هديّة حسين : اعترافات إيزابيل الليندي في “حصيلة الأيام”

hadiya-5يُعد هذا الكتاب السيرة الذاتية الثالثة لإيزابيل الليندي، وكانت قد أصدرت من قبل كتابين في السيرة، الأول يحمل اسم ابنتها باولا التي توفيت بعد أن ظلت لسنوات في الغيبوبة، وتحكي فيه عن المرض الذي أطاح بأحلام باولا، وعن الوجع الذي عاشته الاثنتان في تلك الفترة العصيبة، والثاني بعنوان (بلدي المخترع) وتروي فيه قصة مغادرتها تشيلي بعد الانقلاب العسكري في العام 1973 الذي قاده بينوشيت، وتنقّلها من بلد الى بلد حتى استقرت في أمريكا وتزوجت من أمريكي.
تأتي مذكراتها في “حصيلة الأيام” لتضيف أشياء جديدة ربما كانت قد سهت عنها في كتابيها السابقين، أو أن السيرتين السابقتين لم تكتملا، إذ مازال لديها الكثير لتقوله، وها هي تعترف منذ السطور الأولى فتقول (لا تفتقر حياتي الى الدراما، لدي فائض من مواد السيرة للكتابة) هذا الفائض جاءنا مترجماً من قبل صالح علماني الذي ترجم معظم أعمال إيزابيل الليندي، وصدر عن دار المدى للثقافة والنشر في دمشق 2008.
كانت العاصفة قد ضربت كاليفورنيا في السابع من كانون الثاني، وبدأ الطوفان، فخرج الناس الى الشوارع غاطسين في الماء وباحثين عن أمان، وإيزابيل الليندي كما هو معروف عنها تبدأ الكتابة في الثامن من كانون الثاني من كل عام، هذا هو طقسها، فكيف ستكتب في مثل هذه الأجواء وكل شيء مهدد بالاقتلاع، الأشجار والبيوت والناس ؟ شعرت بالتطير، فهي إن تركت الكتابة في اليوم الموعود فإنها لا تستطيع أن تكتب طيلة أيام السنة كما تقول، لكن الصباح جاء كما أرادت، خفت العاصفة وبدأت إيزابيل طقسها السنوي، اجتازت حديقة البيت ودخلت كوخها المنعزل وبدأت بكتابة هذه السيرة.
تبدأ أحداث القسم الأول في الأسبوع الثاني من شهر كانون الأول من عام 1992 وقد انتهت تواً هي والأقارب والأصدقاء من نثر رماد باولا عملاً بوصية كتبتها قبل وقت طويل من سقوطها في الغيبوبة، والكلام في هذه السيرة موجّه من بدايته الى نهايته الى باولا، كما لو أنه رسالة طويلة أو عدة رسائل، أو استكمال لكتابها عن ابنتها تخبرها فيه عن كل ما جرى بعد موتها الفاجع، لكي لا يفوتها شيء من أخبار الأسرة التي أحبتها، سنتتبع خطى الأم المفجوعة وخطى المشيعين وهم يجتازون الغابة الى النهر لينثروا فيه الرماد.ezabil-2
تضعنا إيزابيل الليندي وجهاً لوجه أمام أسرتها، تبدأ بجنيفر ابنة زوجها ويللي، هذه الإبنة المصابة بأكثر من مرض والمدمنة على المخدرات، سبق أن هربت مرتين من البيت ومن مركز الرعاية الطبية ودخلت السجن، ثم ولدت طفلة غير شرعية تدعى سابرينا التي تستحوذ على مشاعر إيزابيل وتفرد لها مساحة واسعة من هذه المذكرات.
ربما تعود إيزابيل الليندي الى أحداث سبق أن روتها في سيرتيها السابقتين، ولكن هذه المرة بتفاصيل أكثر، وتأتي على ظروف كتابة بعض رواياتها بدءاً من (بيت الأرواح) التي تحولت الى فيلم سينمائي أدّت فيه ميريل ستريب دور البطولة، وكيف تضايقت الأسرة مما ورد في تلك الرواية من أسرار شخصية.. ثم تاتي على ذكر روايتها (الخطة اللانهائية) التي استوحت فكرتها من حياة زوجها ويللي والزواج منه بمبادرة منها، وتعتبر لقاءها بويللي والزواج منه ضربة حظ، لأنه ليس هناك كما تعتقد من يتحملها، فهما من بيئتين وثقافتين مختلفتين..كتبت ايزابيل الليندي “الخطة اللانهائية” في وقت كان الحزن فيه يغرقها ولم تشف من فقد باولا، وتحكي هنا عن ويللي بمحبة فائضة، وكانت من قبل قد انفصلت عن زوجها الأول (والد باولا) بعد تسع وعشرين سنة من الزواج.
ستظل باولا مهيمنة على هذه السيرة، فهي المخاطبة أولاً وأخيراً، تسمع ما لم تسمع به من قبل، وتعود سابرينا لتحتل الصفحات ما دامت قد استحوذت على اهتمام ايزابيل، فهذه الطفلة ولدت قبل أوانها بأمراض متعددة، وجرد القاضي الأم جنيفر من حضانتها، فحاولت ايزابيل تبنيها دون جدوى، وبقيت الطفلة بأمر القاضي تحت رعاية المستشفى الذي ولدت فيه، تزامن ذلك مع استمرار أيام الكآبة التي سقطت فيها إيزابيل، ولعل الكتابة هي العلاج الوحيد الذي لم تنقطع عنه هذه المبدعة الكبيرة، التي تطلعنا على أدق تفاصيل حياتها الشخصية والمهنية، وتذكرنا كلما مضينا في القراءة بأنها تخاطب ابنتها باولا وتخبرها عما حدث بعد غيابها الأبدي.kh-ezabil-3
إنها حصيلة أيام طويلة لا تنتهي، ممتدة على سنوات، تكتبها لكي لا تفلت منها تلك الذكريات لتبقى على تواصل مع روح ابنتها، ستعيد على مسامعنا بعض ما عرفناه عن باولا، وكيف خرج كتاب “باولا” الى النور، وحجم الحزن الذي انتاب كاتبته، والذي نقلته الى القراء الذين يعشقون إبداعاتها ليتشاطروا معها ما ألم بها من آلام، فباولا لايمكن إسقاطها من تلك الأيام، ولا من قلب وعقل ايزابيل، ستخبر ابنتها وتخبرنا بأن صدور الكتاب عنها كان حدثاً كبيراً، تلقّت بعده مئات الرسائل المؤثرة، حتى أنها لم تجد وقتاً للكتابة في تلك الفترة، واهتمت الصحافة والجمهور به أكثر من اهتمامها بجميع ما كتبته حتى ذلك الوقت، تقول عنه ” جلب لي نشر باولا جوائز لا أستحقها فعينوني عضواً في أحد المجامع اللغوية، بل إنهم قدموا لي المفاتيح الرمزية لإحدى المدن”
لكن رسالة واحدة من تلك الرسائل حملت لها ما لم تكن تتوقعه، جاءت الرسالة من الممرضة التي أشرفت على علاج باولا في المستشفى، تعترف فيه بأن الإهمال الطبي وانقطاع الكهرباء في المستشفى، كانا وراء موت ابنتها، حيث أثر ذلك على جهاز الأوكسجين فأتلف دماغ المريضة.
تفرد ايزابيل الليندي الكثير من الصفحات لنوع العلاقة التي ربطتها بويللي، فقد جمع الحزن بينهما، هي بفقد ابنتها واضطرابات المنفى، وهو بمأساة ابنته المهووسة بالمخدرات والتي ستختفي في ظروف غامضة، وسيشتركان في البحث عنها في المستشفيات والسجون وعند العرافات وفي الجلسات الروحانية.
تعرج بنا المؤلفة الى قضايا عامة تهم المجتمع الدولي، من خلال اهتمام أسرتها بما يحدث في العالم، منها قضية رواندا والبوسنة والإبادة الجماعية وانفجار أوكلاهوما وأعمال الإرهاب والتطرف الديني في أفغانستان وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم تعيد غزل الخيوط التي تشكل نسيج عائلتها وأصدقائها.
تدخل إيزابيل في هذه السيرة الى أعماق أكثر خصوصية في حياتها، تفرط أيامها وترسم صورة بانورامية، ثم تأخذنا الى شرايين علاقاتها من دون خطوط حمر، ونلتقي في كتابها هذا بشياطين الكتابة لديها، ونمر بفترات النضوب التي مرت بها خصوصاً بعد وفاة ابنتها.
القسم الثاني يبدأ من حيث تبدلت أشياء كثيرة في زوايا النظر للأشياء، فإيزابيل وقتها قد تخطت الخمسين من العمر وزوجها يزحف الى الستين، خفّ جموح الجسد، ومالت العواطف الى الاستقرار نوعاً ما، فأتيح لها أن ترى الوجه الآخر للحياة في خريف العمر، حيث السنين تمضي على رؤوس الأصابع.
ما قدمناه في هذا العرض هو الجزء القليل من “حصيلة الأيام” الذي يقع ب 350 صفحة، وهناك الكثير من الطرائف والمواقف الغريبة والعجيبة، والأفراح المتقاسمة، والأقدار المرسومة بيد خفية، تاركين للقراء متعة إكمال الرحلة الطويلة في الحياة لهذه المبدعة الكبيرة، التي ماتزال تدهشنا من كتاب الى آخر، ومذكراتها أكثر حميمية من رواياتها، ذلك أنها تأتي دائماً من أعماق القلب والذاكرة المتوهجة، مع قليل من التحليق في الخيال الذي تتسع فيه الى مديات أبعد من الروايات.

شاهد أيضاً

قراءة في قصيدة: (تراتيلُ مطرٍ يُصَلّي) للشاعر “محمد سعيد العتيق”
د. وليد العرفي

قصيدة ذات نزوع صوفي في انجذاب متناه نحو المطلق ، وهو ما يتبدّى منذ العتبة …

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *