علي غدير: خيانةُ كلبٍ

ali-ghadir-2إهداء:
إلى عراقيَّةٍ تعيشُ في المنفى، ويحرق الحنينُ، ثنِيَّاتِ فؤادِها.
هذا ما يحدثُ في وطننا… مع التقتير.
*****
حين تبيتُ البلادُ هشيماً…
في وجهِ ريحْ
حين يصيرُ الضميرُ، جريحْ
هلمِّ نلملمُ حزنَ السنينْ…
وندفنُ حلماً بلون الحنينْ!
وبالدمعِ نرتُقُ نصبَ الضريحْ.
*****
على جبينِ (روعةَ) الوضاءِ، كقنديلٍ مضيءٍ في حلكةِ ليلةٍ غائمةٍ، طبعَ (حسانُ) قبلةَ الصباحِ برقةِ مَن يلمَسُ جَناحَ فراشةٍ، يخشى عليهِ أنْ يتمزّقَ، مِنْ نَفثِ أنفاسِهِ، وراحَ ينثرُ بدمَثٍ، فتافيتَ ابتسامةٍ جذلةٍ، فوقَ محيّاها المشرقِ، علّهُ بذلكَ؛ يبلسمُ طرفاً مِن جُرحِها العميقِ عمَقَ اليأسِ، جرحِهما معاً، ذلكَ الذي يشكوانِه مُنذُ تسعِ سنينَ، مُذْ تزوجا، ولمْ تلسعَ سكونَ حياتِهما، صرخةُ طفلٍ واحدٍ، تُفتّتُ حولهما، هَدأةَ الرتابةِ الموحشةِ، التي استشاطتْ ألماً على ألمٍ، خلالَ السنواتِ الأربعِ الأخيرةِ، حيث انقلبتْ موازينُ الحياةِ، رأساً على عَقِبٍ، إثرَ اكتساحِ الغُزاةِ، وانقلابِ الكلابِ، التي سطتْ على ضعنِ القافلةِ المنهكةِ منذُ قرونٍ، وأكلتْ كلَّ ما طالته أنيابُها، ومزّقتْ الطريَّ، وهشَّمتْ اليابسَ، وشرَّعتْ قوانينَ الظلامِ، وحرَّمتْ نورَ الصباحِ.
– صباحُ الخيرِ يا حبيبتيَ.
بعينينِ ذابلتينِ ذبولَ أزهارِ المساءِ، ساعاتِ البكورِ؛ ردَّت (روعةُ):
– صباحُ الخيرِ يا حياتيَ.
حياةُ (حسانَ)، كانتْ تطفحُ دوماً، بالنظامِ المغروزِ في خلايا جسدِهِ المفتولِ. ها هو ذا ينهضُ بنشاطِهِ المعتادِ، الذي ورثَهُ عن وظيفتِهِ السابقةِ، إذْ كانَ قبلَ سقوطِ الدولةِ، منذُ أربعِ سنينَ، ضابطاً في الشرطةِ العراقيةِ، شخصاً يشارُ إليهِ بالنزاهةِ، وتُضربُ فيهِ الأمثالُ بالصدقِ، في مسلكٍ تعجُّ فيهِ الشوائبُ، من كلِّ قعرٍ وصوبٍ، حتى كانَ أقرانُهُ ليَعجبونَ؛ كيفَ أنّهُ بلغَ حينها، رُتبةَ (الرائدِ)، دونَ أن يتملّكَ بيتاً، أوْ مركبةً خاصةً، حينَ كانوا همُ، (يتطاولونَ في البنيانِ)! أمّا المرجفونَ مِن أندادِهِ، فكانوا يتقوّلونَ عنهُ، أنهُ يدّخرُ إيراداتِهِ بالعملةِ الصعبةِ، وكانَ يكتفي حينها، بالردِّ على افتراءاتِهم: (دعوني أكتفِ مِن العملةِ السهلةِ أولاً.)؛ إذْ كانَ القسمُ الأكبرُ مِن مُرتّبِهِ، يذهبُ شهرياً، إلى دارِ خالتهِ (أمِ روعةِ)، بَعدَ أنْ أقعدَ المرضُ زوجها (أبا روعةِ)، على كرسيٍّ بدولابينِ، يتكوّمُ عندَ قدميهِ، خمسةُ صغارٍ، فاغرينَ أفواهَهُمُ، طلباً للرمقِ، يتصارعونَ معَ الفَقرِ، الذي لا يجدُ لهُ في دارهِمُ المتهالكةِ، أيَّ مخرجٍ.
خرجَ (حسانُ)، ليلقي بكيسِ القمامةِ، قُربَ دكانِ صديقِهِ (جَوادٍ)، صاحبِ البيتِ الذي يقطنانِهِ هوَ و(روعةُ)، ذلكَ البيتُ الذي اجتزأ منهُ (جَوادُ) دكاناً، ليستثمرَ فيهِ بعضَ أموالِهِ، التي اكتسبَها خلالَ أيامِ النهبِ والسلبِ، التي أعقبتْ سقوطَ الدولةِ، قبلَ أربعِ سنينَ، ليشهدَ الوطنُ؛ سقوطَ المواطنةِ، فقدْ ألقى العديدُ مِن الناسِ، بأخلاقهِمُ خلفَ ظهورهِمُ، واستنكروها! وعادوا إلى فِطرَتهِمُ العدائيةَ التي جُبلوا عليها!! ما أشبهَهُمُ بإعرابيٍ، أهلكَهُ الجوعُ والعطشُ، فأطلقَ للعابِهِ الاندلاقَ، ولعينيهِ الجحوظَ، وهو يرى إناءً مليئاً بالعصيدةِ، فراحَ ينهَمُ منها، حدَّ التخمةِ، حدَّ أن يستلقيَ على ظهرِهِ، ويركّزَ فكرَهُ فيما طَعِمَهُ، منتظراً خروجَ الفضلاتِ؛ ليستريحَ! هكذا… في غَمضةِ عينٍ، كانَ المالُ العامُّ، أمامَ الناسِ في العراقِ، عُرضَةً تُغري كلَّ نفسٍ هشّةٍ. وكَما لمْ يكنْ مالُ العراقِ عصيدةً؛ لم يكن أعظمُ أهلِ العراقِ أعراباً، بلْ كانوا أشدَّ كفراً مِنَ الأعرابِ، فتلذَّذوا في القتلِ، والسفحِ، والسرقةِ؛ حتى سرى السُّحتُ في دمائهمُ، فكانَ أغلبُهمُ فَرِحاً، مُنتشياً بالحياةِ الجديدةِ، يزهو في مِشيتِهِ بخَيلاءٍ، كـ(جَوادٍ)، يَترنَّحُ في الطرقاتِ المستقيمةِ، يعترِضُ طريقَ الشرفِ، ويهدّدُ سُمعَةَ الفضيلةِ. وفي المقابلِ، كان ثَّمَةَ نفرٌ يبكيَ الوطنَ الذبيحَ، والخُلقَ الجريحَ، والأملَ المفقودَ، كـ(حَسانَ)، الذي صارتْ حياتُهُ مسرحاً للأحزانِ، وباتتِ الآلامُ عليهِ وَقفاً.
وقفَ (حَسانُ)، قبلَ أنْ يلقيَ بالكيسِ في مكانِهِ المناسبِ، الذيْ سيُعَرِّجُ عليهِ عُمّالُ النظافةِ، لحملِهِ وبقيةِ القُمامةِ، على غيرِ عادتِهمُ، لكونَ المكانِ يقعُ في مركزِ المدينةِ، قريباً مِن بَعضِ دوائرِ الدولةِ المتأرجحةِ، على حبلِ الأمنِ المفقودِ، الذي قدْ يتبتَّرُ في أيّةِ خُطوةٍ قلقةٍ! تلكَ الدولةُ، التي لا يَسَعُها لتتوازنَ؛ إلا أن تحملَ عصاً، على أحدِ طرفيها المُواطنُ، وعلى الطرفِ الآخرِ، مواردُ المدينةِ الجمَّةِ، الكثيرةِ، الثقيلةِ، التي ترفعُ المواطنَ، في أحلامِهِ، إلى عَنانِ السماءِ الباردةِ الصاعقةِ، لتحطَّ بهِ، في واقِعِه، أسفلَ صدعِ الأرضِ المحرقةِ؛ فلا يَسعَهُ إلا أنْ يصرُخَ في الحالتينِ، انبهاراً بالحُلُمِ، وألماً مِن الواقعِ، مفوِّضاً أمره إلى الله تعالى، وحده.
أما مفوَّضُ الشرطةِ (سليمُ) فإنّهُ يدَّعي أن سبَبَ اهتمامِ البلديَّةِ، وعمالِ النظافةِ بالشارعِ، يرجِعُ لسُكناهُ فيهِ! (سليمُ)… الذي لمْ يكنْ قبلَ سنواتٍ أربعَ، سوى جنديٍّ مُتخلفٍ، عن أداءِ الخدمةِ العسكريةِ الإلزاميةِ؛ مُختبئاً في القُرى التي يقطُنها أقاربُهُ، بعيداً عنِ المدينةِ. وعلى حينِ غَرَّةٍ، وما إنْ سقطتِ الدولةُ، وسقطتْ معها قِيَمٌ جميلةٌ، ورُتبٌ رسميةٌ؛ ظهرتْ فجأةً، أخلاقٌ قبيحةٌ، ورتبٌ مُزوّرةٌ. وظهرَ فيمن ظهرَ، شابٌ في العشرينيّاتِ مِن عُمرِهِ، يحملُ رُتبةَ (المفوضِ) في الشرطةِ، يُدعى (سليمٌ). وهوَ في حقيقتِهِ، كانَ سقيماً، مُفعماً بالأمراضِ النفسيةِ المركبةِ، التي تستعصِ على الخبراءِ، في علمِ النفسِ.
بنفسٍ متعاليةٍ، وقفَ المفوضُ (سليمُ)، أمام بابِ دارهِ، متباهياً بزيّهِ، الذي يرفضُ أنْ يتأقلمَ معَ جسدِهِ، برُغمَ السنواتِ الأربعِ المضطربةِ، مِن عمرِ هذه الرتبةِ الطارئةِ، ونظرَ بازدراءٍ صوبَ (حَسانَ) جارِهِ، الذي لمْ يوفّقْ حتى الساعةِ، في إيجادِ عملٍ مُناسبٍ لهُ، والرافضِ حدَّ الموتِ، أن ينخرِطَ في مسلكِ الشرطةِ الجديدةِ، التي تعانيَ فساداً مستشرياً في صفوفِ أفرادِها؛ لا أملَ في الخلاصِ مِنهُ.
خَلُصَ (سليمٌ) إلى أنْ يبتسمَ بسخريةٍ، وهو ينظرُ مِن زاويتَي عينَيهِ، إلى (حَسانَ)، الذي اكتفى، بأنْ نظرَ نظرةً إلى (سليمٍ)، ثم أرجَعَ بصرَهُ، إلى كيسِ القُمامةِ، الذي يحملُه، فألقى به، بحركةٍ تَنُمُّ عن احتقارٍ. وعاد إلى البيتِ… إلى حبيبتِهِ، التي كانتْ قد أعدَّتْ فطورَهُما البسيطِِ.
بَسطتْ (روعةُ) يديها، بحركةِ تشريفٍ، وهيَ تُرحِّبُ بالحبيبِ:
– تفضَّلْ يا سيّدي… فالمائدةُ تنتظرُ بحبٍ!
حباتُ تمرٍ (زَهْدِيٍ)، وبيضتانِ، وشيءٌ من اللبنِ الرائبِ؛ وجبةٌ تفترشُ الأرضَ بعزٍّ، يُحيطُ بها، حبيبانِ لا يفتُرانِ عنِ النظراتِ الباسماتِ؛ شتّانَ ما بينَ هذا البيتِ، وبيتٍ قريبٍ مِنهُ، كانت مائدةُ الفطورِ فيهِ عامرةً، تعُجُ بالأطايِبِ، وتعلو عنِ الأرضِ باضطرابٍ، قد تركَها وليُّها، (سليمُ)، وغادرَ المنزلَ، بعدَ مشادّةٍ كلاميةٍ، بينَه وبينَ زوجتِهِ، (نجمةِ) التي اعتادتْ السِّجالَ، مع كريهِها (سليمِ). زوجُها الذي تكرهُه حدَّ الانتقامِ منهُ، بطعنِ شرفِهِ؛ فباتتْ تُعاشرُ غيرَهُ في الحرامِ، لا لحاجةٍ ماديّةٍ تشتكيها، برغمِ أنَّ الرجلَ المغرمَ بجمالِها القرويِ، كانَ سخيّاً معها، يُغدقُ عليها، بكلِّ ما تشتهيهِ. ولا لحاجةٍ معنويةٍ، برغمِ أنَّ العشيقَ، كانَ يدلّلُها بكلماتٍ لم تسمعْ بمثلِها من قبلُ. بل لغايةٍ واحدةٍ لا سِواها؛ إذ كانت تكتفيَ وهي بينَ ذراعيهِ، أن تشعرَ بشرفِ (سليمٍ)، يُمرَّغُ في طينِ الرذيلةِ، وذُلِّ الخسَّةِ، فيغمرُها حينذاكَ فقط، عظيمُ الحبورِ والفرحِ، دونَ أنْ يُقلقَها ما سوفَ ينجُمُ.
(نجمةُ) التي وَفدتْ من القريةِ، بصحبةِ زوجِها (سليمِ)، قبل سنتينِ، كانتْ على قدرٍ فائقٍ من الجمالِ، وعلى قدرٍ أفوقَ من الانحلالِ، فقد عاشتْ في أحضانِ أمٍ، تنقّلتْ بينَ أزواجٍ عِدةٍ، قَرضَ الدهرُ أحدَهُم، واختَفى الثانيُ فجأةً، ليبقى الآخِرُ تحتَ سطوتِها، موقِناً أنه ليسَ الأخيرَ، في حياةِ هذه المرأةِ المترَعةِ قذارةً، التي تعيشُ بين أناسٍ، يتجنبونَ لسانَها القذرَ، وخُلُقَها الأقذرَ وسمعتَها النتنَةَ، ولم يجتذبْ وِكرُها الدنسُ، سوى مَن هوَ أكثرُ دنساً، فالذبابُ تجمعُه القذارةُ. وكانَ مِمَنِ استكانوا وِكرَها (سليمٌ)، الذي أعجِبَ أيُّما إعجابٍ بابنتِها، (نجمةِ)؛ فلمْ يطُلْ بهِ الأمرُ، حتى طلبَ الزواجَ بها، ليكونَ لهُ في العالمِ القذِرِ، محلٌ.
*****
بين محلاتٍ تبيعُ بضائعَها بالجملةِ، وقفَ (حَسانُ) مع رفاقِه الحمّالينَ، ينتظرُ إشارةَ أحدِ التجارِ إليهِ؛ ليحملَ بضاعةً على ظهرِهِ، ويودِعُها مكانَ ركونِ مَركِباتِ الحِملِ! هكذا… رضيَ (حسانُ) أن يعملَ حمالاً؛ يحملُ على ظهرِهِ الأثقالَ، لتبقى كرامتُهُ محمولةً على هامتِهِ، التي شابتِ قبلَ الأوانِ بعضَ الشيءِ.
عَلِمَ البعضُ مِن رفاقِ (حَسانَ)، ماضيَ الرجلِ المِهَنيِ المشرِّفِ، فاحترمَ مشاعِرَهُ، أما الثُّلةُ من القومِ، فهيَ تجهلُ ذلكَ، أو تتجاهلُهُ، فلا تتعامَلُ معَ (حَسانَ)، إلا على أساسِ أنّهُ حمّالٌ منهمُ. وآتاها هوَ الحقَّ في تصوراتِها، وانفعالاتِها معهُ، واضعاً في حساباتِهِ، مستوياتِ أفرادِها الاجتماعيةِ والفكريّةِ، وحالةَ تلاشيَ الأخلاقِ الحسنةِ، الحالةَ التي ذرّت قرونَها، في الآونةِ الأخيرةِ. وكلَّما استطعَمَ المرارةَ في كلماتِ تلك الثُّلةِ، تشكَّلت أمامَ عينيهِ لوحةٌ قاتمةُ السوادِ، لا أثر للونٍ آخرَ فيها، سوى بصيصٍ أحمرَ، يلمعُ في الأطرافِ المحترقةِ. وريثما يستعيدُ الإيمانُ مكانتَهُ في قلبِهِ، لا تلبَثُ صورٌ لشخصياتٍ سودٍ عدةٍ، أنْ تمرُقَ في ذاكرتِهِ المضطرِبةِ، منها مَن كانَتْ تعمَلُ معهُ قبلَ سنواتٍ في الشرطةِ، ومنها من زاملتهُ إبّانَ الدراسةِ، ومنها غريبةٌ دخلتِ المدينةَ بعدَ سقوطِها، مدّعيةً أنها مِن أرفَعِ أهلها الأصلاءِ، الذينَ أبعدَتهم الأنظمةُ المتتاليةُ، على نحرِِ المدينةِ، واستئصالِ أطرافِها! ومنها، ومنها، وآخِرُها كانت تقفُ طويلاً عندَ حافّةِ ذاكِرتِهِ، حتى لتكادُ أطرافُ الذاكرةِ المرهقَةِ، أنْ تتثَلمَ لتهوي بها. كانت شخصيةً تغتصبُ زيَّ شرطيٍّ، مُدليةً بكرشٍ طارئةٍ، تفضُّ بكارةَ الحُلُمِ، بغدٍ رائقٍ؛ هيَ بلا ريبٍ شخصيّةُ (سليمٍ). ورُبَّما أرعدَ في فضاءِ الألمِ المكبوتِ، مواءُ قطةٍ شرِهةٍ، شديدةِ المكرِ، تُدعى (نجمةُ).
*****
تداعى (حَسانُ)، على فراشِهِ الدثيرِ، بجانبِ (روعتِهِ)، بعدَ نهارِ عملٍ مرهِقٍ بدنياً، وأفكارٍ مُهِلِكَةٍ نفسياً، وبيَّنَ نارَهُ المتأججةَ:
– ما أشدَّ كُرهي لهذينِ المخلوقينِ؟!
قال ذلكَ، مخاطباً (روعةَ) المستلقيةَ بجانِبهِ، راكنةً رأسها على كتِفِهِ الأيسرِ، باسمةً، شُبهَ مغمضةِ العينينِ، تداعبُ بضعَ شعراتٍ، اشتعلنَ بياضاً، فوقَ صدرِهِ الواسعِ وِسعَ الكرمِ، غارقةً في حبٍّ لا قرارَ لهُ، بينما كانتْ قطراتُ مطرٍ خجلةً، تعزفُ معزوفةً هادئةً، على زجاجِ النافذةِ المطلّةِ، على شجرةِ التينِ الكبيرةِ، في الحديقةِ الهامسةِ بالحبِّ.
بهمسٍ مفرِطٍ في الدلالِ، قالت (روعةُ)، بدونِ أن تتركَ مداعبةَ الشيبِ الصارخِ بالوَقارِ:
– لا غفرَ اللهُ خطايا، الذين يستحوذون على اهتمامِكِ الساعة، سوى حبيبتِكِ.
ابتسم (حَسانُ)، وراحَ يدعكُ خصلاتِ شعرِها البنّيِ، حتى أردفتْ:
– لنْ يُجدي ذلكَ فتيلاً، فاغسل قلبك من أمثالِ هؤلاءِ المتعفنينَ، واعلم؛ أن النهايةَ ستكونُ صحيحةً، بلا ريبٍ.
كانتْ كلماتُ (روعةَ)، هادئةَ الوقعِ على شِغاف قلبِ (حَسانَ) المرهَقِ، معلّلةً لآلامِهِ التي تكابرُ على البوحِ، مخفّفةً لأحزانِهِ الثقيلةِ، فراحَ يتنهَّدُ بارتياحٍ وهو يقولُ:
– لقدْ طفحَ الكيلُ يا (رائعتي)!
– صبراً أيها الحبُّ، فدوامُ الحالِ من المُحال.
– ولكنْ… ما الذيْ عليَّ أنْ أفعَلُهُ الآنَ؛ ليهنأ بالي؟
– ما عليكَ إلا أنْ تشُدَّ الغطاءَ على كلينا، لننتقِمَ منَ البؤسِ بحبِّنا!
ترددّتْ ضحكةٌ، وهي تهزُّ قضبان نفسِهِ الحزينةِ، لتخرج متقطّعةً، وضحكتْ (روعةُ)، ضحكةً رنانةً، وشعرا كأنَّ الهمَّ قد انزاحَ عنِ العالمِ بأكملِهِ. وراحَ المطرُ ينهمرُ بإفراطٍ، لا مثيلَ لجودِهِ.
كانَ (جَوادُ) قد أفردَ مِساحةً واسعةً مِن حديقةِ الدارِ، ليبنيَ عليها دكاناً يديرُ مِن خلالِهِ أموالَهُ، وعلاقاتِهِ المنحرِفةَ، فهوَ الذي اعتادَ أكلَ الحرامِ، وشربَ الحرامِ، قد أدمنَ الحبَّ الحرامَ أيضاً، فأنشأ في زاويةٍ مِنَ الدكّانِ، ماخوراً خفيّاً صغيراً، حوى سريراً مُريحاً، وبعضَ المتاعِ، ولم يكنْ أحدٌ يعلمُ بهذا السرِّ المركونِ، سوى بضعَ نساءٍ، كُنَّ قدْ سجَّلن ذكرياتٍ فيهِ، على فتراتٍ متباعدةٍ، وكانت آخرُهنَّ قد أصرّتْ، على تدوينِ مجلداتٍ، في هذا الماخورِ، (الممتعِ حد الموتِ)، حسْبَ تعبيرِها. هي التي قالتْ لهُ، ذاتَ حرامٍ:
– كانت المتعةُ ستكونُ ألذَّ، لو أنَّها كانت في بيتِكَ هذا!
وهيَ تقصِدُ البيتَ، الذيْ يقطنهُ (حَسانُ) و(روعةُ). حينها ردَّ عليها (جَوادُ)، بندمٍ حاولَ جاهداً إخفاءَهُ:
– تأجيري هذا البيتِ، لصديقِ طفولَتي (حَسانَ) مجاناً؛ ربَّما هي الحسنةُ الوحيدةُ، التي سأقابلُ بها ربيَ.
وتداركَ مصححاً، بعد أن رشفَ رشفةً من كأسِهِ، وابتسمَ على مضضٍ:
– هي ليست مجاناً بمعنى الكلمةِ، بل ليحافِظَ لي عليها، ويحرسَ الدكّانَ، مِن كلابِ المنطقةِ.
*****
ذاتَ ليلةِ، استيقظتْ (روعةُ) مفزوعةً إثرَ سماعِها صوتاً مريباً:
– (حَسّانُ)… (حَسّانُ)… استيقظْ يا حبيبيَ… أسمعُ صوت طرقاتٍ، على بابِ دكانِ (جَوادٍ).
وثبَ (حَسّانُ) من فِراشِهِ؛ كليثٍ دُكَّ عَرينَهُ، بعدَ أنْ أصخى السمعَ، وتأكدَ مِنَ الصوتِ، وأسرعَ يحملُ بيُمناهُ عصاً غليظةً، كانَ قدْ أعدَّها لمثلِ هذهِ المواقفِ، وراحتْ (روعةُ)، تحفُّهُ بالدعاءِ، رافعةً يدينِ مرتجفتينِ، زامَّةً شفتينِ مُرتعشَتينِ.
بهدوءٍ دَلفَ (حَسانُ)، مِن فَرجٍ في البابِ أحدثَهُ اللصُّ، على قَدْرٍ، يسمحُ بالكادِ، لرجلٍ متينٍ أنْ يلجَ منهُ، وفي ظُلمةٍ دامسةٍ، كانَ بصيصُ ضياءِ المصباحِ اليدويِّ، يتراقصُ في يدِ اللصِّ المُلثَّمِ وهوَ منحنٍ، على دُرْجِ الدَخْلِ، وَجِلاً ممَّا قدْ ينتظرَهُ، فَرِحاً بما وجدَهُ، ولمْ تكنْ سِوى وَكزةٍ بين كتفيهِ، مِن عصا (حَسانَ)، سلبتْ منهُ وعيهُ وطرحتهُ جانباً.
بجانبِ (جَوادٍ)، كان (حَسانُ) يجلسُ، في مكتبِ نقيبِ الشرطةِ (عَمَّارٍ)، بَعدَ أن أدلى بشهادَتِهِ، وأمضى عليها. ولمْ يكنِ النقيبُ (عَمَّارُ)، يجلسُ على كرسيِّهِ الرسميِّ، بلْ كانَ يُجانبْهُما في جلستِهِ، احتراماً منهُ لـ(حَسانَ)، الذيْ كانَ ذاتَ دولةٍ، مسؤولُهُ المباشرُ، في أحدِ مراكزِ الشرطةِ!
هيَ الأيامُ هكذا… تدولُ بينَ الناسِ، لترفعَ وتخفِضَ، وتُعزَّ وتذلَّ، وتبنيَ وتهدمَ، ولكنها حتماً، في المعركةِ الأخيرةِ، ستنتصرُ للحقِّ.
يتفقَّدُ النقيبُ (عَمَّارُ)، أحوالَ سيِّدِ الأمسِ، وهو يلمحُهُ في ثيابِ خادِمٍ، فيقولُ:
– كيفَ هيَ الأمورُ معكَ، يا سيديَ؟
– عفواً، أيُّها النقيبُ… بحمدِ اللهِ، إنها تسيرُ كيفَما اتَّفَقَ.
إثرَ تنهيدةٍ مقتضِبةٍ، وإطراقةٍ يائسةٍ، قالَ (عَمَّارُ):
– أتمنَّى لكَ الراحةَ، في هذا الزمنِ المُتعِبِ.
– أرجو ذلكَ.
أكمل المفوضُ (سليمٌ)، كتابةَ مَحضرِ التحقيقِ، وهَمَّ بالمُغادرةِ، وهوَ يقولُ للنقيبِ (عَمَّارِ):
– هل تأمرُني بشيءٍ يا سيديَ؟
– أكمل الإجراءاتِ، ليُرَحَّلَ المتهمُ إلى المديريةِ.
– أمرُكَ يا سيديَ.
قالَها، وهوَ يرمُقُ (حَسانَ) بحقدٍ، يكادُ يتقافَزُ من عينيهِ، ويتمنَّى لو يزِجَّ بهِ، في غياهِبِ السجونِ، ولوْ لمرةٍ واحدةٍ. ولو لساعةٍ واحدةٍ. إنَّها أمنيةٌ لا تكادُ تفارِقُ قلباً، ينبضُ لؤماً، قلباً، لمْ يعرفَ لحظةًً، معنى الامتنانِ والشكرِ!
شكرَ (جَوادُ)، (حَسانَ) كثيراً، بعدَ أنْ خرجا مِن المركزِ وقالَ:
– لولاكَ لكانَ الحالُ غيرَ الحالِ، يا صديقيَ.
– لا يا أخيَ… فقدْ قدَّرَ اللهُ تعالى، لمالِكَ الحِفظَ. وما أنا، إلا سببٌ مِنَ الأسبابِ.
وضع (جَوادُ) يدَهُ على كتِفِ (حَسانَ)، وهو يعتصرُ دمعةً في مقلتيهِ، كانتْ مِنْ فُتاتِ أطلالِ ضميرٍ، عاشَ في قلبِهِ ذاتَ حياةٍ.
*****
عششَّ الوجومُ والذهولُ، على النقيبِ (عمارِ)، وهو يصغي السمعَ، إلى ما يقولُهُ المفوّضُ (سليمُ)؛ وانتابتهُ نزعةٌ عصبيةٌ افقدتهُ التحكُّمَ بأقوالهِ:
– أيها الوغدُ… ما الذي تقولُه؟
– انتبه لألفاظِكَ يا سيديَ… فقد تغيَّر الزمنُ، وبوسعي الآنَ، أنْ أشتكيكَ، على تجاوزِكَ عليَّ. ولكنني أسامحُكَ؛ لأنّني أعلمُ منزلةَ صديقِكَ (حَسانَ)، في قلبِكَ. ثَمَّ لستُ أنا مَن يقولُ هذا، إنّهُ المتهمُ القابعُ خلفَ القضبانِ، وما عليكَ؛ إلا أن ترسلَ في طلبِهِ؛ لتتأكدَ من أقوالِهِ.
– جئني بهِ حالاً.
حالُهُ كانَ مختلفاً هذهِ المرَّةِ، فهو ينفثُ زهواً، مختالاً بمنْ حولَهُ، حتى إنه، لفرطِ زهوِهِ، جلسَ على أحدِ المقاعدِ، دونَما استئذانٍ؛ فنهرَهُ النقيبُ (عمّارُ):
– قمْ… فلم آذنَ لكَ بالجلوسِ.
زمَّ المتهمُ شفتيهِ بازدراءٍ، وانتصبَ واقفاً، وقال:
– نعمُ يا سيديَ.
– لماذا، غيّرتَ إفادتَكَ؟
– لمْ أشأ أنْ افضحَ الإمرأةَ أولَ الأمرِ؛ فأدليتُ بخلافِ الحقيقةِ، ووافقتُ الشاهدَ على أقوالِهِ؛ حرصاً منيَ، على سمعةِ السيدةِ.
أسندَ النقيبُ (عمّارُ) يديهِ، على المنضدةِ، وهو يقِفُ محنيَ الظهرِ، وقال:
– أوضِح.
ابتسمَ المتَّهمُ بمكرٍ، وسألَ:
– على المكشوفِ.
– هاتِ ما عندَكَ.
– كنتُ على موعدٍ غراميٍ، معَ السيدةِ (روعةَ)، وحينَ أحسَّ زوجُها (حَسانُ) بوجوديَ؛ تداركتُ الموقفَ، فتظاهرتُ أنَّني لصٌ؛ حِفاظاً منيَ، على سُمعةِ السيدةِ.
ثُمَّ نظرَ إلى سقفِ الغرفةِ، وأضافَ:
– أمَّا وقد اُتَّهَمُ بالسرقةِ رسمياً، فهذا ما لا يرضاهُ أحدٌ، وبإمكانِكِ أنْ تتحرى عن الأمرِ.
ابتسمَ بخبثٍ وأردفَ:
– بطرقِكَ الخاصةِ.
ثُمَّ رفعَ رأسَهُ، وهو يقولُ بلكنةِ تهديدٍ:
– هذهِ إفادتيَ التي سأدليْ بها أمامَ القاضيَ.
قضى النقيبُ (عمارُ)، وقتاً طويلاً، وهو يرمقُ المفوضَ (سليمَ) بنظرةٍ متفحصةٍ، ثُمَّ تنهَّدَ متفكراً، وقالَ لهُ:
– إياكَ أنْ تكونَ لكَ يدٌ، في كلِّ هذا.
– أنا… أعوذُ بالله.
أجابه (سليمُ)، وهو يقطّبُ جبينَهُ، ويبسمُ خِفيةً.
*****
ابتسم (حَسانُ)، بثقةٍ مفرَطةٍ، وهو يقرأ الإفادةَ الجديدةَ للّصِ، إذْ لمْ يجدَ النقيبُ (عمارَ) الجرأةَ، لمحادثتِهِ بالأمرِ المُفجِعِ. لملمَ (حَسّانُ) الأوراقَ، وناوَلَها تلميذَه المطرقَ خجلاً، وقالَ:
– برغمِ محاولاتِنا أنْ لا نتَّسِخَ، ونحنُ نعيشُ وسطَ الجيفِ، تنالُ منّا رائحتُها النتنةُ، وما علينا، إلا أنْ نحتملَ ونحتسبَ… حسبُنا اللهُ، ونِعْمَ الوكيلُ.
– بإمكانِكَ أنْ تقاضيَهُ، وتتثبِتَ كَذِبَهُ.
– مَثَلُ بعضِ الخصومِ يا صديقيَ، كمثلِ الصراصيرِ، لا يلزُمهمُ أكثر من كُعوبِ الأحذيةِ لسحقِهمُ.
قال كلماتِهِ الأخيرةِ، وهوَ يقفُ إزاءَ المفوضِ (سليمِ)، ثُّمَ وجَّهَ كلماتٍ مبحوحةٍ لـ(جَوادِ)، الذي كانَ لا يحيرُ جواباً:
– أرجو منكَ أنْ تتنازلَ عنِ القضيةِ، يا صديق.
فابتهجَ (سليمُ)، بنجاحِ خطتِهِ القذرةِ، بينما هامَ (حَسانُ) يردّدُ:
– حسبيَ اللهُ ونعمَ الوكيلُ… اللهُ حسبيَ ويقينيَ.
أيقنَ (حَسانُ) أنَّ (سليمَ)، هوَ من نصبَ لهُ هذا الشَّرْكَ، وهو الذي أنبتَ هذهِ الفكرةَ الشيطانيةَ، في عقلِ اللِّصِ، الذي يبدو ساذَجاً؛ ثم سقاها مِنْ نبعِ كُرهِهِ الدفينِ لـ(حَسانَ)، الذي يمثِّلُ عقدةَ التاريخِ، في نفسيةِ (سليمِ)، المفتَقِرةِ لعَراقةِ المهنةِ، التي يتمتَّعُ بها (حَسانُ)، برَغمِ هجرِهِ لها. وكأنها حبيبةٌ، ما زالَ يضمِرُ لها عشقاً فيَّاضاً، على الرَغمِ مِنِ ارتباطِها بشخصٍ آخرٍ، ليسَ لهُ حتى في هامشِ الحياةِ، مكانةٌ. وعَلِمَ (حسانُ)، أنَّ الحقدَ، الذي يموجُ في قلبِ (سليمِ)، والذي أنالَهُ بضعةَ آلافٍ مِنَ اللِّصِ، تكريماً لهُ، على عبقريةِ الخطةِ؛ لا بدَّ مهلكَهُ ذاتَ شرٍّ، وقرَّر، مراعاةً لمشاعر زوجتِهِ الحبيبةِ البريئةِ (روعةَ)، أن يتكتَّمَ على هذه الفَريَّةِ، ويدفنَ خبرها، في غياهبِ نفسِهِ المُثقَلةِ أحزاناً. وأيقنَ بإيمانٍ مطلقٍ، أنَّ إرادةَ اللهِ تعالى، تعلوَ فوقَ الجميعِ، وعقابَهُ يدكُّ مَنْ يخطوَ الحدودَ.
*****
– حدودُ جسدُكِ ملتهبةٌ تفتِنُ التقيَّ فتجعلُهُ شيطاناً مارداً!
كانتِ الفتاةُ تستمعُ إلى كلماتِ (جَوادٍ)، مبتسمةً، مدبرةً، مسدلةً ملاءَتها، على ذراعِها اليسرى، لتكشِفَ عنْ ثوبٍ ألصقهُ العرقُ، على جسدٍ يطفحُ أنوثةً مسترخيةً، واشتهاءً متوثِّباً، وراحتْ تتفحصُ علبَ الصابونِ السائلِ المرفوفةِ أمامها، في دُكانِ (جَوادٍ)، محاولةً تارةً، أنْ تقرأَ ما دُوِّنَ على البعضِ منها، بحركاتٍ استعراضيةٍ، وأن تشمَّ عطرَ البعضِ الآخرِ، تارةً أخرى، لاختيارِ الأنسبِ من بينِها. وقدْ عَلِمَ (جَوادُ)، بخبرتِهِ المتراكمةِ؛ أنَّ هذهِ الشابةَ، لا تجيدُ القراءةَ، أو لا تكادُ، بيدَ أنَّهُ وجدَ راحةً كبيرةً، لتظاهُرها بالثقافةِ، وهو يمعنُ النظرَ، في بضاضةِ جسدِها، وقالَ مستدرجاً:
– ألم يُعجِبكِ شيءٌ يا سيدتي؟
لفتتْ رأسها نحوَهُ، رافعةً حاجبيها بغنجٍ، وسألتْ:
– وما أدراكَ، أنني سيدةٌ؟
أجابها بلكنةٍ تنُمُّ عنْ دهاءٍ عتيقٍ، وهو يبتسمُ:
– بعضُ النساءِ، خُلقنَ لنناديَ عليهنَّ بهذا اللقبِ، ولا يجوزُ النداءُ بسواهُ.
ابتلعَ ريقََهُ قبلَ أنْ يُضيفَ:
– هُنَّ سيداتٌ رُغمَ الأنوفِ… أضيفي لذلكَ الخبرةَ يا سيدتي.
ابتسمَ، وأردفَ يهزُّ رأسَهُ؛ مؤكداً:
– الخبرة.
– اسمي (وفاءُ)، وأنتَ… ما اسمك؟
– (جَوادُ)… جَوادٌ جَداً.
واستدركَ بعدَ أنْ خَمَّنَ وهميَّةَ اسمِ (وفاءٍ) هذا:
– أوْ سمّني ما شِئتِ يا سيدتيَ الجميلةِ.
استدارتْ، وقالتْ بلهجةٍ جادةٍ، نابعةٍ مِنْ قلبٍ، مكثَ فيهِ الألمُ عمراً:
– ما في جعبتِكَ ليَ يا (جَوادُ)؟
– كلُّ ما تشتهيهِ أميرةٌ واعدةٌ، مِن شعبٍ خارجٍ مِن أزمةٍ.
خرجتْ (وفاءُ)، من دكانِ (جَوادٍ)؛ محملةً بأكياسٍ ملأى، باحتياجاتٍ منزليةٍ. وقطعاً، هيَ لمْ تدفَعَ ثمنَ أيَّ شيءٍ، من جيبِها، لكنَّها، حتماً، ستدفعُ ذلكَ، من جيوبٍ أخرى: (مساءَ اليومِ)، كما وعدتهُ بذلكَ، بعدَ أن اختلستْ نظرةً خاطفةً، على الماخورِ الصغيرِ، الذي أسمتْهُ، مِنَ النظرةِ الأولى: (عُشَّ الحبِّ… ما أروعَهُ)، تنويهاً منها، بأنَّهُ سيكونُ ملاذَها اللاحقَ.
*****
بلذةٍ مُسعِدَةٍ، أوفتْ (وفاءُ) بما وعدتْ. فها هيَ مسجاةً، تلفظُ أنفاسَ الانتعاشِ، بجانبِ (جَوادَ)، الذي راحَ يمرِّرُ يدَهُ، بعدَ أن هدأتْ عاصفتَهُ، فوقَ تضاريسِ جسدِها، العائدِ تواً من ثورةٍ، تفوحُ مِنْ مساماتِهِ رائحةُ حربٍ ضروسٍ، فانشدَ:
– (كشلاَّلِ قهوةٍ
ينسابُ شعرُكِ البُنِّيُ…
يُترِعُني عِشقاً بحنينْ
يتسلَّقُ جبلينِ أشمَّينْ
تركتُ أعلى قمَّتِيهِما
قبلةً جاثمةً… قُبلتينْ
ويهبِطُ غَوراً ملتهِباً
أطفئتُ نارَهُ بلهيبيْ
ذاتَ حريقٍ مميتٍ
لعلِّيَ استطعمُ الحياةْ.).
– آه……. ليتنيَ كنتُ التقيتكَ قبل أنْ أتزوّجَ.
– ما الذيْ كنتِ ستفعلينَهُ؟
– لم تكُنْ لتفلتَ مِنْ يديَّ.
– لا فرقَ سيدتي… فالحبُّ يجمُعنا اللحظةَ، لا تتركينيَ أفلتُ بعدَ اليومِ.
– أبداً… أبداً يا حبيبيَ.
قالتْ (وفاءُ) ذلكَ، وقد التفَّتْ على (جَوادِ) كأفعى انقضَّتْ على فريسَتِها، لتلتهِمَها الالتهامَ الأخيرَ.
*****
– أخيراً سأذهبُ.
بحزنٍ بائنٍ، قالتْ (وفاءُ) ذلكَ، وهيَ ترتديْ ملابسَها، ثُمَّ أضافتْ بشيءٍ من الأملِ:
– أرجوَ أنْ نلتقيَ قريباً فقد أحسستُ معكَ بروعةِ الحبِّ، كنتَ تُطعمنيْ حبَّكَ ببطءٍ شديدٍ، أتمكَّنُ معهُ مِنْ أنْ أتذوَّقَ طعمَهُ الممتِعَ، لا أذكرُ أنَّنيَ ذُقتُهُ قبلَ اليومِ، بهذا الطعمِ اللذيذِ؛ طعمِ الحياةِ.
– يا حياتي… إنَّها البدايةُ فقطُ، وما سيأتيَ ألذُّ وأمتعُ.
نهضَ (جَوادُ) مِنْ سريرِهِ باحثاً عنْ ساعتِهِ اليدويةِ وأعلنَ:
– إنَّها السادسةُ، سأذهبُ لآتيكِ بفطورٍ، يعيدُ إليكِ شيئاً مِنَ الطاقةِ، فقدْ أبليتِ بلاءً حسناً يا مولاتيَ.
– سيعودُ زوجيَ عندَ العاشرةِ؛ يجبُ أن لا أتأخرَ.
– لا تقلقيْ… ما هي إلاَّ دقائقَ معدوداتٍ.
ابتسمتْ (وفاءُ) بارتياحِ مَنْ وجدَ ضالتَهُ، وهيَ ترقُبُ (جَوادَ)، الذيْ راحَ يطبعُ على جبينِها قبلةً هادِئةً، يملؤها الاحترامُ، فهوَ يُحسِنُ اختيارَ الوترِ الحساسِ، ليعزفَ عليهِ، ويُرَقِّصَ المشاعِرَ.
أدارَ (جَوادُ) محركَ مركبتِهِ، الذيْ بدا صوتُهُ أعلى مِنَ العادةِ، أو هكذا خالَهُ (جَوادُ)، الذي أخذتْ خمرةُ المساءِ مأخذَها منهُ، وانطلقتْ بهِ المركبةُ مُسرِعةً، صوبَ مركزِ المدينةِ؛ ليجلبَ الفطورَ الشهيَّ، ولكنَّ ناقوسَ القدرِ، كانَ قدْ قُرعَ، ليُعلنَ نهايةَ هذا الانحدارِِِِِِ، في قرارةِ هَوَّةٍ سحيقةٍ، حيث تتراكمُ الجيفُ النتنةُ، بأكوامٍ خياليةٍ، خارجةٍ عَن تصوُّراتِ الواقعِ.
*****
وقعَ الحادثُ بسرعةِ البرقِ، فقد تريّثَ الرجلُ الثالثُ، بينما حثَّ صاحباهُ الخُطى، وهُما يحاذيانَ الموتَ في عبورِ الشارِعِ، من أمامِ مركبةِ (جَوادِ) أو لعلَّ الموتَ، هو الذي اختارَ شخصاً بائساً، قاصداً مُلتقى العُمالِ، يرومُ الحصولَ على فرصةِ عملٍ مُبكرةٍ، عساهُ أنْ يعودَ عصراً؛ بشيءٍ مِنَ الطعامِ الرخيصِ لعيالِهِ. ولكنَّهُ لنْ يعودَ؛ فقدْ ماتَ مِنْ حينِهِ، وخلَّفَ أرملةً وأيتاماً، وربَّما رافقتهمْ أمٌّ ثَكلى أو أبٌ مفجوعٌ. كَمْ مِنَ الضحايا قذفتها ليلةٌ حمراءُ، في جوفِ الحياةِ، ليلةٌ فاحتْ بكأسٍ، وحبٍّ، وأجساد عاريةٍ، لتُشرقَ صبيحةٌ تمورُ بجثَّةٍ مضرَّجةٍ بالدماءِ، وبطونٍ جائعةٍ، وخدودٍ دامعةٍ.
دمعتْ عينا (جَوادٍ)، وهو واقفٌ أمام النقيبِ (عمَّارٍ)، خائرَ القوى، معدومَ الحيلةِ، ينتظرُ المجهولَ، الذي يقيِّدْهُ المفوض (سليمُ)، بقلمٍ مرتبكٍ، على ورقةٍ، لا يبينُ منها غيرَ الحبرِ الأسودِ.
– أتقودُ المركبةَ وأنتَ مخمورٌ يا (جَوادُ)؟
ظلَّ (جَوادُ) مُطرقاً في الأرضِ، يحيرُ جواباً، بينما النقيبُ (عمَّارُ)، يحث (سليمَ) المفوَّضَ، على الإسراعِ، ليرحِّلَ المتهَمَ إلى المديريَّة مع الأوراقِ.
مكبَّلَ اليدينِ، شاردَ الذهنِ، جلسَ (جَوادُ) بجانب شرطيٍ، في المِقعدِ الخلفيِ، وراحَ (سليمُ) الجالسُ أمامَهُ يسألُهُ:
– ما الذي أخرجَكَ في هذهِ الساعةِ المبكِّرَةِ يا (جَوادُ)؟
تمتمَ (جَوادُ) بصوتٍ مبحوحٍ:
– خرجتُ لكي… لكي….. يا إلهي؟!
لقدْ أنستْهُ المصيبةُ، مصيبةً أخرى، تقبعُ في دكانِهِ؛ فصاح:
– (سليمُ)… أريدُ أن أهمسَ لكَ بشيءٍ.
أظهرَ (سليمُ) عدم تقبُّلِهِ للأمرِ، أمامَ السائقِ والحارسِ، فقالَ بصوتٍ عالٍ:
– ليسَ مِن سرٍّ بينيْ وبينَكَ يا (جَوادُ)؛ تحدَّثْ بصوتٍ مسموعٍ.
– عليَّ أنْ أعرِّجَ على دكانيَ، ولوْ لدقيقةٍ واحدةٍ.
– مستحيلٌ… نحنُ متجهونَ صوبَ المديريةِ.
همسَ (جَوادُ) في أذُنِ (سليمٍ):
– الأمرُ حساسٌ جداً، وسأدفعُ لكَ ما تريدُ.
فركَ (سليمُ) ذقنَهُ، وقالَ بصوتٍ خافتٍ:
– كمْ معكَ؟
– خمسونَ ألفَ دينارٍ.
– ها… مستحيلٌ… إلى المديريةِ أيُّها السائقُ.
ازدردَ (جَوادُ) ريقَهُ وهمسَ:
– في الدكانِ قُرابةُ المائةِ ألفِ دينارٍ.
– استدرْ أيها السائقُ.
ثم أردفَ يهمسُ لـ(جَوادٍ) وقدْ قطَّبَ حاجبيهِ:
– ماذا تخبئ في الدكانِ؟
اخفضَ (جَوادُ) صوتَه، وراح ينبسُ لئلا يسمعَ السائقُ، الذي حاولَ التقاطَ السمعِ جاهداً؛ فابتسمَ (سليمُ) ابتسامةً ماكرةً، وهوَ يُنصِتُ، ولمعتْ عيناهُ، وفركَ كرشَهُ وقالَ:
– ما دامَ الأمرُ هكذا… فسوفَ نُعدِّلُ الاتفاقَ.
أجابَهُ (جَوادُ) الذيْ أذهلَهُ جشعُ الخبيثِ:
– ماذا أيضاً؟
– عشرُ دقائقَ، أرتاحُ فيها داخلَ الدكانِ.
– ماذا؟ هلْ جُنِنتَ؟ لستُ مَنْ تظُنُ.
– هلْ نذهبُ إلى المديريةِ، أمْ إلى الدكانِ؟
أغمضَ (جَوادُ) عينيهِ، وهوَ يُدركُ أنَّ صبرَهُ، لا يستوعِبُ حجمَ الكارثةِ، التي ألمَّتْ بهِ. كيفَ سيفتحُ بابَ الدكانِ، على (وفاءِ)؟ ليدخلَ عليها برَجُلٍ جشعٍ بشعٍ، دونما مُقدماتٍ، يريدُ أنْ يفرغَ حيوانيتَهُ فيها، دونَما مراعاةٍ لإنسانيتِها. كيفَ ستنظرُ إليهِ، إذا ما التقتْ عيناهُ بعينيها؟ هوَ الذي كانَ قبلَ ساعاتٍ، شاعراً يتغزَّلُ بها، ويُداعبُها، ليأتيَها بفَطورٍ لذيذٍ، يردُّ عليها بعضَ ما فقدتهُ مِنْ قوةٍ، بينَ ذراعيهِ. ها هوَ يعودُ إليها قَواداً، يقودُ قذراً، أو يقودُهُ قذرٌ، بتحديدِ الأدوارِ.
– ماذا قلتَ؟
قطعَ عليهِ (سليمُ)، ثورتَهُ المنطقيةَ الخائبةَ، ضدَّ الواقعِ؛ فلمْ يحرِ جواباً، إلا أنْ قالَ قاطعاً:
– إلى الدكانِ.
لا يهمُّ… إنْ أصبحَ اسميَ في نظرِ (سليمٍ)؛ قواداً، بدلاً من (جَوادٍ)، فالمهمُ؛ أنْ تخرجَ (وفاءُ)، قبلَ عودةِ زوجِها، وافتضاحِ أمرِها، فالساعةُ قاربتِ العاشرةَ، موعدُ عودةِ ذلكَ المسكينِ، المتلهِّفِ لأحضانِ زوجتِهِ الوفيةِ، (وفاءِ). ولكنْ… ربَّما يستغلُّ (سليمُ)، المرأةَ لاحقاًً؛ لينالَ منها ما يريدُ، أو يشهِّرَ بسمعتِها… سمعتُها… وهلْ لهؤلاءِ مِنْ سمعةٍ؟
تذكَّرها، حينَ كانتِ ذاتَ ليلةٍ حمراءَ، تتلوَّى بينَ يديهِ كقطةٍ مدلَّلةٍ، وتقولُ:
– اكتبْ عنيَ قصيدةً؛ ما دمتَ شاعراً، يا حبيبيَ.
أجابَها حينَها:
– حينَ تستدرجُني القصيدةُ، تقتلُ كلَّ شيءٍ حوليَ خلسةً، وحين تكونينَ معيَ، تنتحرُ القصيدةُ علناً.
– أ تقصدُ أنَّكَ لا تستطيعُ النُظمَ معيَ؟
– مِنَ المعيبِ، أنْ نستعرضَ مهاراتِنا في القنصِ، ونحنُ نجالسُ غزالاً.
قطعَ (سليمُ) آخرَ أفكارِ (جوادٍ) الجميلةِ، وهو يقولُ لهُ أمامَ الدكانِ:
– هيَّا افتحِ البابَ.
*****
وقفَ النقيبُ (عمَّارُ)، أمامَ بابِ دكانِ (جَوادٍ)، وهوَ يتفقَّدُ الجثثَ الثلاثَ، ويستنطِقُ سائقَ المركبةِ والشرطيَّ الحارسِ، اللذَينِ كانتْ نوبةُ الفزعِ، لا تزالُ مخيِّمةً عليهِما:
– كيفَ حدثَ هذا؟
ردَّ عليهِ الشرطيُّ الحارسُ، مُتلعثِماً:
– نعَم يا سيديَ… ما إنْ فتحَ المتَّهمُ (جَوادُ)، بابَ الدكانِ، حتى راحَ يناديَ… نعَم يا سيديَ: (وفاءُ)… (وفاءُ)… نعَم يا سيديَ.
– وماذا بعدُ؟
– نعَم يا سيديَ… سحب المفوضُ (سليمُ)، مسدَّسهُ مِن جُعبتِه مفزوعاً، وكأنَّهُ عَرِف الإمرأةَ… نعَم يا سيديَ… وأطلقَ على صدرِها ثلاثَ رَصاصاتٍ، تلتها رصاصاتٌ أخرى، انطلقَتْ بينَه وبينَ (جَواد)، وقدْ تصارَعا… نعَم يا سيديَ… ثم كُتِمتْ أنفاسُ الثلاثةِ.
صمتَ النقيبُ (عمَّارُ) قليلاً، وهوَ يقرَأ بطاقةَ تعريفِ الفتاةِ التي وجدَها في حقيبَتها الشخصيَّةِ، وسألَ الشرطيَ:
– هل قلتَ أنَّ اسمُها (وفاءَ)؟
– نعَم يا سيديَ… هكذا نادى عليها المتَّهمُ (جَوادُ).
– ولكنَّ اسمُها الحقيقيُ، كما يبدوَ في البطاقةِ، (نجمةَ)!

شاهد أيضاً

ثرثرة مع الريح
لالة فوز احمد المغرب

عندما كنت قطة كانت كل الأيادي تمسد فرو ظهري وتقبلني /// عندما كنت فراشة كان …

عدنان الصائغ: علاقة سويدية..

تحدّثا عن الطقسِ والجنسِ والبطاطا وسترينبرغ شربا كثيراً نظرا إلى ساعتيهما بتكرار أبله علّقَ كعادته …

كولاله نوري: هل ستبقى طويلا بعد نهاية العرض؟

إلى: كل دكتاتور غادر ومن تبقّى منهم تُعَدِّد الفراغ وتحمِّل الكراسي كل هذا الخلوّ . …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *