أ.د. نادية هناوي سعدون: فنتزة السرد الذاتي بين الاحتواء والاحتدام في قصة “عصا الجنون” لأحمد خلف

nadia-hanawi-2*ناقدة وأكاديمية من العراق

تمتاز المجموعة القصصية ( عصا الجنون) للكاتب الكبير احمد خلف والصادرة بطبعتها الاولى عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر في بغداد 2015 باشتمالها على اثنتين وعشرين قصة قصيرة تتلوها سبع قصص قصيرة جدا ، وفيها يتم توظيف السرد الذاتي ليغدو صوت المسرود حاضرا على حساب صوت السارد الموضوعي ولعل البغية من وراء ذلك هو رغبة الكاتب ان يمنح مسروداته فيضا من الاستقلال والتفرد لتظهر مستبدة ومتسيدة على مساحة السرد انزياحا عن الصيغ التقليدية وانفتاحا على ما تحفل به التقانات المستحدثة من ترميز وتأويل متعدد لا نهائي.
ولا غرو ان يكون التجريب هاجسا ابداعيا يكمن وراء هذا المطمح الابداعي ليتواتر التغريب والفانتازيا والميتاسرد مجتمعين داخل قصص المجموعة ومن ذلك القصة القصيرة ( عصا الجنون) التي تغدو فيها فنتزة الواقع متقدمة على سائر التقانات متخذة شكل رؤى حلمية لواقع مجهول وخاف وسري، وغالبا ما يلف هذه الرؤى الغموض ليغدو المرأى حلميا لمجنون يحمل عصا او يكون المرأى واقعيا لمدينة خائبة احتلت شوارعها مجنزرات ومدرعات حربية.
ولا غرابة ان يشوب هذين المرئيين التوجس والترقب ازاء ما هو مجهول المآرب وغريب الغايات، وعلى الرغم من طغيان حركية المسرودات الحلمية والواقعية الا إن السكون يرافقهما ايضا متمثلا بحضور السارد الذي يكتفي بالمراقبة والتواري خوفا ووجلا فمثلا في لحظة تلويح المجنون بالعصا الرهيبة فان السارد يفضل السكوت والصمت بناءً على ما كان قد خبره او تعلمه من مشاهداته اليومية للواقع وازماته ومعايشته للحظات اشتداد الازمات ..
ولئن كان توظيف الفانتازيا محبوكا لبلوغ العقدة فان صاحب العصا يتمادى في حركاته المجنونة التي ترعب من حوله لاسيما السارد الذي ظل مرافقا له بصمت خشية ان يكشف الاسرار في وقت ليس مناسبا ..ahmad khalaf 5
وفي خضم دراماتيكية التصوير الفانتازي لحركات العصا التي تحتل مساحة كبيرة من السرد ، يأتي مشهد واقعي لمصفحة اجنبية تعبر الشارع من منتصفه في اشارة غير مباشرة الى يوميات عاشها العراقيون تحت وطأة الاحتلال الامريكي عام 2003 وما بعده..
وتكشف الحوارات الخارجية والمونولوجات الداخلية التي توظف في ما بين المشاهد الفانتازية والواقعية عن تعاظم شعور السارد بالخوف لاسيما بعد ان يتزايد لغط الناس حول ما يجري من احداث حتى بدت كأنها قيام الساعة” مرة اخرى رأيت صاحب العصا يرفع عصاه القوية ويلوح بها في كل الاتجاهات كأنه يمشط المكان” ص85
وسرعان ما يتحقق الاحتدام السردي حين يلتقي صاحب العصا بالمدرعة الاجنبية التي تكشف من طرف خفي انهما واحد فمثلما ان افعال المجنون لا يمكن التكهن بخطرها او طرافتها او لا منطقيتها فكذلك تحركات هذه الآلات الحربية تبقى رهن الغيب واللامعقول ولان كليهما سيء وخطير لذلك لا يصدر عنهما الا ما هو غريب وعجيب ” استمر يرفع ذراه في الهواء ويلوح بعصاه كلما شاهد مجنزرة او مدرعة اجنبية يرفعها ويشير بها الى الجندي الرابض عند برج القيادة” ص86
وتعمل وقفة ميتاسردية غير متوقعة متمثلة بذلك الذي نادى على السارد ب(مؤلف القصص) على كسر افق الاحتدام السردي. ومن خلال حوار قصير يدور بينهما، يتنبه السارد الى ان عليه الا يخرج عن سير وحدة الموضوع لان” أي انحراف ..سوف يطيح بعرش البرهان وتفقد الفرضية تلك اهميتها المتوقعة ” ص87kh-ahmad-khalaf-7
وتزداد حيرة السارد ازاء صاحب العصا الذي يفلت من مراقبته حينا ويقع في قبضته حينا اخر ليتبين له بعد ان يصيح به صارخا حقيقته فهو ليس الا فوضى ماض من وجوه وصور مرت عليه في حياته وهذا الماضي الذي لا يقبل ان يستقر في الخلف يأتي دوما قافزا الى حاضره ملوحا له بعصاه شامتا منه..
وفي لحظة مباغتة يجد السارد نفسه امام زلزال ودوي هائل فيتدافع الناس ويفرون ويضيعون ويختلط الرصاص بمزابل الزقاق ولا يكون امامه الا الهرب مطاردا من الذباب والدخان والغبار حتى اذا انتهى الى الساحة تنبه الى ان ما جل ما كابده كان مجرد حلم !!..
وبذلك تختتم هذه القصة القصيرة لتبدو وكأنها مذكرة يومية لمدينة رهن الاحتلال ليس فيها الا الخوف والحيرة واللامعقول وهذا هو ما آل بها الى ان تكون فراغا اسدل المجهول عليها ستاره فلا هي مأهولة ولا هي مطمئنة .
واذا كانت المفارقة الدراماتيكية في توظيف هذه الثيمة هي سمة غالبة على سائر قصص المجموعة لذلك اتخذها الكاتب عنوانا رئيسا للمجموعة كلها ، ومقتطعا ايضا بعض سطورها الختامية لتكون جزءا من الغلاف الخلفي للمطبوع.

شاهد أيضاً

جغرافية المكان في الشعر العراقي
قصيدتا الشاعرين: الزويد وسرمد أنموذجاً
بقلم: د. وليد العرفي

تهدف هذه المقاربة إلى دراسة دلالات المكان بما يحمله من إشارات رامزة ومضمرات تكشف عن …

في ذكري رحيل الأديب والمحاضر الجامعي د. حبيب بولس
“قرويات” حبيب بولس بين الحنين والجذور
حتى لا تضيع ذاكرة شعبنا الجماعية
نبيل عودة

مدخل: تحل هذه الايام ذكرى رحيل الشخصية الثقافية الفلسطينية، الناقد الدكتور حبيب بولس الذي رحل …

رواية تذكار الجنرال مود
قراءة في ضوء التحليل النقدي للخطاب
علي كاظم داود

كيف يتشكل العالم الاجتماعي في الخطاب الروائي؟ وهل يمكن الإجابة عن ذلك إجرائياً من خلال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *