محمود سعيد: داعش يقطع رأس أزهر

mahmod-saeid-10قامة طويلة نحيفة ليست من لحم ودم بل من زهور وورد شتى،
ابتسامة واسعة وملامح تحتدم بالحب والأماني
إن حدقت بعيني أزهر لن ترى عينين بشريتين
تتذكر وصف ابي حيان التوحيدي
“أصفى من عيني الديك”
عينان صافيتان مجبولتين بالعسل
عندما رأيته كان في السابعة عشرة
تلمع عيناه لرؤيه أي شيء جديد
وتضطرم ملامحه فتتناهبه أحلام اليقظة، وتتيه نظراته في بحار الصمت
يسألني: هل استطيع الخروج؟
ماذا تقصد؟
اوربا، أمريكا، اي مكان بعيد عن هذا الواقع، إننا لا نعيش، إننا نذوي، الجيش يحاصرنا، يحصي انفاسنا، لا نعرف متى نموت برصاصة طائشة. اريد ان اهاجر
حاول تحقيق حلمك؟
وماذا عن ماما؟ “جدته التي ربته”
عندها ماجد وأولاده، المهم انقذ روحك
لكن أزهر لم ينقذ روحه
بقي تحت سطوة الجيش المعادي المحاصر للمدينة حتى سيطر داعش،
أزهر متمرد يحب الحياة، يكره الانقياد إلى تعاليم الظلام،ما إن سيطر داعش على الموصل حتى بدأ أزهر يخطط للهرب، لكنهم صادوه
وفي ظهيرة ظالمة اشبه بسحناتهم الغادرة ، اوثقوا كتفيه وساقوه في الأسواق، لم يكن يصدق ما يحدث له، كان يبتسم، والجلاوزة القساة يقودوه الى ساحة الإعدام
وبمثل لمح البصر، ارتفع السيف، لمع في شعاع الشمس، ثم هوى على رقبة ازهر
قطعوا رأسه
تناثر شلال الدم في جميع الاتجاهات،
سقط رأسه، لكن وجهه كان مازال يحتفظ بالابتسامة
ابتسامة امل تملأ وجهه
سقطت قطرات الدم على وجهه، على الأرض، على دكاك قريبة، فاستحالت بمثل لمح البصر إلى شقائق النعمان، إلى ورد جوري، إلى زنابق شفافة زاهية
وهكذا بأقل من ثانية انتهى ازهر،
لكنه لم يمت، ظل في وجداني، ظل يكلمني طيلة الوقت، ظل يحلم بالهجرة والحرية
ظل ينبض في دمي
كم تمنيت لو قطعوا رأسي مكانه
أنا شيخ عجوز طفت الكثير من بلدان العالم.
لكن ازهر شاب لم يرَ من الدنيا شيئاً
اليس من الظلم ان يقطعوا رأسه وهو الذي لم يكن يملك سوى الأحلام؟
بدأت الدموع تهمي من عيني
يا لعجزي، ابكي كأي امرأة، حتى لم ارَ في الكون سوى طاسة مليئة بالدموع
هل بقي في الحياة طعم بعد قطع رأس أزهر؟
هل أنتمي أنا للحياة أم أنا ميت في الحياة؟
هل انا ابكي على ازهر ام أبكي على حظي؟
لم استطع مساعدته، لم استطع نجدته،
فكأني انا من دفعهم لقتله.
يا لشقائي!
عندما افتح كفي أرى فيهما شقيقة نعمان واحدة ومرآة تعكس الشمس، فأعلم انني انا من مات وليس انت!
تمنيت لو كنت في الموصل لجمعت ثيابك وشددتها الى عصا وسرت بها إلى آخر الدنيا، وبين الحين والحين امرغ وجهي بها لأشم رائحتك!
فلعلي اشبع من وجودك يا ازهر
تمنيت لو رافقتك إلى حفلة رأس السنة
لآعرفك إلى الجميلات: جاكلين وماريان وميك
وأجلس اراقبك تراقصهن، يفيض قلبي بالسعادة، وتحلم نفسي بحبور يطغى على العالم، أرقبكم وأرشف كأسي بعيدا عنكم، اتظاهر بأني لا أراكم، لكني اتشرب كل حركة منكم، أسعد، أفرح، اغوص بالسعادة، ابتسم، ابتسم، ابتسم.
كيف اصف ازهر الرائع؟
أهو وسيم؟ كلمة وسيم لا تكفي، فهو اوسم من الوسماء!
أهو امير؟ كلمة أمير لا تغني، هو أمير الأمراء!
ماذا اذن
هو اميري، هو ازهر
ازهر الفريد
انقى من قطرة الغيث، واجمل من احلام اليقظة
كان أزهر لا يسافر بين البلدان حسب بل في الجو وبين الكواكب والنجوم،
يحمل على كتفيه في سفره الورود والرياحين والراسقي وملكة الليل
ابحر غير مرة
وزع زهوره على نجوم وكواكب الكون كله
لهذا لم يغب عني
كل الكواكب والنجوم تعرفه
تهلل لمرآه وتسعد لقدومه
وانا في مكاني اشاهده في كل لحظة
لم يغب عني
على رأسه اكاليل شقائق النعمان والزنابق الصفر
إنني أراه كل لحظة يقف في اقصى الأرض، يبارك غياب الشمس، ويحدق بي يستدعيني لأضمه بين ذراعي
فإلى اللقاء يا وسيم
يا أزهر يا أوسم الوساء
نعم الى اللقاء

شاهد أيضاً

د.عاطف الدرابسة: العمر الهارب

قلتُ لها : توقَّفتْ الرَّسائلُ من بلادِ السَّماء وأرى الوجوهَ شاحبةً كالضَّبابِ وألمح النَّاسَ تروحُ …

غانم عزيز العقيدي: بعض الرجال لا يبكون (3)

الـــثلـــوج كان الشتاء وكان كانون الثاني , والثلوج بدأت بالتساقط بكثافة غطت أرض الجبل واشجاره …

الشاعر والروائي/ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه {شاعر المائتي معلقة}

مُهْدَاةٌ إِلَى صَدِيقَتِي الْحَمِيمَة الشاعرة الفلسطينية الرائعة / ناديا إبراهيم ‏‏تَقْدِيراً وَاعْتِزَازاً وَحُبًّا وَعِرْفَاناً مَعَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *