فائز جواد : الذكرى 31 لوفاة داخل حسن؛ صوت جنوبي مفعم بالأصالة

faez-jawadيعد الغناء الريفي أجمل من صيغ الغناء الشعبي العراقي من حيث ادائه وطرقه وما احتواه من معان عبرت عن معاناة الشعب العراقي في افراحه واتراحه، ولذلك فإن هذا النمط من الفن يعد اهم ركيزة من ركائز التراث الشعبي، ولسنا بصدد تاريخ هذا الغناء اذ ان مدلولاته التوثيقية تدلنا بأن هذا الغناء يحدد خلفية تراثية عاشها ريف العراق منذ مئات السنين
وحيث ان هذا الريف واهله ما زالوا متشبثين بهذا النوع من الغناء حتى وقتنا الحاضر فلذلك يعد هذا الغناء له مداخلات شمولية ذات فائدة عامة يجسد بها ابناء الشعب حاجاتهم الضرورية مهما تباينت اهدافها ومراميها وحيث ان بقاءه وتطوره لا زال مستمراً فإنه يدل على حالة صحية لهذا النوع من الغناء الذي اشتهر في العراق ونسجت عليه البعض من البلاد العربية، ان نشأة هذا الغناء حسبما عرفنا عنه غير محددة بمكان او زمان نشأت منذ نشأ الريف العراقي وبرزت معاناة اهل هذا الريف في حياتهم اليومية ونحن اذ نقول ذلك لا نعني جمود هذا الغناء حيث تطور حسب تطور الظروف واضيفت على اطواره القديمة لمسات جديدة من بعض مطربيه مما يدل على ان هذا الغناء خصب يتطور مع تطور الزمان، علماً بأن بعض الاطوار من هذا الغناء قد انقرضت لعدم تلبيتها لرغبة الجمهور وهذا ايضاً دليل على ان هذا الغناء يعيش معاناة الشعب وقد اثر فيه كما تأثر به. ومن هنا ظهرت الاطوار المتعددة لهذا الغناء انطلاقاً من المدارس الريفية التي نشأ فيها ومروراً بتنقلاته وتفاعلاته مع الغناء الحضري هذه الاطوار تعتبر هي الاخرى نمطاً من انماط الاجتهاد الفني الغنائي، ومن الاصوات الغنائية الريفية التي ابدعت في اداء مختلف اطوار الغناء الريفي الفنان الراحل داخل حسن.ولد الفنان داخل حسن في مدينة الناصرية قضاء الشطرة عام 1912 وكان منذ طفولته يتردد على مجالس الطرب التي كان يحضرها اكبر المطربين امثال محبوب العبد وهو في الثانية عشر من العمر أي في سنة 1924 مع هذا فقد كان على صلة كبيرة مع الفنان الريفي الراحل حضيري ابو عزيز في احياء الحفلات الغنائية لذلك كانت علاقة الفن قوية بينهما لاسيما الحفلات الغنائية في مجالس الطرب الريفي المعروفة هناك. وفي عام 1927 دخل مسلك الشرطة ومع ذلك فقد كان يقوم باحياء الحفلات الغنائية التي زادت من شهرته في عالم الطرب حيث كان يمتاز بصوت شجي جميل، وفي عام 1936 وعند تأسيس دار الاذاعة العراقية كان المطرب داخل حسن من المطربين الاوائل الذين غنوا من خلالها خاصة اغنية (آنه غريب بهالبلد) مع مجموعةdakhel-hasan اخرى من الاغاني الريفية الجميلة، وقد سجل المطرب داخل حسن مجموعة كبيرة من الاغاني لاذاعة بغداد بعد افتتاحها وما زالت مكتبة الاشرطة الاذاعية تحتفظ بأغانيه ومنها (يا قلبي صبراً)، واغنية (تنشد اشبيك الناس) وعدد كبير من البستات الغنائية والابوذيات، كما ان المطرب الراحل داخل حسن غنى في مقاهي بغداد قبل دخوله الاذاعة لاسيما في مقهى (جمعة شعيع) وعاصر العديد من المطربين في ذلك الوقت مما زاد في شهرته في عالم الغناء الريفي وحسب ما تشير بعض المصادر الفنية فإن المطرب داخل حسن كان يعتز بأغنية (يمه يايمه) حيث له ذكريات خاصة مع هذه الاغنية اضافة الى ذلك فقد سجل العديد من الاسطوانات الغنائية واجاد غناء جميع الاطوارالابوذية وبعض الانغام الاخرى. رحل الفنان داخل حسن عام 1985 تاركاً الكثير من الاغاني الريفية الجميلة التي تعتبر الان تراثاً خالداً في هذا اللون من الغناء الريفي العراقي الاصيل.
داخل حسن وام كلثوم
التقى داخل حسن مع أم كلثوم في حلب أثناء تسجيله لإحدى الاسطوانات فسمعت صوته واعجبت به كثيرا ودعته إلى القاهرة ليغني هناك ولكنه أعتذر لها قائلا: (يا ست الله ايخليج آنه في بغداد كوة امدرج لهجتي بالله تريديني اغني بالقاهرة اشلون ادبره وياهم) فضحكت ام كلثوم وقدمت له هدية عبارة عن قطعة من الملابس إلى زوجته وقدم لها شالاً ظلت محتفظة به إلى ان توفيت.
داخل حسن في ايران
الاهواز حضر داخل حسن الى الاهواز بدعوه من الش?يخ صوگر عنافجه. حضر الفنان داخل حسن مع الفنانه ر?م محمود ف? هذا الحفل البهي?ج.
لقد أحيل الراحل داخل حسن عام 1978 الى التقاعد وعاد إلى الناصرية وظل فيها بين اهله وذويه ومحبيه حتى عام 1985 حيث اعلن فيها عن وفاته وقد اذيع الخبر عبر اذاعة بغداد واعد وقتها قسم الغناء الريفي في الاذاعة برنامجا خاصا عن الراحل استضافت فيه عدداً من المطربين والملحنين الريفيين . وبقيت مكتبة الاذاعة والتلفزيون تحتفظ باغانيه وجلساته الغنائية ولقاءاته التلفزيونية التي فقد منها الكثير بسبب الحرق والنهب الذي طال مؤسسات الدولة ومنها الاذاعة والتلفزيون في العام 2003 اثناء الاحتلال الامريكي للعراق ومازالت غالبية مكاتب التسجيلات الاهلية تحتفظ بنوادر ماسجله الراحل داخل حسن ومازالت غالبية الاذاعات العربية تقدم نوادر اغانيه التي تدخل في قلوب المستمعين وان اذاعة مونتكارلو الفرنسية قدمت اكثر من مرة برنامجا خاصا عن حياته ومشواره الفني الطويل للراحل ونبقى دائما نتطلع من اذاعاتنا المحلية ان تقدم للمستمعين برامج خاصة عن مشوار الراحل وفاء لما قدمه خلال مسيرته الفنية والابداعية الطويلة .
أغانيه
كمرة وربيعة
يا ماخذين الولف
انا غريب بهل البلد
عيني يابو عيون السود
يا طبيب (الحان عباس جميل)
شلك على ابن الناس
وحق اللي تعبدة الناس
يا غزال
البصرة
هنا يا من جنة وجنت.
و غيرها ومن الاغاني والابوذيات..ِِ
المطرب الذي ابكى النساء ..
إجتمعت النسوة في بيت إحداهن وخيم الوجوم على الجميع، وضعت كل واحدة منهن منديلها وغطت وجهها مجهشة بالبكاء والنحيب فكأنهن في مجلس عزاء، لم يكن هنالك أي حادث حزين يعكر صفو الحاضرات ويشيع في المنزل أجواء الحسرة والألم، بل كان الصمت يخيم عليهن وهن ينصتن إلى صوت شجي متهدج ينبعث من مذياع وسط الغرفة فكانت نبراته الحزينة تبعث فيهن الرغبة في مواصلة البكاء وذرف الدموع الغزيرة. إنه المطرب الراحل داخل حسن الذي أبكى النساء بصوته الرخيم المثير للشجن، فكن يتفاعلن مع ابوذياته وتأوهاته وخاصة عندما تتصاعد عنده نبرة الحزن العميق ليطلق صرخته الملتاعة (على الآه عودتج يروحي) فيشتد بكاؤهن وتخضل مناديلهن بالدموع ولا ينقطع نحيبهن حتى ينهي حالة الشجن العاطفي وينتقل إلى الأغنية التي تعقب أبوذياته الحزينة الباكية. لقد احتل المطرب الشعبي داخل حسن مساحة واسعة في الغناء العراقي، وأصبح قطباً مهماً من أقطابه البارزين وشكل مع حضيري ابو عزيز وناصر حكيم أعمدة مملكة الغناء العراقي رغم ظهور أصوات جديدة مبدعة بعدهم وفي ظلهم ولكنهم كانوا يمثلون جيل الرواد الذي احتل القمة في عالم الغناء العراقي الأصيل. فالمطرب داخل حسن مثل لوناً خاصاً وموهبة إبداعية متألقة، لا يمكن تقليدها والوصول إليها فهو نسيج نفسه ووحيد فنه مهما حاول البعض الوصول إلى عالمه الغنائي واستغلال نبراته الصوتية وبناء شخصيته على حساب شخصية داخل حسن فإنه يحصد الخيبة والفشل الذريع، لأن الفنان الراحل كان عصياً على التقليد وهو لا يخضع حتى للملحنين الذين تعاملوا معه وحاولوا التلحين له. يقول الملحن الراحل محمد نوشي «إنه قدم مرة أغنية للفنان داخل حسن وطلب منه حفظ لحنها قبل تسجيله ولكنه عندما التقاه بعد أيام ليتأكد من حفظه له وجد اللحن الذي قدمه له قد تغير كثيراً وانه جاء بلحن جديد مغاير لا يشبه ما قدمه له فأخبره بضرورة الإعتماد على موهبته الفنية لأنه لا يمكن لأي ملحن إحتواء قدراته الذاتية وتوظيفها لحنياً» لأنه أبعد ما يكون عن الخضوع للآخرين، فألحانه تنبع من قلبه ومزاجه العاطفي المرهف الذي يسبغ على أغنياته نكهة فنية محببة وروحاً مشبوبة بالحب والحنين ولوعة الفراق. لقد أثرى الراحل داخل حسن الغناء العراقي بروائع فنية تناقلتها الأجيال فأصبحت جزءاً مهماً من تراثنا الشعبي الأصيل ورددتها أصوات غنائية متعددة فكانت أغنية (عالولف ساهر دوم) قطعة فنية رائعة مشحونة بأرق الأحاسيس رددتها المطربة وحيدة خليل بإبداع جمالي وعاطفي ساحر وحلقت فيها بأجواء الطرب العراقي الجميل، لقد إنتزع المطرب الراحل داخل حسن قلوب عشاق فنه من خلال نبراته الصوتية الحزينة والمتفجعة مما جعل قلوب مستمعيه تنجذب إليه، فهو ينقر على أوتار القلوب ويثير فيها لوعة الحب والألم الدفين وعندما يتهدج صوته الحزين بأغنيته الملتاعة (يمه يا يمه) نحس بأنه يخاطب كل الأمهات الغاليات بأنين وحنين صادقين بحيث لا يملك من يتعايش معها أن يحبس دموعه المنهالة في هذا المشهد المثير والمتفجع. تعرفت على المطرب الراحل داخل حسن منتصف ستينات القرن الماضي بواسطة الصديق الشاعر الشعبي جاسم الأوسي في مقهى القناديل بالصالحية حيث كانت ملتقانا الدائم قبل أن أتحول إلى مقهى عارف أغا في الحيدرخانة، فكانت القناديل ببنايتها القديمة القريبة من الإذاعة العراقية ملتقى الشعراء والفنانين قبل أن تتحول إلى عمارة عالية فغابت عن الأنظار تلك الواحة الجميلة التي احتضنت ذكرياتنا في كل ركن من أركانها، فقد كانت تتكون من صالة داخلية كبيرة مزينة جدرانها بصور المطربة الراحلة أم كلثوم وأمام الصالة ساحة كبيرة مكشوفة لجلوس الزبائن فكان المطرب داخل حسن يتردد على هذا المقهى بانتظام مع باقي المطربين والموسيقيين وذات مرة أهديته أغنية تلائم طوره الغنائي فتقبلها شاكراً وكان مطلعها يقول:(بس امن الدمع تبجين يعيوني عالأحباب دمعج جرح اجفوني مو كلبي يحبهم أبد ما خان ودهم وبأرخص ثمن ظلام باعوني). كانت أغنيات المطرب الراحل داخل حسن تفتح لنا الكثير من صفحات الذكريات المطوية في كتاب الزمن فهي تتوهج في قلوبنا بمزيد من الشوق والحنين عندما تمر بأسماعنا فتعيدنا إلى أيام الزهو والشباب حين كنا طلاباً نحمل كتبنا بين البساتين والمروج الخضر خاصة أيام الإمتحانات النهائية في المرحلة المتوسطة على وجه التحديد، فكانت أغنياته تلاحقنا في تجوالنا منبعثة من المقاهي المنتشرة في مدننا الحبيبة عندما ينشر الغروب بساطه الوردي على الأفق وتبدأ الشمس رحلة المغيب ساحبة أذيالها بعد رحلة يوم حافل من حياتنا فيحين موعد عودتنا إلى منازلنا حاملين معنا كتبنا بعد جولة من الدراسة والإستمتاع بمناظر الطبيعة الساحرة التي تمنحنا لوناً من الفرح الغامر ونحن نترنم بأغنيات الراحل داخل حسن التي ترافقنا في طريق العودة وتوصلنا إلى بيوتنا فكانت (اهنا يمن جنه اوجنت جينه او وكفنه اببابك) ترافقنا في طريق العودة وأحيانا نعود على أنغام (جان الحي حلو ابعيني وارياضه تغنيلي من جنتوا ابربوعه انتو اوجان الوكت زاهيلي) نعم، كانت احياؤنا جميلة زاهية في ظل الـتآلف الإجتماعي العميق وروابط المحبة التي تغمر الجميع بقيمها الصادقة وإنسانيتها النبيلة التي تتحدى عواصف الزمن.

*عن صحيفة الزمان

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: هل كان للهجة تميم أن تسود وتمسي لغة العرب؟

منذ أيام الدرس الجامعي في الجامعة المستنصرية، استرعى انتباهي، ونحن في درس النحو العربي، وتحديداً …

فكر الاختلاف باعتباره فلسفة أخرى: جيل دولوز نموذجا
الحسين أخدوش

تقديم عام حول الموضوع صرّح ريمون بيلور في مقال له حول “دولوز فيلسوف رحّال”: “سوف …

فاسكو غارغالو أجرمَ إذ رسمَ العدلَ وصَوَّرَ الظلمَ
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اعتادت الحركة الصهيونية ومن والاها، ومن خافها وخشي منها، وارتبط بها وارتهن لها، والمسيحيون الانجيليون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *