أ.د. نادية هناوي سعدون : بنية التساؤل تكنيك سردي أم تحشيد فكري؟

nadia-hanawi-2*ناقدة وأكاديمية من العراق
التساؤل قبل أن يكون ثيمة موضوعية في البناء الروائي؛ فانه تكنيك فني يستعين به الروائي من أجل تحقيق التحشيد الفكري للمتن السردي دفعا بالقارئ نحو التفاعل والتأمل والتدبر بغية إيجاد الأجوبة للتساؤلات المحيرة والمستفزة لعقله والمتحدية لإمكانياته عبر فك عرى شتات تلك التساؤلات أو الربط بين المؤتلف منها والمختلف..
وهذا ما يترك طابعا دراماتيكيا على العمل الروائي كونه يظل دوما جدليا ديالكتيكيا بالتضاد والتناقض والتنافر والتضاد التي هي بمجموعها مسببات مهمة تحفز على توالي الأسئلة وانثيالها بطريقة استيتاتيكية مبهرة ومحفزة .
وفي مقدمة محصلات هذا التصور أن الرواية العربية الجديدة قد برعت في توظيف تكنيك التساؤل توظيفا واقعيا مائلا صوب الجدل والتناظر والتضاد والتنافر باتجاه إثارة الشكوك والاستفزازات بطريقة صادمة وغير اعتيادية متجاوزة بعض القيود عبر تشظية الشخصية وجعلها متوترة متضادة مع نفسها ومع الآخرين.
أو بالمجادلة الموغلة في التفلسف والمتعاطية مع الأشياء بنزعة معرفية وجودية تشكك لتتجاوز منطقة المعتاد الفكري داخلة في منطقة اللامعتاد وربما اللامفكر فيه.
وهذا ما جسده بطل رواية( الأب القاتل) لغالب الشابندر والصادرة بطبعتها الأولى عن دار عدنان عام 2014 إذ نجد البطل مصدوما بلا منطقية الواقع المعيش وهذا ما تركه نهبا للأسئلة وفريسة للشكوك التي صعدت درجة الوعي لديه بالأفكار التي جعلته يرى خطورة الواقع الذي انقلبت فيه الثوابت وصارت الأمور تقاس بميزان ذي كفتين غير متساويتين بعد أن غاب العقل عن اداء دوره وانزوى بلامنطقية ليغدو معطلا عن أداء فاعليته الحقيقية في التدبر والاستكناه للأمور وإدراك جواهرها ورؤيتها من ثم على حقيقتها .
وقد يلمس قارئ الرواية نمطا من التساؤلات الموغلة في الفلسفة والتأمل عاكسة التضاد اللامنطقي بين المتهم الذي هو مقتول في الأصل بسبب جرم لم يرتكبه وبين مهران القاضي القاتل الذي ارتكب الجرائم باسم الرب والدين ولكنه في منأى عن العقاب بسبب تلفعه بغطاء الدين مداريا خطيئته بالكذب والدجل والزيف متبجحا بالقيم والتقوى…ناجيا من العقاب ليغدو هو المعاقِب لا المعاقَب..
وهذا ما جسده عنوان الرواية فالأب القاتل هو مهران رجل الدين المرابي والشهواني المتظاهر بالنزاهة والمنغمس في الفاحشة وأما الابن المقتول فهو البطل المحب للناس والواعي لمحيطه والعارف بالخط الفاصل بين الكذب والحقيقة والذي بدلا من تبرئته يحكم عليه بالقتل زورا وبهتانا..MINOLTA DIGITAL CAMERA
ولذلك يراهن البطل( المحاكَم المقتول) على استنفار طاقة العقل في صياغة الأسئلة وطرحها منطلقا من جدلية العدم/ الوجود.. متوغلا في أسئلة بعضها صادم مستفز والآخر متأرجح بين منطقة الشك واليقين” الصوت يخيف يشعل في هشيم الذاكرة نار الانبعاث من جديد ألهذا كمموا أصواتنا يا ناس” ص9 وما ذلك إلا بسبب كون القاتل يمارس أفعاله الشيطانية متسترا بالدين متخذا أسلوب تكميم الأفواه.
وهذا ما يضفي على الرواية طابعا ديالكتيكيا فتتصاعد وتيرة التساؤلات التي يبوح بها البطل السارد بضمير الأنا محاولا استكناه أسرار الوجود معلنا التباس الزيف بالصدق والحقيقة بالدجل، مكابدا صراعا داخليا وخارجيا مريرا يلقي به ما بين أتون واقع خارجي مزيف وبين مثال روحاني ملكوتي حق.
فيحقد على مروجي الخديعة باسم الدين الجاعلين أنفسهم قضاة يجلدون المظلوم ويحاكمون المقتول ويقتصون من الميت مهادنين شهواتهم لاهثين وراء مغريات الدنيا ملوثين أرواحهم بالخطيئة موغلين في الرذيلة من دون أن يرجف لهم طرف
وهكذا يصطدم البطل ذو الروح الحرة بزيف الواقع ويستفزه المجهول ويقوده نحو الإحساس بفداحة ما يتبجح به المدعون للتدين من المتجبرين على عقول الناس ومشاعرهم.
ولا يملك البطل بدا إلا ان يتسلح بالوعي من اجل درء الكذب ومجابهة الزيف ومقاومة الاستسلام فيعلو صوته في قاعة المحكمة مرددا عبارة (لست قاتلا) متجها إلى خوض تساؤلات تدمغ الباطل مشهرة سيف الحق بقوة.. وأهم سمات هذه التساؤلات انها صادمة ومستفزة ومتوثبة حانقة وبغيتها ان تنتصر الحقيقة.
ولما تحكم عليه المحكمة بالحرق يغضب ويصرخ فتتحول المحاكمة إلى ملحمة وجودية لصراع الحق والباطل بين القاتل والمقتول” أهكذا يجتمع الطهر مع العنفوان الغرائزي المحموم؟” ص13..
وتغدو الرواية إدانة علنية لمن يدعون الدين ظاهريا ويمارسون الفاحشة باطنيا للذين يضللون النفوس بالأفكار السوداوية ويحرضونها على ارتكاب الرذيلة كالقتل والاغتصاب والذبح والخطف وغيرها من الأفعال المشينة واللاانسانية مما تقوم به الجماعات المتطرفة والإرهابية كالقاعدة وداعش وغيرها، وهم يوهمون الناس أن هذا من الدين وأن من واجبات المؤمن أن يكون قاتلا ..!! kh-ghaleb-hasan-2
ويتخذ السرد من ثم مسارا مسرحيا يتصاعد تدريجيا بالحوارات الخارجية والتداعيات المونولوجية الداخلية التي يتم بها استرجاع ذكريات بإزاء ثنائيات جدلية عدة مثل الحق /الباطل الحياة/الموت الطهر/ العهر الفضيلة /الرذيلة,,الخ
ويتصاعد توظيف التساؤلات التهكمية التي تدفع البطل إلى مزيد من التمرد والمقاومة عبر السرد الذاتي بضمير الأنا أو بالسرد بضمير الخطاب مع استعمال السرد الموضوعي بضمير الشخص الثالث وأحيانا بضمير أنا الراوي الغائب..
ويظل البطل تواقا إلى أسئلة جديدة ويصطدم بمفارقات كثيرة فتتضاد الروح مع الجسد والعقل مع العاطفة والعدم مع الوجود وتتداعى الأسئلة بتصوف وتفكر لتزعزع الثوابت ولتتداعى المسلمات وليفضح المستور والمتوارى مما يحتم احتدام لحظة المواجهة بديالكتية مجابهة ثنائية الروح /الجسد وتتلاقى الشهوة باللذة وتكون حافزا على الاستغفار وهذا ما يحمل البطل المحكوم عليه بالحرق على اطلاق العنان لأسئلة جديدة صادمة ومتوثبة.
ويتصاعد الإحساس بالتناقض إذ كيف يتباهى القاتل بمحاكمة المقتول وكيف يمكن التقاء الطهر بالرذيلة” فأين هو الباطن والظاهر؟ وأين هو المعلن والمخفي؟ ” ص17
وكأنه بذلك ينفي إمكانية انتزاع طهر الروح من براثن الجسد وتلقي به تساؤلاته الصادقة في دوامة فلسفة صوفية” هناك ظاهر واحد ولكل ظاهر باطن وفي أعماق كل باطن ألف باطن هل كان ابن عربي مخطئا عندما كان يقول كنت انكح الكواكب وكل حروف اللغة” ص21
وتأخذ الحيرة منه كل مأخذ حتى انه ما عاد مميزا بين الصدق والدجل والحق والباطل كما يؤدي الاشتطاط الأخلاقي لمهران بإزاء الراقصة سحر إلى التضاد والتناقض وهذا ما يوقع مهران نفسه فريسة أسئلة تجعل ذاته تحاسب ذاته مضيفة إليه مزيدا من الحيرة ومضاعفة من شكوكه وتبرمه من الوجود ..
وعلى الرغم من هذا الاشتطاط الذي يقع فيه مهران بسبب سحر وهذا التنافر بين المظهرية المتسربلة بالدين وبين الباطن المدلس بالشهوانية والمدنس بالرذيلة تتداعى التناقضات وفي مقدمتها الحكم على البطل بالموت حرقا وبلا خطيئة اقترفها ، مقابل نجاة مرتكب الخطيئة من العقاب ..
وبذلك تغيب الحقيقة وتختلط القيم وتتلاقى الخديعة بالزيف ويتعالى التناقض وتتصاعد الحبكة القصصية فيعاني البطل مزيدا من الآلام.. ويتوغل من ثم في مزيد من التداعيات التي لا قرار لها فتتناقض في داخله الثوابت مع المتغيرات وتتهدم المسافات بين المسلمات والافتراضات فيتضاد الواقع ويفقد السارد ثقته بالضمير الانساني وبإمكانية تحقق الوعد السماوي..
وما جرم المقتول إلا وعيه الذي ألقى به في السجن وكأن من تناقضات الحياة ان يضحي الواعي بوعيه ونقائه وفطرته السليمة.. لتنهزم البراءة امام الشيطنة ويتساوى فعل القتل وعدمه.

ويوصل تضاد المقدس وتلاقيه بالمدنس إلى صدمة وجودية تدفع بالشخصية إلى تعاظم شكها بالحقائق وتتأزم ثقتها في قدرتها على تغيير العالم.
وعلى الرغم من هذا التصور المأساوي لحقيقة الوجود إلا ان البطل يظل مفكرا ومراهنا على حتمية التغيير متطلعا إلى أمل منشود يعيد للحياة جوهرها الحقيقي غير المزيف وغير الموهوم من خلال مساءلة الضمير واستنفار الفكر والصدق مع الذات ورفض الاستسلام ونبذ السلبية لتنتصر الذات على التناقضات وتطيح بالأضداد وليتجلى عمق الكون فتتضح آفاق الوجود الرحبة التي تعيد للذات فطرتها الأولى.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: داود سلمان الشويلي… وضوح الأشتغالات المعرفية

*عند خط الفصل بين سومر بكل ارثيتها العجيبة، وامتدادات زقورة اور، واللاله الجالس في العلو، …

صباح هرمز: بنيات السرد في روايات “محسن الرملي”

1- الشخصية: يقول رولان بارت معرفا الشخصية في الحكاية بأنها: (نتاج عمل تأليفي) كان يقصد …

التعايش مع واقع النصوص في مجموعة (ما أقولهُ للنحات ) للشاعر أنمار مردان البياتي*
قراءة: محمد جودة العميدي

عن دار الفرات للثقافة والاعلام – العراق- بابل وبالاشتراك مع دار سما للطباعة والنشر والتوزيع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *