علي شبيب ورد: ثقافة الإفساد الإجتماعي

مفهوم الفساد الاجتماعي، وفق الحكم الرومانسي الذي توصل إليه شيلي(يبدأ بالمخيلة وبالإدراك، ومن هنا ينتشر ذلك الفساد كما ينتشر من القلب وعبر العواطف وبداخل الرغبات نفسها حتى يصبح الكلُّ ليس إلاّ عبارة عن كتلة فاترة لا يكاد يخرج منها معنى) وهو كثيرا ما يتردد على مسامعنا، بتعابير شتى، سواءً في وسائل الأعلام أو في الأحاديث اليومية. غير أنه كمصطلح، يتعلّق بعلم الاجتماع الذي انتشرت نظرياته منذ أن أخذ المختصون يفكرون ويبحثون في كيفية بناء الدولة. وقد يبدو لدى البعض أنه طارئ علينا، وخاصة بعد تداعيات المنعطف الكبير في عراق ما بعد التغيير في 9/4/2003. غير أن الأمر أبعد من ذلك، فالفساد يعني سوء السلوك والتصرف، وتمتد جذوره إلى جوهر القيم الإنسانية ذاتها منذ الأزل. فالإنسان بطبيعته السيكولوجية، وفي سعيه لتحقيق مراميه، يختار بين مسلكين هما الخير والشر. وراحت كل القيم السماوية والدنيوية، تدعوه لنهج طريق الخير، ونبذ طريق الشر. لأن في المسلك الأول صلاح المجتمع، وعلى هداه ينتظم الحراك الاجتماعي نحو التطور والرقي. وبتطور الدولة في المجتمعات القديمة والحديثة، أخذت تتبلور كثير من المفاهيم النظرية والعلمية حول كيفية إدارة الدولة لشؤون المجتمع المختلفة. وكان من أهم أسباب سقوط أية حكومة تفشّي ظواهر شتى للفساد الاجتماعي كنتيجة طبيعية لتخلي معظم مؤسسات الدولة عن أداء دورها المفترض في قيادة المجتمع. لأسباب تتعلق بفساد جهازها الإداري لممارسته مظاهر فاسدة مثل/ المحسوبية/ الوساطة/ الرّشوة/ الإهمال في الواجب/ غياب العدل والمساواة/ هدر المال العام/ عدم احترام حقوق الإنسان/ وغيرها. وهذه الظاهرة لم تكن وليدة الساعة، بل ظهرت منذ تبلور فكرة الدولة. وعادة ما تستشري في دوائر الدولة الجائرة التي يغيب فيها القانون، وتهيمن سلطة السيف الذي يشهره الحاكم الدكتاتوري ذو الفكر الشمولي. لا توجد دولة بلا شرائع وقوانين تنظم شؤونها الإدارية، والتي يتضمنها (الدستور). ولكن أغلب الدساتير، تكون حبراً على ورق ما لم تجد طريقها إلى التطبيق الميداني الذي يحد من ظواهر الفساد الاجتماعي. أن انحراف الفئة الحاكمة وتفرّدها في السلطة، يحول موظفيها إلى أدوات قمعية لتحقيق أهداف السلطة، على حساب الحقوق المدنية للشعب. وهذا السلوك الجائر يخلق جهازاً إدارياً فاسداً يقهر المواطن ويحوله إلى رافض دائم للحكومة، وناقم مدمر لكل مشروع ومؤسسة للدولة. وبالتالي وبتواصل حكومات القهر والاستبداد، تتربى الأجيال على سمة الرفض ومقاطعة كل ما هو تحت إشراف الدولة، حتى وإن كان يخدم الصالح العام. إن التربية القسرية المركزية التي تفرزها سياسة القهر والتسلط للحكومات الجائرة، تنتج ردود أفعال عكسية في سلوك الأجيال مؤجلة إلى حين. لأن السلطة القمعية ذات الفكر الشمولي الداحض للآخر، تعمل آليات منظوماتها التربوية التلقينية المفروضة إلى ترسيخ ظاهرة الخواء الثقافي لدى الأجيال. وهذا الخواء الثقافي يفضي بدوره وبمرور الوقت إلى الفساد الاجتماعي بفعل المتغيرات الحتمية للقيم والتقاليد الاجتماعية. والتاريخ خير شاهدٍ على ذلك، إذْ يبين لنا إنه في حال وهن أو سقوط تلك السلطة، تهرع هذه الأجيال إلى تحطيم وتدمير ونهب كل مؤسسات الدولة. وتاريخ الحكومات العراقية يزودنا بأمثلة كثيرة عن هجوم المظلومين لتحطيم حصون ودوائر الدولة. والتجربة العراقية الحديثة المتمثلة بانتفاضة آذار عام1991 أظهرت مدى الدمار الذي خلّفه هجوم الجماهير الساخطة على النظام، في دوائر الدولة. وهذا تكرّر بعد سقوط النظام السابق على أيدي الأمريكان، ولكن بشكل أكثر شراسة، وبدعم من أجندات خارجية، يهمها كثيرا اتساع وتواصل الكارثة في العراق. إن رسوخ ظاهرة كره ورفض وتدمير مؤسسات الدولة العراقية، لدى الأجيال المحرومة والمقهورة في بلادنا، فيه أبلغ الدروس لأصحاب القرار في عراقنا الجديد الذي أثخنته الجراح. وأهمها هو أننا الآن لسنا بحاجة إلى المغالاة في بناء مؤسسات فخمة للدولة، بل إلى توحيد الجهود لترميم نفسية المواطن، التي أفسدتها وخرّبتها عقود من الظلم والحرمان. نحن نتمنى أن تصبح الدولة منجما لتربية الأجيال على أخلاق جديدة تحترم مؤسسات الصالح العام. وتحترم الرأي الآخر وتتفهّم معنى الحرية(الحرية الإنسانية) القائمة على معادلة المواطنة الصحيحة، بطرفيها المتوازنين(الحقوق والواجبات). وهذا لن يتم إلا بتوفير الظروف الملائمة الداعمة لبرامج تطوير مؤسسات المجتمع المدني. والتي تؤدي بالنتيجة إلى إرساء المرتكزات الستراتيجية لبناء الدولة الحديثة. ما جدوى البنايات الحديثة والفارهة للدولة، والناس يتضوّرون جوعا وتطاردهم المفخّخات؟! إننا سنخلق بلا شك أجيالاً جديدة تضمر الحنق والكراهية لهذه الصروح التي هدرت عليها أموال طائلة هم حرموا منها.
والوسائل الكفيلة بتحقيق ما ورد في الدستور الجديد والمتعلقة بحقوق الإنسان، يتطلب نقلة نوعية في قراءة الواقع واستشراف المستقبل، صوب ما هو حضاري ومتمدن. وهذا يستدعي مراجعة جادة ومتأملة لفقرات الدستور، على أساس وطني وعراقي، لا على أساس التوجه المؤسف للمحاصصة الحزبية والطائفية. الدولة يجب أن يقودها ذوو الاختصاص المستقلون عن وصاية هذه الجهة أو تلك. كما أن الفصل الحقيقي والجاد بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، يوجب تضحية فعلية من جميع الأطراف. أن زمن صراع الهويات واثبات الوجود والهيمنة والنفوذ لا يخدم أحدا. ولن يقدم للمواطن سوى مزيد من الكوارث والموت المجاني وسلسلة المآتم والأحزان وفساد النفوس. إن شيوع ثقافات الإفساد الاجتماعي وما يرافقها من خراب إداري في الدولة العراقية، ليثير الأسى والأسف. فالمافيات شديدة التنوع في أهدافها وأساليبها الخفية والمعلنة، في الدولة والمجتمع، هي برهان أكيد على تفشّي ثقافة(التخريب الاجتماعي) والاقتصادي والوطني والإنساني الشامل والكارثي. وهو نتيجة طبيعية لفشل المشروع السياسي، القائم على المحاصصة. التي دفعت بالدولة العراقية إلى الترهّل، بسبب العدد اللا معقول للوزارات والهيئات القديمة والجديدة. إن ظاهرة الخراب الإداري تزيد من الخراب الاجتماعي، الذي طالت وتطال تأثيراته وقائع جلسات السلطة التشريعية(البرلمان) حيث مهرجان التناحر والتحيّن والانقضاض على الآخر. فهذا العضو يحاجج ذاك، لا لشيء إلاّ لأنه من القائمة الفلانية، دون أن يعطي رأياً وطنياً بديلا. وهذه الكتلة تعارض تلك الكتلة، من دون نهج وطني منتجٍ يكسب رضا المواطن، الذي يشعر بأنه وقع في فخ المحاصصة القاتل. كما أن خضوع السلطة القضائية إلى ذوي النفوذ من أصحاب القرار، يبعدها عن الكفاءة في أداء مهامها الوطنية والإنسانية. وهذا ينسحب أيضاً على السلطة التنفيذية، حيث مافيات التخريب الأمني الخاضعة لولاءات الجماعات والطوائف. والتي أدت وتؤدي إلى دوامات من العصف الدموي والخراب الاجتماعي على شتى الأصعدة. وحريٌّ بأصحاب القرار اليوم، التوقف عن هذا النهج اللا وطني، والتوجه صوب برنامج وطني عراقي شامل، بعيدا عن دوامة الولاءات. لأن الفساد الاجتماعي يشكل حاضنة منتجة للعمل الإرهابي، الذي يستهدف كل ما هو وطني وانساني. ولعلّ الوقوف الجاد عند أسباب تفشّي الفساد الإداري وثقافة الإفساد الاجتماعي، والبحث بروح وطنية خالصة، عن سبل معالجتهما. سيؤدي بالنهاية إلى نجاح المشروع السياسي، وقطع الطريق على دعاة العنف والتوتر الأمني لتحقيق أهدافهم المعادية. باعتبار أن الفساد الاجتماعي والتوتر الأمني، يغذّيان بعضهما بالتنافذ، ومعالجة أي منهما يعني معالجة للآخر. ووفق هذه الرؤية الوطنية النبيلة والإنسانية يمكن لنا تربية جيل قادر على استيعاب مفهوم الدولة ومؤسساتها. والوصول إلى قناعة تامة لدى الرأي العام، بأن مؤسسات الدولة وجدت لخدمة الناس، وبالتالي فهي ملكية عامة، ولا تخص هذه الحكومة أو تلك، ولا يجوز تخريبها. وهذه التربية الأخلاقية لتنمية الحس الوطني لدى الأجيال القادمة، مهمة كبرى تتطلب مساهمة تضامنية بين مؤسسات المجتمع المدني ودوائر الدولة. لمراقبة ومتابعة كفاءة أجهزة الدولة، ومعالجة الخلل الحاصل خلال التنفيذ. وذلك للتقليل من أضرار الفساد الإداري والخراب الاجتماعي على المصلحة العامة، والبحث عن حلول بديلة ومنتجة أدائياً. ولن يتم هذا من غير تضحية بالولاءات المفرقة لأبناء الوطن الواحد. وأخيرا إن الفساد الاجتماعي والحس الوطني يقفان على طرفي نقيض، وتنمية الحس الوطني هو العلاج الوحيد والحاسم لمحاربة(ثقافة الإفساد الاجتماعي) وخيمة النتائج، والبرنامج السياسي الوطني، هو السبيل الأمثل لذلك، وليس التناحر والتخندق وصراع النفوذ.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.