د. رسول بلاوي : توظيف الموتيف في شعر يحيى السماوي (1) (ملف/25)

rasol-balawi-3إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.
المقالة :
رسالة مقدّمة لنيل درجة الدكتوراه من كلية الآداب/جامعة الفردوسي
المقدّمة وحياة الشاعر:
المقدمة:
منذ ستينيات القرن العشرين و العراق يشهد حالات متتالية، فردية و جماعية، من هجرات مبدعيه في مختلف الميادين، و الشعراء منهم علی وجه الخصوص، و تباينت مبررات تلک الحالات في نزوحها عن الوطن، منها الوضع الأمني غير المستقر والوضع الاقتصادي المتردي والبطالة وعدم توفر فرص العمل وإهمال الحکومة، وبرزت من کل جيل من أجيال الإبداع الشعري الحديث في العراق أسماء کثيرة، کانت المنافي أمداء سعيها و أفضية انطلاقها، الجواهري و البياتي، ثم بلند الحيدري وسعدي يوسف، ثم آخرون و آخرون و آخرون.
يُعتبر الهاجس الأمني في مقدمة الأسباب التي أجبرت الكثير من الشعراء العراقيين على الهجرة الى خارج البلاد، فعادة ما يسافر المرء للحصول او لتحقيق أمرٍ ما كالحصول على عمالة أو إكمال دراسة أو تحقيق هدف مرجو، لكن هجرة هولاء الشعراء بدون هدف ولا سابق موعد، إنّها هجرة للحصول على الأمان المفقود والحفاظ على النفس والکرامة وهرباً من الأوضاع الأمنية المتردية والتهديدات التي تلاحقهم، كل ذلك كان دافعاً للكثيرين أن يتوجهوا الى أماكن أكثر أماناً واستقراراً.
و لقد شهدت ثمانينيات و تسعينيات القرن الماضي في العراق أعلی نسب التهجير و الهجرة في السنوات المغتصبة بفصول حربَيْ الخليج الأولی و الثانية، حين سيطرت شراهة العدوان علی نظام البعث و جلّاديه الذين استلبوا حق الوجود من کل مسالمٍ رفع صوته بـ “لا” للطغاة و للطغيان، و کان الشاعر يحيی السماوي واحداً من تلک الأصوات المناهضة للبعثيين، فقد استُهدفَ بالملاحقة و الحصار و السجن و التعذيب، قبل أن ينجح في الفرار من العراق عقب فشل الإنتفاضة الشعبية عام 1991؛ فرّ السماوي من العراق ليستقر في السعودية محررا في إذاعة صوت الشعب العراقي المعارضة لنظام صدام حسين والتي كانت تبثّ من مدينة جدة مواصلا نضاله الإعلامي فيها حتى عام 1997م، حيث انتقل ليقيم في “أديلايد” بأستراليا حتی وقتنا هذا، و قد صدرت للسماوي الکثير من المؤلفات الشعرية و النثرية في المنفی، و مازال حتی کتابة هذه المقدمة يواصل عطاءه الأدبي مجابهاً کل أشكال الظلم والتعسّف والإحتلال للعراق، بل و للکيان العربي و الإسلامي بمختلف أقطاره ، متفرداً في طبيعة إبداعه في المنفی تفرداً رشّحه لأن يکون محور هذه الدراسة.yahia-13-2
السماوي شاعرٌ مبدعٌ و متميّز، و لازال عطاؤه الأدبي مستمراً لم يکتمل بعد. ففي کلّ فترة يطلّ علينا بمجموعة جديدة ؛ و مع أي مجموعة من هذا الفيض الإبداعي نجد الشاعر متجدّدا فيها مع المحافظة علی سماته الأسلوبية المرکزية، مبدعاً في اكتشاف وخلق المجازات والتقنيات والصور الجديدة. تعرّفتُ علی هذا الشاعر المبدع في الشبکة العالمية للمعلومات، فأخذت أبحث عنه للمزيد من التعرّف علیه و علی شعره و الدراسات النقدية التي تناولت منجزه الشعري، حتی تمکّنت من الإتصال به عبر البريد الکتروني، فقد غمرني بفضله و کرمه و إحسانه؛ و تفضّل عليّ بإرسال الدراسات النقدية التي تناولت تجربته الشعرية کما أتحفني بنسخ ورقية من دواوينه الشعرية، فقد استهوتني تجربته الثرّة و تفاعلتُ معها کثيراً حيث وجدت فيها مادة ثرّة للبحث و التحقيق؛ إنه يتناولُ الكثيرَ من الموضوعات والأغراض الشعرية بجمالية و رقّة عاليتي التأثير ومن خلال خيال واسع خصب مبني على اطلاع واسع في الشعر والأدب ونظر ثاقب وبصيرة نافذة، ومن خلال لغة غزيرة القاموس جليلة الإستخدام ثاقبة التعبير جميلة جزلة فخمة الإيقاع رقيقة الإيحاء واللفظ ، وأوزان تتناسب مع المضامين.
يعد يحيی السماوي من أبرز شعراء الحداثة في المرحلة الراهنة، فكان ولا يزال يضطلع بدور ريادي في نشر الوعي وفضح ممارسات السياسة الإنهزامية للسلطة وللغزاة المحتلين. ومما لا شك فيه أن شاعرنا شاعر موهوب، مجدد و منفتح علی لغة الحداثة. ومن يتصفّح دواوينه الشعرية سوف يستشف من شعره أصالة ثقافته، ثم إبداعه في توظيف ظاهرة الموتيف وإلحاحه علی تکرار بعض الجوانب الهامة والمثيرة في حياته.
يعد الموتيف في الشعر من الظواهر التي تستخدم لفهم النص الأدبي؛ ولا يقوم فقط على مجرد التكرار في السياق الشعري، وإنما ما يتركه هذا التکرار من أثر انفعالي في نفس المتلقي، فإنه يعكس جانباً من الموقف النفسي والانفعالي. وقد حاول الشاعر يحيی السماوي أن يجعل من الموتيف أداة جمالية تخدم الموضوع الشعري، وتؤدي وظيفة جمالية تساعد على اثراء‌ الدلالات، و تكشف عن الإلحاح أو التأكيد الذي يسعى إليه.
ظاهرة الموتيف عند السماوي صورة لافتة للنظر، تشكلت في دواوينه ضمن محاور متنوعة وقعت في الكلمة والعبارة و الصورة و المضامين. و من أبرز المضامين / الموتيفات التي تطرّق لها الشاعر في شعره: الحنين الى الوطن، و معاناة الغربة، و مقارعة الإحتلال، و الفساد السياسي، و الدفاع عن الوطن والأمة بعاطفة صادقة وحس انساني عراقي يحمل هموم الوطن والشعب والأرض والتاريخ على كاهله ديناً يوفيه بشعره. و بالتالي فإنّ هذه المضامين ستکون محور دراستنا في هذه الرسالة، نتناول کلاً منها علی حدّه، کما لا تفوتنا دراسة موتيف المفردات و التقنيات التي تلتقي بهذه المضامين من حيث الدلالة و المفهوم.
بدأتُ خطوتي الأولی بجمع المصادر و المراجع التي لها صلة بالبحث. ثم تلتها الخطوة الثانية، و هي القراءة الواعية لهذه المصادر و المراجع، حيث عکفت خلال هذه القراءة علی اقتباس و تدوين کلّ ما له علاقة مباشرة بموضوعي. و کانت الخطوة الثالثة، قراءة دواوين الشاعر واحدا تلو الآخر، مفتّشاً فيها عن الموتيفات التي وردت في معظم قصائد الشاعر.
وزّعـتُ هذه الرسالة علی أربعة ابواب؛ الباب الأول: و قد اتخذتُه کمدخل لهذه الدراسة و هو يضمّ بين دفتيه فصلين؛ الفصل الأول حول حياة الشاعر، فقد استوقفتني ترجمة حياته لأن فيها فائدة جليلة للکشف عن الموتيفات ثمّ تحليلها، إذ لها صلة بنفسية الشاعر و ظروف حياته. أما في الفصل الثاني فقد تطرّقتُ الی مفهوم مصطلح الموتيف و دلالاته النقدية.
الباب الثاني و قد تمّ الترکيز فيه علی المفردات التي تُعبر موتيفاً عند السماوي. فهذا الباب ينقسمُ الی فصلين؛ الفصل الأول حول المعجم اللغوي الخاص بالشاعر و الفصل الثاني يدور حول الرموز الواردة في نصوصه ومداليلها.
و أما الباب الثالث فقد تناولتُ فيه أبرز تقنيات التعبير في شعر السماوي. و يحتوي علی أربعة فصول؛ الفصل الأول: استدعاء الشخصيات التراثية، و الفصل الثاني: الأساطير، و الفصل الثالث: المدن، و الفصل الرابع الألوان.
و رکّزتُ في الباب الرابع علی المضامين والأغراض الرئيسية في شعر يحيی السماوي، و التي شکّلت المادة الأساسية لنصوصه الشعرية. فقد أجريتُ تصنيفاً لشعره، و قسّمته الی ثلاثة فصول، و هي: الفصل الأول: الوطن و المرأة؛ الفصل الثاني: الاغتراب؛ و الفصل الثالث: المقاومة و الشهادة. أمّا الأغراض الأخری فکلُّ ما هو موجود منها عند الشاعر يندرج تحت أحد المضامين الثلاثة التي ذکرناها، فالمضمون الأساسي قد يحوي في طيّاته أغراضا ً و مفاهيم أخری؛ فعلی سبيل المثال إرتأيتُ أن أتطرّق الی مواضيع الموت و الحزن و الحنين تحت مضمون الإغتراب، فالغربة و إحساس الشاعر بها هي التي ولّدت هذه المواضيع للشاعر حسب رأينا المتواضع.
أما المنهج الأسلوبي الذي اتخذته طريقاً لهذه الدراسة، فلا يقف عند عملية رصد الموتيفات وإحصائها في النص، وإنما يتجاوز ذلك إلى عملية النقد والتحليل والتوضيح للمعاني التي ينطوي عليها العمل الإبداعي، والعلاقات اللغوية التي تكشف عن خصوصية الرؤية من ناحية، وعن القدرة الفنية التي يتمتع بها المبدع من ناحية أخرى.
وإذا كان تحليل هذه الموتيفات يقتضي منا أن نتعامل مع جميع نصوص الشاعر كبنية واحدة من حيث اختيار المفردات أو بناء التراكيب و الصور أو استخدام التقنيات أو الأغراض و المعاني، فإننا آثرنا أن نتعامل مع هذه النصوص كبنية واحدة لنتتبع فيها حركة الدلالة ونموها، وتشعباتها، وما بين أجزائها من علاقات تحّدد أبعاد بنيته الشعرية، ثم نعمل على كشف نقاط التلاقي والتقاطع بين النصوص في تحليلنا، بما يساهم في التقاط الملامح الأسلوبية البارزة في شعر السماوي. و في هذا التحليل اعتمدتُ علی الدراسات النقدية التي تمکّنتُ من الإطلاع عليها، کما اعتمدتُ علی خبرتي المتواضعة في شعر الشاعر و استفساري منه في بعض الأمور، ثمّ جاءت مراجعة الأستاذة المشرفة بنظرتها العميقة و رؤيتها النقدية الواعية مما أثرت هذه الدراسة و ساهمت في إنجاز هذل العمل.
و لعلّ من جملة الصعوبات التي واجهتُها في هذا المشوار، قلة المصادر و المراجع التي تناولت موضوع الموتيف في الأدب العربي؛ فأنا أجهدتُ نفسي في استيفاء هذا البحث حقّه، و بذلتُ جهوداً مضنية في الکشف عن تعريف الموتيف و تحديد دلالاته النقدية، مما يجوز لي ان ادّعي الريادة في هذا المجال.kh-yahia-13
خلفية البحث:
إنّ أوّل دراسات معمّقة و خصبة حول الموتيف في الأعمال الأدبية ظهرت في الأوساط الثقافية الغربية. و أوّل دراسة في هذا الصدد، هي الدراسة التي أعدّها “استيت تامسون” أواخر الستينات من القرن العشرين تحت عنوان “معجم موضوعات الأدب العالمي” . و الدراسة الثانية في هذا المجال هي دراسة ” اليزابت فرنزيل” الآلمانية، التي أثرت المكتبة العالمية بكتابين هما: «مضامين الأدب العالمي» و «موتيف الأدب العالمي»، و قد إهتدي بهما الكثير من الباحثين.
و اليوم لقد حظی البحث عن الموتيف باهتمامٍ واسعٍ في النقد الأدبي الاروبي و الامريكي بإعتباره عنصرا فعّالا في النقد و تحليل النصوص الأدبية.. و قُدّمت دراسات و كتب و مقالات و معاجم و موسوعات عديدة حول الموتيف و المضامين.
لکننا في الأدبين العربي و الفارسي لم نعثر علي دراسات حول الموتيف قبل عقدين من الزمن، فقد دخل هذا المصطلح مؤخراً و من خلال النقد الأدبي الغربي.. و علي الرغم من ذلك لم يحظ بدراسات معمّقة في هذين الأدبين بل أشار له بعض النقاد و الباحثين في طيّات دراساتهم النقدية معرضين عن أصوله و جذوره.. و لعلّ دراسة الدکتور محمد تقوي عن الموتيف الموسومة بـ “موتيف چیست و چگونه شکل می گيرد” والتي تمّ نشرها بـمجلة “نقد ادبی” في جامعة “تربيت مدرس” هي الفريدة من نوعها في هذا المجال.
أما الدراسات التي نالت قصب السبق في تجربة السماوي فلم يتطرّق فيها أصحابها الی موضوع الموتيف البتة. و مع ذلک لا أجحد أهمية هذه الدراسات التي سبقت بحثي، و التي أستفدتُ منها کثيراً، نخصّ منها بالذکر کتابي الدکتور حسين سرمک حسن، الموسومين بـ”إشكالية الحداثة في الشعر السياسي / يحيی السماوي أنموذجاً” و”سماويات / بين الحقيقة الشعرية و الحقيقة الموضوعية”، و کتاب الدکتور محمد جاهين بدوي الموسوم بـ”العشق و الإغتراب في شعر يحيی السماوي”، و کتاب الدکتورة فاطمة القرني الموسوم بـ”الشعر العراقی في المنفی / السماوی نموذجاً”، و کتابي عصام شرتح الموسومين بـ” آفاق الشعریة / دراسة فی شعر یحیی السماوي” و” موحيات الخطاب الشعري / دراسة في شعر يحيى السماوي” و کتاب ماجد الغرباوي الموسوم بـ”تجليات الحنين” و هو في مجلدين يضمّ بين دفتيه المقالات التي کُتِبت عن الشاعر بمناسبة تکريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي في استراليا.
و الدراسات التي تناولت تجربة السماوي الشعرية في ايران، فقليلة جدا منها: رسالة جامعية لنيل درجة الماجستير في جامعة إعداد المعلمين بمحافظة آذربايجان وعنوانها «مفاهيم المقاومة في شعر يحيی السماوي» باللغة الفارسية للطالبة “ليلا جباري کيلانده” و بإشراف ” الدکتور عبدالأحد غيبي”. و رسالة أخری علی مستوی الماجستير في جامعة رازي بمحافظة کرمانشاه و عنوانها «الأسلوبية في شعر يحيی السماوي» للطالب “بهنام باقري” و بإشراف ” الدکتور يحيی معروف”. و کلتا الرسالتين تمّت موافقة القسم العربي عليهما بعد الموافقة علی رسالتي هذه و لو انهما سبقاني في المناقشة ببضعة شهور، فذلک يعود الی الفترة المحدّدة للبحث و التي تختلف تماماً بين مرحلة الماجستير و مرحلة الدکتوراه.
و دراستنا هذه الموسومة بـ «توظيف الموتيف في شعر يحيی السماوي» بإشراف الدکتورة مرضية آباد تُعتبر الرسالة الوحيدة التي جاءت علی مستوی الدکتوراه عن تجربة الشاعر.
هذا الإقبال الواسع علی المنجز الشعري للسماوي داخل ايران و خارجه يدلّ علی خصوبة شاعريته و ثرائها و قيمتها الفنية و لا شک اننا سوف نشاهد الکثير من البحوث و الدراسات حول هذه التجربة الثرة التي لا زال عطاؤها متدفقاً.. فنسأل الله تعالی أن لا يحرمنا من عطاء هذا الشاعر الکبير و أن يمنّ عليه بالصحة و السلامة.kh yahia 9
الباب الأول: المدخل

الفصل الأول:

حياة الشاعر
(يحيی السماوي)

هو يحيی عباس عبود السماوي ، وُلدِ بمدينة السماوة بالعراق في السادس عشر من مارس 1949 م، يُعتبر من روّاد الشعر العربي الحديث، امتلک ناصية الشعر في وقتٍ مبکر. تخّرج في کلية الآداب جامعة المستنصرية عام 1974 م ، ثمّ عمل بالتدريس و الصحافة و الإعلام ، استهدف بالملاحقة و الحصار من قبل البعثيين في النظام الصدامي حتی فرّ إلی السعودية سنة 1991م ، و استقرّ بها في جدة حتی سنة 1997م يعمل بالتدريس و الصحافة، ثم انتقل مهاجراً إلی استراليا ؛ و بها يقيم حتی کتابة هذه السطور (بدوي ، 2010 م : 11).
و الشاعر يعرّف نفسه بلغة شعرية قائلاً: « إسمي الثلاثي : يحيی عباس عبود…انتقلت من رحم أمي الی صدرها بتاريخ 16/3/1949 م في بيت طيني من بيوت مدينة السماوة…أحمل شهادة البکالوريوس في اللغة العربية و آدابها ، وظيفتی الحالية ، فلاح في بستان الأماني ، أو صيّاد غير ماهر ، أنصب شباكي وفخاخي في حقول الحلم ، أملاً في اصطياد هُدهُد فرحٍ علی غصن اليقظة في زمنٍ ذَبَحَ الحزن فيه عصافير الأحلام» ( نفس المصدر : 11 و 12).
يقول السماوي عن حياته : « بعد طول تنقل في بيوت الإيجار، استطاع والدي بعد جهد جهيد شراء بيت مساحته خمسون متراً مربعاً، يحتوي غرفة صغيرة واحدة، انتقلنا اليه، فيه مصباح كهربائي واحد، و كنت آنذاك في المرحلة المتوسطة من دراستي، و مازلت أتذكر جيداً كيف كنت أستثمر وقت الليل للدراسة‌ تحت أضواء الجسر الحديدي القريب من بيتنا…و في تلك الفترة بالذات نشرت أول قصيدة لي بعنوان«هي ذكرى » في مجلة المدرسة«مدرسة متوسطة السماوة»، وكنت في الصف الثاني المتوسط، و بسبب شغفي بالأدب، فقد قررت الدراسة في القسم الأدبي في المرحلة الثانوية – مع أن ثانوية السماوة كانت تضم الفرع العلمي فقط- فاضطررت للدراسة في مدينة «الديوانية»، و كان ذلك في العام 1968م، حيث أكملت الاعدادية، و في خلال دراستي الاعدادية، أصدرت أول مجموعة شعرية تحت عنوان«عيناك دنيا» لتكون هذه المجموعة جواز مروري نحو كلية الآداب –جامعة المستنصرية- قسم اللغة العربية. و التي شهدت صدور مجموعتي الثانية: «قصائد في زمن السبي و البكاء»، وكنت حينها في الصف الثاني من دراستي الجامعية، لا أعرف كيف أنهيت دراستي الثانوية على حسساب والدي الفقير حتى حدود العدم…لكنني أعرف أن أمي قد باعت حليها الذهبية القليلة كي أطبع ديواني الأول…و أعرف أن والدي كان يناطح صخر الحياة كي يوفّر لي مصاريف الاقامة في مدينة الديوانية، و من ثم الجامعية دون أية معونة أو مساعدة حكومية» (القرني، 2008م: 32)
وعن حُبّه لمدينة السماوة مسرح طفولته و صباه، و صدر شبابه و انتقاش صورتها في قلبه و ذاكرته، يقول:« كانت مدينة السماوة المكان الذي حُفرت تفاصيله في الذاكرة و بخاصة‌ «حيُّ الغربي»، بأزقته الترابية الضيقة، و بيوته الملاصقة تلاصق قطيع ماعز في طريق ضيق..و لأنني كنت ابن بقال فقير، فانه لم يكن بمقدوري الحلم بزيارة بغداد التي أسمع عنها كما لو أنها تقع في قارة أخرى »(بدوي، 2010م: 12 و 13).kh yahia
السماوة تعتبر للشاعر مدينة فاضلة طالما يذكرها في شعره، يحنّ و يشتاق إليها. و قد ارسل لي الشاعر عبر البريد الالكتروني النص التالي حول حياته في هذه المدينة الريفية: « انني عشت في السماوة و كانت مدينة صغيرة محاطة بالبساتين و القری. أي أن السماوة كانت بمثابة قرية… كما أن والدي رحمه الله عمل فترة في زراعة الحبوب – القمح و الشعير- و كنتُ اذهب معه ايام الحصاد .. و مدينة السماوة محاطة بعشرات القری الصغيرة و هي تعتمد على سكان القری و الأرياف في جانب كبير من أنشطتها التجارية .. كما أن وجود بيتنا (المبني من الطين و الطابوق المصنوع يدويا) بمحاذاة بستان جعلني أقضي الكثير من وقتي في اللعب في البستان: أتسلّق النخيل و أستحم في جدول الماء و السواقي قبل تعلمي السباحة و ممارستي السباحة في نهر الفرات الذي كان لا يبعد غير عشرات الأمتار عن بيتنا».
و في هذه البيئة البسيطة بتكوينها، العميقة بفطرتها، و بكارة مشاعرها ، نشأ السماوي متشربا أفاويق البراءة و الأمان و التكافل الاجتماعي، و إلى ذلك يشير بقوله: « تعلمت من تلك البيئة أن التكافل الاجتماعي هو أعظم الأسوار و الحصون لدرءِ المخاطر، و أن التقوی وحدها الكفيلةُ بسكب مياه الفرح في دوارق الروح، و أنه ليس ثمة ما يُثري فقر الجسد كغنى الروح، و تعلمت من تلك البيئة أيضا،‌ أن بذرة الصدق، هي الطريق الأسهل لاقتطاف ثمرة النجاح»‌ (السابق: 13).
كانت مدينة السماوة آنذاك بمثابة منفىً داخلي اعتادت الحكومات العراقية المتعاقبة على إبعاد معارضي سياستها الى هذه المدينة، و في صحرائها بالذات أقيم سجن «نقرة السلمان» البشع.
يقول الشاعر عن المعاناة التي مرّ بها في العراق قبل خروجه: «…. للأحداث التي مررت بها صلة بالكثير من قصائدي… ليس سهلا على الإنسان أن يغسل شرطيّ أمن ٍ قذر وجهه بالبصاق وأن يجعل من وجهه كيس ملاكمة أو كرة قدم … وليس سهلا على عريس يمضي أوّل أيام شهر العسل موقوفا ً في مرحاض مهجور ليخرج بعد أيام مخرّز الجسد… وليس سهلا على مدرّس ٍ أحبّ وأخلص لمهنته وكان باعتراف مديرية التربية من أنجح المدرسين في مادته حتى أن الإشراف التربوي كان يكلفه بإقامة دروس نموذجية في طرق تدريس اللغة العربية يحضرها مدرسو ومدرسات المحافظة، فإذا بالأوغاد ينقلونه وظيفيا إلى بائع طوابع كي يسقط العذر القانوني بعدم سوقه للخدمة العسكرية (كان المدرسون من مواليد 1949 لاتشملهم الخدمة العسكرية كجنود احتياط) فتم سوقي إلى جبهات القتال في قادسية العار لأبقى ثمان سنين لأنني رفضت الانتماء لحزب البعث… وليس سهلا على الانسان حين يؤتى بأمه وأبيه وأشقائه وشقيقاته إلى مديرية الأمن فيتم تهديدهم بالتسفير إلى إيران ـ كنوع من التعذيب النفسي لي ـ مع أن والد أبي كان عريفا في الجيش العثماني في قسم ” الطوب ـ أي المدفعية ـ لذا كان لقب والدي عباس الطوبجي ـ بل وأبي كان قد خدم في الجيش قبل أن يُخلق صدام حسين الذي هو أساسا كان متخلفا عن تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية ولم يدفع حتى البدل النقدي.. وليس سهلا على الانسان البريء أن يُصفع أبوه أمامه كما حدث لي حين زارني أبي في معاونية شرطة الحي الجمهوري وكنت موقوفا بسبب مقال نشرته في صحيفة طريق الشعب التي كنت أعمل فيها في وقت كانت الجبهة فيه قائمة ـ وكان المقال غير سياسي بقدر ماهو وطني يُشيرُ إلى خطأ يجب تلافيه درءا ً لمفسدة .. فهو بعنوان “مدينة للألعاب في السماوة …” كشفت فيه أن هذه المدينة هي مدينة قمار تُدير فيه طاولات القمار نادلات مصريات شبه عاريات وليست مدينة ألعاب ..» (الغرباوي، ج1، 2010 م: 436 و 437).
قدّمت أسرة الشاعر الشهداء للدفاع عن شرف وکرامة العراق فأختاه (أم نوفل) و(أم أحمد) فقدتا زوجيهما في هذا الدرب لينتقلا إلی عرش الله ، يقول الشاعر في إهداء ديوانه «نقوش على جذع نخلة،‌ 2005م: 5»: «الإهداء: إلى شقيقتيَّ: (أم نوفل) وهي تنتقل من مقبرة جماعية إلى أخرى. أملاً في العثور على بقايا عظام من رفات زوجها…. و(أم أحمد) وهي تحتضن رأس زوجها المثقّب بالرصاص الأمريكي أمام مسجد بغدادي . لهما، وإلى كل العراقيين الذين أودت بحياتهم المشانق الصدامية، وقنابل البنتاغون، أهدي هذه القصائد…».
اشترک السماوي مقاتلاً في الانتفاضة الشعبية ضد نظام صدام حسين عام 1991 م ، و إثر فشل الانتفاضة لجأ الشاعر الی السعودية ، حيث أقام هناک نحو ستّ سنوات عمل خلالها رئيساً للقسم السياسی و الثقافي في إذاعة «صوت الشعب العراقی» المعارضة للنظام العراقي، و التی کانت تُبثّ من مدينة جدة، و في هذه السنوات الستّ أعدّ عشرات البرامج السياسية، و نشر أکثر من ثلاثمائة مقال سياسي في الصحافة العربية حول جرائم النظام و منهجه التعسفي، إضافة الی ما نشره من دواوين شعرية (القرنی ، 2008 م : 29 و 30). kh yahia 8
أصبح يحيی السماوي شاعر القضية العراقية و شاعر الانسانية و نصير الشعب المضطهد فنذر حياته مشرداً في اصقاع المعمورة الی ان استقرّ به المقام واضعاً عصاه في استراليا.
يقول الشاعر ردّاً على سؤال السيدة خلود المطلبي في ملف تكريمه من قبل جمعية المثقف كما يلي: « والله يا سيدتي أنا أعيش في مدينة تبدو كما لو أنها مفروشة بالخضرة هي مدينة ” أديليد ” عاصمة جنوب استراليا .. بيتي يقع في حضن سفح جبلي جميل … المحيط على مبعدة دقائق من بيتي … والغابة كذلك … ووضعي المادي جيد، فابنتي تعمل مهندسة في إحدى كبريات الشركات الاسترالية، وابني يعمل في متجر شهير ويواصل دراسته في الهندسة المعمارية، وابنتي الأخرى ستدرس الطب قريبا .. وصغرى بناتي سارة سعيدة في مدرستها ـ ورغم ذلك فإنني أشعر بحزن خرافيّ وبالتعاسة جراء مايتعرض له العراقيون من استباحة لدمائهم بالسيارات المفخخة والقتل الإرهابي والعنت الطائفي … معاناتي الشخصية انتهت بسقوط الصنم، فلم أعد أخشى على رقبتي من حبل مشنقة أو زخة رصاص … لكن الأسى سيبقى مقيما ً في روحي حتى يتعافى العراق من جراحه ويُردم مستنقع المحاصصة فيه، ويصبح خبز فقرائه أكبر من الصحن والمائدة » ( الغرباوي، ج1، 2010م: 381).
بالرغم من إقامته في هذه الديار النائية، فهو عراقي من قمة رأسه إلی أخمص قدميه، نزح من موطنه العراق واستقر في أستراليا ولكنه لم ينقطع عن البلاد العربية، فلقد كان يؤم المؤتمرات و الاجتماعات والمهرجانات هنا وهناك ينشر قضيته ويحاول تمثيل بلاده، بما استطاع من شعر ونثر، يعيش دائماً وسط الحدث و له تحاليل سياسية عبر شبکة المعلومات العالمية، فهو ليس شاعرا ًفحسب بل إنه محللٌ سياسيٌ و كاتبٌ و ناقدٌ وقاصٌّ بارعٌ لا يشقّ له غبار وقلمه يقطر علماً و ادباً. له مقالات عديدة في المجالات السياسية خاصة أوضاع العراق وسياساته. ففي کل من مقالاته تظهر الكلمة الصادقة النقية النابعة من مشاعره المخلصة من خلال کلامه الذي يوجهه ضد كل سوء وشر وظلام يحيط بالإنسان.
اسلوبه في النثر لا يقلّ عن اسلوبه الشعري .. فانا تعرفت عليه شاعرا عبر شبکة المعلومات العالمية و لكن عند ما تتبعت اخباره سرعان ما سحرني باسلوبه النثري من خلال مقالاته المنشورة في موقعي النور و المثقف و تعليقاته على المقالات و الاشعار فبالرغم من اسلوبه الشيّق في الكتابة لديه ر‍ؤية نقدية عميقة و اسلوب فريد من نوعه، الى حدٍ يمكننا ان نعتبره رائد ادب التعليقات في اللغة العربية.
إصداراته :
أصدر السماوي حتی الآن سبعة عشر ديواناً شعرياً و أربعة کتب نثرية وكتابا نقديا واحدا في أدب الرسائل، و هذه الاصدارات الإثنين والعشرون مرتبة زمنياً علی النحو التالي :
1- عيناک دنيا ، العراق ، 1970 م .
2- قصائد في زمن السبي و البکاء ،1971 م .
3- قلبي علی وطني ،1992 م .
4- من أغاني المشرد ، 1993 م .
5- جرح باتساع الوطن (نصوص نثرية) ، 1994 م .
6- الإختيار ، 1994 م .
7- عيناک لي وطنٌ و منفی ، 1995 م .
8- رباعيات ، 1996 م .
9- هذه خيمتي ….فأين الوطن ؟ استراليا ، 1997 م .
10- أطبقتُ أجفاني عليک ، استراليا ، 2000 م .
11- زنابق بريّة (رباعيات) ، استراليا ، 2003 م .
12- الأفق نافذتي ، استراليا ،2003 م .
13- نقوش علی جذع نخلة ، استراليا ، 2006 م .
14- قليلک … لاکثيرهُنّ ، استراليا ، 2006 م .
15- البکاء علی کتف الوطن ،دمشق ، دارالتکوين ، 2008 م .
16- مسبحة من خزر الکلمات (نصوص نثرية) ، دمشق ، دارالتکوين ، 2008 م .
17- شاهدةُ قبرٍ من رخام الکلمات ( نصوص نثرية) ، ط2 ، دمشق ، دارالتکوين ، 2009 م .
18 ـ التويجري وأسلوبه المتفرد في أدب الرسائل ، ط2 ،دار التكوين ، 2009 .
19- لماذا تأخرتِ دهراً ، دمشق ، دار الينابيع ، 2010 م .
20-بعيداً عني.. قريباً منكِ (نصوص نثرية)، دمشق، دار الينابيع، 2011م.
21- تعالي لأبحث فيك عني، دمشق، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، 2012م.
22- مناديل من حرير الكلمات (نصوص نثرية)، دمشق، دار التكوين للتأليف والنشر والترجمة، 2012م.kh yahia 3
و الناظر المتأمّل في إصدرات الشاعر، و تواريخ صدورها في طبعاتها الأولی، يشعر بأصالة موهبته الشعرية و نضجه المبکر. و مايلفت النظر هو تتابع إصدارات الشاعر و تواترها زمنياً؛ و قد تتجلّى لنا منذ اللحظة الأولى أمور كاشفة لأطوار تجربته الشعرية:
أولها: أصالة موهبته الشعرية، ونضجه الفنيّ المبكّر، فقد أصدر مجموعتيه الشعريتين الأوليين ” عيناكِ لي دُنْيَا ” سنة 1970م و ” قصائد في زمن السَّبْيِ والبكاء ” سنة 1971م أي قبل تخرّجه من كلية الآداب بجامعة المستنصرية سنة 1974م؛ وهذا يعني أنه كان طالبا في مرحلة الدراسة الثانوية عندما أصدر مجموعته الأولى، وكان في السنة الأولى من دراسته الجامعية تقريبا عندما أصدر مجموعته الثانية، وهذا ينبئ عن موهبة أصيلة ناضجة آتت يانع ثمارها وهي في هذا الطور من صدر شباب الشاعر، وتشكّل الكثير من أفكاره ورؤاه الثقافية.
وثاني هذه الأمور: هو تتابع إصدارات الشاعر وتواترها زمنيا على نحو لافت، فما يكاد يمرّ عام حتى يصدر مجموعةً شعريةً، بل ربّما يصدر في العام الواحد أكثر من مجموعة، وهذا ينبئ كذلك عن تدفّق ينابيع موهبة الشاعر، وغزارة روافدها التي تمدّها ببواعث الشعر ومثيراته..
وثالث هذه الأمور: وهو ما يلفت نظر القارئ لأول وهلة كذلك، وهو دوران عامة دواوين الشاعر في فلكِ تجربةٍ شعرية أصيلة محورية، قد تتعدّد وجوهها، وتتباين معارضها و ومجالاتها، ولكنها تصبّ في نهر كبير أثير لدى شاعرنا، وهو نهر تجربته الوطنية التي تهيمن على آفاق الرؤية الشعرية عنده، وتلوّن كافة صورها وتشكيلاتها الشعرية..
ورابع هذه الأمور: وهو ما يجدر بنا أن نتوقّف عنده في هذا السياق، وهو هذه الهُوّة الزمنية التي بلغت نحو عشرين عاما في سلسلة إصدارات الشاعر من سنة 1971م سنة إصدار مجموعته الشعرية الثانية إلى سنة 1992م زمن إصدار مجموعته الشعرية الثالثة: “قلبي على وطني” بعد خروجه الأوّل من العراق إلى السعودية، وهذا ما دعا إلى التساؤل عن سرّ هذا الصمت الطويل في طور من أخصب الأطوار العمرية والفنية في تجربة شاعر مثل شاعرنا السماويّ، وقد كانت هذه الهوّةُ – في رأي الدكتور محمد جاهين بدوي – كُوّةً نفذتْ من خلالها الكثير من الأضواء الكاشفة عن حياة الشاعر في هذا الطور الذي عانى خلاله ألوان المرارات وصنوف العذابات على الأصعدة المختلفة نفسيّاً و حسيّاً على أيدي زبانية النظام الصدّاميّ البائد، بدءًا من إقصائه عن ممارسة وظيفة التدريس واضطراره إلى العمل موظّفًا ببريد مدينة السماوة، والزّجّ به في أتون الحرب العراقية الإيرانية مع أن النظم كانت تقضي بعدم تجنيد المعلمين، و مروراً بمتابعته وملاحقته والتحقيق معه، وتفتيش داره مرارا لا يدري هو نفسه عددها تحديدا لتكرُّرها، وهو ما عبّر عنه بقوله في رسالةٍ للدكتور جاهين البدوي: « لا أعرف عدد المرات التي أجرتْ فيها مديريات الأمن والاستخبارات العسكرية تحقيقات كان يمكن أن تقودني نحو حفرة من حفر مقبرة سرية … لكني أعرف تماما أنني قد تحملت من صنوف التعذيب، ما يكفي لموت حصان سليم البنية … ” وفي هذا ما يكشف عن حجم الجحيم الماديّ والمعنويّ الذي نصبه النظام الصدّاميّ وزبانيته للشرفاء كافة في عصره، وما يكشف عن خطورة الكلمة والقصيدة في هذه المرحلة بوصفها جريمة من كبريات الجرائم في أثناء عهدٍ كان ذلك طابعه وديدنه، وهذا ما يفسّر صمت شاعرنا الظاهريّ، وإمساكَهُ عن نشر شعره وإذاعته في هذه الفترة، بل وإتلاف ما كانت تطاله أيدي أسرته من شعره وإعدامه خشية أن يتحوّل ذلك إلى ورقة إدانة تودي بحياة الشاعر، وتكون ذريعةً للمزيد من التنكيل به.. » (بدوي، 2010م: 19 – 16).
الساحة الأدبية:
حاز السماوي العديد من الجوائز، من بينها : الجائزة الأولی لمهرجان الجامعة المستنصرية للشعر عامی 1972 و 1973 م، جائزة أبها الثقافية الأولی عن ديوانه : « قلبي علی وطني» عام 1992 م ، جائزة ابن ترکي للإبداع الشعري برعاية جامعة الدول العربية عام 1998 م عن ديوانه : « هذه خيمتي فأين الوطن» ( نفس المصدر : 30)؛ كما حاز ديوانه ” نقوش على جذع نخلة ” جائزة البابطين لأفضل ديوان شعر في دورتها عام 2008 وحاز أيضا درع ديوان الشعر العربي عام 2007 وجائزة نادي المدينة لأفضل قصيدة وجوائز أخرى. كما كرّمته أمانة العاصمة العراقية بدرع بغداد النموذجي للإبداع (طالب زاده، 2011م: 82).
نشرت قصائده في العديد من الصحف والمجلات الأدبية العراقية والعربية والأسترالية و السنغافورية، وفي مجلة كلية الفنون والآداب / جامعة لويزيانا الأمريكية ومجلة جامعة سيدني الأسترالية، وترجمت له الشاعرة الأسترالية إيفا ساليس مختارات شعرية تحت عنوان “Tow Banks With no Bridge”، صدرت ضمن منشورات “ Picaro” للنشر والتوزيع. كما ترجم له الدكتور صالح جواد الطعمة، هند أبو العينين، جواد وادي، الدكتور رغيد النحاس، د . عادل الزبيدي، والشاعرة الجزائرية آسية السخيري، والشاعرة الأسترالية آن فيربرن، ود . بهجت عباس، وصباح محسن جاسم، جمال جلاصي وآخرون.
يقول الشاعر حول ترجمة شعره خاصّة‌ و الشعر عامة ، ردّا على سؤال د .محسن العوني في ملف تكريمه ما يلي: « ترجمة الشعر من لغته الأم إلى أخرى، لابدّ وأن تُفقِده الكثير من دفئه اللغوي وموسيقاه وخضرته ـ إنها أشبه بعجن رغيف خبز ٍ طازج وإعادة خَبْزِه من جديد ـ وهي مهمة صعبة لايتمكن منها غير خبّاز حاذق ـ أعني لاينجح فيها غير مترجم ٍ حاذق متمكن من اللغتين، لغة القصيدة الأم واللغة المُتَرجَم إليها مع معرفة بخفايا الشعر والتشكيل البلاغي اللغوي. بقدر تعلق الأمر بقصائدي المترجمة، فأنا فقيرٌ باللغة الأجنبية ولست مؤهلا ً للحكم عليها، لكنني أستطيع الحكم بنجاحها من خلال ماتركته تلك القصائد المترجمة من أثرفي نفوس المتلقين… فالكتاب الذي أصدرته المستشرقة الأسترالية د . إيفا ساليز قد أعيد طبعه مرتين في استراليا واختارت منه مجلة كلية الفنون والآداب / جامعة أريزونا الأمريكية خمس قصائد كما تم اختيار عدد من قصائد الكتاب لأنطولوجيا الشعر الأسترالي والسنغافوري ـ وقد علمت من السيدة إيفا أن دار “بيكارو” للنشر ودارا أخرى سنغافورية طلبتا منها ترجمة مجموعة كبيرة من شعري وهي تعمل على إنجازها حاليا … كما أن مجلة اتحاد الشعر الاسترالي نشرت القصائد التي ألقيتها في ثلاث أمسيات وهي من ترجمة الدكتور الشاعر عادل الزبيدي وصباح جاسم … ونشرت مجلة جامعة سيدني قصيدة “أذلني حبي” التي ترجمتها الشاعرة الاسترالية “آن فيربيرن” …. وبالنسبة للغة الفرنسية فقد ترجمت الروائية والشاعرة التونسية “أسية السخيري” بعضا من قصائدي ونشرتها في أكثر من صحيفة وحين قرأت بعضها في مهرجان المتنبي العالمي في سويسرا هي وترجمة أخرى للشاعر المغربي “جمال جلاصي” فقد نالت استحسان الجمهور، كذلك الأمر بالنسبة للترجمة إلى اللغة الإيطالية والتي ترجمها الفنان الأديب فوزي الدليمي المقيم في ايطاليا منذ أكثر من ثلاثين عاما والذي سبق وترجم لأدونيس وسعدي يوسف والبياتي، والأمر نفسه بالنسبة لترجمة الدكتور الشاعر علي الشلاه للألمانية .kh yahia taali
ثمة مجلة اسمها “كلمات” تعنى بالأدب العالمي وتصدر من سيدني يشرف عليها الدكتور رغيد النحاس، كانت قد جعلت صورتي غلافا لأحد أعدادها وتناولت تجربتي الشعرية مع مختارات شعرية ترجمها الدكتور رغيد فأخذت مجلة “خمسة أجراس” التي يصدرها اتحاد الشعر الاسترالي بعض قصائدي ونشرتها في عددها الخاص» ( الغرباوي، ج1، 2010م: 397 – 395).
شارك السماوي في العديد من المهرجانات الأدبية العربية والعالمية. وكتب عنه الكثير من النقاد العرب والأجانب منهم: د.علي جواد الطاهر؛ د.عبد الملك مرتاض؛ د.عبد العزيز المقالح؛ د.عبد الله باقازي؛ د.غازي القصيبي؛ د.عبد العزيز الخويطر؛ د.جميل مغربي؛ د.حسن فتح الباب؛ د.عصام شرتح؛ د.حسين سرمك حسن؛ أ.يس الفيل؛ أ.فاروق شوشة؛ د.محمد جاهين بدوي؛ أ.حسين الغريبي؛ د.فاطمة القرني؛ د.عبد الله الحيدري؛ د.حاكم مالك الزيادي؛ د.حسن الأمراني؛ أ.سلطانة العبد الله؛ د.محمد بن سعد؛ د.ثريا العريض؛ د.عبد اللطيف أرناؤوط؛ البروفيسور توماس شابكوت؛ أ.روب ووكر داون كولسي؛ أ.انطوان القزي؛ أ.شوقي مسلماني؛ أ.لامع الحر… و آخرون.
و كما هو معلوم اكثر هولاء النقاد لهم شهرة واسعة النطاق في الادب العربي وأسماؤهم لامعة في سماء النقد الادبي … تناولوا تجربة الشاعر بالبحث و الدراسة لفاعلية نصوصه و قوتها لا للمجاملة و العلاقات الشخصية، يقول الشاعر عن هولاء النقاد: « أكثر الذين كتبوا عني لم تكن لي بهم سابق علاقة شخصية ـ بل ولم يسبق لي أن التقيتهم ـ رغم كوني أعرفهم وتتلمذت على كتاباتهم دون أن يعرفوا ذلك ـ الأمر الذي يجعلني متيقنا من أنهم لم يكتبوا دراساتهم ونقودهم محاباة ً ومجاملة» ( السابق: 462). فالشاعر لا يحبّذ الاطراء و المجاملة‌ في النقد بل يجد نفسه بحاجة للنقد الموضوعي الذي ينير طريقه: « الإطراء يُخيفني ياصديقي … والمجاملة تجعل بصري يعشو … بينما النقد الموضوعي الجاد يُجلي مرايا بصري فيجنّبني عثار ماتبقى من طريق يتحتّم عليّ قطعه أملا ً بالوصول إلى المدينة الفاضلة … لقد جمعت كل هذه الدراسات النقدية وأعدت قراءتها مراتٍ لأهتدي بضوئها لتقويم تجربتي الشعرية المتواضعة وإسقاط الأوراق الذابلة من شجرتي إفساحا ً في المجال لأوراق جديدة أكثر خضرة» (السابق: 462). و يجيب الشاعر على سؤال محسن العوني في ملف التكريم حول رأي الشاعر في الدراسات التي كتبت عن منجزه الشعري قائلاً: « جلّ الذين كتبوا عني، قد أضاؤوا تجربتي الشعرية المتواضعة وأثروا معرفتي بخفايا الشعر… فأنا أؤمن أن الناقد بمثابة الدليل للشاعر في رحلته المحفوفة بالكثير من المجاهيل والعثرات … بعض النقاد قرأووني أفضل من قراءتي لنفسي وساعدوني على نفض الأوراق اليابسة من شجرتي لتبدو أكثر نضارة وخضرة… أصدقك القول إنني حين قرأت كتاب د. فاطمة القرني ” لشعر العراقي في المنفى ..السماوي نموذجا” استفدت كثيرا وعرفت نفسي أكثر، والأمر نفسه بالنسبة لكتاب السيدة إنصاف الحسني ” شعر يحيى السماوي بين الرؤيا والإبداع ” والذي هو في الأصل رسالة ماجستير في النقد الأدبي … وحين قرأت دراسة د.محمد جاهين بدوي عن المرأة والاغتراب في تجربتي الشعرية ـ وكنت حينها منشغلا بكتابة قصيدة جديدة ـ مزّقت القصيدة وأعدت كتابتها من جديد. الشاعر الذي لايهتدي بصره ببصيرة الناقد سيصاب بالعمى الإبداعي …كل الذين كتبوا عني أنصفوني وأسهموا في نماء فسيلتي» (السابق:397).
فهذا الإقبال الواسع علی المنجز الشعري للسماوي يدلّ علی خصوبة شاعريته و ثرائها و قيمتها الفنية و لا شک اننا سوف نشاهد الکثير من البحوث و الدراسات حول هذه التجربة الثرة التي لازال عطاؤها متدفّقاً.
انتسابه الأدبي :
عضو اتحاد الادباء العراقي
عضو اتحاد الكتاب والادباء العرب
عضو اتحاد الادباء الأسترالي
عضو رابطة قلم العالمية
عضو رابطة شعراء العالمkh yahia 9
حياة الشاعر من عيون شعره:
إنه في بعض من شعره- إن لم يكن جميعه- يروي شيئاً من سيرته الذاتية كمناضل لاحقته الوشايات وأرعبه التهديد والحكم بالإعدام فإن من شواهدي على ذلك هذا القول الذي ركب فيه مطية المجاز، وذلك في قصيدته (يا آسري)، التي جاء في صدرها قوله:
يا آسري أَحكِمْ عليَّ وثاقي
سأضيع لو بادرت في إطلاقي
خُلِقتْ لبحرِكَ يا جميل سفينتي
فاعصف بها.. لا خوف من إغراقي
وخُلِقتَ قنديلاً يرشُّ بضوئه
ليلاً عصيَّ الفجر في أعماقي
لا تخشَ من ريح عليَّ وموجةٍ
فالخوفُ كلُّ الخوفِ من أشواقي (نقوش علي جذع نخلة: 55)
وسواء أكان السماوي يقطف في قصائده نبذاً من سيرته الذاتية، أم كان يتمنى في قصائده ما يتمناه كل مغترب مثله، فإن شعره يأبى إلا أن يدل على شيء من واقعه قديماً أو حديثاً أو هما معاً.
و في قصيدة أخری تحت عنوان “يا صابراً عقدين إلا بضعة” يروي لنا الشاعر كثيراً من أحداث حياته.. بلغ عدد أبيات هذه القصيدة واحداً وسبعين بيتاً ولولا طول القصيدة لروينا جميع أبياتها غير اننا سنكتفي بالأبيات التالية:
وطرقتُ باباً لم تغادر خاطري
فكأنها نُقشت على حدقاتي
مَن؟ فارتبكت.. فقلتُ: حيُّ ميتٌ
عاش الجحيم فتاق للجناتِ
وصرختُ كالملدوغ أدركه الرَّدى
متوسِّلاً من بلسم رشفاتِ:
أين العجوزُ؟ فما انتبهتُ إلى أخي
يبكي… ولا الشهقات من أخواتي
عانقتها… وغسلت باطن كفِّها
وجبينها بالدمعِ والقُبُلاتِ
وحضنتها حَضنَ الغريق يشدُّهُ
رمقٌ من الدنيا لطوقِ نجاةِ
قبَّلتُ حتى نعلها… وكأنني
قبَّلتُ من ورد المنى باقاتِ
ومسحتُ بالأجفانِ منها أدمعاً
وأنابتِ الآهاتُ عن كلماتي
وسألتُها عفو الأمومةِ عن فتىً
عبثت به الأيام بعد شتاتِ
واستُكمل الحفلُ الفقيرُ بزخَّةٍ
مزحومةٍ ب “هلاهلِ” الجاراتِ
عتَبت عليَّ وقد غَفَوتُ سُويعةً
عيني.. وخاصم جفنها خطراتي
قُم بي نطوفُ على الأزقَّةِ كلِّها
نتبادلُ الآهاتِ بالآهاتِ
طاوعتها… ومشيت يثقل خطوتي
صخرُ السنين ووحشة الطرقاتِ
الله! ما أحلى “السماوة”… ليلها
باكي النداوةِ ضاحكُ النجماتِ
الله! ما أحلى السماوة… صُبحها
صافٍ صفاءَ الضوء في المرآةِ ( السابق: 78 – 75).
الَّلافت أنَّ الأسلوب المتبع في التشكيل السردي – عند يحيى السماوي- أسلوب قصصي شائق يرصد لحظات حياته الطفولية وذكرياته الجميلة؛ مما يعني أنَّ قصائده السرديَّة قصائد [سير ذاتية] ترصد حياته وواقعه المعيش (شرتح (آ)، 2011م : 305).
و في ديوان «لماذا تأخرت دهراً» يندم الشاعر على تركه مدينة السماوة مسقط رأسه فقد تعرض بعدها للشقاء… فكان بوسعه أن يتخبئ عن العيون التي كانت ترصده، ليلة في «الصريفة» و ليلتين في سرداب قبر و سنة في الصحراء و نصف عقد في «هور الجبايش» و عقداً في غابة في الشمال و عاماً في كهف:
لـمـاذا تـركـتُ الـسـمـاوةَ خـلـفـي
ويَـمَّـمْـتُ نـحـوَ المـقـاديـرِ خـطـوي
فـكـنتُ الـشـقـيّـا ؟
أمـا كان لـيْ
أنْ أُخـبِّـئـنـي لـيـلـةً في «الـصـريـفـةِ » ..
أو لـيـلـتـيـنِ بـسـردابِ قـبـرٍ
وعـامـاً بـبَـرِيَّـةٍ
نصـفَ عِـقـدٍ بـ«هـور الـجـبـايـشِ»
عِـقـداً مـع الـلـوزِ والـجـوزِ في غـابـةٍ
في الشـمـالِ ..ِ
وعـامـاً بـكـهـفٍ أُلـمْـلِـمُ بـعـضـي إلـيّـا؟ (لماذا تأخرت دهرا: 62 و 63)
و من هذا النص يتبيّن لنا مدى معاناة الشاعر في مدينة السماوة قبل تركها فكان يعيش في الصريفة وفي السرداب و في هور الجبايش وفي الغابة و… و كما هو معلوم العيش في مثل هذه الظروف لا يطاق و لكن الشاعر يفضله على ألم الغربة و الشقاء الذي لازمه فيها.
و في القصيدة الرابعة من ديوان (لماذا تأخرتِ دهراً) الموسومة بـ”على مشارف الستين” يشير الى صور أخرى من حياته العامرة بالخير و النضال و التضحية، ولاسيما إذ أهدى الشاعر قصيدته ـ وهي من قصائد الشطرين ـ إلى نفسه مقدّماً لها كما يلي: « كتبت عشية تشييعي جثمان الشجرة التاسعة و الخمسين من أشجار بستان العمر». فقد خاطب نفسه في هذه القصيدة قائلاً:
ستون.. في ركض ولم أصل ِ
نهرَ الأمان وواحة الأمل ِ
ستون.. أحسب يومها سنة ً
ضوئيّة ًموؤودةالشعل
عشرون منها : خيمتي قلقٌ
بين المنافي عاثر السبُل
والباقياتُ : رهين مسغبةٍ
حيناً.. وحيناً رهن معتقل (السابق: 39 و ما بعدها)
ليروح بعدئذ يُعدّد ما عاشه من “حيوات” متضادة ما بين أقصى الطيش وأقصى العقل، أو ما بين أشد حالات الزهد والتروّي وأشد حالات الخبل في الحب أو اللهو أو غيرها من شؤون الحياة :
ستون.. حيناً لهو ذي نزق
عاتٍ.. وحيناً صمتَ مُعتزل
بعضي يريد الدهرَ يلبسه
ثوباً.. وبعضي يشتهي أجلي
ستون.. مرّتْ غير ممطرةٍ
مرّ الطيوفِ بجفنِ مُكتحلِ (السابق: 42)
حتي يصل الى البيت التالي:
قدَّ الحبيبُ القلبَ من دُبُر ٍ
والأصدقاءُ الزورُ من قـُبُل ِ ( السابق: 43)kh yahia 16
و في البيت اشارة الي صديقٍ استودعه الشاعر بيته و بستانه و مكتبته فخان الأمانة و الأنكى أن ابن الصديق سرق مخطوطة ديوان السماوي و راح يقرأ قصائده في مدينة السماوة قبل افتضاح أمره. يذكر الشاعر هذه القصة الأليمة في جوابه لسؤالٍ وجّهته له السيدة وفاء عبدالعزيز في ملف تكريمه قائلاً: « لقد استودعت صديقا مكتبتي ، وكلفته بشراء أرض وبيت لي … اشترى لي أرضا تقع على حواف نهر الفرات مساحتها 12800 مترا مربعا في السماوة ـ هي عبارة عن بستان صغير يقع جنب بيت محافظ المثنى … ثم اشترى لي بيتا آخر … أمضيت سنتين كاملتين أعمل ليل نهار في الصحافة السعودية إضافة إلى عملي في إذاعة صوت الشعب العراقي المعارضة للنظام المقبور كي أجمع أكثر ما أستطيع من النقود ليشيد لي بيتا في البستان … تبرّعت له بنصف الأرض وببيت يبنيه على حسابي … أقسم بالله العظيم أنني وعائلتي أمضينا السنتين لانتناول غير الفلافل والبيض المسلوق … بعتُ حتى أقراط بناتي وذهب زوجتي وخاتم زواجي … كان هذا الصديق يأتي إلى الاردن ويتصل بي في الإذاعة ويحدثني عن أن البناء وصل الشبابيك … وصل السقف … إلخ … وكانت كل أحاديثنا عبر الهاتف تُسجّل صوتيا .. ثم أرسل لي “الطابو” وعليه اعتراف بعائدية الأرض والفيلا وبشهادة زوجتيه وبناته … كنت مُغفلا يا ابنتي حين صدّقته … فقد باع الأرض والبيت … وحين ذهبت إلى السماوة أنا وعائلتي ، اضطررت أن أقيم أنا زوجتي والأطفال في بيت أقربائها حينا وفي بيت صديق حينا آخر ـ وكان بمستطاعي مقاضاته واستعادة كل شيء بموجب قرار أصدرته الحكومة بعد سقوط النظام يخص السياسيين الذين تعرضوا للحيف والإستحواذ غير المشروع على أملاكهم ـ غير أنني قلت له في جلسة خاصة أمام شيوخ السماوة وبعض وجهائها: يصعب عليّ جلب نساء وبنات السماوة إلى المحاكم (إشارة إلى زوجتيه وبناته اللواتي كنّ شهودا على عائدية أملاكي المودعة باسم هذا الصديق) … تنازلت عن حقوقي تلك ولم يدفع لي غير مبلغ لايتجاوز الخمسة عشر ألف دولارا يا ابنتي ـ وهو مبلغ لايكفي لشراء أرض أقيم عليها كوخا طينيا … وفي زورتي الأخرى للعراق اشتريت أرضا وسأشيد عليها بيتا لي لأنني عازم فعلا على طيّ خيمة غربتي لأكون قريبا من مقبرة وادي السلام حيث يرقد أبي وولدي البكر . وأما المكتبة فلم أحصل منها ولو على كتاب واحد …وهي مكتبة ضخمة بآلاف الكتب .. والأنكى من ذلك كله أن ابن هذا الصديق وجد بين مكتبتي التي استودعتها أباه ديوان شعر مخطوط فيه قصائدي فسرقه وأخذ يقرأ بعض قصائدي في أمسيات أدبية على أنها من شعره !!!!» (الغرباوي، ج1، 2010م: 419 و 420).
شعر السماوي وقيمته الفنية:
يعتبر الشاعر السماوي “قصيدة عراقية باتساع الوطن” لم تقف عند حدود ضفاف او عند مشارف وطن او نخل او حقل .. لقد كان يجدف مع مسرى الفراتين في زورقه الشعري .. اذهل الجميع بفخامة قوافيه وبرفعة سبكه الشعري فكان يلمع مثل دمعة عراقية في ظلام القوافي .. ويجذب اليه اولئك الذين احبوا الشعر العراقي الذي كان ومازال مجدا ثقافيا عريقا .. انه بحق من تلك الربى الصحراوية التي انجبت المتنبي..
يحيى السماوي، نورسٌ عراقي، هجعة الأطيار تفيءُ الى أجفان قريحته، هناك يرمي الجسد المبلول ذاته فراشة ترفعُ رذاذَ دجلة الى سماءِ السماوة، وتغرف من ريقِ بغداد نيازكَ تشقُّ الأديم ليولدَ عراقهُ الجديد من عينيّ حبيبةٍ عاشت على جمرِ الانتظار ومن همسِ فاتنةٍ تستمطرُ الكواكبَ درباً الى قلب الشاعر ( القزي، 2011م، موقع المثقف).
السماوي بوصفه معلما، وشاعرا، وسياسيا، وإعلاميا، يزخر شعره بالأحداث والنضالات والمواقف الاجتماعية والتعليمية والتربوية والسياسية، مستندا في ثقافتة الواسعة إلى إطلاعه الموسوعي من جهة، وخبرته الحياتية المرهفة من جهة أخرى. أي أن الحياة الواقعية بطفولتها ومراهقتها وشبابها وكهولتها وتقلباتها ومسئولياتها هي الإطار العام الذي استمد منه السماوي مادة بنائه الشعري (أماني، 2010م: 222).
قرأ السماوي للعديد من الشعراء القدامی کالمتنبي و المعرّي و الخيام کما قرأ للشعراء العرب المحدثين نحو أدونيس و البياتي و نزار و بلند الحيدري و السياب.
و عندما نلقي نظرة الی هؤلاء نری أنّ الشاعر لعله كان متأثرا بشعراء السياسة و الثورة و الحرية أمثال الشاعر الکبير نزار قباني. فهؤلاء کثيراً ما حاربوا القمع والإضطهاد من قبل السلطات و حفروا بکلماتهم الجارحة الخوف في صدر السلطات، من نبضات قلب الشاعر و من دويّ و صراخ ضمير الأمة الذي لم يهدأ مهما کانت هناک قسوة و تعذيب لأبناء شعبه..
السماوي الشاعر يُعَدُّ بجدارة، وارثا ً أصيلا ً لديباجة الشعر العربي القديم، وقد تمكن من فهم واستيعاب أسرار صنعتها الخفية وطبـّقها في شعره دون أن يجمد عند حدود القديم. فقد استعار من الحداثة جوهرها، وأبرز مقوماتها التي لا تجور على طبيعة الشعر العربي الموروث، ولا تهدر رسالة الشاعر في الإيصال لوضوحها وجلائها وبُعدها عن الشطط والتعقيد والتعتيم.. فكان شعره يمثل ما يمكن أن يرجوه القارئ من الدعوة إلى تحديث الشعر الذي كثر الجدل فيه تنظيرا، وأساء بعض مَن جارى تلك الدعوة فقلـّدَ الشعر الغربي مرتديا ثوبا مستعارا ـ والعارية مهما تزيّنت فإنها تبقى غريبة نافرة عن ثوب الشعر العربي (الأرناؤوط ، 2010م: 256و257).kh-yahia-14
يحيی السماوي لا ينحاز إلى أي مذهب أدبي، أو اتجاه فني معين، فلهُ من أصالته وثقته بنفسه ما يعصمه عن التقليد والاحتذاء، فهو شاعر مُبدع يعرف كيف يختار تجارب الآخرين ويصبغها بطابعه الذاتي وبداعته الفائقة في حسن التناول وبراعة الاختيار.
یصفه الشاعر و الناقد العراقي علوان حسین فی تعلیقٍ له علی قصیدة «هذا هو الزمن الرديء» للشاعر (یحیی السماوي) المنشورة فی موقع المثقف کما یلی: «قراءة قصيدة للسماوي يحيى الكبير سفر طويل ومتعة أخاذة والمتعة والإدهاش تبدأ من القصيدة التي تمسك بتلابيب قارئها ولا تنتهي عند الردود التي هي قصص ونودار وطرف بديعة مستلة من روائع التراث وبطون الكتب فهي تضيف للقارىء تجارب ثرة وثقافة تضيء القصيدة وتزيدها جمالا ومتعة على متعة..» (السماوي «هـ»، 2011م، موقع المثقف).
کما يعلّق هذا الناقد العراقي علی قصيدة أخری للسماوي معنونة بـ “منديلان من حرير الكلمات” بما يلي: «حينما أقرأ قصائد الشاعر الأثير يحيى السماوي أشعر وكأني أعود للنبع حيث الشعر في بكارته الاولى لازال يترنم بالحب ويشدو للحبيبة والشاعر وهو يحضن قيثارته ليصدح بموسيقى أعذب من العناق ولا شيء أعذب من العناق سوى الشعر الطالع من الأعماق والمنبجس كالينبوع في صحراء يروي القلوب الظامئة بماء الأحاسيس، شعر من هذا النوع ينتقل كالأغنية بين الشفاه وتصدح به حناجر العشاق ويتناقله الرعاة، يحيى السماوي يُعيد ُ للشعر عصره الفروسي ويمنح القصيدة شفافية بتنا نفتقد لها فلغته حريرية ناعمة مشتقة من قاموس العشق الصوفي وكلماته مهذبة أنيقة لها رهافة الزهور ونقاء الينابيع ودفء غيمة مسها البرق .. حينما أقرأ للسماوي أشعر بالمطر ينقر شبابيك الدار والعنادل تأوي الى كهف قلبي والنسيم يهب من أرض النساء، يعبق بأريج الأنوثة وعطر المرأة الذي لا يضاهى . . . كلمات السماوي تنبت كالزهور البرية، ببساطة وتلقائية وبراءة تلك الزهور الشيطانية التي يُسكر ُ شذاها وقد يتحول الى سم لكارهي الزهور وصائدي الفراشات وقاتلي العنادل. السماوي شاعر البراءة والفطرة والحب الإلهي وإن هبط من عليائه ليلامس الأرض فثمة رائحة البخور والعبق السماوي يفوح من بين العروق، السماوي يؤسطر الحب ويسمو بالعاطفة ويحول الرغبات الى أحلام والحبيبة الى أيقونة والبيت الى معبد وهو بهذا يأخذ من الأساطير روحها ومجازية معانيها وبعدها الخيالي وبنفس الوقت يأخذ بيد الحب من بشريته الأرضية الى عالم من النورانيات بحيث نرى في المرأة حبيبته وقد أرتدت ثوبها الأثيري وإنتمت الى عالم الحوريات والأساطير فقد منح الحب بُعدا ً قدسيا ً قلما نشعر به ونحن نقرأ السائد من الشعر، أظن بأن الشاعر يوحي لقارئه في أن لا يقرب من قصيدته إلا وهو طاهر إن لم يكن جسدا ً فعلى الأقل يكون طاهر الروح، نقي السريرة كي يتم التفاعل مابين القصيدة وقارئها وبهذا يكون الشاعر قد أدى من حيث يدري أو لا يدري دوره الرسولي في إبتكار معنى جديد للقصيدة و دور ٍ محرض للشاعر وكأني به أي الشاعر لسان حاله يقول بأن الشعراء هم ورثة الأنبياء» (السماوي «م»، 2011م، موقع المثقف).
و یقول الناقد العراقی البرفسور عبدالرضا علی: «يحيى السماوي شاعرٌ كبيرٌ جدّاً، ومن يريدُ أن يتعلّمَ تذوّق الشعر(وأنا أوّلهم دون تنطّع ٍأو مداهنة) والوقوف على صناعة الخيال، واقتناص متعة الرؤيا الخلّاقة، والإطّلاع على النسيج المثير في الأداء والتوصيل، ومعرفة ماهيّة السهل الممتنع، عليه أن يقرأ شعر السماوي، فهذا الشاعرُ واحدٌ من الذين يعجنون اللغة عجناً، فيصوغ منها ما يشاء من الجمان، ويقدّمه للمتلقّي على طبق ٍمن ماس ٍ لازورديٍّ لايشبه بقيّة َ الأطباق…» (علي، 2009م، مرکز النور).
شاعرنا يحيی السماوي یمتلك ادواته الكتابية الشعرية وله اسلوبه وبصمته الواضحة على خارطتي الشعر العراقي والعربي، فنجد مفرداته الثرّة تنبض بالوفاء والحنين الى وطنه الذي غادره منذ عقود من السنين، وتفيض نصوصه الشاعرية شجنا ولوعة انسانية تعبران عن عمقها الانساني التواق الى عراق معافى، وتختزن قصائده جذوة عشق صوفية لا تنطفىء موسومة بمخيالية واسعة ولغة عالية نابضة بالحياة . و همّ الشاعر الانساني الكوني هو ما يميّز كتاباته ويطبعها بالسمة العالمية، كما ان نصوصه تحمل ابعادا دلالية وصورا شاعرية فذّة تسحب القارىء الى مناطق روحية يجد من خلالها ذاته، وما تكتبه يمثل الاغلبية العظمى من العراقيين الذين عانوا ومازالوا يعانون ألم ومرارة الغربة في اي مكان يرتحلون اليه، والكثير من قصائده تنطوي على تعابير انسانية تتغلغل بين المفردات . ویمتلک السماوي تكنيكاً شعرياً مبهراً في ما يقوله من خلال كلماته وما یريد ان یوصله الى المتلقي، كما انه یضمّن في عدد من قصائده الميثولوجيا الدينية، التي تأتي موفقة في مواضع عدة من القصيدة، نابضة بانفعالات رؤيوية تمنح النص الشعري ديناميكية تفاعلية مع القارىء، ونصوصها عميقة في افكارها ومدلولاتها المحمّلة بالمعاناة التي تحفر في ذاكرة الشاعر…
السماوي یكتب نصوصا ذات بناء شعري رصين ویحافظ على فكرة النص من بدايته حتى نهايته من دون ان تترهل القصيدة او تفلت من يده الفكرة، او تنحو مناح ٍ زائدة لا تخدم فكرة النص او بنائه اللغوي، وهنالك خيط سري يمتد من اول النص الى نهايته يشعر القارىء انه يقرا نصا لشاعر متمكن ومتمرس في الكتابة . فالشاعر مجدد ومتالق، و كلماته الشفافة والرقيقة تدخل في الذات الانسانية من دون استئذان ومن اوسع الابواب، والشاعر یتمتع بخيال خصب وخزين لغوي غنيّ بالمفردات الشاعرية الرائعة، كما انه یكتب قصائده بلوعة مختزنة في دواخله.
للسماوي حضور ثقافي واسع في اماكن عديدة، فهو یكتب معاناة الانسانية ویستصرخ الضمير الانساني من اجل انقاذ الانسان من عذاباته ومكابداته اليومية، ویحمل في حله وترحاله تصورات ورؤى واضحة عن واقع الانسان المهمّش والمسحوق تحت عجلات الديكتاتورية، لا سيما الانسان العربي الذي يكابد ضغط الانظمة السلطوية الشمولية العربية، التي لا تحسب أية حسابات لشعوبها المقهورة، وطموحاتها للعيش بحرية وكرامة يتوق اليهما الانسان العربي ويتطلع اليهما كل يوم . فجاءت نصوص الشاعر العراقی یحیی السماوي محمّلة بدلالات رمزية غاية في الروعة والاتقان والبناء الشعري الرصين.

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *