تابعنا على فيسبوك وتويتر

saleh-albayatiفي زمن الموت بمفاتيح الليزر ،
الزمن المتعثر بأصنام المال ،
في وول ستريت ،
المعلق بمشانق إعلانات الضوء،
وشبكة خيوط الترف والجنس،
وأفاعي المتعة والخيبة والعورة،
في لأس فيجاس،
في زمن أبراج بابل الجديدة في منهاتن ،
زمن الجنون والكذب، والإنتحار والعزلة ،
الزمن المنسلخ كجلد الأفعى ،
من تاريخ الإنسان ، عند نهايته
المنتهي صلاحيته ، منذ بدايته
في زمن الذكاء الصناعي والأنترنيت ،
والحروب بالنيابة ، والحب بالمراسلة
***
يأتي من بلخ مخترقا حجب الزمن الكثيفة،
شمس تبريز، متسكعاً بلا مأوى ،
كأحد فقراء المدن الكبرى ،
متدثراً بقصائد من المثنوي ،
ليدفئ أوصال لغتنا المشلولة ،
من هذيان صقيع المدن المتحجرة ،
وليشهد آخر فصول،
حضارتنا المحتضرة.
***
بهياً يجئ، وضئ الطلعة ،
نقيا ونظيفاً ، ناصعاً كالثلج في أوانه،
يتوج هامات ذرى الجبال،
في بلخ وخوي وخراسان ،
لتشرق شمسه الساطعة الكبيرة ،
بعد أفول كئيب طويل وخافت،
يأتي وقوراً ، نحيلاً ، وحزيناً ،
كالحلاج بمسوح الراهب ،
مستغرقاً كصمت الوديان العميقه ،
وتواضع الأنهار العظيمة ،
متسربلا بغلالة ضباب خفيف ،
وعلى جبينه الأبيض الوضئ ،
ترف بسمة رضى ،
وفرح طفل بدميته،
وأمام عينيه المغمضتين ،
تخفق أجنحة فراشات ،
زاهية بألوان العشق الآلهي ،
فتذكرنا كما كانت تعقد في قونية ،
حلقات الذكر الصوفي ،
***
يجيئآن ، كما رحلا معاً أول مرة ،
روحان هائمان :
شمس تبريز وجلال الدين رومي ،
في هذا العصرالأخير ، المنتفخ الأوداج ،
المصاب بحمى الغرور،
ليكفنا جسد الزمن الميت منذ قرون ،
بأبيات من ديوان المثنوي ،
المستنير بالحكمة والحب ،
***
شعراء هذا العصر، ألطواويس،
أنبياء كذبة ، أشباح وهمية ،
يتوارون وراء قصائدهم الهذرية ،
ويختفون كالسراب عن الأنظار،
حينما تغمرهم الأضواء الساطعة،
وتسكرهم حتى يغيبوا عن الوعي،
نشوة المديح ، وجائزة المهرجان،
أما شمس ، فكان يضج بالعفوية والبراءة،
صوته دافئ ينساب كنبع صاف،
يصدح كالبلابل بأغاني العشق،
لفقراء قونية ،
***
يرقص ويدور حول نفسه ،
حتى الإنتشاء ، دورة محمومة ،
كأنه كوكب دري يدور حول الشمس ،
عند شمس كانت الخلع السلطانية ،
تستحيل بين يديه، أحجاراً وحصى ملون،
وأصداف براقة مهملة ، كالتي
يرميها البحر على شواطئة الرملية
***
وحينما رأت عينا المولوي
كتبه القيمة وألقابه التبجيلية،
مرمية بإزدراء في مياه النافورة ،
شعر أنه قد تحرر الى الأبد ،
من النفس الأمارة .
فماذا تقول لو رأيت صومعتك ،
قريبة من السماء ، وعن الناس بعيدة ،
ورأيت الزيف المتعاظم ،
أفعى الحضارة ينفث سمومه،
في روح الإنسانية المضطربة،
***
فخير لكما أيها السيدان ، ألا تلبيا دعوتي ،
سأفهم ، كم أنتما نبيلان ،
وإن لم تعتذرا ،
لأَنِّي أعرف ، أنه قد تلوث وفسد ،
كل شئ في هذا العالم ،
ولن تحتمل رئاتكم النظيفة،
التي عطرها ياسمين بلخ وقونية ،
ان تستنشق على مقربة منكما ،
أدخنة حرائق الحرب المشتعلة،
وعلى مسافة رمية حجر، ستشهدان ،
خير ألامم التي أخرجت للناس ،
تتقاتل بإسم لله ،
وتنتحر بحبائل الشيطان ،
***
أفكارنا حذرة ، تهرب سراعاً ،
قبل الإمساك بها ،
كما هي عواطفنا ، حساسة جداً لضوء الشمس ،
تنزوي مختبئة في أدراج ظلام النسيان،
ليس كما كانت عواطفكم ،مشبوبة بالحب ،
فمن كان غيركما ، يشكر نسائم الربيع،
المعطرة بأريج الحدائق المزهرة بالرياحين ،
ويفهم لغة الياسمين، بأبجدية القلب ،
ويفهم قانون الإعارة والمتعة ،
والمعلن والمستتر ،والمدى والمسافة،
فأنصت إذاً بقلبك أيها الشاعر ،
وإسمع المولوي يخاطب شمس تبريز ،
ويضمر إسم محبوبه الحقيقي في قلبه ،
” الله ”
فيقول :
” حبك أسكرني ، ثمل أنا ، ويداي ترتعشان ،
ولا أدري ماذا أعمل ” . *
*الأبيات الأخيرة هي من شعر رومي
***
صالح البياتي


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"