ملك الكمان العراقي فالح حسن لـ (الحقيقة): سعدون جابر بخس حقي وكان سبباً في فقداني بصري (ملف/1)

faleh-hasan-2حاوره – مقداد حسن
كان يلمع مثل الذهب بسبب كمانه الذي اطرب الكل، وعندما يعرف الناس بأنه سيكون ضمن الموجودين في أي الحفل يهرعون. فهو كان وما زال يملأ الذاكرة الشعبية العراقية بعزفه الجميل جدا على آلة الكمان، حيث اصبح مدرسة لا مثيل لها في العزف على الكمان. ورسم من خلال ترحاله في الداخل والخارج لنفسه طريقاً رائعاً مخلداً اسمه في تاريخ الابداع والتميز . حيث وصفه العديد من الموسيقيين والمتابعين بانه أحد أعمدة تطوير الغناء الريفي، إذ رافق أهم أشرطة واسطوانات المطربين الريفيين من خلال عزفه المتقن على الكمان، الذي جعله نوعا من الإضافة الخلاقة، التي تحفز المطرب على تقديم المزيد، ويمتلك هذا الرجل المعطاء تاريخاً يمتد الى مختلف الاجيال على مدى ثلاثة عقود على الاقل، انه عازف الكمان الكبير فالح حسن الذي كان ضيفاً على (الحقيقة)..
فالح حسن قال عن بداياته:” بداياتي مع العزف كانت في المقاهي وبعض الاماكن العامة. وكانت للمصادفة أثر كبير في حياتي الفنية. أذ التقيت مع الراحل شرهان كاطع الذي كان يبيع الاجهزة الصوتية التي تأتي الى البصرة عن طريق الكويت. والذي جمع مبلغاً لا بأس به وأفتتح أول استديو في مدينة البصرة، واخذت شهرة الرجل تزداد شيئاً فشيئاً. كان يطلب مني ان اقوم بتسجيل المقدمات، وجبت معه الكثير من الاماكن. وأستطعت من خلال ترحالي مع كاطع ان اتعرف على سلمان المنكوب الذي كان اول مطرب أعزف له على (الكمنجة). وكنت اذهب معه اينما يذهب وبقيت معه مدة قبل ان اتحول الى المطرب سيد محمد ، الذي كان طوره يختلف عن كل اطوار الغناء الريفية المتعارف عليها، ثم تعرفت الى المطرب حسين سعيدة ثم المطرب جويسم كاظم وسيد فالح الذي تعرفت منه على عازف الايقاع المعروف (كريري) ، ثم انتقلت الى مدينة العمارة (جنوبي العراق) وعملت مع بنات الريف مع فرقة (عيسى حويلة) الذي كان عازف الايقاع الاول في العراق ، ثم تعرفت على عدة مطربين ، هناك قبل ان اعود الى بغداد واتعرف على المطرب حضيري ابو عزيز .
واضاف حسن :” دخلت الى معهد الامل للمكفوفين العام 1952 ، كنت ارى جيدا ، وحين تخرجت من المعهد بداية العام 1958 لم اكن املك شيئا وحالتي يرثى لها واهلي ضعفاء الحال ، لكنني اشتريت (طبلة) وعملت مع مجموعة من مطربي الريف انذاك وكانوا يعطونني اجراً قيمته (250 فلساً ) عن كل حفلة ، ثم تضاعفت الى (500 فلس) ثم صعدت الى دينار واحد ، كنت عازف ايقاع، عملت مدة اقل من سنة وحاولت ان اجمع مبلغا من المال اشتريت به (كمنجة) بعدها بدأت اتجول في مناطق العراق من الجنوب الى الشمال ومن الشرق الى الغرب، وفي كل شهر اذهب الى مكان آخر، استمع واسأل عن الاطوار الغنائية التي يغنيها ابناء تلك المناطق، فعرفت كل الاطوار الريفية والبدوية وغناء اهل المنطقة الغربية” .

سلمان المنكوب
سلمان المنكوب

وقال حسن عن حضيري ابو عزيز: ” كان ابي على علاقة به وهو الذي ارسلني اليه، كان هذا نهاية العام 1959 كما أذكر، التقيته في منطقة (علاوي الحلة) كنت خائفا جدا ، فمن يستطيع ان يحكي مع حضيري! وقفت امامه وانا ارتجف قال لي (انت تعرف إدكـ ؟ ) قلت له: ( اي .. اعرف) قال: (دكنا شوية) ففتحت الكمنجة وعزفت له قليلا ، فنظر الى ابي وقال له (ابنك بيه كظة !!) (اي .. انه واعد) ،ثم اعطاني موعدا في مقهى المطربين في الصالحية لصاحبها (ابو عروبة)، وقفت في باب المقهى فصاح علي وادخلني، كانت في المقهى فسحة مساحتها عشرة امتار، قال لي (دكـ)، كان هناك المطربون: ناصر حكيم ومحمود النجيفي وعبد الواحد جمعة وجواد وادي وعبد الجبار الدراجي وصاحب شراد، وعزفت لهم، وقام احدهم (يغمز) للآخر استحسانا ، اذكر انه في حينها كان هناك برنامج جديد بالتلفزيون اسمه (ركن الريف) ، وقال لي حضيري : نريدك معنا في البرنامج ، قلت له : لا اعمل الا رئيس فرقة ، استغربوا فقالوا (ما يصير) قلت (هذا هو ) حضيري قال لي : ( ولك اذا ما اتدبرها .. تره اكص اذانك) ، وسجلنا ونجحت وصار المطربون يتنافسون عليّ ، ومنذ ذلك الوقت صرت اذهب معهم في حفلاتهم بأجر قدره (دينار واحد) ، واذكر ان اي عازف ما كان يأخذ هذا الاجر لذلك شكلت حزبا للعازفين شجعتهم فيه على طلب زيادة في الاجور فأحدث ذلك ضجة بين المطربين الذين قالوا لي (انت ما تستحي تشجع الناس علينا !!.).
وتحدث حسن عن علاقته بالمطربين الكبيرين سعدي الحلي وياس خضرقائلاً:”تعرفت على المطرب سعدي الحلي الذي كان يعمل سائق سيارة اجرة (تاكسي) على خط بغداد – الحلة ، وكان يأخذني معه الى الحلة ونسجل ونرجع في الليل ، لكنه لم يعط لي اي مبلغ ، وفي احدى الحفلات عند عباس الوادي (صاحب تسجيلات) وكان معنا الشاعر محمد القصاب، قلت مع نفسي الى متى اعزف بالمجان مع سعدي الحلي ، في ذاك اليوم استغليتُ ثمالة الكل، قال لي الشاعر محمد : (شوف العركـ هاليوم سوانه فرجة / بيدك فلاح يلوك دكـ الكمنجة) ، اما سعدي فكان يردد قائلا لي (يا مؤدب يا حنين)، هنا اعطاني صاحب الحفلة الاجرة وكانت (6 دنانير) ، اجرتنا جميعا، اخذتها ودفنتها في جيبي ، في الصباح اخذنا سعدي الى بائع الباقلاء بالدهن ، وأفطرنا واتجهنا صوب بغداد، انا اخذت الدنانير الستة وذهبت ، وفي اليوم التالي اتى الي وهو يستشيط غضباً ويطالبني بالدنانير وقلت له : اطلب اجور ثلاث حفلات وهذا حقي . وهذه احدى الطرف المشهورة بيني وبين سعدي الحلي الذي ادخلته للاذاعة ،مثلما ادخلت المطرب ياس خضر الذي كان يعمل موظفا في مستشفى في باب المعظم ، بصفة قاطع تذاكر ، تعرفت عليه هناك في العام 1964 واتيت به الى الصالحية ، وسجلت له في استديو الفنان جميل بشير اغنية من الحاني عنوانها (تواعدنا وعلى الموعد اجينا) ، وبعد ذلك عرفته على الملحن طالب القره غولي الذي احتضنه ، لكنني اختلفت معه فيما بعد حين وجدت انه كتب ان الاغنية من الحانه، ومنذ ذلك الحين انقطع اتصالي به تماماً”. saadi-alhili
وبخصوص عبادي العماري قال فالح حسن:” الطرف كثيرة جداً ، فماذا اذكر لك منها ، ساحكي لك عن المطرب عبادي العماري الذي جاء الى الصالحية وسأل عني وقال لي اريد ان تأتي كي نسجل حفلة في مدينة الثورة (الصدر)، كان هذا العام 1962 وكانت المدينة في طور البناء وكنت اخاف ان ادخل اليها ، كوني من سكنة مدينة الحرية ، قلت له اريد دينارين ، ولم يعترض العماري على طلبي واتفقنا على كل شيء. وعند وصولنا منتصف جسر الاحرار قلت بيني وبين نفسي (هذا مو ثقة واكيد ما راح ينطيني الدينارين) ، فقلت له لا اذهب معك الا ان اعطيتني الدينارين الآن ، قال :عند وصولنا سيكون المبلغ جاهزاً، حاولت ان انسحب لكنه اعطاني الدينارين ، وذهبت معه وسجلت وارتحت له لانه غنى بشكل ممتاز وصوته جميل ، كان الوقت بعد منتصف الليل والجو كان بارداً للغاية ، فغادر العماري المكان . تبعته الى ان دخل الى منزله وتركني وحدي، بقيت واقفا عند الباب. لكن البرد القارس دفعني لطرق الباب، فخرج لي أباه الذي كان يشبه عبادي. لكن صوته الجهوري أخافني وكاد ان يغمى علي من شدة الخوف. لكني طلبت منه ان ارى عبادي. فرد علي قال : وهل يأتي شخص لرؤية شخص في منتصف الليل. بعد قليل أتى عبادي وأدخلني الى المنزل و(لفلفوني) ببطانية لانني كنت ارتجف من البرد .
اما بخصوص حكايتي مع الكمان:” كان هذا في العام 1960 ، أذكر حين توفى جدي لأمي ، يومها كنت انا فرحاناً بـ (كمنجة) جديدة اقتنيتها، فأردتُ ان تذهب الجنازة كي اعزف ، اختبأتُ تحت (الاريكة)، وإثناء ما كنت اعزف أذن المؤذن من المسجد القريب ، فقمت اطابق (التون) مع المؤذن ، فقلت بيني وبين نفسي : (لولا خوفي من الله عز وجل لتركت الكمان يتكلم) !! ، واستطيع من خلال الكمان ان انادي على الاشخاص باسمائهم .ولو كان عبادي حياً لتحدث كثيراً عن هذه القصة. كوني كنت انادي عليه باسمه بواسطة الكمان ” .
وأردف قائلاً حول الامراض التي ألمت به :”في نهاية العام 1985 ، اصبت بالعمى والسبب هو انفصال الشبكية ، وفي وقتها قالوا ان عليّ ان اسافر فورا الى لندن لاجراء عملية جراحية هناك ، وبالمصادفة كانت لديّ حفلة مع الفنان سعدون جابر في لندن ، لكنها تزامنت مع الحادث ، فرُفع اسمي ووضع آخر بدلا عني ، وبعد شهرين سافرت الى لندن على نفقتي الخاصة بعد ان بعت بيتي وسيارتين كانتا لدي وكل ما املك ، وفي لندن قال الاطباء (لا يوجد أمل) ، وحين اردت العودة الى العراق قال لي احد الاصدقاء هناك ان طبيبا امريكيا مختصاً بالعيون جاء الى لندن وانه ( أي صديقي ) سيتكفل بتكاليف العلاج ، فعرضني على الطبيب الذي قال ان هناك املا بسيطا ، وقال صاحبي لابد من العملية واجريتها ، وعدت ارى ولكن قليلا، وبعد العودة الى بغداد راجعت الطبيب الذي كان طلب مني ان اسافر ، وأذكر يومها كان يجلس معه الفنان محمد القبانجي ، فقلت له وانا فرحان : (دكتور صرت اشوف الصورة التي وراء ظهرك زين)، فقال بسخرية : (موزين .. خليناك تشوف) ، هذا بدل ان يعاين عينيّ ويعطيني علاجا ، وعلى الفور انتابني الغضب فنزل بهما ( العينين ) ماء فأصابني العمى !!. .reyad ahmad
وقال معاتبا ان اكثر الفنانين لم يكونوا وفيين معي وخصوصا سعدون جابر وحسين نعمة وياس خضر ، ما عدا الفنان المرحوم رياض احمد الذي اهتم بي كثيرا وكذلك قسم من مطربي الريف ، كما ان الفنان حميد منصور لم يقصر معي حين سافرت ذات مرة الى سورية ، وبعضهم كنت اتصل بهم بالتلفون فلا يردون علي !!. ويمكن ان اقول لكم اني قد لحنت للكثير من المطربين ولكن أغلبهم كان ينكر اسمي ، ومنها اغنية لسعدون جابر (خبب يمشي المدلل) انكرها ايضا. بالاضافة الى عملي كرئيس لفرقة سعدون جابر، الذي سافرت معه الى العديد من الدول الاوربية والخليجية، ولكن بعد ان فقدت نظري جاء بـ (كمنجاتي) آخر، ربما انه قال ان الرجل ضريراً ولا استفيد منه. اعتقد ان سعدون جابر قد سبب لي الكثير من المشاكل وأوقعني مرات عدة في مواقف محرجة. والان لا يتصل بي ابداً. لكن قبل سنتين ارسل لي( 200$ ) وقال هذا المال من اجل (عمل الثواب).
وتحدث عن آخر اعماله وقال :” كان اخرعمل لي مع الفنان رعد الناصري سنة 1988 وكان حينها جنديا وسجلنا له شريطا هو الاول له واستمريت معه. وهذا الرجل لم يتركني فكان يزورني بين الحين والاخر هو والفنان يونس العبودي.. وتحدث فالح حول عمله مع المطربين العرب:” تعاملت مع ميادة الحناوي وسيد مكاوي وسميرة توفيق وسميرة سعيد. ووضعت بصمتي في اذهان المصريين خصوصا في لندن. عندما سمع الموسيقيون المصريون عزفي تركوا اماكنهم وأتوا الي وهم يقولون لي (قول تاني) وكانوا معجبين بما قدمت ، كذلك المطرب سيد مكاوي في الكويت وفي مكان خاص عزفت فسمعته يقول (مين معانا؟ هذا اصبع عراقي) ومنها تعرفت علي سيد مكاوي والكثير من المطربين والملحنين المصريين.
وانهى حسن حديثه وقال:” انا جالس في البيت وليس لدي سوى حفيدي مصطفى وزوجتي فهما اللذان يقومان بخدمتي ، نعم امتلك العزيمة لكن من دون اي دعم معنوي او مادي، فالبيت الذي أقطن فيه. تصل اجرته الى ( 700 الف دينار) في كل شهر. وقد ارهقني واتعب كاهلي . كون المبلغ كبيرا جداً. بالأضافة الى عبء ابنتي اللتين ترملتا. بالإضافة لظروف المعيشة الصعبة. وانا اعاني اليوم من وجود حصى في كليتي تصل الواحدة منهن الى( 20 ملم) . والمعيل الوحيد لي بعد الله هو الانسان الطيب (ابو سيف). الذي سخر كل جهوده من اجلي . وجعل سيارته الشخصية تحت أمرتي وهو يقلني الى المشافي عندما يشتد علي ألم المفاصل والحصى. وأتمنى ان يأتي يوم وارد الجميل لهذا الرجل الرائع. وانا اوجه من خلالكم رسالة الى السيد رئيس الوزراء نوري المالكي وكل الشرفاء والخيرين. بأن تُسترجع قطعة الارض الخاصة بي في منطقة الراشدية. والتي تمت مصادرتها من قبل أمانة بغداد ولا أعرف لماذا تمت مصادرة تلك الأرض ، علماً ان لدي كل الاوراق الثبوتية التي تؤكد صحة كلامي. وأود ان اوجه رسالة اخرى الى الكل اخبرهم بأن صحتي في تدهور مستمر بسبب انزلاق العمود الفقري والعمى والحصى التي ملأت كليتي. واعتقد ان الكل يعرف كم هي غالية تكاليف العلاج. واطالب ان تتدخل أي جهة لإنقاذي من الموت البطيء. فهل هذا هو استحقاقي، وهل هذا هو حق المبدع في العراق.

*عن صحيفة الحقيقة

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *