سهام جبار : ” يا دجلة “

seham jabbar 5كنتُ أسيرُ معه موجةً موجة

أتأمل كيانه المجاور لي وأنا على الجسر ذاهبةً لشراء كتابٍ أو كتابين بال500 فلس أو أقلّ التي عندي مما جمّعته خلال الأسبوع..
أنظرُ اليه فيبادلُني النظر، هو كان حبيبي، كيف لنهرٍ كدجلة أن لا يكون حبيباً، هذا الهادئ كولدٍ مواظبٍ على البقاء في كل الحيوات، ورجلٍ قادرٍ على إفناء من يريد فيه، وصديقٍ يعاقر الاسرار كذئب، الا انه أعظم من ذلك، فلا بشرية فيه بل استمرار واستمرار وبريق وشمس وقمر وضوء وعذوبة وجوار وأرض وعسس وجيش وسلطة وبقاء وغياب وحبّ وقهر ووحدة وسماء..
تساءلتُ في قصيدتي الشاعرة:

“- كيف يمنعُ الناسُ أنفسهم عن النهر؟
إذ دجلة في مكانه يراود كلّ واحدةٍ بطريقتها،
ويلمّ البرص والكروش عن الشوارع والحانات..”

كان دجلة يحيّي الناس في الصباح في ذهابهم الى أعمالهم ولم يبالِ أحدٌ بانتظاره ردّ التحية، لم يعترفوا بأنه يحدّقُ فيهم ويتساءل عن أحوالهم الا عندما يقرّرون شأناً ما، كابتكار شابين ذات يوم فكرة الانتحار من فوق جسر في مائه لانهما لم يقبلا دخول الحرب، حرب القادرين على القتل والابادة، كانا طائرين من ماء وكان دجلةُ عشّهما..
كانت أمٌّ فيما بعد، أو أمّهات، ستنوح وينُحنَ وتنادي النهر وينادين وتستصرخ كل شيء ليعود وليدها، وما من عائدٍ.. !
كان النهرُ يتلألأُ فحسب، بريئاً مثل ماء!
في النهاية هو ليس أكثر من ماء في أرض، لكن أيّ ماءٍ وأية أرض؟!
لقد قلتُ في قصيدتي:
“وكيف لا يمتنعُ الناس عن النهر، ألهم خيار؟
الحربُ أجابتْ، ورأيتُ بعينيّ هاتين
كيف ملأوا أجسادهم وأقفلوا حتى ارتداهم
وهو يضحكُ، منذ قرون يعرفون أنه هم
وأنا أهامسُ: ضعْكَ فيَّ ورُح، أو لا ترحْ..
إنّا معاً .. أنا وأنتَ، وأنتَ..”

وها أنت يا نهر، يا من امتلأتَ بالأجساد، بضعةٌ أنتَ مني يا نهر أتأملها وأخبئ شعاعها في قلبي قبل أن تسرقه الأضواء، تسيرُ في بغداد مدوِّراً نفسَك مع دورانها فأقول استقمْ، أقول استقيمي فعلى صخوركِ تهاوى قلبي وفي مياهكَ توقف نبضي.. يا دجلة يا بغداد يا كل الدنيا.. يا انتهاء العالم عند حدودكما، يا انتهاء كل شيء عند حدودكما!

2016/12/17

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| كريم الأسدي : ببابلَ ماذا تقولُ الكواكب؟! مثنويّات ورباعيّات عربيَّة * .

تأمَّلْ اذا كنتَ تأمَلُ أَن تشرقَ الشمسَ فوقَ البيوتْ ففي كلِّ دورةِ شمسٍ شموسٌ تصيرُ …

| عصمت شاهين دوسكي : لقاء السحاب .

حبيب وشوق وعذاب ارتقى بعد لقاء السحاب أسمى روحا بعد روح ذوت بين أشجان الرحاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *