إنها تتكدس وليس لدينا من يقوم بالتنظيف، حتى الصفوف نستعين بالتلاميذ لتنظيفها، فرّاشة واحدة لا تكفي)
ثم دار الحديث عن معلماتي حين استذكرت وجوههن وأسماءهن، فأشارت المديرة الى صور داخل لوحة معلقة على الجدار لعدد من المعلمات، فتعرفت على اثنتين منهن، كان واضحاً أن الزمن شاخ هو الآخر في الصور.. بعد ذلك استأذنت من المديرة للتجول في المدرسة وزيارة الصفوف التي كنت فيها، وهكذا راحت قدماي تمران في الساحات الثلاث والزوايا والصفوف التي خرج تلاميذها بعد أن دق جرس الفرصة، فهالني ما رأيت.
لا وجود للساحة المزروعة بالثيل ولا رائحة تشي بورود الجوري، وليس هناك مدرجات خشبية، بل ساحة ذات أرضية اسمنتية صمّاء، أما الساحة الكبيرة فقد انغمر جزء كبير منها بماء المطر الذي أصبح آسناً مخضرّاً وذا رائحة كريهة.
ورميت بصري الى المرسم، وصلْته بعد المرور الحذِر بجانب السياج خشية السقوط في البركة، لا وجود لذلك المرسم وألوان لوحاته، بل غرفة مقفلة ومهملة، ذات شبابيك صدئة ومعظمها بلا زجاج، وقد امتلأت بالكراكيب الخشبية والحديدية، ولا وجود للمطعم المجاور، أما دورة المياه فلم تعد نظيفة، مجرد حنفيتين صدئتين وبقية الحنفيات لا تعمل، وكل ما رأيت كان يدل على الخراب الذي حل بالمدرسة.
كان صخب التلاميذ عالياً، لم ألتفت صوبهم أول الأمر، لكن حين دق الجرس ثانية وتراكضوا الى الصفوف رحتُ أنظر إليهم، الى ملابسهم وأحذيتهم، صحيح أن بعض تلاميذ أيام زمان كانوا فقراء وأنا واحدة منهم، إلا أننا لم نكن بهذه الحالة المزرية التي أراها أمام عيني، لقد كانت العشر دقائق الأولى في الصباح مخصصة للنظافة، تعاين المعلمة مظهرنا وتعطي ملاحظاتها، وأتذكر كان لكل تلميذ كيس قماش مطرز عليه اسمه وفي داخله فرشة ومعجون أسنان، الأكياس معلقة على حامل معدني في نهاية الصف، يأخذ كل تلميذ كيسه ويخرج لتنظيف أسنانه قبل بداية الدرس الأول.
عدت للمديرة، شكرتها على إتاحة هذه الفرصة، وأخبرتها بمدى الحزن الذي شعرت به، ورحت أحكي لها عن المدرسة أيام زمان وكيف كانت نظيفة ومزروعة، ومجرد اسمها كان كافياً للتفوق، بكادرها المكتمل وأنشطتها الفنية والثقافية، بما فيها دروس الموسيقى ومسابقات الرسم.
خرجت مثقلة بالغم، مررت بالطرقات ذاتها التي كانت لي، ولكن بخراب روحي، كأنني أودع عزيزاً وأواريه التراب.. ورحت أتساءل: إذا كانت المدارس النموذجية بهذا البؤس، فكيف هو حال المدارس الأخرى؟ سؤال باتت الإجابة عليه معروفة.. وللتذكير مرة أخرى فإن الزيارة تلك كانت في العام 1999 قبل مغادرتي العراق.. وقد راودني الحنين في زيارتي الأولى لبغداد في العام 2015 بعد طول غياب، ثم في الزيارة الثانية في العام 2016 أن أقف على أحوال المدرسة بعد طوفان السقوط، لكنني لم أفعل، حفاظاً على ما تبقى من أحلام طفولية ماتزال تسكن رأسي من زمن لم يعد له وجود.
وإذا ما ساطني الحنين مرة أخرى لرؤية مدرستي الابتدائية فكل ما أتمناه أن تترجل خولة بنت الأزور عن واجهة المدرسة، إذا كانت ماتزال هناك، لنرد الاعتبار الى رجل سعى لأن يبني مدرسة ذات مواصفات نموذجية خاصة في زمن كان يحترم العلم والمعلم، وينجب أهم الشخصيات في السياسة وعلم الاجتماع والاقتصاد والأدب والفن والرياضة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

10 تعليقات

  1. من مي فخري السوز الى زياني هدية حسين زميلة الطفولة في مدرسة نجيب باشا النموذجية
    ج .. أودّ ان أنبهك الى خطا كبير في معلوماتك عن ايام الطفولة . اختي وسن فخري السوز لم تكن لها اي علاقة بالفن بتاتا وهي مع احترامي لك لا تعرف اسمك وقد تعجبت من قراءة المقال ووجود اسمها بصفة رسامة!!!! انا من درست الرسم وامتهنته .. اما ان كانت بيننا زمالة قصيرة في الصف الثاني الابتدائي لا اعتقد انها كافية لتتعرفي في اختي التي كانت تكبرنا بأربعة مراحل . مع احترامي لكتاباتك والتي منها إرسال رساله غريبة عير لائقة لي بعنوان من هدية حسين الى مي السوز صديقة الطفولة فوجئت وانا اقرأها بالصدفة لان لم نكن بيننا اكثر من زميلتين في مرحلة الصف الرابع الثاني او الرابع الابتدائي اذ لا اتذكر بالضبط .. اما قصتك عني وعن زميلنا حسيب الذي بحثت انت طويلا عنه وسالتني عنه وأخبرتك انه اصبح طبيبا لامعا في امريكا عند التقائه بك لأول مرة بهد ٣٠ عاما فلا زلت لم افهم لالسبب لذلك ولم اعرف ما هي القصة واتمنى ان لا تكون مثل رسالتك لي في صحيفة الرأي الاردنية ( من هدية حسين الى مي السوز القصة الغريبة التي حاولت ان تضعي شخصيتك تحت اسمي وعالمي الاجتماعي الحقيقي ا . فوجئت في التسعينات بقدومك لدائرتي زتبحثين عني بعد مرور اكثر من ٣٠ عاما ً لتخبر يني بأني كنت السبب في كفاحك كي تحسني وضعك ووضع اهلك الاجتماعي والمالي البسيط وان دعوتي لك بعمر ٨ سنوات لتحضري حفل ميلادي كان صدمة لك لمعرفة الفارق الاجتماعي بيننا رغم اني كنت اعتبرك صديقة بغض النظر عن الفوارق الطبقية انت أخبرتني ونحن في الأربعينات من عمرنا في ذلك اللقاء ان دعوتي الصادقة لك حفزتك للعمل والكفاح كي تحسني وضعك وفرحت لذلك جداً لك رغما مني لم أعرفك عند زيارتك اي في موقع عملي ببساطة لان صداقتنا كانت مجرد زمالة لا اكثر .. اتمنى لك النجاح اكثر وأكثر يا هدية حسين وأرجو ان تصحيح الخطا في وصف اختي بأنها ا درست اً وامتهنت الرسم لانها ايضا تضايقت من حشر اسمها غي مقالتك وهي لا تعرفك مع احترامي لك . وأرجو ان لا تغيري التاريخ كما فعلت في رسالتك لي المنشورة في صحيفة الرأي. اما لتصحيح معلوماتك فاني انا من امتهنت الرسم والترجمة وليست اختي . اما عن زميلنا حسيب الذي كانت عائلتي ترتبط مع عائلتك برابطة الصداقة بحكم وظيفة وآلده ووالدي في مجال القضاء فقد اصبح طبيبا لامعا في امريكا ومن التأكيد سوف يستغرب لوجود قصة باسمه من انسانة لا يتذكرها بالتأكيد .. مع التحيات. من الولايات المتحدة .. مي فخري السوز

  2. تصحيح… من مي السوز الى زميلتي هدية حسين

  3. تصحيح
    من هدية حسين الى مي ااسوز / جريدة الرأي الاردنية

  4. تصحيح في تعليقي السابق عن موضوع هدية حسين ومدرسة نجيب باشا النموذجية
    من هدية حسين الى مي السوز / صحيفة الدستور الاردنية وليس جريدة الرأي الاردنية

  5. حسيب الذي ترتبط عائلتي مع عائلته ( تصحيح )
    عند التقائه بك لأول مرة بعد اكثر من ٣٠ عاما ( تصحي)
    ملاحظة الى مدير الموقع :
    ( لا يجوز نشر اسماء حقيقية ومواقع عمل بدون موافقة أصحابها لطفا )
    مي السوز

  6. عفوا سيدة مي فخري
    في الموقع ملاحظة تُنشر مع كل مقالة تقول :
    (ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع).
    والكاتب هو الذي يتحمل ما يُنشر في مقالته

  7. العراق اليوم تسوده الثقافه الألمانيه, بغداد عباره عن مدينه ألمانيه يا سيدتي الكريمه

  8. اسالوني عن مدرسة نجيب باشا النموذجية في الاعظمية فأنا من تلاميذها للفترة من سنة 19 57 ولغاية سنة 1963 هي سنة التخرج أوثق لكم تاريخها وشخصياتها ومدساتها وتلاميذها
    مع الود والاحترام
    الدكتور الحلو

  9. شكرا أخي الأستاذ عباس
    وأتمنى عليك كتابة مقالة عن هذا الموضوع لحفظ ذاكرة بغداد المحروسة

  10. إلى من دون ما يجب أن يدون عن ذكريات مدرسة نجيب باشا النموذجية في شارع طه في الاعظمية. أنا دكتور عباس الجبوري كنت أحد تلاميذ المدرسة ومن بين المدرسات هناك المديرة لمعان جميل الصوفي والمعاونة ست سعاد ام براء ومن المدرسات ست خولة مدرسة التاريخ وست وداد مدرسة الرياضة وست سعاد مدرسة اللغة العربية وأستاذ ياسين الراوي مدرس الموسيقى.. ومن زملاء الدراسة يومها بنات الخضيري وبنات شاكر الوادي فوفو واختها وأولاد ناظم الطبقجلي ومدحت الحاج سري وسنان ابن رئيس مجلس السيادة يومها نجيب الربيعي وندى العمري وليلى ولؤي المدلل وعمر وعدي أولاد سليم الراوي واتذكر أيضا الفراش ابو عبد الله وكذلك من التلاميذ ابتهال وافتخار الألوسي وأولاد ممثل العراق الدائم في الأمم المتحدة سليم النعيمي كل من مأمون وشقيقه. خلدون النعيمي.. وأولاد العطار حازم العطار وشقيقه. ولحد الان احتفظ بملابس الزي الموحد يومها الجاكيت اخضر وعلى الجيب الصدر من الجهة العليا يوجد شعار المدرسة.. وفي أحد مهرجانات المدرسة قدم لي الوزير احمد عبد الستار الجواري هدية كأفضل طالب يومها. أيضا هناك من التلاميذ أتذكر جنان كامل ابو طبيخ وشقيقتها…. وبنات الخضيري ليلى ولمى … وهناك ست سلمى و ست كريمة…. وعندما توفى ناظم الغزالي عام ١٩٦٣ كنت لم ازل طالب في مدرسة نجيب باشا النموذجية… أمتلك أكثر من معلومة عن هذآ المهد ا
    Email:football20142000@outlook.sa

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.