هشام القيسي: أنور الغساني في قارة غريبة الأشكال !

أنور الغساني ؛ شاعر ومترجم  ناقد وفنان ، إعلامي وكاتب وأكاديمي. يأتي في سعة طرقه وابحاراته في الأجناس الأدبية والكتابة وتنوع اهتماماته بالمرتبة الثانية بعد فاضل العزاوي ، الظاهرة النادرة التي لن تتكرر، بيد ان ما تصلنا من نتاجاته تكاد تكون نادرة أو في حدودها .
من افق ( جماعة كركوك ) وعوالمها ، ومن تحدياتها وتجديداتها ومن حاضنتهم الضوئية المتلألئة ( كركوك) انطلق أنور الغساني في رحاب عالم وأدب يصبو اليه ، يصفه كما هو لا كما يوصف ، عبر رحلة هي في قسماتها وصفاتها تتشابك مع إرهاصات وعذابات الإنسان في وعيه الهادف الى هدم الروئ الضيقة وبناء أواصر حية لاتتردد في إشهار الينبوع الإنساني والكشف عنه .
من كركوك المنشأ وعبر شقة في دربونة على شارع أبي نوأس ورحلات بعدها ، ينتهي به المستقر في قارة ليست هي قارتنا ، إلى وسطيه الامريكيتين ، أمريكا الوسطى ، وجمهورية كوستاريكا بالذات ، ليعمل مدرساً في جامعة كوستاريكا بسان خوسيـــــه. ولأنور طريقة في التعبير ، عناصر ارتباطها وعلاقاتها الداخلية في مواجهة الاسئلة وتساؤلات الحياة تنبع من عمق ومن أفق نظرة حية تحس مبناها الجمالي ومعناها الوسيع ، مثلما تحس مذاقها الخاص. ولهذا فالتحمس للشكل الجديد الذي يؤمن به ، يدعوه بالضرورة الى التفاعل الدائم مع المعطيات الذاتية والموضوعية لخلق نمط ذو ملامح خاصة يساير نمط ( جماعة كركوك ) .
ان المعاناة الصادقة هي مقدمات الاسئلة المطروحة من قبل الشاعر المغير ، المتجاوز للذات الفردية احياناً .ومن هنا تصبح اعماله بصدقها الفني مثمرة وذات احساسات تكاد تكون ملموسة . يكتب باللغات العربية التي يعشقها وبالاسبانية والانكليزية .
له ديوان ( العراق ). في نهايته يخاطب العراق :
سلام على رحلتنا فيك كل يوم
وسلام على رحلتنا بين النقاط المتباعدة
وسلام علينا يوم ولدنا ويوم نموت
والى ان يحل اليوم الاخير
ستظل لنا كتموز العشب
في الربيع تخضر وفي الصيف تحترق
ثم تسبت لتبعث  من  جديد
منحتنا إمكان الخطأ
لنتعلم ونتألق . 

2

البناء الشعري لدى ( انور الغساني ) يقوم على تداخل وتشابك الاحساس والموضوع عبر خيط شفاف سري يرصن العمل دونما استقلالية .
(( – ، و مذ جنحت
الى السلم لم اعد
اخشى
التأخر
الطائرة مفتوحة
علينا تنسحب في
الشعاب
الموكب يتقدمها
والمغني ينشد
بصوتي … ))
(من قصيده في الطريق الى مسقط )
والحركية هي محور الالق ، لهذا فان مناخه الشعري الداخلي قد تفجر بمشاعر عميقة التقطت خلجات نفسية وذهنية وقصائده تأخذ وضعا هندسياً بما يمكن جمله من تغطية مساحاتها على نحو ايقاعي ينساب بضربات وتفجيرات متتالية :
(( فرحنا الماضي
الى احتضاره
الدموع ستنفض ،
حصى حليبي أو
بلورات تحفظينها
في حق من الذهب،
اراك
ها قد بلغنا قبل
حلول المساء
رسوماً
الشمس تتشظى
على عصاريات
امتثلن
الصيف فاستحلف
أحرا شاً ))
(من قصيدة في الطريق الى مسقط )
ومفرداته تبدو موحية محتدمة ، متضادة متحررة ، لصيقة وطليقة، ومن هنا تكون ايقاعاته متلونة متألقة .
ان ابتعاده عن حدود المكان يشكل دخولاً غير محدد ومعمد بمكونات اليفة وحليفة تنساب في جداول تحولاته مالكة لوسائل تعبيرية موحية وادوات تتزين بها انها دعوة تحمل في عمقها فهماً رحباً وشحنات خلاقة .
(( لي نهارات تلك للغات .. انا في أمانها ، تبسط النهايات تأخذني الى بدايات مشاهد هي بؤرها وهي هذا، اقول : عندي الكفاية أو مايزيد فلتأخذوا أنتم ايضاً ، بعض الكلام أمناً ))
                     ( من قصيدة لغات العراق )
ولما كانت غاية الشعر المنظور والاسرار ، بالاسئلة والبحث ، عبر نصاعة ووضوح ، واستلهام واستذكار لا ينتهي في افق محدد تنتهي فيه اللقطة ، فان اشعاره لا تستقل عن هموم التاريخ التي تبعث رسائل شفافه تساهم في تراكم الايحاءات عبر اصوات وموجات متسعة للرؤى والوقائع.
 
(( باشام ))
لأرض فقيرة الاشكال كان
جهد يقظتك قرب الرب في قلبك .. ))
وكذلك
(( ما المجد الا بدعتنا
وانت فكرت في الحيطان
تراشقت مع فتوتك
والتحمت بعنفوانية خيولك
الضاربة أصواتها على الغابة المختفية
في ارض غريبة الاشكال
جهد يقظتك قرب الرب في قلبك
باشام :
(( اكنت تدري ))
( من قصيدة طو بال عثمان با شام )(1)
وهكذا فأن تداخل عناصر التكوين في النص يعرج على المرونة والانسجام ، مثلما يعرج على الاقتحام. وهنا يسحبنا الشاعر الى دهشة ومفاجأة
 تحدث التزاماً أعمق في الانسيابات الصورية وتكويناتها تماشى حركة الايقاع العام لمسار القصيدة .

في الطريق إلى مسقط
.. ،. ومذ جنحت إلى السلم لم أعد أخشى
التأخر
الطائرة مفتوحة علينا تنسحب في
الشعاب
الموكب يتقدها والمغني ينشد بصوتي .
إيقاع يهز، مناغيا، الأرض المظنون
ثباتها سيبلغك مذكرا بانهياراتي
المنذرات بانقطاعي
ستأتيك الأصوات مرشوشات ، تهوي
شر را
في ذاكرتك أو بين نراعيك . ترين أكفا
تتقابل فيعمر بالدفء قلبك .
وجهك الحيى، نظرتك الخفية إلى الفراغ
تملكين ما مضى وتتذكرين اللقاء الاتي
لن نتكلم وسينتابنا الخوف الكاذب من
حضورنا،ناقلنا
إلى اللحظات التوالي الراهبات. اسرد
يمنح في الخوابىء للماء شذاه .
خفاقة في ثوبك تقطعين الضجيج
فنمر بين الوجوه تعارفا وقد لا نعي
فرحنا الماضي إلى احتضاره
الدموع ستنفض ، حصى حليبي أو
بلورات تخفظينها في حق من الذهب ،
أرا ك .
ها قد بلغنا قبل حلول المساء رسوما

الشمس تتشظى على عصاريات امتثلن
للصيف فاستحلن احراشا
عند الفجر نستكني عوارض الطريق .
الصمغ أشيب يفتقد سحوح الدبق ،
ومع اندفاعة النسر تتجلى في الهواء
الصاقل جمال مقطورة.
في هذه الساعة أراك تتحركين بين
شواخص الثقافة :
الفضاء بين الجسران ، الظلال السوابت ،
نسام الليل .
تبثين البخور في انحاء الدار طارحة
بتأن من حواسك أنفاسي تتحسسين
صدرك حيث مسرعات بالفضة كلماتي .
نسير، لا نوقظ كائنا، ثم نبلغ الجبال
المهشمات ونطل على الخليج العماني
عند عيوننا يتجمع هيج النهاية :
السماء نيلية شغافية،الماء يشحب ثم
يزر ق ، البراكين هوامد، القوارب
فراشية، الأقد ام كاللآلي ، واسراب
الدلفين تتقافز.
والنقيعة، من ثمار هذا البحر.
سنؤسس أمننا في أمكنة لا تؤذي
الصخور
وسننتمي إلى المقتصدين :
البحر والرمل والليل والنهار والحنظل
الزاهي
لُـغــــــاتُ الـعِــــــــراقْ

تلكَ اللغاتْ
أيُ حبورٍ إذ أُقبل مترفقاً بقدمّي وبالأرضِ لأتلقى
في بيـوتِها المُتخلخلة كجيوبٍ ، المُـهندَسـةُ فِـكــراً
حصـيلةَ من نحتـوا بأعمـارهــم مَفـازةَ اللفـظِ
أو أقامـوا في منحـوتةِ اللفـظِ يَطـوونَ ويَبـسـِطونَ صفائحَ من” رذاذِ” عطفـهم على الذاتِ

أو يَلمَـسـونَ هُــدُباً في
عينِ الذهـنِ الـسـاجِــرِ! الرائــي ، كالـمُـتقــدِ تـشــبباً بالإنـدلاعِ الـمُـثير ل : اليـومْ ، اليـومْ ، اليـومْ
تَقارعـتِ الكلمـاتُ الموصُـوماتُ بعلامـاتِ إنتـسـابهـنَ
بخفـوتٍ ، ثقـةً فـي التحصـيـلِ، فـي شـمولِ المَــدى الـمُـقـاسِ موزونـاً
فـاخــراتٌ يَختلـنَ بنصـاعـةٍ مـن فِكــرهـم ، آبائــي و أُمهـاتــي، وحملـنَ حتى روائِحَهُـم ، عبـقَ أحاديثِـهـم الجـُــرْد ، فـي الصمـتِ ، وقفـاتٌ للـشـهيقِ ، لإبتـزاز المَـرئـيِّ
أخـذهِ ، إيلائـه كلَ الرغـبـةِ ، ووضعـهِ عاـى المِنَصّـاتِ ، فـي الأركـانِ الأهــمِ بالبيـوتِ
تلكَ اللغــاتْ ، أنا فـي أمانِـهــا ، تبـسـطُ لـيَ نَـهــاراتٍ
تأخُــذُنـي الى بدايــاتِ مـشــاهـدٍ هــي بُؤرُهــا و هــي النهـاياتُ
هــذا ، أقــولُ : عنــدِيَ الكفـايـةُ أو ما يـزيــدُ
. فلـتــأْخُــذوا أنتــمْ أيضــاً ، بعضَ الكلامِ أمنــاً

طوپال عثمان باشا

في ٢٦ تشرين الأول عام ١٧٣٣ قاوم العراقيون
بقيادة طوپال عثمان باشا في سهل ليلان “

پاشام!
لأرض فقيرة الأشكال كان
جهد يقظتك قرب الرب في قلبك

جذا ذات منك
كوئتك هشا في حلمنا
الضوء سطع خطفا. . أنت
القاطن في الخوف مع الشرسين

قناعهم الليل
في المعالف رؤوس الخيول القتيلة
عصف في سماء
مغسولة بمرق اليقطين
ما أخذوا غير منسوجات الصوف. .
تحمي أكفهم
وقارورة الروح
أقدامهم في المطرزات
والموت انتظار

كالرصاصة في قارورة الروح
واللاموكب سار متنزها
فخضرت الريح بياقوتها الغازي
مثلجة. هذا وجودهم نأخذه
من لوحة على أعمدة من ماء السراب
كل ما امتلكوا
خائضين جعبة الليل المبقورة
أشياء تعظمت
معنى حاضرهم
تحف تنقشع لتعود إلينا.
ما المجد إلا بدعتنا
وأنت فكرت في الحيطان
تراشقت مع فتوتك
والتحمت بعنفوانية خيولك
الضاربة أصواتها على الغابة المختفية
في ارض غريبة الأشكال
جهد يقظتك قرب الرب في قلبك.
پاشام!
أكنت تدري؟

(1) في 26/ت1 / 1733 قاوم العراقيون بقيادة طوبال عثمان باشا في سهل ليلان .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.