فرح غانم صالح البيرماني : الغزل الصوفي في شعر عاتكة الخزرجي (ملف/2)

ateka-5إشارة :

منذ مدّة ليست قصيرة وأسرة الموقع تجمع المقالات والدراسات المنشورة عن المنجز الإبداعي (الشعري والنقدي) للمبدعة العراقية الراحلة الدكتورة “عاتكة وهبي الخزرجي” الذي لم ينل -للأسف- حقّه الكافي الموازي لتفرّده من الدراسة والتحليل، وذلك لغرض إصدار ملف عن المبدعة الراحلة يكون مصدرا للباحثين ومادة للقراءة الثرة. وقد جاءت مقالة المبدع الكبير الدكتور “علي القاسمي” : أستاذتي قيثارة العراق الشاعرة عاتكة الخزرجي” لتحفزنا نحو البدء بنشر حلقات الملف ولنفتتح هذا الملف بها. ندعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء هذا الملف بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات وصور ووثائق. وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية على عادة الموقع لأن لا زمن يحدّ الإبداع.

المقالة :

يعالج هذا البحث النزعة الصوفية في شعر عاتكة الخزرجي وهي محاولة تقليد للنزعة الصوفية عند رابعة العدوية.
لاشك في أن الشاعرة تعيش في مجتمع محافظ ورغم تحررها في السفر والفكر فهي تحاول أن ترضي هذا المجتمع. ويمكن أن نقول أن هذا الشعر الصوفي هو نوع من الغزل المتخفي.
وقد برز هذا السلوك في عصرنا الحديث في شعر المرأة لاجتماع المتعارضات السلوكية في العص الحديث.
هي حفيدة صوفيٍ خزرجي، دغدغَ سمعَها، وهي بعد طفلةُ صوت والدِها منشداً شعر أبيه وسواه من شعراء التصوف، إذ جمعت في شعرها بين رقة البحتري وغزل العباس بن الأحنف، وتعفف الشريف الرضي واستعطافه، وصوفية ابن الفارض وهيامه فهي ابنة الرصافة وربيبة دار المعلمين. إذ وُلِدَت هذه الشاعرة في بغداد عام 1926، حيث أكملتْ دراستَها الابتدائية في المدرسة الحيدريةِ للبنات بتفوقٍ ثم المتوسطة والثانوية وحصلت على الليسانس في الأدبِ العربي من دار المعلمين العالية سنة 1945.
وقد مارست التدريسَ في ثانويةِ الأعظميةِ للبنات، ورحلت إلى باريسَ ودخلت كليةَ الآداب في السوربون سنة 1950 فحصلت على دكتوراه دولة في سنة 1955 بعد أن حققت ديوانَ العباس بن الأحنفِ وقد طَبَعَتْهُ بالقاهرة، وبعدها عُينت بمنصبِ مدرسةٍ في قسم اللغة العربية في دار المعلمينَ العاليةِ.
لكن طموحها لم يقف عند هذا الحد. فقد عكفت على نظم الشعرِ منذ أن كانت في العاشرة من عمرها. ونشرت منه وهي في الرابعة عشرة في الصحف العراقية، وكتبت مسرحيةً بعنوان (مجنون ليلى) وهي في السادسة عشرة في مرحلة الدراسة الإعدادية، وطبعتها سنة 1963 في القاهرة، وتنهج فيها منهجَ احمد شوقي، وقد انتمت إلى نادي القلم سنة 1957، ومن دواوينها المطبوعة (أنفاس السحر)حيث طبع في القاهرة سنة 1963 و(لألاء القمر)الذي طبع في القاهرة 1994 ولها ديوان مخطوط بعنوان (أفواف الزهر) وعدد من المقالات المنشورة.kh-ateka-1
ولابد من الإشارة إلى أنّ ديوانَها الأول لا يكشف لنا إلا فتراتِ التكوين الأولى، منها ما رافق فترة (الطلب والتلمذة) ومنها ما رافق فترة التغرب في أوربا حيث نلمحُ فيه بداية التحرر الروحي ويقول عن هذا الأمر الدكتور داود سلوم: (إني أرى أن مادة هذا الشعر الوجداني- الذي نسبته الشاعرة إلى مسرحية عُلية بنت المهدي كان تهرباً من الاعتراف بعواطفها في الفترة الأولى).
أما في ديوانها (لألاء القمر) فتظهر فيه القديسة وبين يديها حب جديد تعترف به وتنسبه إلى نفسها لا إلى عُلية بنت المهدي وهذا الحب الصوفي خلاصة تأمل في الذات الإلهية. وأود أن أشير إلى أنَّ الشاعرة عاتكة الخزرجي على الرغم من أنها عاشت في أول شبابها في مجتمع متحرر نوعاً ما، ثم سفرها إلى فرنسا للدراسة، ورجوعها بعد ذلك وهي تحمل دكتوراه الدولة في الأدب العربي، وسلوكها بعد مجيئها من دراستها خارج العراق سلوكاً تحررياً وشعورها بالكثير من السعادة في حياتها الأولى قبل زواجها الأول، الذي لم يكتب له الاستمرار، ثم في زواجها الثاني الذي هو الآخر لم يعمّر طويلاً نرى أن الشاعرة قد تغيرت في أفكارها وأشعارها. وظهر في المرحلة الثالثة من حياتها نوع من التشاؤم في الحياة أدى بها إلى الاتجاه نحو شعر التصوف والعرفان مما سنقرأ قسماً منه في هذا البحث. وقد قال عنها الأديب المصري احمد حسن الزيات: (الناقدَ الذي لا يؤمن بصوفيتها أنها تدخل في الغزل باباً من أبوابِ الشعر لا مجرى من مجاري الشعور فهي تعبّرُ بالفن لا بالوحي وتؤثر بالصنعة لا بالطبيعة). ويشير الأديب المصري احمد حسن الزيات بأنّ لقاءَه بالشاعرة عاتكة الخزرجي وإصغاءه إلى إنشادِها لمقطعاتِ شعرِها بعثَ في نفسهِ ذكريات (مي زيادة) التي اشتهرت بإلقائِها العذب للشعرِ والنثرِ.kh-ateka-3
أما الدكتور داود سلوم الذي أطلق عليها القديسة وناداها به فيقول: (إنّ القديسة في صلواتها الشعرية لا تتكلف في اختيارها فهي تشعر بالقربِ ممن تخاطب، وتشعر أنه قريبٌ منها، ففي شعرها تنتفي لقاعدة –لكل مقام مقال- وتستحيل ألفاظها إلى ألفاظ هامسة بسيطة. ألفاظُها تُشبه حواراً بين اثنين في روضةٍ بعيديْن عن الناسِ والزحامِ وقد غابا عن الوجود حول منضدتهما أحدهما ينظر في أعماقِ عيني الآخر فيقول ما يشعرُ بما يقوله، إنه شعر يشبه النثر، ونثرٌ يُشبه الشعرَ، إنه صلاة قديسة… ودعوة محتاج!).

غرض التصوف في شعر عاتكة (الغزل الصوفي)
إنَّ من يطّلعُ على شعر عاتكة يلمس في تركيزها على موضوعاتِ (الحب والتصوف) وهذا ما لاحظه الأديبُ احمد حسن الزيات فهي ربيبة الرصافة ونزيلة الكرخ حيث يتعطرُ بأنفاسِ الملائكة وتحوم حول أرواحُ المتصوفين (كالجُنيد البغدادي والحَلاّج ومعروف الكرخي). حيث أنّ الينابيعَ الصافية التي ارتوى من فيضِها شعر الدكتورة عاتكة والينابيع هي (الله والطبيعة والنفس). والينبوع القدسي هو أندى على كبدِها وأروى لشعورِها من الينبوع النفسيّ والينبوع الطبيعي لأنها حين تصفُ النفسَ أو تصورُ الطبيعة يتمثل فيها بديع السمواتِ والأرضِ الذي أحسن كلَّ شيء خلقه ومنح كلَّ جميل جمالَه(1):
فنسمعها تقول…
بالذي رقرق الصبابةَ في القلب وشّى بالحب أثناء نفسي
والذي بَرَّأ الحنايا وأصفاها صفاء الأنداء في ضوء شمس
أنت عندي معنىً أجدُ الله حِيالي في الصبح أو حين أمسي
(شهد الله لم يَغِبْ عن جفوني شخصه لحظة ولم يخْلُ حِسِّي)
فهذا الحبُ الصوفيّ الإلهي خلاصةُ تأمل في الذات الإلهية ونوعٌ من الذوبانِ في ذاتِ الله، وأنّ هذا الشعرَ وليدُ التأملِ والنضج الفكري والتقدم في الثقافة والتأثر بالنصوص الدينية وجذور النشأة الأولى. وهنا تستخدمُ الشاعرة كل ما استخدمَ غيرُها من دلائلِ الربوبيةِ ولكنَّ كونَها امرأةً تجعل من شعرِها عشقاً يقوم بين إله روحاني وامرأة بشرية ذات لحم ودم.
وهذا هو الطريف في موضوعِ الغزلِ الصوفي. لأنَّ هذا العشق الحادُّ بين الروح والمادة لم يتكررْ بهذا الجمالِ والصفاءِ واللطفِ والظرفِ منذ أن غنت رابعةُ العدويةُ النغمَ لنفسِ الإله. ومن خلال شعرِها نراها تُسجّلُ اعترافاتِها في أكثر من قصيدةٍ عن مدى عشقِها (للإله) وتؤكد عليه وإذا كان هناك من يسألها ماذا تعشقين… أجابت…
أهوى الذي خلقَ الوجودَ من العَدَمْ
أهوى الذي سَوَّاك من لحمٍ ودَمْ
أهوى الذي شقَّ الضياءَ عن الظُلَمْ
أهوى الذي علّى وعلَّمَ بالقلَمْ
قالوا تعالى مَنْ له الملكوت مَنْ بَرَأ النَّسَمْ
يُلح كيف أنّ الشاعرة (تعشق الإله) وتبين أنّ عشقَها خالص لربها ولكنها في الوقت نفسه تعطي دليلاً على أنّ عشقها موجه إلى (حبيب خيالي) إذ تشخص بقولها:
أهوى الذي سَوَّاك من لحمٍ ودَم
فكيف تقدم دلائل لربوبية الإله وتتحدث عن حبها له ثم تعشق ما خلقه الله.
ونسمعها تقول…
قالوا: وماذا تعشقين؟ فقلت سِرَّ الحسن كُلَّه…!
قالوا: ومَنْ ذا؟ قلت ربي بارئ الكون جمله…!
ونلمس عشق الشاعرة إلى كل شيء جميل خلقه الله وبعد ذلك تؤكد محبتها (للإله).
وتستمر في قولها…

أُحبّكَ… لو صَحَّ أنَّ الهوى
تُترجِمُه أحرفٌ أو معـان
أُحبّـكَ للحبِّ لـو أعربـتْ
عن الحبِّ قافيةٌ أو بيان
وهنا تُصرِّحُ الشاعرةُ بشكل مؤثر عن مدى تعشقِها لربها إذ تصف ذلك الحب الذي يعجزُ عن وصفه أي شخص.
حيث تقول…
هواكَ هوايَ الذي يعرفـونْ
وسِرُّكَ سرِّي… فما ينكرونْ…؟
أُحبّك فوق الهوى والظنون
وفوق الذي يحســب العاشقـونْ
هـواكَ هـواي أيـا عـالمـــاً
تَقـاصَرَ عن وصفِـه الواصفـونْkh-ateka-2
ونرى اهتمام الشاعرة بالصورة ولكنها في الوقت نفسه تطمح إلى الروح _إلى الينبوع_ الذي يحل هناك في أعماق روحها.
إذ تقول…
وفيكَ عَشِقت الجــمالَ الرفيــعْ
وأدركت سِرَّ ضياءِ العيونْ
جَـمـالُـك يـا مـالـكـي آيـةٌ
يضلُ بأسرارِها المهتدون
وإذا ما أمعنا النظر في شعر عاتكة نلمحُ الله في كل آيةٍ من آياته وفي كل صفة وهي تكاد تدين هنا بحلول الجمال الإلهي. حيث تقول…
أهواك… أهوى الحُسْنَ… أهوى الله في خَلق جـــديد
وقولها…
يا خالق الحسن… أدرك في حِماك لقىً
من فتنة العين أو من فتنة الأُذن
نلحظ إصرار الشاعرة على تأكيد حبها إذ تبين انبهارها وإعجابها بما خلق الله وأبدع في خلقه وهي متعشقة للجمال الإلهي.
وعلى طريقة ابن الفارض وسواه من القدامى تتوكأُ على القسم في خطاب الحبيب وتوحد بين حبه وحب الله. وعلى مثالِ شعراء الصوفيةِ، تؤكد أنَّ حبَّها للحبِ، لا خوفاً من عذاب أو طمعاً في ثواب.
أحبّـُكَ للحُـبِّ… لا رغبـةً
ولا رهبـةً بئـس ما يأفـكـونْ
هواك هوىً لم تَصِفْه اللُّغى
وأعيا النُّهى وتحدّى الظنـــون
فأنت بروحي رفيفُ السَّنا
وهَمْسُ المُنَى وابتسام الفتون
وتؤكد عاتكة ذلك العهد فهي ستبقى على عهد المحبة وهو دليل آخر تقدمه الشاعرة إذ أنّ كلامها وأشعارها موجهة إلى ذلك الرجل الذي ترسم له في مخيلتها صورة (فالعهد بين الأحبة)… ولهذا استخدمت القسم إذ تقول…
شهد الله أنني أحفظ العهـ
ــد وقـلبـي على الأحبـة بـاقٍ
أنت عندي معنى به أذكر الله وأعنو للبارئ الخلاق
أنا والله قد عشقتك في الله وحزت الثواب في العُشّاق…!
وقولها…
وليشهد الله بأنــي علـى
عهد الهوى أبقى وأني أنا…
ولا نستغرب كثيراً إذا رأيناها تُكثرُ من الوقوفِ على الصورِ الجميلةِ التي تتجسدُ لها في الرجل. وقد يختلطُ الأمر عليها وهي تنظر فيما حولها. فتقع في حب الجمال والشوق إليه واللوعة لفراقهِ وكأنها تشكو إلى رجلٍ بعينه فكثيراً ما تعبر عن لوعتها… بقولها…
أفديك يا سيـدي ممـا تعـاورَنـي
سِيّـان فـي حُبِّـك الإعسـارُ والتَّـرفُ
آمنتُ بالحـبِّ إيمـانـي ببـارئـه
سبحانه جلَّ عن قولـي ومـا أصِـفُ
سبحانه كيف أنشاني وصوَّرنـي
وكيـف تتبـعُ يـائـي مـنـي الألـفِ
وكيف كُنّا فصرنا… ثم كان هوىً
وحسنكَ السهـــمُ إذ قلبي له الهَدَفُ!
ونرى اقتباس الشاعرة من القرآن الكريم وقد وقع في شعرها كما وقع في كل شعر شعراء العربية.

قد انتهى ما بيننا إلى الأبدِ
يا سيدي فقل (( هو الله أحدْ ))
أخذتني أخـذ عزيـز قـادرٍ
يا سيّد الناس ومَنْ جَـدَّ وجَـدْ
وقولها…
ورضينا منه بما ليس يُرضى
((حسبنا الله وهو نعم الوكيل))!

وهنا الشاعرة تقدم دليلاً جديداً للقارئ إذ تستعين (بالله) بعد فراقها من ذلك الحبيب حيث انتهى ما بينهما.
ولابد من الإشارة إلى أنّ الشاعرة لا تثور على قَدَرها وعلى ذلتِها وعلى خضوعها، بل هي راضيةٌ، قانعةٌ سعيدة بأن تحب وأن تتعذب، وأن تكتوي وأن تحترق، تشيرُ من بعيد وتبتهلُ ولا تدري إذا كانت دعوتُها سوف تُجابُ أم لا؟ إذ نلمح عصيانها في قصيدتها (الحبّ الأخير)…
سأنأى سأذهبُ لا رَجعَةً
تُرجى لحُبّي وأيّةُ عَوده
سأذهب كالطيفِ في لمحةٍ
سأنأى ويبقى حبيبي وحدَه…!
وماذا عليه إذا ما ذهبتُ
وأهون شيء أراني عنده…؟!
ويوماً سيندم إمّا أفاقَ
فحُبّي الأخير ولا شيء بعده…!
ويُعلق الدكتور داود سلوم ويقول عن الشاعرة… (إنها قدمت لنا _جلجامشاً_ ابن الآلهة الذي لم تلمسه ولم ترسمه بوضوح. فهي لم تعطه صفة بشرية ولم تعطه إلا الجمال المطلق، ويكفي أن تقول أنه رجل، ولكن لسان حال قصائدها: نعم إنه رجل ولكن أيُّ رجل).
ويمكن أن نمضي في تحديد خصائص هذا الغزل الصوفي الذي انشطر إلى نصفين فنصفه إلهي ونصفه بشري… فهذا الغزل غير محدد بمستوى اجتماعي وليس لهذا الموصوف أبعاد البشر الذي يتحرك بيننا وإنما هو صورة _الرجل_ الذي يعيش في قلب القديسة، هو –آدم- كما تريده حواء، فهي في رسم صورته لا تبرهن على أنها كالشعراء الآخرين والشاعرات الأخريات، فأمرؤ القيس حدد لنا مستوى من يحب، وعمر بن أبي ربيعة حدد لنا مستوى الكثيرات من اللواتي ذكرهن، حدد مستواهن في الجمال والمال والمركز والرتبة والمزاج، ومثلهما فعل نزار قباني، ومثلهم فعل الكثيرات من الإعرابيات اللواتي تغزلن فقد حددت هؤلاء الشاعرات لرجلهن الصفات الدنيوية الصلبة والخصائص المثالية المتطلبة في مثل هذا الرجل الذي يعجب بالأنثى.
فالرجل عندهن: شجاع و كريم أو طويل أو شيطان، أو عنيف حين يخلو بهن، أو…، أو…. إذ تقول…
عرفتُ بك الحـــبَّ يـا سيـدي
كـــأنَّ بــه نـَـفَـحــات الإلـــه
أحِسُّ الخشوع بهذي الضــــلوع
إذا ما اسمُكَ العَذْبُ يـــعلو الشـــــفاه
كـأنـي وحـبَّـك يـغـزو دمـي
تـقـيٌّ بـــه رعـشَــةٌ مـن صــلاه
ومـا أنــت إلا رؤى عـالـــمٍ
معانيه فيهـا الهــوى والحـيــــاة

الملحق الأدبي لجريدة المنار في الخمسينات ينوه بنشر قصيدة لم تنشر للشاعرة عاتكة الخزرجي
الملحق الأدبي لجريدة المنار في الخمسينات ينوه بنشر قصيدة لم تنشر للشاعرة عاتكة الخزرجي

فالشاعرة تذوب في مناجاتها وشكواها وحبها حتى لا تتخيل إلا روحاً شفافاً ترفرف على وجه من تخاطب ومن خلال هذا الحب الإلهي ترى الشاعرة العالم وتجسد في شعرها أمنياتها للتحرر من تلك التقاليد والعادات المقيدة فتترك الخوف والخجل لتنطلق وتُحلق في الأفق وهي تكتب ما حُبس في قلبها الذي لا يجد حريته المطلقة غير المُقيد في المناجاة.
سأموتُ من لَهَفٍ عليكْ
واحسرتاه… فمَنْ إليكْ؟
كيف السبيل إلى لقاك؟
فأرتوي من ناظريكْ؟
مولاي هذي مهجتي
وَقْفٌ عليك وفي يديكْ؟
أترى يساعفني الزمان
تراه يشفع لي لديكْ…؟
ويتردد في شعرها تلك المعاني المجردة التي ولع بها الغَزِلون في العصر العباسي، عصر انتشار المصطلحات الفلسفية والصوفية. فمنها الروح والهوى والوحي واليقين والظنون واللطف والقدر والهجر والشوق واللهف والوجد والكمد والندى والجوى والهدى. كما تتردد الصور التي ألفوها: جمال يوسف، الدر النضيد، ورد الخدود، عبير الزهر، فوح العطر، سنا البرق، سواد العين، نور البدر ورفيف القلب.
فهي مثلهم تجمع بين الأضداد وهو أحد الفنون البلاغية… حين تقول…
ويغدو على بابك الأقوياء
ويرجو مواساتك المُتعبون
ويسألك الرحمةَ الأتقيـاء
ويأوي إلى ظلِّك المُذنبون
وتُحنى الجباه لعِزِّ الإله
ويخضع للأكبر الكابرون…
ونلحظ قدرة الشاعرة ومهارتها على إضافةِ الحشو في بعض الأحيانِ رغبةً في إقامةِ الوزن…
إذ تقول…
حكمتَ فأقسطتَ في العالمين
وبالعدل فليحكم الحاكمون
فنارُكَ يُصْلَى بها الكافـرون
وجنَّاتُ عدن بها المؤمنـون
فنلحظ الحشو في الشطر الثاني من البيت الأول (وبالعدل فليحكم الحاكمون).
مع أن عاتكة نهلت من ثقافات مختلفة في دار المعلمين في بلاد الشرق في العراق وفي بلاد الغرب في باريس، رأت أن تحصر منابع وحيها في الأدب العربي، لاسيما الأدب القديم. لذلك يسيطر على شعرها تأثرات واحدة لا تتبدل، ولا نلمح فيه تطوراً بين ديوان وآخر. فنلمس الرقة وسمو المعنى في شعرها على الرغم أنّ التقليد غالب على شعرها.
فتقول…
عشقتُكَ يا ربّ عِشْقَ الذليل
لـمولىً جليـل عزيـز المكــان
وكم عند بابك طال الوقـوف
وطاب لديك الهــــوى والهوان
وأنتَ جميلٌ تُحبُّ الجمـال
فأنّى تجلّيـت كـان افتــتـان…
فوجهُك قِبلتُنـا في الصــلاة
وذكرك تسبــيحنـا كلّ آن…
وتستمر في قولها…
أحِبّكَ فوق الهوى والفتون
وما أنا إن قلتُها مُعربــه
وماذا يقول بك العاشقـون
إذا كنتَ آيتَهُ المُعجبـــه
وتنشد الشاعرة…
إنّـي لأستحـييـكَ يـا سيــدي
أَنْ بتُّ أشكوك وأشكو إليك…!
حسبك أن قد ضاق بي مرقدي
من لهفة الروح ووجـدي عليـك
واحسرتا… أفـلـّتُـهُ مـن يـدي
قلباً… أما لي من شفيعٍ لديـك؟
حسبك أن أَشْمَتَّ بي حُسّدي
وذي حياتي كلها في يديك…!
والحديث طويلٌ عن عشق عاتكة عشقها المادي ولهفتها للرجل وللحياة وعشقها الإلهي للإله والروح والسماء ولكن ما نشعرُ به من خلالِ تأملِ أشعارها وقصائدها نجد أنّ الشاعرةَ تضع في مخيلتها أنّ هناك رجلاً من أجله تعاني وتسهرُ وتشكو وتتعذبُ من لوعةِ الحرمانِ والفراق وتحاول أن ترسمَ في قصائدِها مدى اشتياقِها وانتظارِها للقاءِ بذلك الرجل الذي ترسم وتكتفي بصورةٍ وهمية له في قلبها حيث تتنفس الشاعرةُ ما تريد التعبير عنه والشوق لذلك الرجل الذي أقسمت بالله على البقاء على عهدها بأن تبقى وفيّة محبّة عاشقة فهي تتغزل بطريقةِ صوفيةِ إذ تُناجي وترجو وتتكلم مع الإله إذ تُوهم القارئ أن محبتها للإله تشغلُ عقلَها وقلبَها فهي تُحرر ما حُبس في داخلِها وتنطلقُ لتتخطى القيودَ وتطلق العِنان لقلمِها وهي تكتب ولعل ما عانته الشاعرةُ من غربةٍ ووحدةٍ وعدم استقرار دفعها لاستخدام هذا الغطاء النفسي في قصائدِها فلم تجد غير هذه الوسيلةِ التي تختفي وراءها أمنيات امرأةٍ حُرمت من نيرانِ ودفءِ الحبِ الصادق ومن تحقيق رغباتِها.
وبذلك أرادت الشاعرة أن تتشبه بالصوفيات وتقلدهن من أمثال رابعة العدوية وغيرها من الزاهدات ولكونها عاشت في أرقى دول العالم لجأت إلى هذه التغطية لسلوك المرأة الحضارية وإني أرى أن نتيجة ما مرت به الشاعرة من تجارب وعلاقات مختلفة انعكس على شعرِها إذ كانت تعيش في مجتمع تحكمه القيود والعادات الاجتماعية وبعد سفرها أصبح عقلها حُراً وأفكارها حُرةٌ الأمر الذي أدى إلى حدوث صراع بين جسدها وعقلها. ولابد من الإشارة إلى أنّ لغة الشاعرة بسيطة وقصائدها واضحة ليس فيها غموض أو تعقيد ونلاحظ الإيقاع الموسيقي المؤثر للأبيات الشعرية لتحقيق التأثير في نفس القارئ.

المصادر
1.أعلام الأدب والفن، أدهم الجندي/ دمشق/ 1958.
2.أدب المرأة العراقية/ بدوي احمد طبانة/ القاهرة/ 1947.
3.شاعرات عراقيات معاصرات/ سلمان هادي آل طعمة/ الطبعة الثانية/ 1995.
4.المجموعة الشعرية الكاملة (ستة دواوين ومسرحية) 1407هـ-1986م/ شعر الدكتورة عاتكة الخزرجي.
5.المرأة في أفق الأدب العربي، أ.د.داود سلوم/ بغداد 1423هـ-2002م.
6.موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين/حميد المطبعي/وزارة الثقافة والإعلام/دار الشؤون الثقافية العامة ط1/ بغداد 1995.
7.نسمات وأعاصير في الشعر النسائي العربي المعاصر/روز غريِّب/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط1/1400هـ-1980م.\

*عن صحيفة المدى

شاهد أيضاً

يحيى السماوي في محراب الحب والأسطورة والجمال
(قبل دخولي فردوسها)
مفيد خنسة – سوريا (ملف/131)

إشارة : يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ …

موسيقى الكائن للشاعر سعد جاسم
فانتازيا التنبؤات والتمازج مع اناشيد الروح
قراءة: سمر محفوض* (ملف/37)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

أنتِ تشبهينني تماماً للعراقي سعد جاسم: طقسٌ أنثوي يُشبهُ قصيدة واحدة
قراءة: صالح الرزوق (ملف/36)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *