الدكتور عبد الهادي الفرطوسي: التوجه الى النقد يقتل النبض الحي في الشعر ويمنحه آلية مقيتة تطفئ جذوته الشعرية (ملف/2)

abdulhadi-alfartosi*أجرت الحوار : نجاة عبد الله

بدأ كتابة الشعر في أواسط الستينات وكان الملحق الأدبي لجريدة الجمهورية وكانت جريدتا الجامعة والخليج العربي هما من أسعفتا قلمه للكتابة والنشر فيها لكن المناخ السلطوي الذي هيمن على الثقافة في العراق، إبان النظام السابق، جعله يعزف عن التواصل مع المؤسسات الثقافية وقد استمر هذا الانقطاع عشرين عاما، الا أنه أطلق صرخة ضد كل أنواع التعسف الذي يتغرض له الانسان في روايته الكون السالب التي رأت النور عام 1990 وتلاها عدد من الأعمال الروائية والنقدية.

غاص في كل ما هو متخيل بدءا من حكايات الجدة الى أساطير الأرواح التي تقبع بين الأزقة المظلمة والبيوت المهجورة ليوظفها في واقع مرير عاشه العراق وسط زنازين التعذيب وأدوات القمع المختلفة … أبحر في سفر الكلمة ولم يثنه الفقر والحصار والمطاردة وأعين الرقيب عن التواصل والكتابة التي أثمرت عن أعمال أدبية مهمة شهد لها النقاد بأهميتها بالداخل والخارج.

نشأ على تقديس التراث وهو يحفظ قصائد للشنفرى ولقيط بن يعمر الإيادي وأمثالهما تلك النصوص التي كان أبوه يدعوه لحفظها، رغم تكوينه الداخلي الذي يميل الى الحداثة والتي تجلت فيما بعد في الكثير من أعماله.

يشغل عبد الهادي الفرطوسي الآن منصب رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب في النجف، وفي المدينة كان لنا معه هذا الحوار:

•• أن يكون الشاعر ناقدا، إلى أي مدى يستطيع أن يغامر بكتابة قصيدة مكتملة؟

– شهد تراثنا العربي نماذج عديدة من الشعراء النقاد كان من أبرزهم ابن المعتز والشريف الرضي وأبو العلاء المعري الى حد ما … وكان هؤلاء شعراء أولا ونقادا ثانيا، وإن كان المنجز النقدي للأول كبيرا لكنه ظل شاعرا متميزا أيضا … وعلى مستوى الشعر العالمي لنتذكر كولردج وتوماس إليوت فقد كانا ناقدين كبيرين وشاعرين كبيرين في آن واحد… قد يقول قائل أن الشعر والنقد ينبعان من منبعين مختلفين الأول ينبع من العاطفة والثاني ينبع من العقل، ومن ثم فإن التوجه الى النقد يقتل النبض الحي في الشعر ويمنحه آلية مقيتة قد تطفئ الجذوة الشعرية فيه، وأنا أوافق هذا الرأي على المقدمات، وأخالفه على النتائج، فالنقد اليوم يقترب كثيرا من العلوم الصرف، لكن ذلك لا يمنع المرأ من تحقيق النجاح في الإبداع العلمي والفني معا، كم من الأطباء والعلماء كانوا شعراء ورسامين وموسيقيين … قد يكون ذلك شكلا من الشيزوفرينيا الإبداعية، لكنها شيزوفرينيا إيجابية بناءة، لقد كتب إمبرتو إيكو رواية “اسم الوردة” إلى جانب الدراسات المهمة في النقد التأويلي، فكان لعلم التأويل أثره الكبير في إغناء اسم الوردة فنيا ودلاليا. أما فيما يخصني فإني أجد في كتابة القصيدة نزهة ألجأ إليها، كلما أرهقني الجهد العقلي الذي تفرضه الكتابة النقدية، وقد أجد في النص المفتوح سياحتي الجميلة فأتنقـّل بين غنائية الشعر وانسيابية السرد وعقلانية النقد.kh-abdulhadi-5

•• هل يعيش الشاعر الناقد عبد الهادي الفرطوسي عزلة وسط هذا العالم المخيف؟

•- هذا العالم مخيف فعلا خاصة وهو يدخل طوره الأخير النظام العالمي الجديد، ولكن علينا أن نعيشه، وقيمة الأديب في قدرته على مواجهة هذا العالم المرعب وكشف الأقنعة عن وجهه البشع، وصولا إلى تشكيل عالمه الجديد، العالم الذي يريده بديلا لهذا الواقع الفاسد، وكأني بكِ وأنتِ تطرحين هذا السؤال تعيشين الحالة التي يعيشها الأدب في العالم اليوم: العزلة والانزواء والنظر الى العالم بنظارة سوداء قاتمة، ولكن ما ورثناه من فكرنا الماضي يحتم علينا أن نخرج من انزوائنا ونواجه العالم ونسعى الى تغييره، ولا أفشي سرا حين أقول أن قبح العالم الجديد كثيرا ما يكون أكبر من قدراتنا فلا نستطيع النظر إليه دون النظارة السوداء، هذا ما لمستِهِ في رواياتي الخمس التي صدرت في عهد الدكتاتورية، فقد كان اليأس يخيم عليها جميعا، وقد تعرفت بعد ذلك إلى أثر هذه النزعة السوداوية المميزة لأدب ما بعد الحداثة عموما خذي مثلا رواية العصفورية للروائي الجزري غازي القصيبي، ورواية حكايات دومة الجندل لجهاد مجيد .. وأعمالا أخرى لوايسني الأعرج والقائمة تطول…

•• الوضع الثقافي الآن وسط تلك الأجواء الظلامية، هل المفترض منه أن يضيء ويدّون ذاكرة حياة مرّة ام ينظم لقافلة السواد؟

– قافلة السواد وأجوائها الظلامية علامة مميزة لعصر ما بعد الحداثة، تلك ظاهرة قائمة على المستوى العالمي وليست مقصورة على الأدب العراقي أو العربي، أما أدبنا العربي والعراقي فهو بحكم ماضيه القريب وحاضره الراهن موغل بالسواد، ذلك انعكاس طبيعي لهذا الواقع، واستمرار لتجربة ماضية، لكن المتغير التاريخي الكبير الذي حصل في العراق بسقوط الدكتاتورية ودخول المحتلين وما رافق ذلك من أمور يتطلب وقتا لهضم التجربة وتمثلها لإنتاج أدب يستطيع الخروج من الأجواء الظلامية الى مرافئ الضوء، لنتذكر أن أدب الحرب الحقيقي لم يظهر في العراق الاّ أواسط التسعينيات، برغم آلاف النصوص التي كتبت عن الحرب في الثمانينيات.kh-abdulhadi-6

•• رواياتك بحكم انتمائها الى أدب الخيال العلمي تقترب من عالم الأساطير، كما وجدت الكثير من دراساتك النقدية مثل هذا التوجه، فما سر ذلك؟

– لعل الغرائبية التي ينتمي إليها أدب الخيال العلمي والأساطير معا جزء من تكويننا الثقافي الأول، تلقفناه منذ الولادة، لنتذكر حكايات الجدات بعد العشاء عن الجن والعفاريت والسعليات، وما يرويه الناس قبل نصف قرن عن نشاطات تقوم بها تلك المخلوقات في أماكن معينة كانت هناك أزقة وبيوت وخرائب وأشجار محظور على الأطفال الاقتراب منها ليلا، لأنها مسكونة من قبل الجن!!! وكنا نسمع الكثير من الحكايات عن الإيذاء الذي يتعرض له الناس الذين يقتربون من تلك المواضع، مثل هذه الأمور كانت الرافد الأول من ثقافتنا وكان لها الدور الأهم في تشكيل المخيلة الأدبية، يليها الحكايات المتعلقة بكرامات الأولياء والعوالم الغرائبية المحيطة بها، هكذا جاءت روايات الخيال العلمي استجابة لفعل المخيلة التي تربت على الغرائبية أولا، ومحاولة لعصرنة الخرافة والأسطورة ثانيا، وإذا كانت الأساطير القديمة قد تضمنت دلالات سياسية في بعض الأحيان فإن أدب الخيال العلمي قد شحن بمثل هذه الدلالات، فكان ذلك أداء كنائيا لتصوير الواقع السياسي بعيدا عن مقص الرقيب وقمعه، وبعد أن قطع الخيال الغرائبي شوطا صار لزاما عليه أن يلتفت الى تفسير هذه الغرائبية والبحث عن دوافعها وخصائصها ووظائفها في الحياة والثقافة والأدب، من هنا صار التوجه الى الاتجاه الاسطوري في دراساتي النقدية.najat-abdulhadi

••كيف تقيم الحركة الشعرية النسوية في العراق؟

•- بصراحة أقول إن الأدب النسوي في العراق اليوم يمر بضمور وانحسار قياسا على ما كان الأمر عليه قبل عدة عقود، لقد برزت أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات شاعرات متميزات في مقدمتهن نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة وعاتكة الخزرجي وأسماء أخرى… ثم بدأ الانحسار منذ أواخر الستينيات نتيجة للانحسار الثقافي العام الذي هيمن على الثقافة العراقية عموما بتأثير العوامل السياسية والبطش الدكتاتوري، لكن مع ولادة الجيل التسعيني أخذ الأدب النسوي بالانتعاش، فبرزت أصوات جديدة تمثل تحولا نوعيا في رؤى المرأة العراقية وأدواتها الإبداعية، وإن كانت السوداوية سمته الأساسية، ولا عجب في ذلك ما دام قد خرج من رحم الحروب والمجاعات والمقابر الجماعية.

•- كونك رئيسا لاتحاد أدباء النجف، كيف ترى سير الحركة الأدبية هناك؟ وما نشاطاتكم المتميزة هناك؟ وكيف تسير علاقتكم بالمركز العام ببغداد؟

– نشاطنا الأدبي مرهون بإمكانياتنا المالية أولا، وكما هو معلوم فإن اتحاد الأدباء وكافة فروعه يعيش ضائقة مالية منذ بدء الاحتلال إلى اليوم، حيث لم تخصص الدولة ميزانية سنوية للاتحاد، كما كان حاصلا في العهد السابق، كما أن السيد رئيس الوزراء السابق قد أمر بحجز أرصدة كل الاتحادات في البنوك، وقد تضرر اتحادنا وفروعه كثيرا بهذا القرار، الذي ما زال نافذا الى اليوم، وقد ظل الاتحاد يعتمد على إعانات وقتية يحصل عليها بين الحين والآخر، وكان نصيب الفروع منها ضئيلا، إن وضعا ماليا كهذا لا بد له أن يعرقل النشاط الأدبي للاتحاد، المشكلة الأخرى التي تواجه اتحادنا في النجف ان مقره تعرض الى الاستيلاء بعد الاحتلال مباشرة، وقد قدمنا شكوى بهذا الشأن إلى محكمة بداءة النجف، وكسبناها، وأحيلت القضية الى محكمة استئناف النجف وكسبناها أيضا، وأحيلت الى محكمة تمييز العراق منذ عام 2005، لكنها فقدت هناك، ومنذ ذلك التاريخ وملف الدعوى مفقود وشكوانا قائمة ولكن دون جدوى، وبهذه المناسبة أسأل محكمة تمييز العراق: أبهذه السهولة تضيع الدعاوى في أعلى هيئة قضائية في البلاد؟ ومن المسؤول عن ضياعها؟ وما الإجراءات التي اتخذتها محكمة التمييز الموقرة بحق المتسببين في فقدانها؟ ثم ألا يطرح ضياع ملفات الدعاوى علامات استفهام وعلامات تعجب كبيرة تتعلق بالنزاهة !!! وما الذي يفعل المظلوم في هذه الحالة من أجل استرداد حقوقه بعد أن سكتت عن حقه أعلى هيئة قضائية في البلاد ولم تتخذ الاجراءات الرادعة بحق المتسببين في ضياع الملف!!!kh-abdulhadi-3

ومع ذلك فقد واصل اتحادنا نشاطه بجهود استثنائية فأقام مواسم ثقافية متواصلة على امتداد السنوات الماضية جاعلا من قاعات جامعة الكوفة مراكز لإقامة نشاطه الثقافي، وقد شهدت كلية التربية وكلية الآداب وكلية الفقه والقاعة المركزية للجامعة على ذلك النشاط، ومن جهة أخرى فقد أقام – وبجهود الخيريين من أبناء النجف – مهرجانين قطريين كبيرين:/ الأول في تموز 2005 وهو اليوم النجفي للجواهري شارك فيه عدد كبير من الشعراء العراقيين وأساتذة الجامعات العراقية، والثاني في أيار 2007 وهو ملتقى النجف الأدبي وقد استغرق ثلاثة أيام أقيمت فيه أربع جلسات نقدية وجلستان شعريتان وقد شارك فيه الأدباء والأكاديميون من العاصمة وأغلب محافظات العراق، وقد رافق المهرجان صدور جريدة خاصة به بثلاثة أعداد، كما لا بد من ذكر المجلة التي يصدرها اتحادنا في النجف مجلة بانقيا وقد صدر منها ثلاثة أعداد، والرابع على وشك الصدور، وقد أسهم فيها عدد كبير من أدباء العراق وأكاديمييه، ونحن الآن بصدد الإعداد الى فعاليتين كبيرتين، الأولى حلقة دراسية عن الشاعر الكبير مصطفى جمال الدين، والثانية حلقة دراسية عن رائدة الشعر الحر نازك الملائكة، وقد فاتحنا مجلس الوزراء بشأن دعمه للفعالية الأولى وننتظر الجواب.

•• لقد حزت على جوائز عديدة، فهل كنت تتمنى ألاّ تفوز وماذا أضافت تلك الجوائز الى تجربتك؟ ؟

•- لا شك أن الفوز بجائزة ما شهادة تمنح المنجز الإبداعي بهاء وتمنح المبدع اعتزازا بتجربته، وقد شكل حصولي على هذه الجوائز حافزا قويا على مواصلة الكتابة والتفكير الجاد بالنوعي والجديد الذي عليّ أن أقدمه للقارئ.kh-abdulhadi-7-2

•• مشاريعك القادمة ، إلامَ تخطط؟ وكيف تسير الحياة معك؟

•- بدءً لدي ثلاثة كتب نقدية جاهزة للنشر أبحث عن ناشرين لها، أولها: “تأويل النص الروائي” وهو كتاب ضخم يحلل رواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني معتمدا علم اجتماع النص الأدبي والمناهج السيميائية والتكوينية في التأويل، والكتاب الثاني هو “الانزياح الأسطوري في الشعر” وهو يعتمد ذات المناهج المذكورة ويطبقها على أربع قصائد للسياب ونازك وبلند والبياتي، وهو يحاور بالدرجة الأولى أطروحة غوستاف يونغ ساعيا إلى الكشف عن أثر العقل المتحضر على الرؤيا الأسطورية وتحريف رموزها لتحقيق التلاحم بين العقل الواعي والرموز الغريزية في النص الأدبي الحديث، أما الكتاب الثالث فيتضمن قراءات جديدة لنصوص أدبية مختلفة، من بينها قراءة سردية لسورة مريم، ودراسة سيميائية لمقطع من الشعر الأكدي … وهناك مخطوطة لمجموعة قصصية كتبت بين عامي 1972 و 1989 لم تنشر قصصها الا بعد السقوط.

أما على مستوى المشاريع القادمة فإني عاكف الآن على تأليف كتاب نقدي عن الأدب النسوي في العراق وقد أنجزت منه دراسات عن نازك الملائكة ونعيمة مجيد وفليحة حسن نشرت جميعها في المجلات المتخصصة، وما زالت أمامي تجارب نسوية مهمة عليّ دراستها، ومن مشاريعي القادمة رواية تنتمي إلى أدب الميتافكشن كتبت فصلا منها لحد الآن.

نجاة عبد الله

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

* شهادة *
طفل من شعر وحكايات
سعد جاسم (ملف/45)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

المقصف الملكــــي
قراءة نقديـــة
أ. د. عبد الرضـــا عليّ (ملف/21)

إشارة: للشاعر والقاص والروائي والباحث المبدع الكبير د. قصي الشيخ عسكر بصمة مميزة في أغلب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *