علي خيون : مضى طاهر الأثواب/ في ذكرى رحيل د. علي جواد الطاهر (ملف/7)

ali-khaion-2إشارة :
من المؤسف أن تمر الذكرى السنوية لرحيل شيخ النقاد الدكتور “علي جواد الطاهر” من دون الإحتفاء بمنجزه النقدي العلمي وتراثه البحثي وهو “الطاهر” تربويا وعلميا. ويسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تُعدّ هذا الملف عن الراحل الكبير وتدعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات ووثائق وصور.

المقالة :
يوم قيل لي : إنه مضى .
قفز الى ذهني بيت من الشعر :
مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
فأي ” روضة ” من رياض العلم والأدب والثقافة ، لاتشتهي أن يحل “الطاهر ” ضيفاً عزيزاً عليها ؟!
ـ لماذا ؟
ـ لعلمه : وهو من هو ، في مجال الأدب والنقد والمقالة والترجمة والتحقيق ، وقد وضع يوم عاد من فرنسا ” الف شرط ” للناقد الأدبي لكي يكون ناقداً وشرطاً واحداً لكي يكون شاعراً ، وراح يذكر : العلم الواسع واللغة والموضوعية وقفز مرة واحدة وقال : والشرط ال 999 الناقد مصلح اجتماعي . اما الشرط الألف فهو الموهبة والموهبة شرطه الأول .(المعلم الجديد ـ 1958).وكان من ثمرة ذلك إنك ما إن تذكر اسمه وسط جمع من الأدباء العرب إلا وقيل لك باحترام كبير ، نعم ، إنه صاحب كتاب ( منهج البحث الأدبي ) ثم يذكرون كتبه الأخرى ومحاضرات لها صيت وصدى .
وقد جمع الطاهر ألف شرط في شخصه وحضوره وثقافته وتواضعه وموضوعيته .
ـ كيف ؟
ـ اما موضوعيته ، فتتجلى في اكتشافه الأسماء المبدعة والإشارة
اليها بجرأة وصدق ، ومنه ، عرفنا الزائف من الحقيقي ، فهو بعيد كل البعد عن امراض النقد ، التي قال مرة إنها :( التسرع في النقد او النقد على غير قراءة ، ومدح الصديق الذي معك ،واحياناً ليمدحك ، وذم الذي ليس معك ،ثم مجاملة من يمكن ان ينفع ويضر ،ثم ان يطلب هذه المجاملة من يرى في نفسه النفع والضرر ).
ثم تواضعه : وهو تواضع العالم الجليل الذي كان أول درس لي ، وأي درس ؟ جاء ذلك عبر هاتف قصير معبر :
( ـ آلو ..الدكتور علي جواد الطاهر ؟
ـ نعم .
ـ أريد أن اشكرك يادكتور على ثلاث مقالات نقدية خطها قلمك الكريم عن أعمالي.
رد من فوره :
ـ أنا الذي أشكرك .
ـ كيف ؟
ـ لأنك جعلت قلمي يخط مقالة طويلة والمقالة عندي لها شأن وموجب ، وأمتعتني بالنص على وفق ذائقتي النقدية .
ويوم اهداني كتابه الجميل الموسوم (روايات ومسرحيات عراقية في مآل التقدير النقدي ) الصادر عن دار الشؤون الثقافية عام 1993 كتب :
( ـ الى من اكسبتني روايته صديقاً ومقالة ) .ali jawad altaher 2 jpg
ذلك مثال على التشجيع والمتابعة والود يجعل الأدب ذا معنى ، فما أحوجنا الى أنموذج الرجل في حياتنا ، ذلك الذي يجعل الحياة جميلة ، وهي ثقيلة بطبعها على المبدع ، وما أشد حاجتنا الى ” مكتشفين ” كبارمثله ؟ وهو المكتشف للمواهب الذي يقدم لنا من كل جيل عددا من الموهبين بقدر أصابع اليد الواحدة جودة وإصالة .
إذ يقول قولته المشهورة : اقرأوا هؤلاء على مسؤوليتي ، فنقرأ : عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي ومهدي عيسى الصقر وشاكر خصباك وغائب طعمة فرمان .ويستمر ينتقي لنا من كل جيل ما يستحق أن نقرأه .وتلك هي مهمة الناقد الأولى ليتقدم الجيد ، ويشعر المقصر أن عليه عملا مضاعفا ، ويستحي المدعي فلا يزاحم سواه .
تعرفت الى الطاهر عام 1969 من خلال كتابه ( في القصص العراقي المعاصر ) وتمنيت أن أراه ، وكان لي ذلك بعد سنوات في كلية الآداب ، في غرفة صغيرة من غرف الأساتذة ، يوصيك بالقراءة ثم القراءة ثم القراءة وبعدئذ الكتابة ، ويسألك هل قرأت هذا الكتاب ؟ ويراك حائراً فيدفع اليك الكتاب ويأمل ان ترده ليعطيك غيره ، وتفعل .
قلت له : إنني أحب كتابك ( وراء الأفق الأدبي ) .
تبسم وقال : وأنا أحبه وله مكانة خاصة من نفسي لطراوة أحبها القراء في المقالة .
تأمل جوابه واستخلص الدرس ، إنه لم يحب الكتاب لذاته ، وانما لأنه وجد قبولاً لدى القراء ، ولو لم يجد لما أحبه .
وتقدم به العمر ، فقال مطمئناً الى موضوعيته وعدم مجاملته على حساب الحق :
ـ ( أنا مرتاح لمسيرة حياتي لأني لم أخضع لطمع أو خوف ).
ولم يتردد في كتابة هذا الكلام في جريدة الثورة العراقية يوم 7حزيران 1985 مختارا الحديث بصيغة ضمير الغائب :
ـ ( واذا كان مرتاحا للذي رأى ، وقال ، وفعل ، خلال مسيرة حياته الطويلة ، فلإنه لم يخضع في ذلك لطمع او خوف …واذا كان في الناس من يضيره أن تعمل ، ففي الناس من لا يستطيع الا أن يعمل ، املا باليوم الموعود من الحق المطلق .)
وقد سأله صديق محاور :
ـ هل يكتب عنك بعد الموت ؟kh-altaher-9
فقال :( إن ذكري يبقى طويلا ً …ولاشك في أنه يتضاءل على الزمن ، ولكني أشك في أنه يندثر ) .
نعم ، لن يندثر ، وها نحن ـ جميعاً ـ من كتبت عنهم ومن لم تكتب ، نتذكر باجلال واكبار واجلال ، العالم الجليل (النزيه ) والعلامة الكبير(الشجاع ) …..وسنبقى !

* د.علي جواد الطاهر من مواليد مدينة الحلة عام 1919، تخرج في دار المعلمين عام 1945، وحصل على البكالوريوس من كلية الآداب جامعة فؤاد بالقاهرة عام 1948، حاز دكتوراه الدولة في الآداب من السوربون عام 1953، عمل أستاذا مساعدا في كلية الآداب جامعة بغداد، وكان أول سكرتير لاتحاد الأدباء في العراق 1959 – 1963، كما عمل أستاذا مساعدا في كلية الآداب جامعة الرياض 1963 – 1968، وأستاذا زائرا في جامعات الجزائر وقسطنطينية وصنعاء وقطر. له مايقرب من 44كتابا بين تاليف وتحقيق .رحل الطاهر في 9 ـ 10ـ 1996.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *