أحمد البياتي : محفوظ داود سلمان في “الهبوط إلى أور”؛ نصوص شعرية تنتج أثراً جمالياً مضاعفاً من خلال التعبير (ملف/17)

ahmad albayati(الهبوط الى أور) مجموعة شعرية من القطع المتوسط للشاعر محفوظ داود سلمان صدرت عن دار فضاءآت للنشر والتوزيع تضمنت (34) نصاً شعرياً. عند تصفحي لها لمست أن الشاعر قد أدرك أنه جزء من منظومة النص الفكرية والثقافية ، دينامي يتفاعل مع النص ومعطياته البلاغية والمعرفية ليفك شفرة الرمز في وحدة بناء النص ، يحفّزفكره الجمعي باستمرار ويطور أدواته المعرفية للوصول الى عدم التكرار ، ممسك باللحظة الشعرية ، متغير في المعيار الفكري ، اللحظة التي أنها لابد أن تكون متجددة في ذاكرة القصيدة ، يأنف من الصور التفصيلية والعبارات الهزيلة المرتهنة مبتعداً عن التقريرية وعامداً الى الصورة شبه الإبداعية من حيث التكثيف والإيحاء مستنداً الى مخزون حياتي وواقعي يرتبط بجذر حقيقي متأصل في أغلب قصائد هذه المجموعة الحافلة بدفق من الأسئلة المتشابكة الناتجة عن دوافع عدة ، مبتعداً عن المتاهات ومجارياً الدلالة فأعطانا قصائد ناطقة بالصورة : يقول في قصيدة ( جلجامش ص 13 ): ندائي قادم في الريح أسمع رجع تصهالي ونبضي وخيلي ليس تذكر قامتي فأنا أسافر فوق بعضي ومن دوني أغادر أعبر الغابات ، أجتاز الرؤى ، أكدى بصحرائي معي العشاق والزهاد يستسقون من مائي ومني صوت أسقوني وعنقائي سواي أنا يسافر باتجاهي ، هذه الأرض البعيدة في أرضي أنا مني رمادي واشتعالي سواي أنا تناهى في التغرب شاعر متفرد حالم بكل الأشياء ، نصوصه تأخذنا بعيداً الى حيث اللغة الرشيقة ضمن إرهاصات غرائبية ، شاعر وانسان يحمل في قلبه حباً كبيراً لبلده واصدقائه ، لم يترك شيئاً في حياته إلا وتطرق اليه ، كتب قصائده من عمق الشارع والمجتمع والحياة ، أثث إنسانيته وفرحه وحزنه وقلقه ، شاعر تلاعب بالألفاظ ليؤكد ذاته ، يكتب للحياة والأمل والذكريات فضلاً عن تنويعاته الحياتية الأخرى من خلال إزاحات فضاضة جميلة تعمل على حشد ذائقة المتلقي ويطلق لحظات التألق والتوهج الشعري ، شاعر صامت هادىء يمتلك إرثاً ثقافياً موظفاً كل تراكماته وذكرياته ومحمولاته القرائية في صياغة نصوص رصينة. يقول في قصيدة ( طريق أبي الخصيب ص 89 ) : يحصي المعابر والقناطر يعبر الأنهار يستهوي النساء ويسامر الأشباح والأطياف في شفق المساء يمشي مع السعلاة وهي تدق حافرها وتجترح الصهيل ويرافق الجن المسهّد فوق هامات النخيل يرتاع من مرأى الظلال فيفزع الكرب الجميل ويلم أشجان الجذور من السواقي ، يجمع الأصداف فيها يستفيق على جراح متعذبا بالمد مصطخباً بأنات الدلاء متعثراً بالأمس أو بالسدر في غبش الصباح ومن الشرائع رجع ناي من بعيد يعمل الشاعر على ملاحقة المعنى وتفجير الطاقة الدلالية في النص الشعري ليجسد الدهشة mahfoz-dawod-2-2الجمالية التي تترجم الإحساس العام الذي يتولد في نفس المتلقي إذ يستعين بمخلف وسائل التعبير من اجل توصيل رسالته الشعرية ، مخيلته الأدبية شكلت صنبوراً متدفقاً من الإبداعات ، وصياغته اللغوية هي صياغة شعرية رقيقة بصور عميقة ، كان قادراً أن يسمع مايرى من مآسي الحياة واضطرابها في زمن مغلق وهو لايملك غير قدرته الإنسانية ليوآلف بين وجوده وهذه الصور الشعرية التي صاغها ، تتميز لغته الشعرية بأنها تحيل الى دلالات متعددة فيما يشبه إنفتاح النص على آفاق مشرعة على التأويل ، نصوصه أنتجت أثراً جمالياً مضاعفاً من خلال التعبير الشعري ، فيها من الكفاءة العالية من المعمارية الفنية والجمالية بآليات تعبير شعرية قادرة على خلق الدهشة وتوهج الإستعارات الحيّة. يقول في قصيدة ( البلبل والوردة ص 33 ) : من دم البلبل تنمو زهرة حمراء ينشق القمر ومن النهر يجيء الصدف البحري من قلب الحجر ومن الغيم يضيء البرق تنثال شآبيب المطر ومن الشمس سهام الضوء تفتض سداة الورد تهمي من جراحات الثمر ومن الفجر يطل القمر الفضي مجروحاً على المخمل تأتين كما يأتي صباح نازف من غابة وحشية يدمى بأغصان الشجر مثلما تأتي من الأشباح أفروديت في موجٍ من الفضة تأتين واصداء انتظارات تشكل اللغة في الكتابة الشعرية ركناً أساسياً ومهماً إذ لاتنهض بدونه القصيدة ،هي موطن الهزّة الشعرية التي تباغت وتنعش وتجسد الفاعلية الشعرية ، وللشاعر حق الإختيار في بناء نصه الشعري وفق معطياته النفسية والفكرية والزمكانية ، لقد أجاد بصياغته للقصائد بمهارة عالية إذ جدد مفاهيم عدّة مما زادها قوة ووضوح واعطاها مساحة للتعبير والتصوير ، وجدته محاصراً نفسياً بإنثيالات وآمال وأحلام للكثير من موضوعات الحياة في ذاكرته التي جعلته محور الدلالة في التجسيد الحي من خلال إصراره على توليد الصور المتعددة التعابير وفق رؤياه الممتزجة فأستمر في بناء قصائده بالمهارة التي إمتلكها عندما وظف أدواته الشعرية بطريقة فاعلة ومؤثرة متوغلاً بشهية جديدة للأحداث المتدفقة بصفاء الرؤية الثاقبة واللون الشاعري الجميل ، كان واضحاً kh mahfoz dawod 10في إيصال بنائه الشعري بإحكام متدرج نحو النمو مستنداً الى الوجدانية الشاعرية ذات التأثير الحسي والفاعل ، وهذا مامكنه من إنتاج صور شعرية مموسقة وعميقة فيها من الخليط المتجانس للأحاسيس الدافقة مؤكداً أنه يعيش حالة من التجلي في مناخ الإبداع، ماضياً في عوالمه بحثاً عن الإمتاع والإقناع ، لذا فان القصيدة هي الهاجس الحقيقي وإشتعال العقل الباطني للمرئي واللامرئي. يقول في قصيدة ( إيقاع الزمن ص 107 ): آن لي أن أطوف بأرضي ومملكتي القادمة آن لي أن أمارس بعض نفوذي وأنشر سلطتي الحالمة آن لي أسترد الرؤى مترامية البعد حولي ضياعي تتاخمها والحداة بها نائمة أن أحقق ذاتي وأبسط فوضاي فوق مثابة حلمي ، وبعض جنوني سوف أطوي شعار التأمل ، أهبط في داخلي أسوّي شؤوني ليس لي أن تدق الرياح نوافذ صمتي وأنْ تستريب ظنوني لايستطيع الشاعر ان يبتكر لغة من فراغ كونه محكوماً بإرث لغوي يحاصره ويضغط على وجدانه وهذا الإرث يمثل تحدياً لشخصيته الشعرية ، إذ أن القصيدة تحددها عوامل إنفعالية ذاتية تتأتى من عوالم الشعر الذي يجمع الواقع المنظور والعالم غير المنظور ، والشاعر يروّض خياله ويطلق العنان لوعيه بأن يسرح الى الأعلى ، أي الإمساك باللامنظور واستجماعه للمنظور المعرفي في اللحظة ، على إعتبار أن النص الشعري عالم كوني ليس سهل الإدراك ، والشاعر يمتلك مقومات الموهبة والوعي النافذ واللغة من خلال إطلاعه على التجارب الشعرية الأخرى، اللغة بالنسبة للشاعر تظل ميداناً فريداً لتجليه والإفصاح عن شخصيته التعبيرية لأنها هي التي ترفع من نبض التعبير وحرارته ، والشعر يمكنه عن طريق الرؤيا المتأججة أن يصل بالعام الى حرارة الجزئي والخاص ويستطيع أن يملأ ماهو شخصي وفردي بفيض من الدلالة الشاملة التي تغمر الإنسان في عموميته وإطلاقه ختاماً : الشاعر محفوظ في هذه المجموعة الشعرية ينقلنا عبر لغته وصوره الشعرية وخياله الخصب وتأمله في الحياة الى عالم آخر تختلف فيه علاقات الأشياء كما هي عليه في العالم الواقعي على الرغم من المعاناة وحجم الأسى الذي تسببه الحياة للإنسان

شاهد أيضاً

الدكتور صالح الطائي: ولادة قصيدة وطن رائية العرب (ملف/16)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

أمجد نجم الزيدي: سيرة المكان في رواية (عمكا) (ملف/14)

تستند رواية (عمكا)* للروائي سعدي المالح، على استلهام تاريخ مدينة عينكاوه، وحياة السريان في تلك …

سلام إبراهيم: أفكار حول الرواية العراقية للنقاش (2) حافظة للوحدة الوطنية (ملف/127)

في ظل ظروف الدكتاتورية والحروب المتواصلة التي أدت إلى أحتلال أمريكي عمل بخبث على تمزيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *