أمجد نجم الزيدي : النص الموازي وفاعلية الاندماج مع المتن في مجموعة (ناطحات الخراب) للشاعر علي شبيب ورد

amjad-najem-alzaidiعملية القراءة استفزاز لكوامن الذات القارئة، وكاشفة لتساؤلاتها، حيث تقفز الى سطح النص الكثير من الاسئلة، لتصتدم بوعي النص المكتوب، لتنتج نص القراءة، فيخرج من صورته المحايدة ككتابة أو علامات وايقونات كتابية، الى صورة اكثر حركية تتوالد فيها الدلالات وتنتج ظلالا لمعنى مقترح، تشترك في توجيهه عدة عوامل، خاصة بالمؤلف من ناحية والمتلقي/ القارئ من ناحية اخرى، ومتى ماكان النص المكتوب مرتبا من ناحية الافكار وانساقها، كانت القراءة مستوفية لحظها من الوضوح والدقة، مما يقودنا الى قدرة واضع النص او المؤلف في كيفية سيطرته على نصه المكتوب، وعدم تحييد خطابه، حتى لا يوقع القارئ في ارباك او سوء فهم، فخطابه هو اعادة انتاج عدة خطابات اخرى تعكس المهيمنات الثقافية والايدلوجية المسيطرة عليه، إذ انه – أي المؤلف او صانع النص – بؤرة لتناسق الخطابات، كما يعبر فوكو، والتي هي بالتالي صورة اخرى للبنية السسيولوجية والثقافية العامة، لتخرج ضمن نسق بنائي واحد تسيره قدرة الكاتب على توجيه خطابه والسيطرة على مقاليد النص لحظة انفلاته في رحبة القراءة.
يعتبر العنوان في النصوص الادبية الشعرية منها او السردية، احد الموجهات القرائية المهمة، او ربما محدد لأنساقها البنائية، وهو عتبة تفرض هيمنتها العلامية على مجمل النصوص التي تمثل المتن، اذ يصبح العنوان نصاً موازياً او (مناصاً)، حتى وإن كان يمثل عنوانا لنص داخل المجموعة، والعنوان الرئيسي ينبني ليس فقط من بنيته الدلالية والعلاقات اللغوية، وانما يدخل في تركيبته العناوين الفرعية الاخرى، وايضاً ماتسمى بالنصية الجامعة لدى جيرار جينيت، والتي تعطي ذلك النتاج صفته الاجناسية كقصة أو شعر، وايضاً هناك اسم المؤلف ولوحة الغلاف …. الى اخره من اشياء توجد على غلاف الكتاب.
ان ما يوحيه عنوان مجموعة علي شبيب ورد الشعرية (ناطحات الخراب- محاولات في ايذاء النص)*، إن هناك متنين لهذه المجموعة هو متن (ناطحات الخراب) والمتن الاخر (محاولات في ايذاء النص)، والذي ظهر ايضا كعنوان داخلي جامع لسبعة نصوص هي (أمير البوح، قلة تهذيب، الناهض تواً من سواده، بعد ضجيج ملفق، ثمة اقبية جديرة بالولوج، ماجدوى الفلك وانت الماء، قمر شرقي)، والتي سأستبعدها عن قرائتي هذه، وذلك لانها واقعة تحت هيمنة العنونة الداخلية للنص، بالأضافة الى العنوان الجامع، وكذلك الهامش ص53 (تجريب في الأيذاء المتبادل بين النص ومنتجه خلال زمن الكتابة)، سأبحث في تلك الانساق المضمرة في نموذجين من نصوص المجموعة، والتي حاول بها الشاعر ان يكسر الانساق الخطية للتعامل مع الدلالات وقوالبها المستمدة من مرجعياتها القارة واحالاتها.
واعتقد ان هذا التقسيم بين العنوان الرئيسي والفرعي سيكسر البنية الدلالية للعنوان كنص موازي، ويربك القراءة التي ستتشتت بين هاتين العتبتين، ان قرأناهما بصورة منفصلة ومعزولة.ali-shabib-3
إن البنية الدلالية التي بني عليها العنوان (ناطحات الخراب) هي بنية استعارية ايهامية، وذلك لان الشاعر قد جمع بين طرفين متناقضين هما العلو/ الارتفاع ممثلا بالناطحات والانخفاض الى اسفل الذي يمثله الخراب، وكذلك العنوان الأخر (محاولات في أيذاء النص)، فكيف يمكن للشاعر من أيذاء النص، إذ انه غير موجود الا في لحظة التدوين التي تمثل انبثاقه التدريجي، لذلك يمكننا الأفتراض إن الايذاء ربما يكون في لحظة الولادة الانية تلك، والتي تنتهي حال الفروغ من التدوين، إذ تصبح عملية الايذاء غير موجودة، لان الشاعر علي شبيب ورد أو بالاحرى الناص لا يمكنه المساس بالنص حال الفروغ من عملية التدوين، كما هو واضح في الهامش التوضيحي ص53 من المجموعة، ولا اعتقد بأن القارئ او المتلقي معني بتلك المحاولات، لان عملية انتاج النص من خلال القراءة ستختلف في بنيتها الزمكانية عن لحظة الكتابة، وربما لا يشعر المتلقي بذلك الايذاء المقصود والمتبادل بين النص وكاتبه، أذ ان العنوان الفرعي او (المحاولات) يبني افتراضية وهمية يحاول ان يوقع فيها المتلقي، من خلال العلاقة بينه وبين العنوان الرئيسي الذي بينا بنيته الدلالية.
أذا نظرنا الى العلاقة التقابلية بينهما ممثلة بـ (الناطحات) التي تقابل (محاولات)، أذ كل (ناطحة) تقابل (محاولة) و (الخراب) يقابل (ايذاء النص)، ومن خلال هذة العلاقات نكتشف إن العنوان يبنى على بنية دلالية مضمرة هي (محاولات في تخريب النص)، ولكن كيف لنا اكتشاف ذلك التخريب، والذي حصل في زمن الكتابة السابقة للحظة تلقينا للنص؟ ربما يمكننا ذلك ان نحن بحثنا في المواضعة النصية وانساقها التي بنيت عليها نصوص المجموعة، أو المستويات البنائية للخطاب الذي يمثل النص من خلال البنية العلامية والدلالية، كشفرة مرسلة داخل وسيط غرافيكي، إذ لم نلحظ اي تلاعب من قبل الشاعر/ الناص بالتوزيع الطباعي للنصوص على الورقة البيضاء، عدا نص (فوهات) والذي يختم بعبارة العمود يتهاوى مقطعا كلمة يتهاوى على شكل عمود مائل، وايضا نص (تضاد) والذي قد اعطاه عنواناً فرعياً (جملة شعرية في تجربتين بصريتين) وفيه اعتمد على التكرار والتقطيع والتقابل، وحاول ان يخرق البنية التشكيلية التقليدية للنص الشعري، ذلك من خلال تقديم الهوامش في بداية النص، عكس مامعمول به في التوزيع الطباعي المعتاد، وايضا التقطيع الذي جعله كصدى يعيد ترجيع الكلمات:
.
ك
عك
نزوعك
نزوعك أشجار ك
نزوعك اشجار تحتطب ب
نزوعك اشجار تحتطب سموما ا
نزوعك أشجار تحتطب سموم موجات ن
نزوعك أشجار تحتطب سموم موجات س س kh-ali-shabib-2
او يخلق ايهاماً بأن هذه الحروف ربما تدل على كلمة مجزءة لها ارتباط مع باقي دلالات النص وكلماته، حيث تمثل الحروف في المقطع المعنون (مملكة آيا) كلمة (نزوعك)، التي هي اللازمة للمقطع اللاحق (مملكة آبسو) بالاضافة الى كونها الكلمة الاخيرة في المقطع السابق، والذي ايضا تمثل حروفه المقطعة كلمة (سنابك) لازمة المقطع السابق (مملكة أيا)، والتي هي ايضا اخر كلمة في المقطع السابق، وايضاً هناك تلاعب شكلي آخر إذ ان المقطع (مملكة آيا)؛ يبتدأ بجملة كاملة ثم تتناقص كلماتها بصورة تنازلية، كما في توزيع كلمة (نزوعك)، عكس مقطع (مملكة آبسو) الذي يكون تصاعدياً، كما في توزيع كلمة (سنابك)، وكذلك بعض الكلمات التي تتناقص منها الحروف لتصبح كلمات اخرى دلت عليها الهوامش المقدمة كما اسلفنا، اما باقي نصوص المجموعة فتعتمد على التوزيع الطباعي المعتاد في اغلب المجاميع الشعرية، لذلك سيكون تركيزنا على البنية الخطابية والدلالية للنصوص، وكشف انساقها التي هي حسب ديمينغ (شبكة من المكونات المتبادلة التأثير والتأثر والتي تشتغل مجتمعة من اجل الوصول الى هدف)، ولكن ما يربك قرائتنا هذه هي ان العنوان الفرعي (محاولات في ايذاء النص) قد ارفق ببعض نصوص المجموعة، كموجه قرائي، مما يجعلنا نتسائل عن النصوص الاخرى التي لا تقع تحت يافطة هذا الموجه، اذ اننا سلمنا من قبل إن هذا العنوان الفرعي بعلاقته مع العنوان الرئيسي، يشتركان بفرض هيمنة دلالية على مجمل نصوص المجموعة، لذلك سوف لا نلتفت لتلك العنونة الفرعية، وانما سنعاملها وفق المهيمنة التي اجترحناها لمجمل نصوص المجموعة، وسنأخذها كتصريح فعلي لتلك المهيمنة التي تظهر كتضمين داخل النصوص الاخرى.
تسيطر على مجمل نصوص المجموعة دلالات الخراب، وتشظيات الذات المنسحقة في إتون ما تفرزه الحروب من موت ودمار، ولكن استقصائنا هذا او بالاحرى قرائتنا ستركز على تلك المحاولات، التي اعتبرها الناص (محاولات في ايذاء النص) والذي نعتبره بدورنا موجها دلالياً، يتحكم في بناء النص ودلالاته، لذلك سنسعى الى قراءة تلك المحاولات المبثوثة في ما اخذناه من نماذج، والتي نظنها تحاول تخريب انساق الدلالات وتعيد تنظيمها من جديد، وذلك ربما لفتح المدارات الاحالية لها، والتي تمثل علاقة إيذاء متبادل بين النص وكاتبه، كما صرح في الهامش الذي أوردناه سابقاً، إذ يقول في كتابه (كولاج تأويلي): (لاشيء يطرد خواء الذائقة سوى المعرفة، وبها وحدها تحس بمفاتن النص المثيرة لطاقتها المحتملة نحو مشاركة كفوءة مع المعاناة الإنسانية لمنتج النص قبل واثناء وبعد الكتابة)**.
ففي نص (بيت الترباس):
أكره ابني
الذي يرمي العنادل.. بالكتب
لان امه.. ولدته تحت راجمة
منصرفة لطبخ حساء الصولة.. في بيت الترباس
وانا منشغل بحفر الأوجار
بحثاً عن الأفعى
التي سرقت العشبة
من سيدنا ((كلكامش)).
نلاحظ النسقية التي يخلقها العنوان، والمبنية على خطين او نسقين متوازيان هما (بيت) و(الترباس) والتي تظهر بوضوح احالتيهما، هذا التجاور مقبول نوعا ما في كتابة الشعر، ولكن ما يخلق المفارقة هو تخريب او التشكيك بالانساق البنائية التي تمد هاتين الدلالتين بذلك الزخم البنائي والاحالي، والذي يظهر من العلاقات الغريبة، التي تخرق دلالاتها المباشرة وانساقها، من خلال العلاقات الثنائية (الولادة- الراجمة)، (الحساء- الصولة)، (طبخ الحساء- بيت الترباس)، وايضا التناقض بين (أكره ابني) و البحث عن عشبة (كلكامش)، ونرى ايضاً ان بناء النص، وهو بناء تقابلي بين تلك الانساق، إذ تنبني العلاقة بينهما على علاقات ضمنية مبنية على احالية الدلالات، التي ربما لاتظهرها العلاقة السطحية، والتي تجنح الى تهشيم الرؤية النصية التي ربما يجترحها القارئ، وفق آليات التقابل التي اقترحناها، بل إن النص يحاول ان يختط متناً، يسعى الى توليد خطاب احالي اخر، يكسر به الرؤية الخطية لدلالاته، او يهشم الصورة المتخيلة التي تجترحها، من خلال العلاقات اللغوية القائمة على مستويات تلك الانساق، والفعل، واحتدام زمنيتة وحركيته واصتدامها بسكونية الدلالات، مما يعطيها نوعاً من الدينامية التي تحرك النص.
وكذلك في نص اخر هو نص (سفينة النعاس):
لأن الفراشة
بلا قلب
لا تقطف الأزهار
كالبشر
يفترض هذا النص علاقة تبادلية بين دلالتين متوازيتين، وهما (الفراشة- البشر)، (قلب- الأزهار)، اذ ان السدى الدلالي يعتمد على الاحالة الى علاقة البشر بالازهار، من خلال وسيط هو القلب، ولكن ليس هناك من وسيط بين الفراشة والازهار، وهذا ما يعضد حالة النفي في (لاتقطف الازهار)، ولكن اين يكمن ذلك الخرق لتلك النسقية، اعتقد انها كامنة في علاقة الفراشة بالازهار، وعلاقة البشر بالازهار، من دون الوسيط (القلب)، الذي يجنح بالدلالة الى فضاء احالي، وهو الذي يعطي النص دفقاً شعرياً، ويعيد تنظيم العلاقات بين تلك الدلالات في افق النص، وبناه المشكلة وانساقه، حيث يخرج توصيف القلب من دلالته الى دلالة اخرى مشوهة هي بالحقيقة صورة الإنسان وانانيته، ربما تحيلنا القراءة السطحية لهذا النص، الى ان الفراشة لا تقطف الازهار لأنها بلا قلب اي بلا مشاعر، ولكن هذا التجاور بين هذه الدلالات؛ كما اوضحنا، تجعل النص يدور في فلك التناقض بين البشر والفراشة من خلال الوسيط (القلب)، والذي يعتبر هنا وجود مموه عن حقيقته او دلالته السياقية المعروفة.
تحكم النصوص الأخرى علاقات الجنوح، والخروج من النسق الدلالي الذي يحكم مفردات النص ومرجعياتها، من خلال علاقات التجاور داخله، كما في نص (مرايا الغياب)، و(ناطحات الخراب) وغيرها.
نصوص الشاعر علي شبيب ورد في هذه المجموعة تنز بتشوهات الذات/ النص المطحونة بحروب ومجاعات، تداخلت مع مفردات حياة الانسان المعجون بهذه المأسي، فهذا التخريب او الأيذاء للنص هو بالحقيقة كشف للعلاقات التي تحكم الدلالات المشوهة، التي تجذرت في خطاباتنا.

الأحالات
* ناطحات الخراب- محاولات في ايذاء النص، علي شبيب ورد، دار الشؤون الثقافية العامة، سلسلة بصمات بغداد 2009
** كولاج تأويلي – مشروع نقدي، علي شبيب ورد، دار تموز، دمشق 2013 ص44

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صباح الأنباري : أسوأ قصة في العالم.. حيرة متراكمة.

هذا الخؤون.. ماكر جدا.. يعرف متى يضعك على حافة الرحيل.. لم يقلقني الأمر كثيرا.. بل …

| طالب عمران المعموري : تقانات الميتا سرد في ” عناقيد الجمر” للقاص غانم عمران المعموري .

لقد تجاوزت القصة القصيرة جدا في آلية الكتابة وتقاناتها  مرحلة العفوية والتلقائية، وكاتب القصة القصيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *