د. فاروق أوهان : د. فاروق أوهان : “البحث عن إنكيدو” بين ملحمة غلغامش والملحمة المسرحية هبوط وصعود إنكيدو (1) (ملف/13)

farook-ohan-7إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر هذا الملف عن ملحمة جلجامش العظيمة، كنز العراق المعرفي والشعري والنفسي، ودرّة تاج أساطير العالم، وأقدم وأطول ملحمة مكتملة في تاريخ البشرية. ولو لم يأتنا من حضارة وادي الرافدين، من منجزاتها وعلومها وفنونها شيء سوى هذه الملحمة لكانت جديرة بأن تبوّأ تلك الحضارة مكانة سامية بين الحضارات العالمية القديمة كما قال الآثاري الكبير طه باقر. وإذ تتشرف أسرة الموقع بأن تقدم هذا الجهد ، فإنها تتقدم – في الوقت نفسه – بالدعوة إلى جميع الكتّاب والقرّاء للمساهمة في هذا الملف المهم كتابة وقراءة وتعليقا الدراسة (القسم الأول) :
المقدمة
يقول الشاهد الذي أمر غلغامش بكتابته على تمثال أنكيدو، وهو ركز لمثواه الأخير:
أيها الناظر لا تعجب من ثمن مرقدي،
ولكن اسأل عن مكانتي لدى قومي وأصحابي
أيها القارئ لا تتجبر، ولا تتكبر،
فليس وراء هذا الشاهد بعد الآن غير الذكريات، والدود
أيها المار من هنا ترفق، وتوقف لتلقي سلامك على الذين رحلوا..
ويبدو أن هذه العبارات قد تناقلتها الأجيال، ليس لما جاء في الملحمة بالذات، وإنما لما يعاني منه الإنسان في مسألة الموت والحياة، وبخاصة ذوي القربى بفقدان عزيز لهم، وربما ينعى أحدهم نفسه بمثل هذه الكلمات التي لا تبدو غريبة عنا، فلقد وردت في أدبيات الكثير من الفلاسفة، والشعراء بشكل خاص، سواء في الثقافات الشرقية: كالهندية (السنسكريتية). والفارسية. أو في الثقافة العربية القديمة، وربما الوسيطة، وكأننا نسمع صدى عبارات غلغامش على لسان أنكيدو يتكرر على مدى الدهور، ولكل فترة تاريخية. ومنها على وجه الخصوص ما جاء في قصيدة أبي العلاء المعري التي يأتي مطلعها على النحو التالي:
غير مجدٍ في ملتي واعتقادي
نوح باكِ ولا ترنم شاد
…………………… إلى
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
وكان المعري قد أوصى بالكتابة على شاهد قبره العبارة التالية:
هذا ما جناه علي أبي، وما جنيته على أحد
ولقد جاء الشاعر أحمد رامي في قصيدة رباعيات الخيام بنفس المعنى، أو ما يقاربه:
أفق خفيف الظل هذا الثرى
نادى دع النوم وهات الوتر
فما أطال النوم عمرًا
وما قصّر في الأعمار طول السهر
إلى……………………..
فامش الهوينى إن هذا الثرى
من أعين ساحرة الاحورار
لا توحش النفس بخوف الظنون
واغنم من الحاضر أمن اليقين
فقد تساوى في الثرى راحل
غدًا وماضٍ من ألوف السنين
…………………… حتى
لبست ثوب العيش لم أستشر
وحرت فيه بين شتى الفكر
وسوف أنضو الثوب عني ولم
أدرك لماذا جئت أين المفرgilgamesh 16
ومما قرأناه على شاهد أنكيدو في الملحمة الأصلية، فإننا لو أزحنا حرفًا واحدًا من كل كلمة في النعي، لأصبح النص أحجية، أو لغة أخرى بحروف عربية، وصار النص غير مفهومٍ إلا إلى الذي يعرف سرَّ الشفرة، فيقوم بإعادة ترتيبه بإضافة الحرف الناقص، ومن هذا المنطلق دعونا نجرب كتابة:
يها لناظر، اتعجب، ن من رقدي، لكن سأل ن،
كانتي، معزتي، دي ومي، أصحابي.
يها لقارئ لا تجبر، لا تكبر ليس راء ذا لشاهد عد لآن ير لذكريات، الدود.
يها لمار ن نا رفق، توقف تلقي لامك لى لذين حلوا..
وإذا ما أردنا قراءة النص باللغة الكلدانية الحديثة لجاءت على النحو التالي:
آيت لي بخيارة، ولمعجبت من قيمت قوري،
لكن إمباقر عن دكثي، ومعزتي، بينت ناشي، وخوراني.
آيت ديويت بقراية، خزت ككيانخ، ومكبرت ريشخ،
لئن بثر ما ميو تبخزايه ده، إلا ذكريات، والدود.
آيت ديويت بميارة من داخه، على كيفخ، واحمل،
والقي شلامه للناشه زيله، وميثيلله.
وهذا يدل على أن ما توارد في المثالين الأولين: لأبي العلاء المعري، وأحمد رامي، وفي عصرين مختلفين، قد تم تناقله بالأفكار، وبالذاكرة الجمعية، وليس بالمكتوب الذي رآه المنقبون محفورًا على شاهد تمثال أنكيدو، وبتكرار توحد المصائر البشرية.. مما يغدو الكلام حوله متشابهًا. لكن المعاني المتداولة اجتماعيّا، وبيئيّا هي كلها التي تضيف القيمة المعنوية، والفكرية للرسالة الشفرة:
أولاً – لأنها لا تعدو أكثر من نقوش، ورسوم غير مفهومة حتى زخرفيّا، تمامًا كما يطالع الأوروبي في الحروف العربية، وكما نطالع نحن الحروف الصينية، والهندية مثلا.
ثانيًا – إنها أي النقوش، تفقد أصالتها، وتوصيل معانيها طالما استعصت عن الفهم، والحل. حينئذ لا ينظر إليها بالمدلول الذي تستنتجه العبارة من معانٍ، ولكن من خلال المدلول الشكلي للحروف المرسومة.
وبناء على هذا المفهوم، يمكننا أن نعتبر ما أسلفناه أعلاه مدخلا أساسًا لموضوعتنا حول أهمية الملحمة تاريخيّا، وما هي الكيفية المثلى لاستقدامها، وما الوسيلة الأسهل لتقريبها من الجمهور؟
الملحمة بين التاريخ والدراما
إن تقديم أية ملحمة تاريخية، ونقلها إلى غير عصرها يحتاج لوضعها في ذلك الإطار الاجتماعي، والبيئي ليتقبلها أكبر عدد من الأوساط الجماهيرية. فما بالنا ونحن نضعها في هذا العصر المقبل على بدايات القرن الحادي والعشرين؟ حتى ولو لم نوظفها لجنس آخر كالمسرح مثلا، فإن ذلك يحتاج بالضرورة لتلك النقلة النوعية التي يحتاجها المبدع لكي يواكب عمله لمعطيات العصر ومداخلاته، وإلا لما فعلنا أكثر من الناسخ، أو النُسَّاخ. أو تقديم ترجمة تقليدية غير ماهرة في فن “الدبلجة” سواء للسينما. أو للتلفزيون حيث يكون الاعتناء فقط بالجانب اللغوي في أسوأ حالاته، تاركين ما يحيط بالموضوع من أمور بيئية، واجتماعية، ونفسية، وفكرية، وجمالية جانبًا، فتخرج المادة المنقولة عن ثوبها الأصلي، ولا تلج حتى أول مداخل البيئة الجديدة، فتتوه كعالمنا المثقل بلعبة الفضائيات الإعلامية الجوفاء لهذه الأيام، فلا يتم استيعابها في نمطها الذي كانت عليه، ويحرم جانبان هامان في هذه العملية هما المبدع الأصلي، والجمهور التوَّاق للتعرف على عوالم قديمة، بإطاراتها الجديدة.
وعلينا بهذا المجال النقل الذي تم لملحمة المهاباراتا الهندية مرتين، مرة بالإبداع الهندي للتلفزيون، ومرة بإبداع بيتر بروك للمسرح.
لأن ما نقدمه يتعلق بعامة الناس.. أما الباحث، أو الدارس المختص فإن أية إضافة أو تطوير سوف يبعدانه عن حرفته؛ فيكون تيهه عكسيّا. أو كما يتم النقل من جنس أدبي، إلى جنس مثيل آخر: من القصة والرواية إلى المسرح والسينما على سبيل المثال.
فكيف لنا عندما ننقل ملحمة من عبقها الأسطوري، وفنها الملازم لعقلية عصرها، إلى عصر، ومسرح معاصرين، ومختلفين في العقلية، والروحية، بين البيئة والمجتمع، بين العمل والاقتصاد، بين الفن والعلم؟
فماذا يفيد ملحمة من ألفها إلى يائها، وبتسلسل الملحمة، وتكرارها التي كانت فنية جمالية في فترتها، تتعلق مواصفاتها بالعقلية التي كانت تتواردها، وتتقبلها؟ لا تختلف عن الأسطورة وأبعادها العامة سواء في الأفكار والمعتقدات، أو في مستوى الفهم والتكرار.. فنحن نقرأ في الملحمة الأصل أقدم سيرة بشرية تامة، لا نبذة أسطورية، أو حادثة مجتزأة عن السيرة النهائية، فالملحمة هنا هي صورة لن تتشتت رغم ما قيل بأنها انتهت؛ لأنه قد تم تناقلها بين خمسين إلى خمسة وعشرين قرنًا.
ورغم تعدد نصوصها، وبلغات المنطقة المتعددة، لكنها “أي ملحمة غلغامش” رغم ذلك تعتبر من أصفى الملاحم نقاوة، فقد وُجد أن أحدث نص هو النص الآشوري. أما بعد دمار نينوى، وسقوط بابل فقد تم تناقلها من جديد، ولكن بشكل مقارب، وبتطوير مناسب آخر، فحصلت الترجمة من الآشورية إلى كل من الحثية، والحورية قبل ما يقارب خمسة وعشرين قرنًا.
ولقد أوضح الباحثون بأن سبب محافظة ملحمة غلغامش على نقاوتها، أن ما خرج عنها لا يعدو أكثر من صيغ لأساطير وملاحم، أو أخرى موازية. أو بعيدة كل البعد عن الملحمة شكلا. إنما كل ما خرج فإنه يعود بالتالي إلى الجوهر، ونفس الجذور والمنابع، فتغلغلت حتى في المعتقدات، والمذاهب، وسير الأنبياء، وانتشرت ليس فقط في الأساطير والملاحم الشرقية فحسب، وإنما أيضًا تعدتها إلى منطقة غرب البحر المتوسط أيضًا، حيث بلاد أجداد الإغريق من جانب. بينما حافظ تراثها المطمور والمكتوب على نقاوته، إذ لا مجال من العبث به أو الاجتهاد عليه كما يشير الدكتور يوسف آذار “يانوش مارسيوش” في كتابه الموسوم “أُقنوم الأقانيم”( ).gilgamesh-20
وعلى صعيد آخر، فإنه لربما كان ما انبثق عن الملحمة الأصل من أساطير، قد جاء نتيجة لأسلوب فن الرواية المنقول شفاهًا، وهذه خواص التواصل من خلال التناقل، بين السلبية البسيطة، والإيجابية الكبيرة، حيث تنشأ أساطير جديدة نتيجة الابتعاد عن الأصل، وإضافات مرصودة، أو عفوية، ومنها أيضًا تغير أسماء الأبطال ومن ثم نشوء أحداث تتناسب والبطل والعقلية الجديدة على سبيل المثال.
وبتراكم أنماط أسطورية أخرى تتشكل حلقة كبيرة من الميثولوجيا العامة للمنطقة، وتتفرع لها روافد جديدة، وهكذا يتم الابتعاد كلية عن الأصل في التفاصيل، خصوصًا لو اختلفت اللغة.
ورغم أن الملحمة بعيدة عن المُلك والسلطة، ومع هذا تم تدوينها في عصر من العصور الملكية، ويقال أيضًا بأن ملحمة غلغامش دونت في عهد الملك غلغامش خامس ملوك سلالة أوروك الأولى.
لهذا فإن ما يرد في الملحمة هو نتيجة لعوامل كثيرة صاغتها الظروف الراهنة آنذاك، وعلى هذا فإن الإعادة التي تمت في الملحمة لها أغراض عديدة هي:
1 – عدم تجاوز الزمن، واعتبار أن نقل حادثة من مكان إلى آخر، ليس أكثر من حمل الحادثة بحذافيرها، والمحافظة عليها، وعدم تجاوز أسلوبها.
2 – يعتني النقل بالجانب التاريخي بالدرجة الأولى، ربما لأن لها علاقة بقضية الأمانة في السرد، ونقل الحادثة كما كانت، لعل هذا يذكرنا بأحدوثات الأطفال المتسلسلة.
3 – يعود التكرار في الغالب إلى قدسية الكلام، وبخاصة ما يتعلق بكلام الآلهة والخوف من بتره لكيلا تقع ملامة من المنقول له على الناقل بالتقريع، أو العقاب.
4 – هذا التكرار كان محفوظًا لقرون عديدة، (كتابة)، ولم يطرأ عليه تحوير الرواة البعيدين زمنيّا عن روحية، وفلسفة، ومعتقدات عصر الملحمة.
5 – ولحسن الحظ فمن يعرف ماذا كان سيصلنا لو أن لغة ذلك العصر بقيت حتى يومنا كما هي؟ “رغم أن ذلك مستحيل، فاللغة كالكائن الحي، متطورة على الدوام؛ لأنها إفراز لكائن حي ومفكِّر” فلربما تحورت الملحمة آلاف المرَّات (كما حصل بالطريقة الشفاهية). ولنشأت أساطير، وملاحم أخرى مكتوبة غير شفهية. تنازع إحداها الأخرى، أما الجوهر فواحد بالتأكيد.
أما التكرار في نصنا للملحمة المعاصرة، فإنه يأتي ليس انعكاسًا، وإنما بلون مختلف، وبمعالجة مغايرة يتفقان مع مبادئ العصر الحالي، وتقاليده الجمالية، إذا ما تجاوزنا النواحي الفكرية، والاجتماعية، والبيئية المحيطة.
ومن جانب آخر فإنه ليس كل ما ورد في الملحمة يتفق ومفاهيم العصر الحالي، لا بيئيّا، ولا جماليّا فحسب، وإنما أيضًا من الناحية الفكرية والحدثية فالملحمة التي كتبناها ليست استعادة منسوخة، ولكنها إعادة فنية معاصرة للضرورة، تتعلق بأمور جمالية معينة.
وربما يعود ذلك للتأثر بأسلوب نقل الرواة عن الرواة السابقين لهم فالأسبق، ولكننا نختلف في التوجه والنظر، ودرجة الرفعة، وذلك من النواحي التالية:
1 – تقوم الملحمة المعاصرة على خلق توجه فكري معاصر، ودراسة حيثيات ما جاء في الملحمة القديمة برؤية نقدية، من خلال الباحث، والحارس على صعيد التمهيد لما نريد قوله في ملحمة هبوط وصعود أنكيدو – ونقلها، وبخاصة ما له علاقة:
أ- المنافسات في مجلس الحكماء.
ب- من هو أنكيدو القادم، وما علاقته بغلغامش والبشر معًا؟
ج- ما لا نعرفه من عوالم خمبابا الخفية.
د- ما دوافع عشتار؟ وما أسباب مناوراتها؟
هـ – مغزى موت أنكيدو، وحزن غلغامش.
2- أما ما يرد من درامات ضمن الطقوس المنفصلة والمشاهد فلها كلها حتى العصرية منها وتيرتها الدرامية التصاعدية الذاتية إلى الحد المسموح به، وما الكسر “القطع”، والعودة إلى الواقع المعاش بين الباحث والحارس، إلا خدمة لأغراض متعددة منها:
أ- كسر حدة الدراما.
ب- بناء معطيات لنتائج الباحث تتعارض مع قناعات الحارس وتفكيره، مما يخلق تناقضًا دراميّا حديثًا، ولافتًا للنظر، يقود بالتالي إلى درامية المأساوية الحديثة التي نريدها أن تنشأ بين الباحث والحارس، وتنساب بهدوء لتتنامى بلا تشويش، ثم تعود لتطغى فجأة، ليس كما يحدث في تعليق باحث آثاري عندما يصل مقطع فيه تلف. فيكتب (كسر)، ولا يزيد، فليس وراء ذلك فائدة في الملحمة الدرامية المعاصرة، على عكس القطع المعاصر لدينا فإن الكسر، والقطع مشخصان استخدما لأغراض درامية، وظفت على هذا النحو.gilgamesh 15 (2)
ولولا معرفة المشاهد العربي، وتواصله لخاصية سرد وتلاوة السير والملاحم لما توصلنا إلى هذا الشكل، بمعنى أننا بالتقاطع، والجدال، والخروج لاسترجاع ما مرَّ “لا بتقريرية فجة”، وإنما بتفهم واستيعاب انتقادي وجدلي، سواء لدى الباحث وحده، أو بين الباحث والحارس رغم اختلاف الرؤية، والدرجة العلمية، وإنما لكل منهما خصوصيته، وفاعليته. ولكل منهما تمثيله لشريحته بين العالم المستكشف، وبين ابن الشعب الذي يتقبل ما يرده. بل عليه الدفاع عما تقبله سماعًا دون تأكيد، أو مرجع يستند عليه، وإنما للقناعة بمصدر ومكانة المعلومة. وهذا التوقف، والتتابع في المحاورة الثنائية ليس إلا نوعًا من أنواع الاستخلاص للنتائج بجدلية درامية، وجدلية مسرحية لا تتوقف عند حد المحاورة والمجادلة لذاتها، وإنما يبنى من خلالها مواقف متنامية بين الحارس، والباحث، قد تبدأ عرضيّا، بل وبشكل هامشي، ولكنها بالتالي لا تني حتى تطغى في النهاية لتكون هي موضوع الثيمة النهائية.
وهنا يكمن مفترق بين الملحمة الأصلية التي تدون لسيرة بطل، وبطولة ذاتية تتساوق مع الشخصية حتى حتفها، بينما تمسرح الملحمة المعاصرة الحدث، وتفرز ما تريده لخدمة الفكرة…. تتوقف عند معضل بشكل تفصيلي درامي وتتجاوز العديد من التدوينات التاريخية لأنها لا تخدم الغرض في مساقها.. ولا هدف تقديم ملحمة عصرية درامية ذات مضمون يؤهله بأن يرقى إلى مستوى المسرح الإنساني المعاصر.
وإلا لما فعلنا غير التكرار والنسخ.. هذا المفترق هو مفصل النوعية بين الملحمة الدرامية “هبوط وصعود أنكيدو”، وبين هو الذي رأى في ملحمة غلغامش.. لأن الأولى تنتهي بموت أنكيدو الذي رأى، وجاء يطالب بحقه من جهة، ولكي يجيب على سؤال حيَّر غلغامش وقتها.. بينما انسحبت الملحمة الأسطورية الأصلية في موقفها الختامي، أو لنقل في موقفها المرحلي، بمجرد تحول غلغامش إلى باحث عن السبب، وبمجرد موت أنكيدو بطل ملحمتنا التي نعنونها باسمه، لأننا أردنا أن نوضح كيف رأى هو الآخر..
3- إن الرواية الحاصلة في الملحمة، لم تستبعد أسلوب الرواة، وخاصة ما يدور في رواية الحارس.. الشخص المعاصر لنا، والمشرقي البسيط، وكيف يفهم هو التاريخ والآثار بطريقته وقناعاته، فهو الحارس الحافظ للتاريخ.. حراسة بدنية، وحركة ذاكرة حارسة.. في حين يكون المحاور في الطرف الآخر.. الباحث.. العالم الشكاك.
الأبعاد المسرحية العامة بين عالمين:
الأول: بشري عقلاني، لكنه منقاد بالفطرة إلى القدر، كالحديث عن باب بيت الزواج المقدس، وتلاقي البطلين، وصراعهما واتفاقهما أمامه. “ومع هذا فقد نشأت عن الباب تأويلات أخرى سنأتي عليها”..
الثاني: لا بشري، ما ورائي، لكنه عقلاني أيضًا.. جاءت عقلانيته موازية لعقلية البشر آنذاك بدرجة أرقى، صورتها العقلية البشرية نفسها في ذلك الوقت، أو طرح أفكاره الجريئة على لسانها لكي ينأى عن الضرر.. ولكي يحقق حلمًا، وأملا يريدهما له، لعله يتحقق بلسان ورغبة الآلهة.. فمثلا: تقوم عشتار بالتنقل بين التكوين الإلهي، والتفكير بأسلوبه حسب ما تتصرف مثل الصبيان، واللعب اللاهي عند والدها بشخوصها الأرضية، وأدواتها، بل هي إلهة الأعداء في نفس الوقت.
إن عشتار التي تلعب بالبشر، ومعهم، وتعبث بعواطفهم هنا، تبرر الأسطورة أفعالها، ربما لأنها كغيرها من الآلهة هي واحدة من بنات أفكار البشر أنفسهم، كما يشير الدكتور يانوش مارسيوش( ): إذ يؤكد المؤلف بـ “أن عشتار موسومة بالعواطف الأرضية، ومصنوعة أساسًا من قبل البشر أنفسهم، فهي من بقايا الطوطمية، ولهذا فهي تتلاعب بعواطف البشر، بنفس أساليبهم”. وإلا فلماذا لا يكون في الملحمة نفسها عشتار خاصة بعالم خمبابا وأهله، مثلما فعلنا نحن بملحمتنا المعاصرة “هبوط وصعود أنكيدو”.
التوفيق بين الأرض والعلا
هنا توفيق بين الواقعية البحتة في علاقات الناس في الملحمة الأصلية.. مثل: المصارعة فن قديم “يدهن الجسم بالزيت” قبل المصارعة. وبفن المصارعة هناك أهمية لثني الرجل “ثني إحدى ركبتيه، ورجله ثابتة في الأرض”.
أو بالحوار القائل: اجلبوا لنا الزيت.
فما هو نوع الزيت الذي كانوا يستخدمونه؟ ولما هو؟ هل هو زيت البترول؟ أو هو زيت حيواني؟ أو زيت نباتي كزيت الذرة، أو زيت الزيتون؟
انتصار الملك الوهمي، وبطولة الند
هل من اللازم أن ينتصر غلغامش؟ فلماذا يكون هو المنتصر لا أنكيدو، كما نستشف من ثنايا النص؟ أليس لأنه الحاكم العاهل، ولأن الذين دونوا الملحمة نافقوه في وقته، ما دام أنكيدو قد مات قبله، حتى ولو كان خله وحبيبه؟
ولهذا يصح القول بأن ذلك الانتصار المدون في عصر غلغامش قد دون بأمره، وكتبه كما أراده هو، وبناء على تعليماته.
فلو أن غلغامش انتصر على أنكيدو من غير عناء، لكان حال أنكيدو كحال كل المنافسين الذين يتسلى بمبارزتهم غلغامش، وهو الموت، أما وإن الانتصار كان من نصيب أنكيدو، أو لنقل الندية، والقوة الموازية، أو القوة التي لا يمكن لغلغامش أن يقهرها، فإن غلغامش قد أبدى إعجابه بالبطل القادم، وقد حيكت القصص فيما بعد عن هذا النصيص، والخليل الذي رآه غلغامش في منامه، وجاءه من عند الآلهة بهيئة مبارز.
فلو أن أنكيدو كان منافسًا معروفًا: مثلا أميرًا. أو ملكًا لإقطاعية أخرى، وقد التقى غلغامش في مكان محايد خارج أسوار أوروك: في غابة، أو ساحة حرب مثلا لكان الأمر مختلفًا، حتى ولو لم يكن لأنكيدو أتباعه، ولحصل أن قام الكهنة المرافقون لغلغامش وبغياب العين المراقبة للعامة، أن نصبوا أنكيدو ملكًا بديلا، وخلقوا حوله القصص الشعائرية الكثيرة، وجاءوا بكل ما يسوِّغ لتنصيبهم أنكيدو ملكًا بقصص إلهية معظمة دور الملك الجديد، والهبة الربانية التي حلت على شعب أوروك( ).
ولأن أنكيدو الملك هو الملك الجديد، فإن الكهنة سوف يستنكرون أفعال غلغامش السابقة، ويعرُّون ما قام به، أو ما قام الكهنة بما فعلوه باسم غلغامش، وصار هو المتهم الأكبر، ومجرم التاريخ الكبير. وسيطلبون من أنكيدو قتله. بل ومحاكمته.. وسوف تخرج من بطون ملفات الكهنة كل الموبقات التي فعلها الملك، وسيتكلم الكل فيبدع الكذابون قصصًا صارت لهم معه، ويختلق المنافقون أحداثًا جرت له معهم( ).
ما نريد قوله في هذا العصر
فبعد آلاف السنين، ومئات القرون بين ما هو محفوظ في الملحمة الأصلية، وما وصلنا من أساطير عديدة انتهت منها. لهذا لم يتعد التفسير لقسر النهاية بلَيِّ عنق حاد لها، وتطويعها، وإنما إيجاد مبررات لنهايات عديدة تبدأ من المقدمة، وحتى النهاية حيث الخاتمة، وموت أنكيدو ثم العودة لرسم ما يتناسب والملحمة من رسم المساق التاريخي.
على الرغم من أن الملحمة تعتني بذلك العصر، ولكن ما جاء في الملحمة المعاصرة يكتفي بالقدر الذي رسمته لنفسها في توصيل رسالتها. والوقوف عندها دون الابتعاد أكثر.. فالتوقف لدى موت أنكيدو، هو الخاتمة للموضوع المطلوب، أما الابتعاد أكثر فإنه يفسد الفكرة، وتقع في التأريخانية السردية. حيث تبدأ معاناة أخرى نشأت بالتأكيد من هذا التمهيد في موت أنكيدو.. ولكنها انطلقت في رحاب جديدة وعوالم مختلفة.. ولعل إنسان ذلك الوقت لم يجد بطلا أقوى، وأهم من غلغامش لكي يقوم برحلة البحث عن الخلود بداعي التأثير، وتسويغ الرحلة وتمهيد للتصديق. لهذا كان الدور الفكري والفلسفي لغلغامش قد ابتدأ بعد موت أنكيدو، وليس قبله. لأن كل ما كان من تاريخ لغلغامش قبل هبوط أنكيدو لا يعدو عن استبداد ودكتاتورية لملك أوروك المدعو بغلغامش.
حكم البرولوغ في كنية أنكيدو
إن الفنية التي جاءت بها الملحمة في التقديم “البرولوغ” سواء في مجلس الحكماء، واقتراح خلق أرورو لأنكيدو.. وإعادته من جديد.. هي بكل أبعادها واحدة من الفنيات المعاصرة.
أما الفنيات الجدلية التي أتت في رواية الحارس “أحمود” للباحث عن معلومات يعرفها هو، وجاءت كبرولوغ ثانوي، بدا غير هام، ولكنه تمهيد للحدث الذي يريده الكاتب والباحث معًا (ربما يكون الباحث هو لسان حال المؤلف في كثير من الأحيان). وهي كيفية موت أنكيدو، وما السبب في موته؟
لهذا فإننا ننتقل هنا، وبما يحتمل التأويل والتفسير لمضامين ما وراء النصوص. ولما هو متلائم ومعطيات العصر.. ومن هذا المنطلق حمَّلنا ملحمتنا المسرحية “هبوط وصعود أنكيدو” عنوانًا يحمل اسم أنكيدو، وليس غلغامش، أو الطوفان، أو سرد الخلود مثلا.
ومن نفس المنطلق حاولنا تيسير فهم ورؤية عصريين لإنسان يعيش أحداث هذا العصر.. ويمكن للمشاهد منذ بداية الملحمة، ومن العنوان بالذات، أن يخمن بأنه إزاء مفتتح لمشروع ملحمة تدور حول أنكيدو، ما دامت قد حملت اسم أنكيدو “كما أشرنا” ولهذا أسبابه على الصعيد الفكري تتعلق برمتها بهذا العصر الذي نعيشه، من أهمها:
1- ليس في هذا العصر أبطال حقيقيون، وإنما هناك أبطال ثانويون، يلعبون أدوارهم في الظل، ويرتبون كل الأمور من وراء الكواليس ويرسمون المخططات والسيناريوهات فلا تعرف متى بدأت أدوارهم، وأين تنتهي، وأية ملامح لشخصياتهم، أو مقوماتها
إلا في أوقات متأخرة، وبالصدفة، فهكذا ارتضوا لأنفسهم، أو هكذا رسموا هم لأنفسهم أدوارهم.
صحيح أن هؤلاء لم يخل التاريخ منهم أبدًا، بل لولا هم لما تغيرت كثير من القيم والمثل، فهم حاضرون وراء التأريخ، ومن خلال صياغته، وأبرز هؤلاء هو ميكافيلي صاحب كتاب الأمير، ولكنهم وقتها لم يبرزوا ألسنتهم علنًا. كل ما كانوا يفعلونه من الدسائس كان يحاك في الخفاء حتى قتل وتبديل الملك نفسه. لكنهم الآن وبأجهزة الاتصال صاروا معروفين، وهم لا يدرون، مكشوفين وهم لا يدعون ذلك، والحقيقة أنهم في بعض الأحيان يقومون هنا بأدوار القادة، ولم يتسن لهم القيادة يومًا ما، ويصبحون أبطالا وليس في مميزاتهم ذرة من البطولة، ولكن مهما قلنا، ومتى درسنا، وأينما حللنا فهم يبقون الأبطال الحقيقيين لهذا الزمن الأعرج، فقد ارتاحوا لهذا المنصب الظلي، وأراحونا.. لكنه منصب دائم أكثر من أي منصب آخر في الواجهة “رغم أننا في عصر يلصق الكرسي بصاحبه حتى القبر، أو الخرف والعجز” وهو الكرسي الذي لا يمتلكه صاحبه؛ لأنه كرسي بلا حواشٍ، ولا حاشية، ريثما تأتي فرصة مواتية لبعض هؤلاء الظليين فيقفزون إلى المقدمة كأنهم ضفادع لم يتسن لها الوقت لاسترداد الأنفاس، رغم كل تلك المدة الطويلة التي تبلع فيها في الخلف. “فترة المراوحة، والسباحة في دوَّامة “وبهذا يفوزون بالظهور البرَّاق، وفي هذه المرحلة قد يُنحرون كالنعاج بقطع الرأس، أو ينتحرون.
2- لهذا حرصنا على أن نختتم الملحمة بموت أنكيدو، لكننا تروينا لإلقاء الضوء على تحول غلغامش الكلي.. وهي الإشارة العميقة في إرسال أنكيدو لزيادة حكمة غلغامش.
إنها لرؤية فلسفية قد تكون صنعت في الما وراء، وفي مجلس حكماء نيرغال بالذات، “لكنها بالتأكيد من صناعة عقلية الإنسان المفكر نفسه لذلك الوقت” كما وصفناها مجازًا في الملحمة المسرحية، ولكنها تتساوق مع مبدأ تأنيس أنكيدو الذي جاء حاملا الحكمة “لتحكيم” أو عقلنة غلغامش، ليس من الخارج، وليس بالمصاحبة البحتة، وإنما كما نفسرها في هذا العصر بإدخال جينة الحكمة لدى غلغامش.
إن ما يحاك في نيرغال له مفهومه “الذي صنع فلسفته الإنسان نفسه”، وما يتم تقبله على الأرض له مفاهيمه، وصيغه الأرضية “الواقعية” بحكم التماس مع الواقع المعاش، وعدم إمكانية تحقيق حلم الأرباب في محيط البيئة، ومحدودية إمكانات الطبيعة، لتلبية رغبات الحالمين السماويين، سواء أكانوا بشرًا، أم أربابًا صنعهم الإنسان نفسه، ربما تكون عقلية ذلك الزمان، بالحاضر.. أو بأي نوع.. وبأي مستوى.. على المخرج المسرحي اكتشافها كلها، فلماذا انتهت الملحمة التي كتبناها (هبوط وصعود أنكيدو) بموت أنكيدو نفسه؟ ذلك لأننا لم نشأ تتبع التحول الكامل لدى غلغامش، وإنما رأينا بدايته في السؤال الذي طرحه غلغامش على جثمان أنكيدو الهامد، وهو الذي افترضنا في ملحمتنا أن أنكيدو عاد بعد آلاف السنين لكي يجيب على ذلك التساؤل وهو:
غلغامش: إلى أين أنت ذاهب أيها الخل؟
وهذا بحد ذاته يعني الكثير، خصوصًا، وأن غلغامش لم يكن بعيدًا عن الموت، ولا عن ويلاته، فقد كان يقتل بيديه الكثير من أبناء شعبه، وفي الحروب، وبخاصة الأخيرة مع ملك الأرز خمبابا أيضًا.
وهنا ينشأ سؤال جاد وهام من خلال ما تطرحه الملحمة ذاتها، وهو: ألم يكن غلغامش قد وعى مسألة الموت قبل موت أنكيدو؟ الموت بكل معانيه؟ فهل كان ذلك غائبًا عن تفكير غلغامش وهو الذي أمات، ويميت بيديه أبطال شعبه بوسيلة وأخرى، وينحرهم كالخراف؟ أليس ما حدث لأنكيدو هو بالضبط ما كان يحدث للآخرين، فما الذي تغير في الواقع، غير التغير الداخلي لدى غلغامش، تغير في النظر إلى الموت بشكل مختلف، وبوعي فلسفي أضافته الحكمة التي جلبها أنكيدو له من نيرغال.
أهو موت من نوع آخر، جديد بمعانيه؟ أم موت يخص غلغامش نفسه.. أي موت الجزء الخاص بغلغامش من دون كل هذا العالم؟
فهو إذن موت خل، وجزء، وظل؟ موت ناقل الحكمة، وحامل الرسالة، موت الفادي، وموت المضحي الذي غرس الحكمة وغرزها في غلغامش، فانتهى دوره فعليه أن يولي، يذهب، يترك، ويغادر. أجل إنه موت وعاء الحكمة، وحاويها التي انتزعها غلغامش من صنوه، وجاء الموت ليخطفه من خله، وفي الحقيقة أن الموت في هذه الأسطورة حق، بعد انتهاء المهمة، وهو بالضبط كإتلاف القشرة بعد أكل الثمرة، أو غرسها.
إن الفادي الذي جاء ليموت في هيئة أنكيدو، هو الرسول الذي صالح بين غلغامش وشعبه من جهة، وبين غلغامش ومجلس حكماء نيرغال من جهة أخرى، ولكن يظل لعشتار الإلهة والرمز حججها ونواياها، وتتمات يريدها شعب أوروك، والشعوب التي تلته لكي يتمم ما يريده من مآرب ربانية قد يحتاج إليها في معضلة آنية ما ليس مجالها الآن، وإنما هي متكررة في الأسطورة السومرية وما تلاها من نفس سلالة الحضارة في العراق القديم، أو في الحضارات الموازية لها شمال وشرق العراق حيث بقية أراضي الحوض الخصيب، كعلاقة غلغامش بتموز، أو أدونيس، أو بعيد في حوض النيل كعلاقة أوزوريس بإيزيس.. وهكذا.
هذا التعليل، وغيره الكثير مما يدور من مؤشرات تأريخية، وميثولوجيا (سواء أكانت حية في الذاكرة الجمعية، أو في الليتورجيا) يحيلنا إلى تفسير بأن شخصية أنكيدو تنطبق في كثير من عناصرها الخفية على شخصية المسيح الفادي الذي جاء (أُرسل) بغير أب (بينما هبط أنكيدو غير مؤنَّس، عاش في البراري مع الحيوانات) لكي يصالح ما بين البشر وربهم الأوحد هذه المرة، وعندما انتهى دوره ضحى بنفسه في سبيل إسعاد البشر لكونه راعيهم الصالح.
ورغم كل ما في شخصية أنكيدو الظاهرية من تشابه بينها وبين شخصية يوحنا المعمدان من حيث تبعية كليهما لشخصية قوية، وأسلوب التضحية بهما المتقاربة (تآمر هيروديا وسالومي على يوحنا، وتآمر عشتار على أنكيدو في طلبها لنزول أنكيدو إلى العالم السفلي لجلب البكو والمكو اللذين سقطا هناك) لكن السلوك المعنوي، والفكري لأنكيدو يتوازى ومهمة المسيح فيما بعد، مع فارق القيادة، والتسييد، وتكوين فريق من الرسل الأرضيين لتوصيل الرسالة إلى البشر منذ أكثر من ألفي عام، ولا يزالون. فإن الذبح، أو الصلب، أو الحقن حتى الموت، أو.. الفناء شمل أنكيدو مع المسيح حال انتهاء الدور الإصلاحي، بينما كان دور المعمدان تبشيرًا بالقادم.
ومن جانب آخر فإن المقارنات إذا ما حققنا في تفاصيل انسراب الأسطورة، وتحوير أحداثها، وتسيد شخصية فيها، كانت في الأسطورة المستقاة ثانوية، هي بالتأكيد رغبة من الراوي الشعبي لترضية ضمير أمة، أو بطل، أو ملك، ولكن التماثل في تحقيق بطولة الشخصية، وتمثيل الحكمة فيها لشعب ما هي الأمثولة الآنية لتلك الأمة بالذات.
فما دمنا قد شبهنا هنا تضحية المسيح بنفسه من أجل البشرية على الشكل الذي يرتضيه النظام الاقتصادي للمجتمع الذي يعيشه، وهو مجتمع الرعي ضمن مجتمع زراعي سائد؛ لأن المفردات ضمن التعليمات والصلوات لا تخرج عن قاموس الراعي، والخراف، وكيف أن الخراف تعرف راعيها الصالح، بينما تنفر من اللصوص لأنها تميز صوت ونبرة ومفردات راعيها بالتأكيد فإن لهذا المجتمع في حواضره المدنية خواصه الأخرى التكميلية التي تمتد إلى فعل الموت والحياة، ومنهما الإخصاب والفناء.
وهنا نأتي على مثال فكري له علاقة بالخلود، أو العودة من عالم الغيب التي مارسها غلغامش مع أنكيدو عندما طلب منه، وهو يرتد في إحدى صحواته من سكرات الموت عن العالم الآخر وأهله. فإن المسيح عندما نجح في إعادة إليعازر إلى الحياة لم يكن بحاجة لكي يسأله عن الحياة في العالم الآخر؛ لأنه أراد أن يثبت للعبرانيين بأنه قد أقام الميت بإرادة ربه، وما القوة التي امتلكها غير قوة الإرادة الإلهية، وعلى الآخرين أن يسألوا عن العالم الآخر.
وهكذا نرى أن الأساطير تحقق ما في أذهان الأمة من طموحات، وبالقدر الذي تسمح لهم مخيلتهم وقدراتهم العقلية، ففي الوقت الذي يشبه المسيح أنكيدو بمضح، يكون المسيح شبيهًا لغلغامش المفتون بالمعرفة فيما بعد، أي بعد أن تزود بالحكمة، وحصل على زهرة الحياة من أتونابيشتم، أما إليعازر فليس أكثر من مثال للتمثلية التطبيقية في حكمة الأمة، وأمنياتها في العودة من العالم الآخر.
العناصر المشتركة في الملحمتين:
أولا: الأحلام
لكي تبدأ مسيرة الملحمة لا بد من أحلام تزعج، أو تثير انتباه البشر، ولا بد من أسطورة سابقة تتقدم الملحمة، لكي تنشأ عنها أسطورة أو أكثر مع الأيام؛ ولهذا كان من اللازم من انزعاج، أو غموض يكتنف حلم بطل الأبطال، وسيد أوروك، وعلى الحكيمة، والإلهة، والكاهنة، مفسرة الأحلام، ووالدة غلغامش ننسون أن تقوم بدور المفسرة للحلم الذي أزعج ابنها الملك، فكان لنا أن نعتمد هذه الأجواء في ملحمتنا المعاصرة بإضافة أحلام جديدة تتوازى، وتسير، وتكمل هذه الأحلام:
1- الآثاري الحالم:
إن حلم الباحث وانتقاله البدني والعقلي (بما يقارب وضع الحارس فيما بعد)، ولكن على نحو يتعلق بمستوى الاعتقاد – وتتبعه لظواهر طبيعية مساعدة يصنعها الحلم المسرحي الذي نتصوره، مما يجعله يستجيب للانتقال إلى أرض أوروكاجينا (أور) بعدما تتقمصه شخصية أنكيدو؛ لهذا ينبع الباحث كالماء أو كالزهرة في أرض أور اليوم، وبملابس النوم التي كان فيها بغرفته، ومن غير معداته كباحث.
وليس بغريب في هذا العصر (عصر الأسطورة الحديثة، الأساطير الفضائية) أيضًا أن تتحقق، أو تكون في طريقها إلى التحقق، فأن يحل إنسان بجسده في مكان غريب، يرغب هو أن يكون فيه، ويتوق إلى ذلك باشتياق عارم! وبعيدًا عما جاء في أفلام خيال (الظل) العلمي المعاصرة منذ منتصف الستينيات للقرن الماضي (ستارتريك – STAR TRICK) الفنتازية على سبيل المثال.
وهذا ما يحققه ليس العلماء في هذا العصر فحسب، وإنما الجيل الجديد الذي يتعامل مع القوى العصرية للدماغ، والقوى التقنية في الحواسيب التي كانت أقرب إلى الخيال، وبعيدة المنال إلى وقت قريب في نهاية القرن الماضي الذي غادرناه للتو (القرن العشرين).
وبذلك نقول: إن ما يحققه العلماء الآن هو أحد آمال وأحلام الإنسان على مدى العصور السابقة، وليس كلها، وربما اللاحقة والمتبقي منها.
فكيف بباحث علم درس عن طريق الأنثروبولوجيا معتقدات الشعوب، وهو في الوقت نفسه عالم آثار جازف بروحه، وجسده لكي يتحول حسب ما تريده الشخصية التي تتقمصه، وهي شخصية أنكيدو في الملحمة الجديدة التي كتبناها.
ألا يحق لنا أن نعرف أنه ربما ابتدأ بالرياضات الروحية الكاثوليكية، ثم تعرف إلى الفلسفات الشرقية كالهندوسية، والبوذية، والكونفوشيوسية واصلا منها وبها، ومن خلالها إلى النيرفانا، وتطويف الجسد في مكانه، وربما إمكانية انتقاله من مكان إلى آخر، حتى بجهود قد تضني الجسد نفسه وتنهكه.
2- أحلام الحارس المجنونة:
هي أحلام يقظة، وقد نسبها الحارس لأحلام المنام في بعض الأحيان، وتنكر لها في أحيان أخرى، لكنه حالما يخرج من دائرة الأداء لشخصية أحمود، ويدخل في شخصية غلغامش التي تتقمصه هنا، حتى يزمجر، ويتغير صوته، وربما هيئته، فإن تأثير شخصية غلغامش على سلوكه، ونفسيته تفصح عن معارف لا يمكن لحارس جاهل مثله أن يعرفها، ما لم يكن له اهتمام خاص، أو زمن طويل من الحراسة، والمراقبة، والإنصات لما يقوله الآثاريون الزائرون، أو المقيمون لفترة في الزقورة.
إن الحارس مع هذا يحاول تمويه ما يعتريه قدر المستطاع، وفي النهاية يتحول الحارس بالكامل لوضع التقمص الذي رسمناه له في العرض (الحلم). لهذا لا نعود إلا نادرًا إلى جلسة الباحث، والحارس الأولية، إلا في حالة تأزم مصيرية.
إن حالة الحارس (أحمود) هي حالة انتقال غريزية فطرية تمتلك بكل مقوماتها الحارس من خلال ميراث البشرية داخل جسد أحمود المطاوع، الذي تقبل بفطريته امتلاك الأرواح له، وبخاصة روح غلغامش الجبارة.
3- أحلام غلغامش:
إن الأحلام التي تتراءى لغلغامش، ليست أحلامًا خاصة بالملك غلغامش، والتي هي أحلام فوق العادة، وإنما كما يبدو أنها أحلام تعود المجتمع الأروكاجيني على استذكارها، وروايتها أمام المفسرين كما فعل غلغامش بأحلامه التي رآها، فرواها لننسون العرافة أمه.
هذه الأحلام التي رواها غلغامش اختلفت كما يبدو عن أحلام العامة لأنها أحلام مركبة، وتعقيدها استعصى على غلغامش، وكاتب الملحمة هو الآخر، لهذا استنجد كلاهما بالعرافة ننسون التي استسهلت الأمر، فقدمت الحلول بكل سهولة، فهل كان المقصود هو إبراز معانٍ خاصة تريد الملحمة التعبير عنها على لسان ننسون الإلهة، والعرَّافة؟ لقد قمنا بتصويرها في ملحمتنا تعبيريّا.
وقد حافظنا أيضًا على روحيتها لإثبات أن البشر ما داموا يفكرون، ويأملون في تغيير واقعها، فإن هذه الأحلام التي لا يمكن لجسد من لحم ودم أن يستوعبها ويحققها هي أساطير تؤلفها الذاكرة الجمعية.
أما حُلُما غلغامش أثناء غزوه لبلاد الأرز، فلم يقم غير أنكيدو بتفسيرهما له، وهما حلمان متعلقان بالحرب، وبتصور غلغامش للعدو، وطرق الخلاص التي يتمناها غلغامش لانتصاره.

صراع جلجامش وانكيدو للفنان راكان دبدوب
صراع جلجامش وانكيدو للفنان راكان دبدوب

4- أحلام أنكيدو:
إن الملحمة الأصلية لم تدعنا نعرف أحلامًا لأنكيدو إلا ما بعد تأنيسه من قبل شمخة، وخصوصًا رؤاه الخاصة عن عالم نيرغال. التي تعتبر عصبًا هامّا في عالم الأسطورة القديمة في الملحمة ذاتها؛ لأن هذه الرؤية قدمت حلولا توفيقية للمعاناة الإنسانية في الأسطورة بعيدًا عن الفحوى التاريخي، ومجالاته التوثيقية، خصوصًا، وأن هذه الرؤية تتحدث عن عالم ما وراء الطبيعة، من حيث نظمه، وسنن الحياة التي يعيشها أهله، كما أرادها كاتب الملحمة، وراويها لترضية الهواجس التي يعاني منها إنسان ذلك الزمان.
5- حلم شمخة:
إن شمخة بنت الهوى هي الأخرى كان لها حلمها الذي فبركته الملحمة، وصاغته في أسطورة رافدانية، تجل وتقدس طقوس الجنس، وفاعليتها في تأنيس الذكر بعد الزواج، أو بعد بلوغه سن ممارسة الجنس (معرفة الخطأ من الصواب).
وعلى الرغم من أن أحلام شمخة في الملحمة العصرية التي كتبناها تبدو ذاتية، تحقق أمنيات شمخة، لكنها أمنيات تمثل بنات جنسها الآدمية (بالأحرى الحوائية). وهذه الأحلام بحد ذاتها لا تبتعد كثيرًا عما تتفاعل به الأسطورة داخل الملحمة القديمة ذاتها، وعلى الرغم من أن ما وضعناه في أحلام شمخة هي إضافات عصرية، لكنها كأحلام تتساوق مع الأسطورة القديمة، ولا تخرج عما يأتي من تفسيرات لها؛ لأن الحلم (المنام) وجد مع ابتداء الإنسان بالتفكير والمعاناة.
6- خمبابا، ودخوله أحلام غلغامش:
لأن البدعة التي استحدثتها الملحمة العصرية التي كتبناها في ابتكار دخول خمبابا الملك الذي بدت حضارة بلاده متطورة أكثر من حضارة أوروكاجينا وملكها غلغامش، هي التي أهلتنا لكي نبتكر تركيب حلم داخل حلم، والسماح لخمبابا، ووزرائه من الدخول في حلم غلغامش، وهو على مشارف غابات الأرز، وقد جاءت هذه الابتكارية للتعبير عن القوة الفكرية، والتقدم التقني للجانب الآخر (العدو) الذي يحاربه غلغامش، ويريد غزو بلاده، لا كما صورت الملحمة القديمة خمبابا على أنه وحش هائم في غابات الأرز، أو حارسها الوحشي.
لهذا فإن تسويغ الفنتازيا في جعل خمبابا يستولي حتى على أحلام غلغامش، منطلقه قائم على هيمنة العدو، وتقدمه الكبير في مجالات العلم.
وهذه الفنتازيا قامت أيضًا على تخطئة فكرة سائدة ما تزال قائمة في الإعلام الحربي حتى الآن، وهي أن العدو وحشي، وبلا حضارة، ومن غير قوامة وتفكير، لهذا لا ترينا غالب الأساطير، أو القصص، أو الملاحم ما هي تفاصيل حياة الجانب الآخر الذي يقاتله أبطالها إلا بشكل هزيل ومشوه، وهذا ما تعتمد عليه الأفلام الروائية السينمائية، والإعلام الحربي في عصرنا هذا، وذلك من خلال المبالغة في توصيف الشر في شخصيات العدو، ورموزه؛ لهذا استعنا في ملحمتنا المعاصرة بالمزاوجة بين ما يعرفه الفرد الحالي من قدرات للخيال العلمي، وبخاصة التلباثي، والبث الخارجي، أو التفاعل من خلال قدرات الإنترنت من جهة، والاستعانة بالتراث من خلال شاشات خيال الظل المعروفة( ).
المعاشرة، وطقوس الزواج المقدس
1- زواج أنكيدو من المومس، أو معاشرتها:
إن مواصلة أنكيدو لبنت الهوى المقدسة شمخة لمدة ستة أيام وسبع ليال، هي الأخرى موضوع له علاقة بالتفسير العام للأسطورة نفسها ابتداءً من عدد أيام المواصلة، وانتهاءً بمعنى المواصلة الفلسفي لذلك المجتمع التاريخي والثيولوجي:
أ- فإن السبعة تتخذ من علوم السحر، والفلك وقتها ميزاتها في كافة مناحي الحياة، كالتقويم السنوي (وهو معتمد على الظواهر الطبيعية المرئية وقتها كظهور القمر)، وتعبيرًا عائليّا (إنجاب سبعة أولاد، أو سبعة من الذرية، له، أو لماشيته). واجتماعيّا أيام على الزواج، أو الولادة، أو الوفاة. حياتيّا (اختمار العجين، اللبن، والجبن، والجعة). وفنونًا تشكيلية، ومعمارية، ودينيّا. كلها تدور في فلك السبعة.
ب- معنى المواصلة في التفكير الثيولوجي القديم، وعلاقته بالإخصاب، وتوليد (زيادة)، الإرث، والميراث، والذرية، فلن يكون الإنسان عاقلا ما لم يكن له ذرية، أو ما لم يكتمل نموه الجنسي فيميز الخير من الشر، وهكذا رأت الملحمة في تأنيس أنكيدو، هبط نفسه لكي يزيد الحكمة التي افتقدها غلغامش.
فعلى الرغم من أن الأسطورة في الملحمة تناقش أمر الحكمة وقدومها بهيئة إنسانية هي أنكيدو، لكن لا بد لأنكيدو الذي ولد في البرية، أن يتم تأنيسه كما الطفل الذي يبلغ سن الرشد، ويبدأ معاشرة المرأة بالمواصلة المقدسة، فيتعرف بذلك على أسرار الحياة، ويصبح إنسانًا بمعنى الكلمة في التفكير الثيولوجي الأوروكاجيني.
ولقد ورد هذا النوع من التفكير في أكثر من حضارة، ومعتقد. وهو: أن تعرُّف الإنسان على فنون الحب يعني أنها المعرفة العلمية، والفطنة، والوعي الخالص، كذلك الحال بالنسبة للتفسير الثيولوجي، فإن التعرف على الجنس، معناه الانكشاف على معاني الحياة وأسرارها التي لا يعرفها غير الآلهة، ونتيجتها العقاب بالحرمان من الجنان التي كان فيها مخلدًا دون تعب ولا عمل، بالعكس فإن العقاب هو أن يكون كسب القوت بعرق الجبين.
لهذا لم يكن غريبًا على الحضارات القديمة أن يسود الاعتقاد بأن من يتعرف على فنون الحب تنفر منه الحيوانات كلها، وتبتعد عنه بدرجات متعددة (مع أن كل الحيوانات تمارس الجنس، ولكن في مواسم خاصة بالتخصيب، وزيادة النسل بالتكاثر ليس إلا).
لهذا هربت الحيوانات من أنكيدو بعدما عاشر شمخة، بينما كان في السابق يقوم بردم الحفر التي يصنعها الصيادون، ويحفرونها لصيد الحيوانات، كما يقوم بتمزيق شِباك الصيد فألفته الحيوانات، وألفها قبل تأنيسه.
ما تأثير البعد الفلسفي للفكرة في هذا الفعل؟ فما دام ليس بفعل اعتباطي كما يتصوره البعض، ولا إجراء ثانوي (مظهري)، إنما هو طقس من طقوس التفريق بين نمط معيشة معينة لأسلوب حياتي اقتصادي آيل للانتقال إلى نمط اقتصادي جديد، في المرحلة الفاصلة بينهما في سلم تسلسل تحضري يتشكل كل منهما على أدوات تناسب فعالياته. وهو هنا كالآتي: نظام حياة يعتمد على الصيد (الشباك، وأدوات الحفر، ورماح) + نظام حياة يعتمد على الرعي (أدوات تغذية الماشية، وإنتاج مشتقات من الحليب، والصوف، والجلد) + نظام حياة يعتمد على الزراعة (أدوات زراعة، وحصاد، أدوات تصنيف، وطبخ) + نظام التمدن (مقومات السكن الدائم في المدينة، وتأنيس الحيوانات الأليفة).
على أننا استبقنا في الملحمة المعاصرة مواصلة أنكيدو لشمخة بحب، ومواصلة مماثلة من آركدو لشمخة، تواعدا على الزواج فيما لو انتهت مهمتهما بنجاح، مما افترضنا من جهة بأن تقاليد الزواج المقدس ما تزال مزروعة في ذاكرة وسجايا الناس، وخير للمرأة إذا لم يكن هناك ملك جبار تنام معه، أن تنام مع بطل أسطوري قبل الزواج، فيورثها وزوجها ليس بركة الآلهة فحسب، وإنما أن يرعى في أحشائها جنينه، وتكون هي مرضعته وأمه، ويكون هذا الجنين بالتالي ابنها، والبطل الذي تفتخر به هي وزوجها.
ومن جهة ثانية، وكمعادل موضوعي فإن هذه الحبكة في الملحمة الجديدة، هي استنتاج محكوم بتقاليد ومعتقدات ذلك العصر التي بقي منها بعض الخطوط الرئيسة في الذاكرة الجمعية، كطلب امرأة عاقر وليدًا من مزار مولى معين.
لكن الولادة في الملحمة المعاصرة هي تأكيد على مبدأ ولادة ابن للمرأة المقدسة من نصف إله، أو أن يكون الوليد مجهول الأب. ومع هذا فقد ارتأت الملحمة المعاصرة أن يكون وليدهما هدية لأنكيدو بطل أبطال أوروك، الذي لم يكن قد رأى ابنه، بل سمع عنه من آركدو، وهو على فراش الموت.
ويبقى الزمن مجازيّا حتى في الملحمة المعاصرة، حيث يضيع بين عدد أشهر الحمل لشمخة، وبين المدة التي بقي فيها أنكيدو حيّا بعد تعرفه على غلغامش.
وأخيرًا فهناك قضية في مسألة تأنيس أنكيدو، وعلاقته بالأمور التالية:
الانتقال من البداوة إلى الحضرية.
حضارة الصيد، وحضارة الرعي.
الحركة من جنة الحيوان، إلى جنة الإنسان، ولبس ثوبها، والتعود على مأكلها، ومشربها.
الزواج المقدس:
هناك رموز في الزواج المقدس، ودلالات كثيرة تعبر عن نفسها دون جهد، ولكن بعضها يسير في النص كأنه حادثة طبيعية، وربما أي من واقعية، لكن هذه الرموز تجيء بشكل خفي، وتمر بسرعة، ومن غير التأكيد عليها، بينما ترد مدلولاتها في النص كإشارات تدل على أهميتها، وهي على سبيل المثال:
الباب:
إن للباب مقومات مادية كمادة الصنع، ومدلولات فكرية لمعانٍ تشكلت في الذاكرة الجمعية للأمة ومنها:
أ- الباب هو غطاء الشيء، وبالتالي هو غطاء الأسرار مثلا.
ب- الباب هو الانفصال عن العالم والناس، عن الغير.
ج- الباب هو الحصانة، والعرض، والملكية الخاصة.
ويشترك الباب مع العتبة بأمور تجمعهما سوية، فإذا كان الباب هو المدخل إلى البيت والمخرج منه ومن غيره ليس هناك اتصال بين الداخل والخارج، فهو كالفم والمخرج في عين الوقت، ولهذا الباب أرضية يستند عليها، ومن غير الأرضية لا يقف الباب بقوة حتى لو علق من فوق، وعلى هذه الأرض مساحة محددة تطأ قدم المار من الباب عليها، وهي العتبة، والباب من غير عتبة ليس له قرار، ولا معين للعبور من الخارج إلى الداخل، وبالعكس، فيكون الباب بلا أساس، وليس له دعامة، فباب من غير عتبة كخندق، أو هاوية، أو بئر، أو مسرب بإطار، لهذا فإن الباب مشروط بارتباطه بالعتبة.
ولعتبة الباب – التي تدعى الأُسْكُفَّة الحجرية في كثير من الأحيان – أهمية بالغة أخرى جاء في كثير من التعبيرات التي منها:
أ- تفحص الأسس والقواعد، وتمتحن الآجر (اللبِن المفخور).
ب- وضع لهذه العتبة أسسها، الحكماء السبعة “أي أن لهذه العتبة أصالتها وقداستها”.
ج- عبر الأسكفة والعتبة المقدسة يكون دخول البيت، بيت الزواج المقدس البديل، ربما لهذه الإشارة دلالاتها الخاصة في قصائد نشيد الإنشاد السومرية( ).
ومن جانب آخر فإن الأسكفة لها معان متداولة كثيرة حتى عصرنا الحالي وهي على سبيل المثال:
أ- إن الدخول إلى البيت، لا يمكن أن يكون إلا من فوق العتبة، ومن خلالها؛ لهذا يتم وضع عتبة ثانية أمام الباب لصد الدخلاء.
ب- لو دخل الباب شخص هام، ولأول مرة فلا بد لدخوله من طقوس معينة.
ج – أما لو دخل الباب شخص عزيز، ولأول مرة فلدخوله هو الآخر طقوس.
د- وللعروس والعريس طقوس وشعائر خاصة لا بد أن تقام عند اجتيازهما العتبة، ودخولهما الدار.
هـ – تعلق فوق العتبة، على الباب تعاويذ، وأدعية، كحدوة الحصان، أو فردة نعل عتيقة، أو حرز بأدعية.. إلخ.
ولأن الباب هو المدخل أيضًا، ومنه يمكن الولوج إلى الداخل. فإنه يعني بالتالي مقدمة الأشياء، وواجهتها، ومنه يتم الوصول إلى بواطن الأمور في الداخل، وبالعكس أي: أن من في الداخل لا يستطيع التعرف على العالم الخارجي من غير اجتيازه الباب، لهذا لابد أن يكون للباب مادة ثمينة، وصلدة في صنعه، مادة قوية تفي بالغرض، والمعنى، والجوهر، والحاجة، فإذا كان الباب متداعيًا، فهو الشفاه المريضة، والمشوهة.
ولهذا يكون للباب صفات متماثلة لدى كثير من الشعوب، فهو مثل القانون القديم، والشريعة البائدة على الأمة، تغيرها بما يتوافق ومعطيات العصر وأغراضه؛ لهذا احتج الناس، وطالبوا الآلهة بإيقاف غلغامش عن مزاولته لشروره، وما هبوط أنكيدو إلا من أجل تغير الشريعة القديمة، وإبدالها بقوانين الشريعة الجديدة، لهذا يحتاج النظام الجديد إلى باب جديد، مناسب القوة للفكر الجديد، وعلى غلغامش وأنكيدو جلب مادته من بلاد الأرز البعيدة، ولو احتاج الأمر إلى غزو ذلك البلد فالباب الجديد هو باب البيت المقدس، باب بيت الزواج المقدس له صفات تعتني بالقوة، والمنعة، والفتنة، بما يتناسب ومدلولات المعنى الجديد للبيت في ظل الشريعة الجديدة التي جددها أنكيدو بهبوطه.
إن الباب هو ذلك النظام الجديد الذي جاء أنكيدو ليغيره، باب حقيقي من نبات البردي، وعلى أمة أوروكاجينا أن تحله إلى خشب من نوع ممتاز بناءً على معطيات الشريعة الجديدة، ولا بد أن يكون الخشب ممتازًا، وليس غير الأرز من صفات في خشبه وما يتوافق والمواصفات المطلوبة.
إذن فهو باب رمزي تعكسه الأسطورة ببساطة، يتوسط مفاهيم عديدة تتعلق بالزواج المقدَّس من جهة، وتتوسل الوصول إلى النظام المتطور في بلاد الأرز من جهة أخرى، وبهذا يكون الباب هو النظام بعينه، وهو بوابة الدخول في عين الوقت، لأن أنكيدو الذي هبط ليزيد الحكمة لدى غلغامش قد لعن الباب القديم المصنوع من البردي المهترئ، ولهذا يجوز لنا أن نصوغ تسمية للباب الجديد بأنه بوابة العهد الجديد بذاته.
ولأن الباب القديم ارتبط بلعنة أنكيدو منذ البداية، فإن لقاء أنكيدو وغلغامش أي لعنته للنظام القديم، وبناء على مخاواة غلغامش له، وتقبله أن يكون الخل، والصديق فعلى غلغامش أن يسمع من خله النصائح، والحكم التي يقتضيها العهد الجديد، بذلك يكون الباب مبتدأ الأشياء، ومن أولوياتها، ولا يكون لكل الشعائر معناها الجديد من غير ارتباطها بالبوابة الجديدة، كشعائر الزواج، والميلاد، والموت، والزرع، والحصاد، والحرب، كان على أنكيدو مهمة تغييرها كلها من خلال تغييره لمادة صنع الباب التي ترتبط جوهريّا بالمعنى الهام لصفة الباب.
ولكن هل تبقى الأمور على حالها بعد التغيير؟ وهل تسود الأمور لأنكيدو ليبقى أبدًا الحكيم المقرب لغلغامش. إن الحيلة التي جاءت بها عشتار، وهي ندبها لحظها لدى والدها الرب أنليل، واعتبار أن كل الذنوب، والعداوة التي لاقتها من غلغامش سببها أنكيدو، هي التي سوغت لها فكرة إسقاط البكو، والمكو في الهوة (العالم السفلي)، وبحيلة أخرى تتمنى أن ينزل أنكيدو لا غلغامش لجلبها، وهي تعلم أن من ينزل إلى تحت لا يمكن له أن يعود صاعدًا إلى فوق.
إن أمر قتل، أو موت، أو دفع أنكيدو إلى العالم السفلي كلها ترتبط بوشائج تتعلق بعداء عشتار للنظام الجديد الذي جاء به أنكيدو، وهي بالأصل لم تكن لتريد هبوطه بناء على تظلم أمة أوروكاجينا نفسها. وقتل من أجل النظام الجديد، هو عداء للنظام الجديد بذاته، وإلا فما هو الداعي لكي يلعن أنكيدو الباب، وهو على فراش الموت؟ ألم يكن هناك عناصر أهم ليلعنها أنكيدو بدلا من الباب، مثل ندمه على قتل خمبابا، و الثور السماوي؟
إن الباب هو المدخل للنظام الجديد، وإلا فلماذا يكون التقاء أنكيدو بغلغامش عند باب الزواج المقدس؟
ولماذا يتصارعان أمام الباب نفسه؟
ولماذا يحطم أنكيدو الباب بتحديه لغلغامش؟
ولماذا كانت حجة غزو بلاد الأرز مادتها الباب، وخشب الأرز بالذات؟
ولماذا يلعن أنكيدو الباب وهو على فراش الموت؟
ولماذا تلعن عشتار نفسها الباب أيضًا؟
لابد إذن للباب دلالاته الفكرية والمعنوية في ذلك الوقت بالتأكيد.( )
وأخيرًا فإن البناء القوي، يعني المهارة في الصنع، ويعني أيضًا أنه قد تم صنعه بشكل متين، ومن مواد قوية، وينعكس هذا بدوره على أن مَن قام بتشييد هذه المدينة ليس بأقل بأسًا، وهو جبَّار وفاهم، وقد أسس أقدم المدن السبع في وادي الرافدين كانت إحداهن أوروك نفسها، كما تشير العبارة التالية:
سومر أعظم بلدان العالم أيها المغمور بالنور الدائم، والشرائع والمكان.
وهناك يندرج هذا القول التعظيمي أيضًا:
أقدارك عظيمة لا تتبدل، وقلبك واسع عميق، لا يُسبر له غور.gilgamish 16
فما هو الزواج المقدس إذن؟
لأن غلغامش بصفته العاهل، فإنه بمضاجعته الإلهة إشخار التي تمثلها عشتار على الأرض، حيث يبدو أن اسمها قد انبثق هو الآخر من سام عشتار “في الزواج المقدَّس”، فإن أنكيدو قد جاء بمهمة منع هذه العبادة التابعة للنظام القديم وذلك بناء على:
أ- على من يريد التجديد أن يقوم بتغيير الباب “لهذا لا يلعن أنكيدو الباب إلا لأنه النظام الجديد الذي جاء هو لتغييره، وهذا النظام، أو أعوان النظام القديم، هم الذين قتلوا أنكيدو فيما بعد”.
فالزواج المقدَّس إذن هو نظام اغتصاب الملك للزوجات قبل دخول أزواجهن عليهن. أما التجديد، في النظام الذي حمله أنكيدو معه، فهو اختيار الملك ليكون الضحية الأولى.. ولهذا أيضًا فإن أول تموز في العالم هو أنكيدو لا غيره كما تشير المعطيات الأسطورية، ومن خلاله تمت عملية اختبار الذهاب إلى العالم السفلي، وقد حصل ذلك بتضحية أنكيدو مكان غلغامش الملك، وبتصورنا بأنه لم يكن أي شيء مما ورد مفتعلا، بل هي مهمات متوزعة.
ب- إذن فقد جاء أنكيدو لتغيير المفاهيم العامة، ولكي يجدد التقاليد.. أو أنه هو الذي تم التوسط به لحماية التشريعات الجديدة التي سُنَّت من قبل البرلمان الأوروكاجيني، ويقوم غلغامش باختراقه دائمًا.
أو أن مجيء أنكيدو كان بعد أن عم السخط، وسادت رغبة التبديل باستحداث قوانين متعارف عليها، اعتاد الناس عليها، لكن العاهل ما زال يخترقها.
علينا لكي نوضح الأمر، أن نجلب هنا مثالا توضيحيّا مشابهًا لهذه الحالة، حصل في العهد الإغريقي: وهو مبدأ دفن المحكوم عليهم بالموت. فقد بنيت أحداث مسرحية أنتيغون التي تجسد الصراع بين قانونين، أو نظامين أخلاقيين، تبنى كل منهما جانبًا، ولكل منهما جماعته، وبالطبع فإن أحد هذين القانونين أقدم من الآخر، ورغم أن الصراع الدائر كان لدى الفئة الحاكمة، أي بين أنتيغون، وخالها الحاكم الذي أمر بعدم دفن أخيها الذي قتل أخاه الآخر، فإن أنتيغون تدافع عن مبدأ الدفن الذي صار له مدافعون، ولكنهم كما يبدو كانوا قلة.( )
أما ما في الملحمتين القديمة والمعاصرة التي كتبناها فليس إلا نوعًا من العرض الاجتماعي والديني، فقد كان النظام الاجتماعي الجديد قد توصَّل إلى حالة معينة وهامة تريد تخليص الأمة الأوروكاجينية من قوانين الزواج المقدّس، وعلى الآلهة أن ترسل لهذه الأمة بطلا قوميّا، من الجبابرة ليقود العملية، أو لكي يكون حكيمًا على الأقل لكي يرشد غلغامش على النظام الجديد، وإلى الحكمة الجديدة.
موقع المرأة في الزواج المقدس:
إن للزواج المقدَّس عناصر هامة تأتي في مقدمتها المرأة، والمرأة هنا قد حملت صفات المرأة من بقايا النظام الاجتماعي الأسبق الذي يحمل جذور المشاعة البدائية، وسلطتها كرب للأسرة، ما دامت هي الخصب؛ لأنها تلد الرجال، ابن، وأخ، وأب، وعم، وزوج، وصهر، وجد، وحفيد. قد انتهى دورها السلطوي، ولم يبق غير دورها المنتمي لطبيعة جنسها، وهي الحمل، والتوليد، والرضاعة، والرعاية، تمثل كل ذلك في مهنتها الجنسية التي تعني الإخصاب، ولهذا كله رموزه التي تبدو محيرة للدارس الناشئ، ومن هذه الرموز:
أ- يحلُّ للمومس الشبان زنارهم، ويهبونها اللازورد، والقميص، والذهب، فهي مومس دنيوية، لا دينية، لأن المومس الدينية هي مومس المعابد، وقد وهبت نفسها للمعبد لهذا لا يمكن الخلط بينهما، وبين عرائس الزواج المقدَّس اللواتي يجئن لفض بكارتهن من قبل المولى: لهذا فإن الوصف المختص بحل الشبان لزنارهم للمومس يختص بالمومس الدنيوية التي يقع الشبان بغرامها، ويهيمون بها هيامًا، ولا يستطيعون مقاومة مواصلتهم لها.
ب- لهذا كان من المفترض ألا نتجاوز وقوع آركدو في شراك جمال شمخة وحبها رغم أنه رفض محاولات أخرى لمومسات أشهر منها غواية، وقد واصلها هو الآخر ستة أيام، وسبع ليال قبل أن تلتقي أنكيدو، وتؤنسه بالمواصلة الجنسية، فإن تعليل ذلك له علاقة بالمقومات الاجتماعية، والأعراف الخلقية والدينية.
. ج- يقول الباحث الدكتور يانوش مارسيوش،( ): إن المرأة الحية، وأسطورة الجنة الموعودة قد تناقلتها الحضارات حتى ربما قبل مثال أنكيدو المعروف، ولكننا نرى أن مثال أنكيدو له علاقة بالتأنيس أكثر وضوحًا، وهذا يعني بشكل أو بآخر التجنيس. أي معرفة اللذة الجنسية، إذ من غير المعقول أن تحاسب الحيوانات الإنسان على معرفته للجنس، وهي تمارسه غريزيّا. غير أن مفهوم الجنس الذي أدين أنكيدو عليه، هو استخدامه لجنس اللذة، وليس للتكاثر كما حصل مع آدم، وحواء، وليس كما تفعل الحيوانات في مواسم محددة.
د- إن غلغامش الذي ينتقي على صوت الطبل عروسًا يشتهيها، هي عروس لعريس سوف يتم زفافهما الليلة، أو قريبًا، فيكون غلغامش الملك لها زوجًا مقدسًا، ومقدّسًا أحشاءها قبل زوجها.
هـ- السلاح هو علامة الذكورة في الأسطورة: إن عشتار التي ترى غلغامش عند البئر، وهو يغتسل، تعجب بقوة ذكورته، وجمالها عندما ترى سلاحه العضوي هذه الكنية قديمة لمعنى الذكورة، وتورية هامة في دفاع الرجل عن جنسه، وكيفية توريثها لأبنائه وأحفاده.
و- هناك إشارة لرجل قدم إلى أنكيدو يشكوه انتهاك غلغامش لدار الرجال، أي البرلمان، أو مجلس المحاربين، فمن هو هذا الرجل؟ هل هو ثائر؟ أو مشاغب؟ أو رسول أخبار؟؟ هل هو مبعوث رسمي؟ أو دساس؟ أو ممثل حزب ما؟
ز- هناك رمز يشترك ليس في طقس الزواج فحسب، وإنما أيضًا في غيره من الطقوس التي تتعلق بالمصداقية والعدل في شريعة أورنمو:
1- قدسية النهر – حيث يجلب المذنب للقسم أمام النهر، ويقوم بالغطس فيه، فإذا خرج من الماء سالمًا تطهر من الذنب.
2- نظام التجربة، والامتحان، والاختبار خصوصًا في الجرائم التي تنقصها الأدلة، والبراهين، وتحوم الشكوك حولها، ومنها جريمة الزنا.
ثالثا – الغزو:
على خلاف ما جاء في رأي هيراقليطس القائل: بأنه لم يكن في بلاد شرق الفرات، ولا في شرق المتوسط برلمانية حقيقية منذ القدم، حيث إن الحاكم هناك هو رجل متسلِّط، ومستبد برأيه، يحكم بلا برلمان، ويستبد برأيه، حتى ولو كان لديه مجلس حكماء قائم. وذلك كما جاء في رأي هيراقليطس ينطبق كما لاحظنا على غلغامش إلى حد ما، من حيث الموقع الجغرافي، لكن ما يرد في الكتابات السومرية من وثائق مكتشفة فيما بعد ومن هيراقليطس بمئات السنين يدحض الرأي الذي ساد على لسان هيراقليطس فيما بعد، وهو ما يرد حتى الآن في الإعلام الغربي للوقت الراهن.
وردّا على ذلك نشير إلى ما جاء في كتاب ألواح سومرية( ) القائل: ففي عهد غلغامش خامس ملوك سلالة أوروك الأولى، لم يعلن الحرب على كيش إلا بعد أن طرح القضية بالكامل على مجلس الشيوخ، والنواب فأقروه.
من هو المتسلِّط:
فإذا كان غلغامش الذي يعيش غرب الفرات متسلِّطًا بنظر الغرب، فمن اللازم أن يكون خمبابا هو الآخر متسلطًا باعتباره من حكام ما وراء البحر المتوسط، إذا ما مشينا مع فرضيتنا التي بنيناها في الملحمة المعاصرة (هبوط وصعود أنكيدو) بأن خمبابا لم يكن وحشًا إلا من وجهة نظر الأمة الأوروكاجينية، وهو بالتالي حاكم لبلد غزاه غلغامش ليس إلا، أيحق لهيراقليطس القديم، أو المعاصر اعتبار خمبابا مستبدّا بناء على التخمين الجغرافي، وتصنيف الديمقراطية حسب الموقع الجغرافي، وليس بحسب الأنظمة الاقتصادية – الاجتماعية جدلا.
فماذا لو كان خمبابا، هو المنتصر لا غلغامش – كما أسلفنا في افتراضنا حول انتصار أنكيدو لو كان ملكًا – إن هنا أيضًا ما يؤكد هذا الزعم، وكنا قد قرأنا ما في التاريخ حول غلبة الجبار خمبابا بطل أبطال جبال الأرز، وأن المارد، والوحش كان غلغامش نفسه، ولنشأت كثير من الأساطير بقوالب تتماشى والوضع المناسب لتمجيد خمبابا، أو بأشكال مفترضة ومبتكرة أخرى.
إن خمبابا الذي نجهل هويته الشخصية الحقيقية ولا نتصوره إلا من خلال الأسطورة، لا يعدو أكثر من مارد، ربما يكون ليس بأقل من بطل قومي لدى شعبه في جبال الأرز، وقد يكون شعبه ذا حضارة متقدمة على حضارة أوروك.
ولكنا تحدثنا الآن عن غلغامش بالصفة نفسها التي نتكلم بها عن خمبابا المارد، هكذا هو التاريخ، غامض لا تنصفه الأحداث، ويُسجل فقط تاريخ القوي، والأقوى.
وقد تبدو الأسطورة بكل رموزها أكثر قربًا من مشاعر الناس، ولربما صوَّر شعب خمبابا “ولحين من الزمن” شخصية غلغامش على أنه هو المارد، وبخاصة في الفترة التحضيرية للقتال، وقبل انتصار غلغامش على خمبابا، وأن البطل خمبابا هو الذي صرعه الوحش الصحراوي بالغدر والمكيدة ومساعدة صديقه الحيواني الصفات أنكيدو.
هذا التداخل في عكس وانعكاس شخصية العدو، بين أمتين متحاربتين، وربما بمعتقدين مختلفين في أغلب الأحوال ما زال يعيش حتى يومنا هذا، ولكن بأشكالها الأكثر تطورًا، وبوسائل أكثر حداثة مع الفارق ما كان في القرون الوسطى على سبيل المثال.
وهذا ما ينطبق أيضًا على ما أوردناه في أطروحتنا عن مقام أنكيدو المخلِّص، والفادي، ومن هو البطل الحقيقي في التاريخ، والبطل المكتوب عنه أكثر، ومسجلة باسمه بطولات لم يكن قد فعلها، أو ليستحقها سواء في مصادر البحث، وفي الانتصار ومكانته فيهما.
الحق لدى عبد الحق:
تعالوا نر مع الباحث عبد الحق فاضل، ما وصفه عن بُعد لمميزات وأفعال الغزو. غرضه في ذلك تأكيد خطأ نظرة هيراقليطس: فإن عبدالحق يثبت (8/50-75) ما يلي:
هوامش القسم الأول :
1- كان أكغا Agga ملك كيش قد حاصر أوروك، ولم يوافق مجلس شيوخ أوروكاجينا على طلب غلغامش لإعلان الحرب ضد العدو، لهذا حصل على موافقة مجلس الرجل، أي مجلس المحاربين. وهو بالتأكيد يعني ما يشابه مجلس النواب.. وهذا ما يبين لنا بأن غلغامش إذن يعيش ضمن حكم دستوري، لكنه يخرق قواعد هذا الحكم متى يريد، وعند الضرورة، سواء بمرسوم يؤهله ذلك، أو بالخرق المتعمد.
2- وعلى لسان الرجل، الرسول يدعي بأنهم يقولون بأن ذلك يحصل بمشيئة الآلهة، الذين قدروا بأن يُقص حبل سرته، وأن ما يجري هو تثبيت للحق الإلهي لسلطة الملك غلغامش؛ لهذا احتاج الآلهة لتبرير تحجيم دور غلغامش، لا عقابه، وهو نص إله من أن يجلبوا له الحكمة والتعقيل بصفة بشرية هي كيان أنكيدو، وليس كما يحصل من صراع بين الآلهة في الحضارة الإغريقية، حيث يعاقب الواحد منهم الآخر، ويصارعه، وتجري أمور كثيرة لها علاقة بمستوى تطور تفكير البشرية، وتعقيداتها ( ).
3- فكيف حدث أن اقتنعت الآلهة بإنزال أنكيدو، بشكله الحيواني؟ ألكي يحتاج إلى تأنيس يتماشى والعقلية الأوروكاجينية؟ وهل عاش أنكيدو في البراري لتخدم معرفته الواسعة على البراري والجبال، وعرف مسالكها. لهذا فإن اقتراح أنكيدو على غلغامش جلب خشب الأرز من بلاد الأرز لا غيرها، هو نوع من تأكيد المعرفة، والحكمة من جهة، ولكي يكتمل جواب الأسطورة في قتل خمبابا الوحش (في نظر آلهة ومجتمع أوروكاجينا).
4- إن البراري التي كان يجوبها أنكيدو، ومنها جبال لبنان هي تلك الأمكنة التي تكثر فيها الحيوانات، والنباتات البرية، والحكمة معًا، ولا بد لكي يتعرف الفرد على تلك الأمور أن يكون متآلفًا مع الحيوان، ولا يكون صيادًا لها.
5- وقد أنست شمخة أنكيدو فعليه أن يتقن حرفة الصيد أيضًا، لا ليصطاد الحيوان، ولكن لكي يغامر باصطياد الإنسان في صورة وحش هو خمبابا، ويغزو بلاده، وينهب خيراته.
6- من هذا نستنتج أن بين هبوط أنكيدو وغزوه للبنان مع غلغامش هناك رحلة طويلة ما بين البداوة والحضارة، بعد التأنيس.
7- إن المعلومات التي ترد على لسان أنكيدو عن لبنان، وبعدها عن أوروك، هي معلومات معروفة لدى الأمة الأوروكاجينية: فلبنان تبعد ألفًا ومائة وستين كيلو مترًا في الواقع الجغرافي، أما بمقياس الملحمة فهو: ولتثمين المواد في عصر أوروك هناك تعامل بالمواد المتوفرة: فالسيلا البرونزي = تثبيت المحتوى الفضي للشقل/ والسعر التعادلي للشقل هو أن الشقل = 1/60 من الوزنة البابلية، أي المينة.
ما الحجب السبعة لخمبابا:
هناك مقولة سومرية تقول: إن (الشيء الصعب المنال هو بين التنين الذي يطلق من شدقيه النيران، وبين قوة التقدم ومنعته).
هذه الأمور لها علاقة بشريعة، وجغرافية، وأسطورية الملحمة، حيث يقول نص في ملحمة غلغامش إن خمبابا يرتدي حجبه السبعة، ويختفي، فهل هو التنين، أو العنقاء، أو شكل آخر لميناتور عدو الأمة الأروكاجينية؟
إذن فإن هناك أوجهًا متعددة لخمبابا، وكثيرة، وتفاصيل الأحجبة هي ليست ألغازًا، وإنما تنوع وتلون في وجهات النظر. والحارس القوي لغابة الأرز يسمع صوت البقر الوحشي من مسافة ستين ساعة، فهل يفكر مارد بهذا الشكل، وهل للمارد سعة بال لكي يأمر بمضاعفة الأرصاد، والجواسيس؟ ألا يجوز لنا أن نعتقد بأن في مقدمة غابات الأرز هناك حارس آلي، أو ذو قدرة خاصة متعلقة بالسمع والبصر؟ أو أن نظام الحراسة على غابة الأرز متقدم جدّا في نظام الحراسة، وفي مكان متقدم عسكريّا؟ – الأقانيم السبعة، أو أقنوم الأقانيم، يانوش مارسيوش – دار كلتي كلتورا، بودابست، المجر.
– الأقانيم السبعة، أو أقنوم الأقانيم، يانوش مارسيوش – دار كلتي كلتورا، بودابست، المجر.
– وهذا المثال كنا قد أوردنا ما يشابهه عند تحليلنا للسيرة الهلالية، ولكن بشكل تقتضيه الظروف المحيطة حول مقتل الزيناتي خليفة بطل أبطال تونس القومي، فعلى الرغم من أن غزو القبيلة الهلالية لبلاد القبائل التونسية، لكن الرواة يتحاشون ذكر مقتل الزيناتي على يد أبي زيد الهلالي، لأن كليهما بطل قومي، وربما لم يقتل أبو زيد الزيناتي بيده أصلاً، ولهذا يبقى البطل القومي مصان الكرامة لدى أمته، رغم أنه كان بطلاً قوميّا للأمة قبل إسلامها.راجع أيضًا كتابنا – آفاق تطويع التراث العربي للمسرح، وزارة الإعلام والثقافة، بدولة الإمارات 2000 .
– ففي جزيرة صقلية تباع دمى الماريونيت القديمة عن الحروب الصليبية، بشكلين للعدوين،: تكون دمية الصليبي لفارس جميل التقاسيم، والطلعة، بينما تكون دمية عدوه العربي المسلم لفارس بشع التقاسيم، ولا يمت للرجولة بشيء، وعلى عكس هذا نشاهد نفس دمى الماريونيت في الضفة الثانية للمتوسط حيث البلاد التونسية، وهناك نرى دمية الصليبي بشعة، ودمية العربي المسلم كثيرة الصفات، ومن أحسنها، وهذا ما يعكس انطباع الأمة ضد أعدائها منذ قديم الزمان.
– إن ابتكار الفنان الإنسان لفن خيال الظل، ومن ثم انتقاله لفنون التوماتروب، ومن ثم إلى عالم السينما فنيّا، وعالم الإنترنت علميّا، هو البعد التاريخي لممارسات الإنسان في خلق أحلامه التي يعجز عن تحقيقها في الواقع.
– وجدت لقصائد نشيد الإنشاد السومرية، مثيلات كثيرة في العصور اللاحقة، كقصائد نشيد الإنشاد للملك سليمان النبي.
– ألواح من سومر – صموئيل كريمر، دار الكتب الوطنية، العراق . وكذلك ما جاء في موضوع لمحات من تاريخ القانون في العصور القديمة – أورنمو .. بدايات التشريع – بقلم عبد الحكيم الذنون – مجلة المعرفة، العدد 97/604 – ص 75-4.
– مسرحية أنتيغون لسوفوكليس – سلسلة روائع المسرح العالمي، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مصر.
– الأقانيم السبعة، أو أقنوم الأقانيم، يانوش مارسيوش – دار كلتي كلتورا، بودابست، المجر.
– ألواح من سومر – صموئيل كريمر، دار الكتب الوطنية، العراق . وكذلك ما جاء في موضوع لمحات من تاريخ القانون في العصور القديمة – أورنمو .. بدايات التشريع – بقلم عبد الحكيم الذنون – مجلة المعرفة، العدد 97/604 – ص 75-4.

هو الذي رأى، عبد الحق فاضل، دار الرشيد، سلسلة دراسات 269 منشورات وزارة الثقافة والإعلام – 1981 العراق.د.

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *