عدنان أبو أندلس: جليل القيسي.. حوار متوهج في سرديات اللاوعي…قصة (بلازما الخيال) مثالاً (ملف/17)

adnan-abo-andalos-2إشارة :
رحل المبدع الكبير “جليل القيسي” الرائد المجدّد والمحدث في فن القصة القصيرة وفن المسرح في العراق وهو في ذروة عطائه ونضج أدواته الفنية . ومع رحيله – وللأسف وكالعادة – أُسدل الستار على هذه التجربة الفنية التحديثية الهائلة. هذا الملف الذي تقدّمه أسرة موقع الناقد العراقي هو دعوة لإعادة دراسة تجربة الراحل الكبير الفذّة بصورة أكثر عمقاً وشمولاً. ندعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء الملف بالدراسات والمقالات والوثائق والصور.

المقالة :
لأي إنسَان ما في حياته، حالة من مراجعة الذات و الاختلاء مع النفس نتيجة للضغوط و الصراع الحاد للنفس و اللتان تحتمان على المرء أن يفضي إلى جلسة فكرية هانئة، هذا الاختلاء عده علماء النفس مراجعة الذات ساعة من النور، لا تعوض لأنها خارج حدود التوقيت الزمني تأتي دائما بغتة نتيجة الم أو فرح، تنير فيها المعرفة و تكشف سبل العتمة أنها لحظة انتشاء لا توصف، ربما ترتبط بوعي اللامعقول من حدس لحظوي طارئ، تأمل، استبصار، أشعاع عقلي، تنبؤ، إشراق، هذه لحظة اختراق العقل للزمن. من هذا المنظور الاستدلالي يمكننا أن نعبر إلى حدود مملكة الانعكاسات الضوئية للقاص جليل القيسي، و نستعرض منها قصة
توهج بلازما الخيال لما لها من حوارات غرائبية لا زمنية و خوارق لا شعورية عبر رؤية اللاوعي و لمقابلة من يحبهم. هذا الاستبصار ناجم عن قوة التنجيم الروحي للقاص وفق ارتداد الزمن إلى الوراء و خلق مكانه زمنا آخر.. يلاحظ هذا الاختراق نتيجة تلاقح حضاري بإشعاع فكري متوهج عبر كوة تسرب إليها انعكاسات ضوئية شحنت العقل بطاقة إشعاعية مطلقة أزاحت الستار عن كوامن النفس لما يمتلكه القاص من قدرة بديعة في تخيله لعالمي الأساطير و التراث عبر الرؤيا المعبرة بالمعرفة الثرة. إن التوهج ناجم من ارتداد نحو الماضي نتيجة للضغوط المأزومة و التي دفعته التصريح بالخيال، بأن كل شيء أصبح يتلاشى إلا الروح، بهذا صوغ المشهد الأسطوري برؤية وفق حوارات متداخلة من سرديات اللاوعي و التي استهل بها القاص بالتنويه الحذر قائلا: (أن الذي يملك خيالا خاملا لا يستطيع أن يرى حتى الواقع العادي، اشك في أن يستطيع متابعة قصتي هذه: أما القارئ الذي يستطيع خياله الحار أن يحلل أكثر الأشياء امتناعا و هروبا، و تفلتا من التحليل فيستطيع متابعتي بسهولة)… أن القصة (توهج بلازما الخيال) بنيت على دعامة أساسها هندسة الخيال لذا نرى أن كاتبها يركز على شحنة الفكر قبل التفوه بأي تصريح في سرده كمن يسلك دربا معتما دون دليل أو شعلة و هذا هو مفتاح القصة و كما ورد في النص السابق و نذكر مفردات الخيال و كالأتي:
خيال خامل — بارد- بطيء- جامد- عادي
خيال متوهج— حار- سريع- متحركjalil alkaisi 7
ان الحرارة تحرك الجسم ديناميكيا لذا نرى أن الحمى الشديدة تنشط الخيال و تؤججه بطاقة عالية لهذا نلاحظ أن الذي تصيبه حمى شديدة فتكون من مضاعفاتها الهلوسة و الهذيان و مشاهدة أشخاص غادروا الحياة منذ أمد بعيد حيث يقول القاص في مقطع من قصته (و أصاب بحالة من الحمى الشديدة، و أرى سموات متألقة… أي نوع من المكاشفة بالاستبصار العقلي هذا الذي يراه… و لا يراه غيره، و أية قدرة قوية على الرؤية بتخطي زمكاني). وله في مقطع آخر (هذا المساء كنت أعاني من حمى شديدة، و بغية أن اخفف من حماي قرأت عددا من قصص (ألن بو)، ثم لا اراديا تذكرت (دستوفسكي) بحب حار ثم يعاود إلى توهجه ثانية بإشعاع عقلي و قلبي (حمى شديدة + حب حار) طاقتا الشحن التي تستند عليها قصة (توهج بلازما الخيال) و من الماوراء و التخاطر و الفتنازيا و وسائل الاتصال الأخرى ما بين الكائنات الحية و حتى الأموات و ما يطلق عليه بـ(الساي) أو ربما تحضير الأرواح. طرق عليه الباب و إذا به يواجه الضيف (دستوفسكي) جسما و اسما و رسما متجسدا متجسما بكل كيانه يحاوره بحرارة قائلا: (كنت تفكر في بحب شديد، اعرف، اعرف- انك تحبني كثيرا، وها انذا اتيتك بنفسي/ احتراما لمشاعرك الحارة لي) هذا المقطع متناص مع رسالة (ابن القارح) إلى الفيلسوف (أبو العلاء) حيث أنها مكتوبة على ورق تقرأ بالعين (مرئية) و مقطع القاص على لسان الكاتب الروسي تسمع فقط مقطعان لا يخلوان من الفلسفة تناص بالشخصيات الأولى بعيدة المسافة و الثانية قريبة بالزمن (ارتداد) كلاهم أدباء عصرهم. أن الحوار الأول يتضمن ظاهرة التخاطر (أمنية اللقاء) لذا أعلن الضيف بوحه المعلن قبلkh jalil 6 أن يفشيه السر من قبل محاوره المضيف، و من نص آخر بنفس الحس (قبل أن اكتب، تحدث لي حالة ما، الإدراك الحسي و نوع من الإشعاع الحار). و منها (نهض وخلع معطفه، حرك جسده النحيل و بلسانه بلل شفتيه وأطلق آهة حارة). وله (ابتسمت له بحرارة، و لأنني منذ أن عرفته أحببته بعقلي و روحي و حواسي و طوقته بحرارة). و ختم قصته المتوهجة بـ(عانقني بحرارة و قبلني و قال بصوت فرح: المجد لمملكة البشر أيها الصديق جليل القيسي شكرا لضيافتك) وخرج بهدوء وغاب في ظلام الليل.. إن للقاص إشعاعات فكرية كامنة في اللاشعور، و له مكتنزات عقلية ناضجة، أي إن الثقل المعرفي قد صقله و ظهر في اتزان رقته و شفافيته و حتى في طقوس التحية و الترحيب، استفادا منها في انعكاس شخصيته المتزنة و وهج أفكاره الملائمة يتلاقح الحضارات حيث إن النص عنده و كما يقول الناقد جاسم عاصي (يمتلك وحدة الموضوع، فالنسيج المختلف أرسالاته و منابعه و مبرراته، يصب في مصب واحد ينضج من خلاله حدث القصة حيث إن التوهج ينحو هذا المنحنى فالحوارات تمثلت بين محاورين فقط هما الراوي القيسي و المروي عنه دستوفسكي. عبر مشاهدات بانورامية تجاذبت الخواطر فيما بينهما، إن أكثر الأدباء الكبار ابتكروا لهم عالم خاص و حاولوا تفسيره أسطوريا يمسكون هم بمفاتيحه (إسقاطات اللاوعي) مما حدا بهم إلى الوصول لذرة المشاهدة اللامرئية بالنشوة القصوى.

*عن صحيفة المشرق

شاهد أيضاً

علي چاسب*: رواية “رؤيا الغائب” لسلام إبراهيم في أستحضار الغائب العراقي (ملف/63)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (14) (ملف/62)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (14) (ملف/61)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *