الرئيسية » ملفات » عبد الهادي الفرطوسي: حريّ بمثقف اليوم أن يتمرد على إرثه الثقافي الذي حوّله إلى إيقونات مقدسة (ملف/4)

عبد الهادي الفرطوسي: حريّ بمثقف اليوم أن يتمرد على إرثه الثقافي الذي حوّله إلى إيقونات مقدسة (ملف/4)

abdulhadi-alfartosiفي حوار اجرته معه الوكالة ..رئيس اتحاد ادباء وكتاب النجف الشاعر والروائي الدكتور عبد الهادي الفرطوسي.. حري بمثقف اليوم أن يتمرد على إرثه الثقافي الذي اكتسبه خلال القرن العشرين ثم تحول إلى إيقونات مقدسة

*حاوره عمر عنّاز / وكالة أنباء الشعر

هي النجف.. ذاكرة مشحونة بكل اشراقات الثقافة وراهن ابداعي مكتظ بالمدهش والمثير والمميز في كل ضروب المعرفة، مايمنحها خصوصية الحضور في المشهد الثقافي العراقي على مر الأزمنة، قالها عنها الشاعر نزار قباني ذات يوم ” إذا كانت سماوات بعض المدن تمطر ساعات اوميكا فإن سماء النجف تمطر شعراء”

النجف مدينة العلم التي تغريك باقتحام مكتباتها ومجالسها وهيئاتها الثقافية لما تنشحن به من ادهاشات تمنح المتلقي ثراء يرتقي بمعرفياته، ولأنها فنار يستدل به مركب المبدعين لذا تنشط فيها الفعاليات الثقافية بمختلف انواعها عبر واجهات رسمية محترفة واخرى شبه رسمية باتجاه تسطير دوال الابداع.. ولتقصي أعراس الثقافة في النجف اليوم حللنا ضيوفا على الشاعر والروائي والناقد الدكتور عبد الهادي الفرطوسي رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب في النجف وكان لنا معه هذا الحوار..

* كيف تقرأ الواقع الثقافي في مدينة النجف حاليا؟

– لا شك أن للواقع الثقافي النجفي خصوصيات تمنحه مناخا ثقافيا متفردا، فهي منذ ظهورها الأول قبل ألف عام تأسست لتكون مركزا علميا، فتأسست معها الحوزة العلمية التي كان لها الأثر الكبير على المناخ الثقافي النجفي إلى اليوم، والتي منحت ثقافة المدينة علامات مميزة منها: هيمنة الشعر على بقية الفنون هيمنة طاغية، لأن التكوين الثقافي الموروث هو تكوين شعري بالدرجة الأولى، والاتجاه العلمي المتبع في مدرسة النجف يستند إلى الموروث المعرفي قبل كل شيء ، ومن العلامات المميزة أيضا مقاومة الاتجاهات الحديثة في كل المجالات كما ان تحري الدقة العلمية في مجالات العلوم الدينية كالمنطق الصوري وعلم الرجال وعلم الجرح والتعديل … اسهمت في مقاومة الخيال الجامح في الكثير من الفنون والآداب.kh-abdulhadi-6

نتيجة لكل هذه العوامل وغيرها كان للشعر هيمنته في النجف على حساب بقية الآداب والفنون وكان للقصيدة العمودية حضورها واستمرارها خلافا لما حصل في المراكز الثقافية الأخرى. ولكن واستنادا إلى القانون الجدلي القائل أن الظاهرة تحمل نقيضها في داخلها فإن ظواهر أدبية وثقافية جديدة قد ظهرت في الأدب النجفي بعضها كان سابقا لأوانه مثل ظهور البند في أواسط القرن التاسع عشر الذي جاء متزامنا مع ظهور قصيدة النثر في فرنسا ومثل ظهور الاتجاه الرومانسي في شعر علي الشرقي في مطلع العشرينيات وكذلك ولادة نمط قصصي جديد تميزت به مجلة الهاتف النجفية في النصف الأول من القرن العشرين …

مثل هذه الظواهر كان من الممكن ان تجعل الثقافة النجفية سباقة إلى انتهاج كل جديد، لكن القمع السياسي المسلط على الثقافة العراقية خلال العهد السابق لعب دورا كبيرا في تقزيم الإبداع النجفي وإيقاف تطوره خلال نصف القرن الماضي، أما اليوم وبعد مرور خمس سنوات على دخول البلاد مرحلة جديدة فما زال الواقع الثقافي خاضعا لمخلفات الماضي كما هو الحال مع الثقافة العراقية عموما.kh-abdulhadi-1

* الا ترى ان الأحداث التي يعيشها العراق قد اسهمت إلى حد بعيد في تداخل السياسي بالثقافي وإلى أي مدى؟

– السياسي والثقافي هما أصلا متداخلان ببعضهما ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، وبتعبير آخر أقول أن العلاقة بينهما علاقة تأثير وتأثر متبادلين، لكن المشكلة تكمن في عملية إخضاع أحدهما إلى الآخر، سبق وأن تطرقت في المقال الافتتاحي للعدد الأخير من مجلة بانقيا إلى هذه المشكلة بشيء من الإيجاز وتوصلت إلى نتائج مهمة لمعالجة هذه المشكلة، وأرى أن من المهم الآن الإشارة إلى تلك النتائج وفي مقدمتها الثورة على كل الأيديولوجيات الجاهزة، وانتهاج نمط جديد في التفكير يبتعد عن القبلانية ، ويقاوم كل محاولات الاحتواء، وأن يجعل القيمة الأخلاقية الأهم هي البحث عن الحقيقة بعيدا عن المنفعة. كما أن مثقف اليوم حري به أن يتمرد على إرثه الثقافي، والأهم من ذلك تمرده على الإرث الجديد، الذي اكتسبه خلال القرن العشرين، ثم تحول إلى إيقونات مقدسة، ولنتذكر أن الوظيفة الانتقادية هي السمة الجوهرية للمثقف، وإن ثقافة اليوم بحاجة إلى بيروسترويكا دائمة في كل المجالات، متى كفت عن الفعل تعطلت دينامية الثقافة.
* هل استطاع الخطاب الثقافي في النجف أن يؤكد حضوره بكل استقلالية في ظل حضور الخطاب الديني بشكل واضح؟

– بدء أستطيع القول أن الخطاب الثقافي لا يصطدم ولا يتقاطع مع الخطاب الديني الحقيقي لكن المشكلة تكمن في الابتعاد عن جوهر الدين والتمسك بقشوره عند البعض، تم تحول تلك القشور إلى ثوابت وتابوات تسبب التكلس الابستميولوجي الذي هيمن على مراحل تاريخية طويلة، ومن ثم فإن من واجب الثقافة والمثقفين متابعة مثل هذه التابوات والبحث عن جذورها العميقة بغية تعريتها وتحديد الموقف الحقيقي منها، ولأذكر على سبيل المثال ندوة أقامها اتحاد الأدباء في النجف في رمضان الماضي، استضاف خلالها رجل دين من الحوزة النجفية، ودار حوار طويل حول الإسلام والفنون، ليصلوا إلى أن الكثير من تلك التابوات المتعلقة بالتمثيل والغناء والموسيقى كانت طارئة على الدين ولم تكن من جوهره، مثل هذه الفعاليات قادرة أن تمحو أي تقاطع بين الدين والثقافة، ما لم تتدخل العوامل السياسية في ذلك، هنالك عامل آخر لا يصح إغفاله بهذا الشأن، هو أن الرقيب السلطوي الذي مارس القمع الثقافي لخمسة وثلاثين عاما خلت لم ينته بانتهاء تلك السلطة بل تحول إلى رقيب داخلي يمارس نشاطه على المثقفين من داخلهم، والأمر يذكرني بقول البردوني :

لأني دخـــلت السـجن شهرا وليلة خرجت ولكن أصبح السجن داخلي

فمن يخرج السجن الذي صرت سجنه ومن يرفع العبء الذي صار كاهلي

وأخيرا أقول أن الخطاب الثقافي في النجف يسعى اليوم ليؤكد حضوره المستقل عن أي مؤثرات جانبية.kh-abdulhadi-5

* في النجف روابط ومنظمات ومجالس ثقافية كثيرة.. إلى أي مدى استطاع هذا التنوع المؤسساتي في تدعيم راهن الثقافة العراقية؟

– ربما يصدق هذا الأمر على النجف قبل نصف قرن، يوم كان تعدد المؤسسات الثقافية تعبيرا عن تعدد الاتجاهات الثقافية ومشاربها الفكرية، لكن هذا الأمر قد قمع خلال العهد الديكتاتوري، وجاءت ولادة هذه المؤسسات الكثيرة بشكل مفاجئ بعد الاحتلال، وقبل أن تتكون لدى المثقفين رؤى واضحة حول طبيعة المرحلة وما تتطلبه من مواقف وإجراءات لذلك فإن الحضور الكمي الكبير لها لم يترافق بفعل نوعي متميز، نقطة ثانية ينبغي الالتفات إليها، أن نسبة كبيرة من هذه المنظمات ترتبط بقوى سياسية، ومن ثم فإن أهدافها الرئيسة هي أهداف سياسية، وخدمة الجانب الثقافي ثانوية، قياسا بخدمة الجهة السياسية التي تقف وراء هذه المنظمة أو تلك.
* ونحن نطوي عاما ثقافيا ونستقبل آخر.. ما هي مشاريعكم القادمة؟

– الحقيقة إن مشاريعنا في اتحاد أدباء النجف قد بدأت مع بدء تسلمنا لمسؤولية قيادة الاتحاد، فبادرنا إلى إصدار مجلة بانقيا التي صدر عددها الخامس قبل عدة أسابيع، وسعينا إلى إقامة مهرجانات وطنية كبيرة رغم إمكاناتنا المادية المتوضعة،وخلال عام 2008 بادرنا إلى تأسيس روابط تخصصية تابعة لاتحاد الأدباء، فتم تأسيس نادي الشعر ونادي القصة ونادي الأدب النسوي، وقد قدمت هذه الأندية نشاطات متخصصة ضمن برامج شهرية وقد أصدر نادي القصة كتابا بعنوان المشهد القصصي في النجف، ضم نماذج سردية لكتاب النجف مع مقدمة ، عن تطور الفن القصصي في النجف، من جهة أخرى بادر الاتحاد إلى أحياء مشروع كتاب بانقيا الذي ابتدأه عام 2005، فأصدر خلال هذا العام وحده سبعة مطبوعات وسيُِِِصدِر مطبوعا جديدا خلال الأيام المتبقية من هذا العام، وقد توجه في الآونة الأخيرة إلى الاهتمام بالقضايا الثقافية المعاصرة، فأقام ندوة بانقيا الأولى تحت عنوان “السرد العراقي في مرحلة ما بعد الحداثة” استضاف خلالها نخبة من أدباء العراق ومبدعيه، ثم أقام ندوة بانقيا الثانية تحت عنوان ” الجواهري في بيت طفولته” شارك فيها أكثر من خمسين أديبا عراقيا على مدى يومين، وهو يتهيأ الآن لإقامة ندوة جديدة عن “الأدب النسوي اليوم” وندوة أخرى عن علاقة الشعر بالفنون الأخرى، وثالثة عن الشعر العراقي في مرحلة ما بعد الحداثة. كما أن من الأمور المهمة التي انتهجها اتحادنا ويسعى إلى تطويرها هي تمتين العلاقات بالمؤسسات الثقافية المختلفة والتعاون معها من أجل تحقيق نشاطات ثقافية مهمة، وقد سبق لاتحادنا أن تعاون مع الملتقى العراقي ببغداد من أجل أقامة ندوة بانقيا الثانية، كما سبق أن تعاون مع المركز العام للاتحاد والفروع الأخرى من أجل إقامة جلسات ثقافية في العاصمة وبعض المحافظات وهو اليوم متجه إلى تطوير هذه العلاقات بصورة أفضل.kh-abdulhadi-3

• كلمة تود أن تضيفها؟

– في الختام لا بد أن أقول إن النجف مقدم بعد عدة سنوات على حدث ثقافي مهم، حيث ستكون النجف عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2012، وهذا الحدث يمكن له ان يحدث تغييرا نوعيا كبيرا في الفاعلية الثقافية للمدينة، وقد دعوت منذ بدء الأعلان عن هذا الخبر إلى الاهتمام ببناء الشخصية الثقافية قبل التفكير ببناء المسارح والمعارض والجوانب المعمارية للمدينة، وذلك بالإسراع في نشر نتاج المثقف النجفي، وتوسيع المهرجانات والمؤتمرات العلمية بمستويات مختلفة، ليتاح للمثقف النجفي التفاعل مع ثقافة العصر والاطلاع على ما فاته خلال المراحل السابقة، وما سعينا المتواصل في اتحاد الأدباء إلا استعدادا لهذا الحدث الكبير.
بهذه الانثيالات المكتنزة بحب الادب والثقافة تعطّرت اوراق حوارنا الذي قصدنا به تسليط الضوء على مساحات لاتحد من الابداع الذي يشع في سماء العراق مؤكدا حيوية مدينة كانت ومازالت فاعلة في كل حقول الثقافة والادب..

*عن وكالة انباء الشعر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *