هدية حسين : رواية ” قلب الظلام ” نبوءة مبكرة للهيمنة الأمريكية

hadiya-hussein-10تدور أحداث رواية ” قلب الظلام ” لجوزيف كونراد في الكونغو أواخر القرن التاسع عشر، يفضح من خلالها ممارسات المستعمر في المستعمرات البعيدة، حيث سجل جوزيف كونراد ما صادفه من أحداث حينما كانت الكونغو مسرحاً للنهب الإمبريالي ورأى وحشية ما تتعرض له البلاد، ليكون ما سجّله أساس روايته هذه.
من ملتقى نهر التايمز بالبحر تبدأ رحلة مجموعة من الرجال نحو قلب إفريقيا ، بطل الرواية يدعى مارلو، وهو الذي يقودنا الى أكثر القصص رعباً، رعب يبدأ من السطور الأولى للرواية ويستمر معها حتى النهاية، حكايات يرويها مارلو وهو على متن المركب ” نيللي ” المتجه من لندن الى حيث يعم الظلام في الكونغو، يسير بطل كونراد حيث تقوده رغبته وحلمه الذي عاش معه في طفولته حينما أشار بإصبعه على الخريطة وقرر عندما يكبر أن يمضي الى المكان الذي أشار اليه وهو الكونغو، وها هو يصبح رباناً لأحد الزوارق التابع لشركة من أهدافها بناء امبراطورية وراء البحار لجني ملايين الدولارات بطرق غير مشروعة.
من خلال حكايات مارلو يعري كونراد أولئك المستعمرين، ويكشف لنا عن أن قوّتهم ما هي الا نتيجة لضعف الآخرين.. يصف مارلو العمل على الزورق بالمواجهة الخطرة حيث الشاطىء الغامض الذي لا شكل له، والسفن الحربية والمعارك وأصوات المدافع والقنابل، واللهب والدخان، ويصف الرجال المستعبدين المقيدين بالسلاسل، المأمورين بالعمل الشاق، الذين يشبهون الأشباح من شدة نحولهم.
وفي واحدة من تلك المتاعب يسير مارلو مع ستين رجلاً قبل أن يصل المحطة التي ستأخذه الى وظيفته لمسافة تقدّر بمائتي ميل وشبكة من الممرات التي لا تنتهي، على أرض خالية وتلال حجرية وعزلة تامة، مروراً بقرى هجرها سكانها، وحيث الوحول والجثث الملقاة هنا وهناك، والرجال البيض الذين جاءوا ليكسبوا أكبر قدر من المال عن طريق الاستحواذ على خيرات البلد.joseph-conrad
سنعرف في سياق الحكايات التي يرويها مارلو أن حقائق الحياة تضيع في هذه البقعة من العالم، فالمهم كم تبذل من الجهد لإرضاء مرؤوسيك الذين لا يقف جشعهم عند حد.. الى هذه البقعة وصل مارلو لكن الزورق الذي من المفترض أن يعمل عليه غرق قبل وصوله، ويحتاج الى أشهر لإصلاحه، وبين إصلاح الزورق وبدء العمل يلقي كونراد المزيد من الضوء على العلاقات السائدة، خصوصاً تلك التي تربط بين “السادة” و “العبيد” وكذلك الأجواء التآمرية من أجل الحصول على العاج الذي ينتزعونه بالقوة من الأهالي.
تلك الحكايات المتصلة كان مارلو يقصها على مستمعيه وهم على ظهر المركب نيللي، دون أن يكون لهم صدى في سير الأحداث، إنصات تام من دون مشاركة، كما لو أنه يحكي لنفسه، أو أنهم مفتونون بما يسمعونه الى الحد الذي يجعلهم لا يبادرون لمقاطعته، ربما مرة أو مرتين يقول أحدهم جملة عابرة لم تعلق في الذهن بعد زمن طويل من سرد إحدى الحكايات الغارقة بسكون الحياة وقسوتها.
حكايات مارلو تمتد وتتشعّب وتذهب الى عمق الظلام وإلى الإرث الملعون والى الحياة البدائية التي تشبه حياة ما قبل التاريخ، هو وحده من يقود دفة الكلام حتى لتنسى أن هناك مستمعين على ظهر المركب، إنها رحلة شقاء متواصل تلك التي يأخذنا إليها جوزيف كونراد، رحلة عذابات في زمن البحث عن الثروات واستعباد البشر، رحلة ظلامية يخلخل اختصارها ذلك الاتساع في الرواية.kh-jozeph-konrad
رواية “قلب الظلام” لا تفقد سحرها رغم عشرات السنين على نشرها، كما لو أنها كُتبت بالأمس القريب، إنها رواية التيه الى أقصى حدود الخطر، لمستكشف مدّ يده يدعوك لمغامرة فيها من الخوف قدر ما فيها من متعة اكتشاف ذلك الزمن العامض الممتد الى ما لا نهاية، في بقعة مجهولة من العالم تعيش عزلة قاتلة وحرباً قذرة ضد أبناء الأرض الذين تحولوا الى عبيد خشية القتل، وهي الرواية التي يرى فيها إدوارد سعيد نبوءة مبكرة للهيمنة الأمريكية على العالم.. ولابد من الإشارة الى جهد المترجم الراحل صلاح حزين الذي ألقى الضوء على أهمية جوزيف كونراد في مقدمته للرواية، والى انحسار الضوء عنه ثم عودته إليه والاهتمام المتأخر بعالم هذا الأديب الذي يعد واحداً من الأسماء المهمة في الأدب البريطاني في القرن التاسع عشر.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| كريم عبدالله : تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة التأثيريّة الشعوريّة قراءة في قصيدة الشاعر : رياض ماشي الفتلاوي – العراق – صباح ريفي .

يقول سركون بولص : ونحن حين نقول قصيدة النثر فهذا تعبير خاطىء , لأنّ قصيدة …

| عبدالله علي شبلي : قراءة عاشقة جامعة للحب الذي حدث بينهما ، وتلك التي تجري  على عجل ، للأديبة “جنان محمد ” ( جنان محمد بين فرادة الحب وفينيق المشاعر) .

لن أكذب نفسي ، لن أخون ذائقتي ، حين انسكب هذا الكلام في قلبي ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *