الرئيسية » ملفات » محمد الجزائري: الفنان يوسف العاني: سبعون عاما من الصحبة الدافئة مع المسرح (3/1) (ملف/11)

محمد الجزائري: الفنان يوسف العاني: سبعون عاما من الصحبة الدافئة مع المسرح (3/1) (ملف/11)

mohammad-aljazaeriتوطئة

سبعون عاما من الصحبة الدافئة مع المسرح، وسبعون عاما من عشقه، وسبعون سنة حب مع سحره، إنها السبعون إذن، وقفت أم لم تقف فأنت شامخ، بك ازدان المسرح العراقي ألقا، وبك شمخت خشبته التي لامست عنفوانك قبل سبعين عاما، وبك تكتظ الذاكرة العراقية عنوانا وقامة. في 24 شباط عام 1944 وقفت على المسرح ممثلا لأول مرة، ولادة روح وإبداع أعقبت ولادتك في الفلوجة، في 1 تموز 1927، تاريخ حافل بالعطاء، وسجل مذهب الصفحات أنت يا يوسف إسماعيل العاني، انطلقت سيرتك العطرة من كلية الحقوق إلى معهد الفنون الجميلة مرورا بتأسيس فرقة المسرح الفني الحديث، واقترن فنارك بالنخلة والجيران والخرابة والمفتاح وبغداد الازل بين الجد والهزل واني امك يا شاكر، والقائمة بلا نهايات، نقشت ألقك على شاشة السينما بسعيد أفندي و(أبو هيلة) والمنعطف والمسألة الكبرى واليوم السادس، وتألق قلمك في رأس الشليلة وبين المسرح والسينما وهوليوود بلا رتوش وشخوص في ذاكرتي، اليوم، صنع لك محبوك باقة حب، ليقدموها لك على هذه الصفحات في عيدك المسرحي السبعين.

يوسف، دمت لنا وهجا.

عبود مازال يغـني..

في الشعرية البصرية لمعطى يوسف العاني

(1-3)

محمد الجزائري

فنحن بالليل في ضوء النهار بها

ونحن في الظهر في ليل من الشعر”

“ابن عربي”

كانت صرخة “زينب”، “آني أمك يا شاكر” قد ألهبت جمهور البصرة في قاعة نادي الطلبة عام 1958،اذ ذاك تألق يوسف العاني وزينب في هذا العمل الذي فاض بشعريته البصرية والسردية، حتى فجر وجدان المتلقي، وحفز وعيه، ومنح الفنانين مكانة مرموقة لدى الجماهير.

وان كان يوسف العاني قد وقف على المسرح ممثلا لأول مرة في 24 شباط العام 1944 في مسرحية بفصل واحد من تأليفه وإخراجه “ضمن نشاط جمعية العلوم في الثانوية المركزية ببغداد ويعتبر هذا اليوم يوم ميلاده الفني، فقد ولد يوسف اسماعيل العاني ببغداد في 1 تموز1927.yuosef-alani-6

لم تكن تلك مسرحية “آني أمك يا شاكر” من الأعمال التي اعتاد يوسف العاني أن يمرر عبر حواراتها تلك “ألترميزات” السياسية والاجتماعية المشاكسة، أو الموحية، كما فعل في فيلم سعيد افندي حين يخاطب “سعيد” زوجته “الممثلة زينب” التي شكت من مضايقات الجيران “احسن شي هو المقاطعة، هذا احسن حل: ال …مقاطعة”.. وكان رنين تلك الكلمة آنذاك سياسيا، وقويا، بل كانت “آني أمك يا شاكر” تعبيرا صادحا جهيرا ومشعا ضد الظلم والإضطهاد، عبرت عن قيمة معيارية وفنية واجتماعية عالية لصبر الأم ونضالها، وقد تحملت الثقلين من أذى المعتقلات والتضحيات وغياب ابنها “شاكر”.. فصارت مثال “أم” غوركي معلما ومعلما يستنير بها الماركسيون ويتعلمون درس الحياة النضالية ضمن برامجهم الأولى المقررة في التثقيف الذاتي، جوار روايات “الأرض البكر حرثناها” و”الفولاذ سقيناه”.

كانت صرخة زينب التي هزت أركان القاعة ونفوس الجمهور الذي صفق لها طويلا ومسيل الدموع يجري من المآقي، وهجا بصريا تعبيريا شديد الإضاءة والتأثير، وكان ذلك بحق لقائي الأول على مستوى المعاينة المباشرة المتأملة لمسرح يوسف العاني، وأؤكد “مسرح يوسف العاني” لتوافر الشروط الموضوعية فيه اتجاها وحضورا وتواصلا مع الجماهير طيلة سنوات الجمر، وهو ليس نسخة مكررة من مسرح بريشت أو ستانسلافسكي أو نجيب الريحاني، وإن كان يسير بالخطى ذاتها والنهج نفسه، مضمونيا، وفي حالات عدة تقنيا أيضا، وبخاصة فيما يحرك نوازع الوعي ويثري فكرة التغيير بما يقدم من مقاربات فكرية واشارية تشتغل لصالح الإنسان وتفجر ثوريته الكامنة وتنمي بيادر الخير والتمرد الخلاق فيه، وتصفي وجدانه الأصيل..

وإذا كان الشعر العربي ينزع عادة نحو رشق الروح في بؤرة التوتر والتعارض بين الوضوح والغموض، ولما كانت الحقيقة إلماعية أمام العقل، لا تسلمه كامل رسالتها، ولا تحجب عنه، في الآن نفسه، مجمل فحواها، كان لابد للتعبير عن هذه الحقيقة من أن يتأرجح بين النوراني والطلساني كما عبر ابن عربي في هذا البيت:

” فنحن بالليل في ضوء النهار بها….. ونحن في الظهر في ليل من الشعر”

ففي ثقافتنا العربية التراثية والمعاصرة لم يستطع أي جنس أدبي أو فني، من أن يحل محل الشعر، في غمرة تلك الهزة العنيفة التي تؤدي إلى نشوة الوجدان والشعور المتعاظم باللذة الجمالية التي يحدثها الشعر في النفس والوعي، غالبا دونما وسيط حسي، كالأذن في الموسيقى والثقافة السمعية، والعين في الثقافة البصرية.. وكان أول المسرح شعرا يلقى بأداء وحركة أمام الجمهور، من صفوكليس حتى اسخيلوس، لكن “اذا كانت نهاية القرن التاسع عشر الأوربي مليئة بأعلام الشعر والرواية والأدب، فإن من الصحيح القول بأن الشعراء العظام في ذلك العهد كانوا هم المصورين الإنطباعيين” – يؤمن آرنولد هاوزر.

فنان الشعب يوسف العاني مع المخرج جعفر علي
فنان الشعب يوسف العاني مع المخرج جعفر علي

ومسرح يوسف العاني، ولد في خضم ذلك الصخب الثوري وحركة التجديد والإستنارة والتحديث، بعد الحرب العالمية الثانية، أتحدث هنا عن التشميل، وعن فضاء “الذاتية الكلية” له مبدعا في حاضنة النص والتمثيل، العرض والكتابة، الاقتباس والتعريق، فقد تشبع كلية بالشعرية البصرية، حتى تلبسها سلوكا، فقد كان يبتدع شخصياته ويقتدها، أو يمثلها على الخشبة، منسجمة مع انعكاس مشاهداته الإجتماعية وإحساسه بحياة الناس، أو هو يلتقط مقارباتها وشبيهها في الأدب العالمي.

وفي أحلك الظروف وأعتاها لم يـكبــل تماما وإن لم ينطلق تماما، فحين كان “رئيس عرفاء” في دورة ضباط الإحتياط بمعسكر السعدية، قدم “ثورة بيدبا” تحت ذلك الظرف وبإمكانات متواضعة تقارب درجة الصفر في الإنتاج، ساعده الدكتور فايق السامرائي والشاعر مظفر النواب والمهندس صباح الدرة، ورفاقه في ذلك المعسكر الذي اقتيد إليه الخريجون وأساتذة الجامعات المفصولون من الخدمة، وجلهم من اليسار الديمقراطي، كالدكتور فيصل السامر والدكتور ابراهيم كبه والدكتور طلعت الشيباني، الذين استوزروا في حكومة عبد الكريم قاسم بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، كما تعين إثرها يوسف العاني أول مدير عام لمصلحة السينما والمسرح..

ولا غرابة فقد كان العاني مهووسا بالتمثيل، وخلق المناخ لنفسه مع رفقته، حتى داخل ذلك المعسكر الذي حد من حركتهم وأراد عزلهم عن أبناء شعبهم وحركتهم الوطنية، فلم يكتفوا بالمسرح بل أسسوا بنية ثقافية ساندة تتجلى بمكتبة عامرة بأفضل الكتب التقدمية “الممنوع تداولها”.. وكذلك فعل حين قدم “مسمار جحا” و”ماكو شغل” في ممر قواويش معتفل أبي غريب.. ولذا مال في سنواته الأولى إلى الإكثار من كتابة تلك المسرحيات ذات الفصل الواحد، لأنها مواكبة للظروف وسهلة التحقق في أيما مسرح فقير.

ويوسف أنجز أكثر من خمسين نصابين طويل وقصير، ومن أبرز تلك التي هي في فصل واحد: “القمرجية”/ “مع الحشاشة”/ “طبيب يداوي الناس “1948- كتبها وهو لازال طالبا في كلية الحقوق- “محامي زهكان”1949/ “في مكتب محامي”/ “محامي نايلون”/ “جبر الخواطر”1950/ “راس الشليلة”1950 / “مجنون يتحدى القدر” وهي مونودراما1951/ “تؤمربيك” 1952/ “موخوش عيشة” 1957/ “لو بسراجين لو بظلمة” 1954/ “حرمل وحبة سودة”1954/ فلوس الدوة 1955/ “أكبادنا” 1955/ “على حساب من؟”- نشرت في مجلة السينما عام 1957، ثم قدمت في التلفزيون عام 1960/ “جحا والحمامة” بانتومايم، قدمت على مسرح ستانسلافسكي بموسكو في إطار فعاليات الوفد العراقي المشارك بمهرجان الشبيبة العالمي- موسكو 1957/ “تتراهن” 1959/ “عمر جديد” 1959/ “آني أمك يا شاكر، ماكو شغل، فلوس الدوة، صورة جديدة، ليطة، نجمة وزعفران، شلون ولويش والمن؟1972، بنات هلوكت، ست دراهم، الشريعة، الخرابة، الرهن، نفوس ،خيط البريسم، المفتاح / …”.

فنان الشعب العراقي يوسف العاني مكرّما من قبل حاكم الشارقة المسرحي والروائي سلطان القاسمي
فنان الشعب العراقي يوسف العاني مكرّما من قبل حاكم الشارقة المسرحي والروائي سلطان القاسمي

وقد أدى أدوارا في مسرحيات لم يكتبها بنفسه، ولم يخرجها أيضا، وكانت شخصياتها التي أدى مضيئة ولا تنسى، كأنما صارت، بل صارت بالفعل ، تلك الشعرية البصرية لازمة نسقية جمالية وسمة عامة لاختياراته، كما في “مسمار جحا” 1952 / “تموز يقرع الناقوس” لعادل كاظم 1968/ “النخلة والجيران” المقتبسة عن رواية غائب طعمة فرمان 1968/ (ولاية وبعير) 1971/ “البيك والسايق” 1974/ “بغداد الأزل بين الجد والهزل” لقاسم محمد 1975/ “القربان” 1980/ “الليلة البغدادية مع الملا عبود الكرخي” 1983/ الإنسان الطيب عن بريشت إخراج عوني كرومي 1958/ “حرم صاحب السعادة” ليرين سلاف نوشيش/ الباب القديم/ عمارة أبو سعيد..

ولم يكن ذلك مقتصرا على عرض الإفتتاح حسب، بل هو مثابرة حريصة منذ التمارين الأولى حتى العرض صفر – الفاحص – أو كما يصطلح عليه “الجنرال بروف”، وكلما تمعنت بإدائه أراه مستغرقا في محاولات حثيثة لتطويع جسده وحركة يديه وصوته وتعبيرات وجهه ليس لخدمة متطلبات الدور حسب، بل لخدمة كاريزماه، وشخصيته الأدائية، التي وسم نفسه بها.. وكانت تستهويه التجربة البريشتية أكثر من سواها، وقد أدى هناك في برلين “الإنسان الطيب” بما ميزه فنانا من شرق الحضارات، ولم يقلد الفنان الألماني الذي اشتهر بإداء هذا الدور على المسرح البرليني، كان مؤمنا بأن المسرح هو صنو التغيير، كما كان بريشت يسعى، وليس الإيهام والتغريب إلا لتأكيد أن هذا المسرح ليس بديلا عن الواقع الذي يتوجب تغييره، بل هو حافز لتغييره.

إن بريشت يخاطب العقل، ولا يفرض السياسة على المتلقي، حتى وهو يستخدم الشعار، بل يشغل مسرحه على ثيمة التغيير عبر الإقناع وليس القسر، فلقد قدم مرة، على المسرح بطبيعة الحال، بيان الحزب الشيوعي، ملحنا ومغنى، وتقبل الجمهور ذلك واستوعبه، لأنه تلقاه بشفافية، وبمثل هذ الحماس يدافع يوسف العاني عن برتولد بريشت، وحين قدمت الفرقة القومية للتمثيل مسرحية “البيك والسائق” المعرقة عن “بونتولا وتابعه ماتي” لبرتولد بريشت، بإخراج إبراهيم جلال في مهرجان دمشق الدولي للمسرح، وفي القاهرة على المسرح القومي، لاقت صدى كبيرا، وقد زاره في غرفة الماكياج، بدمشق، رئيس فرقة “بايمر” الألمانية “الديمقراطية” -آنذاك- وهنأه لأنه قدم بونتلا البريشتية بشخصية عراقية، وسأل يوسف: شعرت ببرشت وشعرت بك، فلم لم تقدمها كما أداها “أكهر شال”؟- وهو ممثل ألماني اشتهر بأداء دور بونتلا على مسرح برلين وبرع به، تضايق العاني ورد عليه بأنه قدم الريشتية بثوب عراقي وأنه الممثل المعروف يوسف العاني وله أسلوبه في التمثيل وشخصيته المميزة وكاريزماه..

وكانت خبرة ابراهيم جلال في استيعاب بريشت وتمكنه من تطبيق ذلك على أدوات للتعبير متفهمة ومقتدرة “الممثلون العراقيون ذو الخبرة: يوسف العاني، سامي عبد الحميد وقاسم محمد كانوا بارعين كفريق، كذلك الفنانة سعاد عبد الله التي كانت إبنة بونتلا، وقد أدت شخصيتها بأداء مميز وشفافية عالية، وبمهارة وبأسلوب بريشتي مضبوط كما أراد لها المخرج”.

المسرح هو تنوير للشعب، لأنه يشتغل على الجماعة، ويوصل خطابه ورسالته في مواجهته المباشرة للجمهور، وهنا تكمن حيويته من بين الفنون الأخرى، وخطورته أيضا على وعي الآخر المتلقي.

هكذا يفهم العاني مهمة المسرح في الحياة، لذا احترف المسرح بدلا من المحاماة، فهو يؤمن بأن رسالته على خشبة المسرح لهي أسرع تبليغا وأوسع مدى من قاعة المحكمة، حتى لو كان يدافع عن العمال الذين انتهكت حقوقهم النقابية..

لقد انخرط يوسف العاني في مسرح بريشت بألمانيا لأغراض التطبيق والإفادة الجوهرية المباشرة، كما لو كان يشارك في ورشة ذات تتابعية للمدرسة البريشتية، كي يثري فيه قدرة الأداء عنده على أهمية الإنارة والإثارة والتأثير والتغيير، بطيف أكبر من حزمة ذلك النور الساطع في المسرح الملتزم بقضايا الإنسان.

وكانت السيدة الفنانة “لينا بايكل” زوجة برتولد بريشت هي التي تدير مسرحه بعد رحيله، وقد أفاد العاني فائدة كبيرة من وراء تلك الفترة التطبيقية، بخاصة وأنه ذهب إلى هناك محملا بخبرة مسرحية وحياتية ثرية، وهو يدرك بإن من خواص المسرح العراقي، وتميزه، ديناميته الاجتماعية، وكما يقول: “لقد قدمناه في السجون والمعتقلات كما قدمناه في البساتين خارج بغداد، إبان السفرات” – السياسية “السرية” التي كان ينظمها الحزب الشيوعي ومنظماته الديمقراطية – الإضافة مني- ” وأن العراق ظل حاضنة ثرية لتنضيج المهارات، ليخرج المسرحيون العراقيون بتلك الثمار الناضجة فيقطفون جوائز المهرجانات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *