أ.د. نادية هناوي سعدون: قصيدة النثر والتماهي بين الانا والآخر في نص (لا احد سواي يجيدك)

nadia-hanawi-2*ناقدة وأكاديمية عراقية

الذات بناء ديناميكي ينبثق أو يتشكل من تجربة خاصة أو تجارب مشتركة وهي قد تكون هوية أو تاريخا أو موضوعا. والذات ايضا وعي أنوي يتموقع خارج الزمان والمكان الامر الذي يجعل عملية تشكيلها لا تنفصل عن مواجهتها لنفسها.
ولا يخفى أن الكتابة واحدة من الوسائل التي بها تمارس الذات حريتها بما يمنحها الانفلات والتضاد ولاسيما إذا كانت الممارسة الكتابية قد اتخذت من قصيدة النثر مجالا وميدانا للبوح والتعبير . ولعل أهم مميزات قصيدة النثر أنها تسمح باجتماع المتضادات وتجاور المتناقضات فيكون في الذاتية غيرية، وفي الخصوصية شمولية، وفي المخاتلة وضوح، وفي التوهج فتور، وفي البساطة عمق. ولا يأتي هذا الاجتماع بين المتضادات بقصد الترميز والتكثيف فحسب بل يأتي ايضا بقصد المراهنة على الدوال بغية إيصال المدلولات إلى القارئ.
وإذ تنخرط قصيدة النثر في الأجناس الشعرية الأخرى إلا إنها تنفرد بأنها تتقاطع مع جماليات الشعر الكلاسيكية من ناحية أساليب الكتابة وعلاقة الشاعر برؤيا العالم ولهذا السبب احتلت موقعا مركزيا في التنظير للحداثة الشعرية لا كما يتصوره بعضهم من أنها مشروع لم يكتمل بعد..!!
ولما كانت قصيدة النثر قصيدة دلالية لذلك هي تخضع لشرائط الشعر مواربة ومخاتلة ومغازلة ومداراة ومكاشفة انطلاقا من منظار رؤيوي يجعل الدلالات ميدانا للإنتاج والانجاز توافقا أو تضادا تكرارا أو تناوبا تقديما أو تأخيرا انزياحا أو قيدا ، وهذا ما يجعل من الدلالة معطى رحبا يدهش القارئ ويدفعه إلى التأمل في الكيفية التي بها تخرق القصيدة المألوف لتدخل مضمار المغامرة ..
ولعل أهم سمة في كتابة قصيدة النثر أنها يمكنها ان تخرق المألوف في أي جانب بلا حدود أو اعتبارات كأن يطيل الشاعر القصيدة لتكون نصا نثريا أو لوحة كلامية أو يلعب على سوادها وبياضها ليبتكر وسائط ومستويات للبوح والتفاعل ما بينه وبين قارئه أو أن يدخل إلى فضاء الدلالات فينتج منها ما يريد من دون أية محظورات أو قوانين تقيد عمله أو توجه مساراته.
وهذا ما يتطلب وعيا نصيا خالصا يزخر بالإيهام الذي به يتحقق الإدهاش من دون أن يكون في هذا الإدهاش بساطة ولا في الإيهام تلغيز أو طلسمة. gharam alrubaie
ولما كان منطق قصيدة النثر غير منطق الشعر الكلاسيكي فان رؤيا العالم ستتخذ طابعا التزاميا غير منفلت وجاد غير عبثي..وفي هذا السياق يأتي نص ( لا احد سواي يجيدك) للشاعرة غرام الربيعي والصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد عام 2016 كمثال عيني نتلمس فيه سمات كتابة قصيدة النثر.
ولعل أهم سمة في هذه المدونة هو مقصدية توظيف الضمائر التي أتاحت للشاعرة إطالة قصيدتها لتغدو نصا واحدا يرصد الدلالات ثم يخرق مواضعاتها فتكون مدهشة لا تستخف بقارئها ولا تهادنه ولا تخادعه ولا تضمر له ولا تحاول الإيقاع به، بل هي تريده قارئا فاعلا ومنتجا لا مجرد مفعول مستسلم.
ويعد الاشتغال على الضمائر الشعرية بأنواعها كافة المنفصلة والمتصلة والظاهرة والمضمرة مغامرة دلالية فتحت للمدونة النصية إمكانيات البوح لتغدو نصا لا يخرق المعتاد فحسب؛ بل يراهن على القارئ في عقد العلاقات واكتشاف المدلولات التي تقصدت الذات الشاعرة وضع قواعدها متلاعبة دلاليا بمستوياتها مغازلة أو مهادنة، استفزازا أو مطاوعة مراوغة أو استلابا ..الخ
ويعج المعجم الدلالي بثنائية الأنا / أنت التي يتم تعاطيها بناء على توظيف الضمائر توظيفا يجعل منها بؤرة دلالية تتوالد عبرها الأفكار وتتناسل المعاني وتتعانق المتضادات وتتصارع الثنائيات وتزدحم المتشاكلات ومن ثم تشتبك بناء على وعي شعري يوصل أطراف المعادلة الشعرية بعضها مع بعض عبر خيوط خفية لتلتحم مع بعضها.
وما هذا التدفق الشاعري الممتد إلا سمة من سمات حداثة النص الشعري التي بها تستحضر الأقطاب كلها أو يغيب بعضها على حساب الأخرى لتخرج إلى حيز الوجود وقد استفزت قارئها وحملته على تلقف ما يقرأ بوضوح لكنه بلا مباشرة أو بغموض لكنه بلا إرباك أو بإدهاش لكنه شفيف وبمكاشفة لكنها ليست ابتذالا وبمغازلة لكنها ليست شبقا.kh gharam
والنواة الدلالية في ذلك كله هي الضمائر التي تمتد وتتعاظم وتتعقد وهذا ما وسم النص بسمة شعرية خاصة بسبب لا معتادية التعاطي مع هذه الضمائر اولا، ورومانسية الطرح اخرا والتي امدت النص بانطلاقة كتابية خاطفة لا يوقفها حد او قيد ولا يكبح جماح تتابعها قانون او فرضية ..
واذا كانت المجموعات الشعرية السابقة التي كتبتها غرام الربيعي كـ( تراتيل في محراب النخيل) و( حلم ايل الى الصباح) ثم (ضباب ليس ابيض) وغيرها من المجموعات والنصوص قد اعطت فيها مساحة للوطن والوطنية الا انها هنا اخلصت لذاتها بتوجه رومانسي تام وهي تتحرك منها وإليها وحولها مستحضرة الاخر شريكا ودليلا يعاضد أناها ويقتسم معها تجربة أحلامها وواقعها.
ولا غرو بعد ذلك أن يكون الاخر ميدانا رحبا تتجلى عبره رومامنسية البوح والهيام والولع والانتشاء الذي لا يكتمل إلا معه، ومشاعر الالم لا تتعمق الا بحضوره، وحتى الكتابة تصبح بوجوده انفتاحا عبر المراهنة على ثنائيات جزئية اخرى كثنائية المفرد/ الجماعة او الواحد/ الغير او الانفراد / الالتحام او العزلة/ الاجتماع او النفور/التجاذب ..الخ
لتصبح مقصدية التوحد والتماهي هي الثيمة المركزية التي منها تتشكل متاهة الهيام الشعري حيث الذات تراوغ بالضمائر متعاملة معها تعاملا خاصا على مستوى الأفعال والأسماء والصور والانزياحات ألفاظا ودوالا ومدلولات:
هي أنا زهو الممالك
هو أنت ذاك الذي اعشقه ص44
وما بوح الأنا إلا صوت شعري يخاتل الآخر والبغية انتدابه ومحاولة التهادن معه، وبدءا من العنوان( لا احد سواي يجيدك) تتضح بجلاء نزعة التوحد فهذان الضميران (كاف الخطاب وياء المتكلم) هما اللذان يجعلان الذات تتأرجح داخل منطقة شعرية تجمع ما بين الاستمرارية والوصفية.. حتى إذا غابت الثنائية وانفرد صوت الأنا فانه لن يبوح إلا بالأسئلة حيث لا معنى للوجود:
لوحة الوجود أنا
أشكالها
من يدري؟
الوانها
وحدي اعرف
..
وأنا
شمس تضاهي الحكاية ص8و9
وتتعالى نزعة التماهي غزلا ووجدا بتوظيف ضمير التكلم انا المستتر في ( سأكون) والياء المضافة في ( لياقتي / حزني/وحدي / سواي) جنبا الى جنب ضمير الخطاب أنت وأنا المستترين في الفعلين المضارعين( ستدرك) و( اجيدك ) :
يوما ستدرك
وحدي أجيدك
ولا احد سواي ص81
لتتوكد فاعلية قصيدة النثر في تحقيق التماهي الرومانسي بناء على ثنائية الانا /الانت عبر استعمال خاص للضمائر المستترة والظاهرة، المتصلة والمنفصلة والبغية توكيد هيام الانا بالانت وحتمية الالتحام والتلاقي ليكمل كل واحد الآخر، وذلك ما حققه نص (لا احد سواي يجيدك) الذي اضاف الى تجربة الشاعرة غرام الربيعي اضافة خاصة فكان خطوة جديدة في مشوار عطائها الشعري.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : مع الشاعرة عبلة تايه وثلاث ورود .

   عبله تايه الشاعرة الكرمية الفلسطينية وابنة أسرة أشتهرت وعرفت بالشعر والأدب، كما عرف أبناء منطقة …

| طالب عمران المعموري : السرد وبناء الرؤى في “أصيغوا الانتباه ما حولنا يهمس” للروائي عامر حميو .

رؤيا فردية كيانية  تنطوي على نزعة انسانية  تعكس تجربة شخصية خاصة ،رؤيا تتناول شتى قضايا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *