حيدر عبد علاوي: الطريق الى المشنقة وعودة البطل السلبي

haidar-abed-allawi-2أنا رجل مسالم واحترم نظام السجن.
يوسف الباججي

رحم الله الكاتب الكبير محمد شاكر السبع ،ختم رحلته مع القصة والرواية ( توفي في كندا هذا العام) بعمل مهم يكاد أن يكون اعلان (عودة وعي )على الاقل ضد حكم ومسيرة مااصطلح عليه في تاريخنا المعاصر ( ثورة ) ،يطلق ابن الجنوب النار على ثورة وقائدها ونحن نعلم مالهذين الايقونتين ( الثورة وقائدها) من حرمة وهي من الخطوط الحمر،شديدة الحساسية، ولايمكن لكاتب ان يجرؤ على تخطيها …
رواية اقل مايقال عنها انها كتبت بحرفية عالية ،روعي فيها تواصل وتماهي بين الثيمة والسرد والبناء الفني من جانب وسلبية الابطال ولاارادتهم من جانب اخر …
تحكي هذه الرواية قصة العراق بين عامي ١٩٥٩-١٩٨٠ وهو زمن طويل شهد ثلاث انقلابات دموية ،فالبطل يوسف الباججي يندفع تحت تأثير الخمر( العرق) وتأجيج ( عبد القزم ص١٠٩)خارجاً من الخمارة لتصدمه صورة الزعيم عبد الكريم قاسم وهو يقف شامخاً باسماً امام الخمارة فما يكون من يوسف الا ان ينهال على التمثال بالسب والشتم والبصاق ،وبلحظة يجد يوسف نفسه بين يدي ضابط الامن الذي يحقق معه في دائرة امن العمارة ،ومنها بدأ المشوار تنقل يوسف من سجن الى توقيف على مدى اكثر من عشرين عاماً …

سلبية البطل يوسف ولا فاعليته لاتتجسد في شخصيته هو فقط بل هذه السلبية تطال كل اشخاص الرواية حتى المحامي الذي تنتدبه له ( محكمة أمن الثورة) والحوار الذي يدور بين المحامي ويوسف يلخص تلك السلبية بأجلى صورها، يتساءل المحامي :
والآن ؟
فيرد يوسف مستغرباً : والآن ماذا ؟
يجيب المحامي : ماذا علينا أن نفعل ؟
فيرد يوسف : لا أدري فأنا لست المحامي بل أنت .
هنا يبدو المحامي بلا فاعلية وسلبي وهو لايدري ماذا يفعل لوكيله الذي انتدب للدفاع عنه،والسلبية لاتقف عند هذا الحد بل هي تطال حتى البناء الفني للرواية ،فلا فصول محددة ،والسرد متصل ومتداخل والقارئ عليه ان يتابع الرواية من البداية حتى النهاية ،السرد موكل لراوي كلي العلم يتحكم بالاحداث والوقائع ولكنه يبدو سلبياً ايضاً بلغة واحدة متصلة لافصول ولاعناوين ،بل هي لوحات تفصل عن بعضها دوائر صغيرة ……mohammad shaker alsabe
كتبت الرواية ب (٢٥٠) صفحة من القطع المتوسط ،ببناء فني يعمل معادلاً موضوعياً لثيمة الاحداث وازمة الابطال السلبيين ،الذين تحركهم الاحداث وتتحكم بهم الظروف من دون ان تكون لهم – وخصوصاً – يوسف اي فاعلية او موقف كما ذكرنا او حتى رفض لما يجري عليه ،انه بطل جامد صامت ،بيدق شطرنج تحركه يد خارجة عن سلطته ،يوسف موقوف وتتناقله السجون وقضيته معلقة ومفتوحة ،زملاءه يصعدون للمحاكم فيحسم امرهم ،البعض يعدم والاخر يحكم بسنوات ينهيها ويخرج ويوسف مازال بلا مصير محدد ،بناء الرواية يشبه الى حد ما مصير يوسف مجهول تماماً وكذلك سردياً فإن الرواية تتعمد الاخلال بتوقعات السرد فعندما يقتنع ضابط امن العمارة بنصيحة احد منتسبي مكتبه بارسال يوسف الى الامن العامة والتي يقصد بها بغداد ،يظهر لنا باللوح القادم ويوسف مكبلاً ويقوده شرطي مأمور ومن خلال الطريق نكتشف انهما باتجاه البصرة ،وليس بغداد مقر الامن العام ،هذا الانزياح في التوقع يعكس لنا اننا في عالم كارثي عصي على التوقع والتنبؤ،فالمصائر مجهولة ،وربما في لحظة تغير قرار ضابط الامن وارسل يوسف الى المكان الخطأ ،ربما من يدري ،هل هذا هو عالم الثورة المنقذة ،ثورة الفقراء وجمهوريتهم الخالدة ،هاهو فقير من فقراءkh-mohammad-shaker-8 الثورة يسب الزعيم وهوسكران ولكنه يدفع حياته بالكامل ثمناً لذلك ،وقد ارتبكت المؤسسات الامنية من امن وشرطة وقضاء في تحديد هذه الجريمة وهل هي سب وقذف ام هي كما عبر احد منتسبي الامن سب وقذف رمز من رموز الدولة …هذا التماهي بين السرد والبناء الفني والابطال والذي يديره بمهارة راوٍ كلي العلم منح الرواية عنصر الدهشة والانتظار والتشويق والذي هو من اهم صفات العمل الروائي ،فالانتظار والشد لمعرفة الاسباب التي جعلت هذا الانسان يسجن ويظل سجيناً رغم ان اعداء عبد الكريم قاسم هم الذين حكموا وسيطروا على البلاد والعباد ،لماذا يضل يوسف الذي سب عبد الكريم يتنقل به من سجن الى اخر …ان الحكم الثوري والقائم على الشرعيةالثورية ولها مسميات كثيرة ومتداخلة وللاسف مازالت حتى بعد سقوط الانظمة الديكتاتورية وقيام الديمقراطية ،ولكنها ضلت تحكم العراق تحت مسميات اخرى ،المحاصصة والمكونات ولكنها بالنتيجة افرزت ادارة فاشلة ومتهالكة ،الرواية تحاول ان تقول ان الادارة الفاشلة والمبنية على اسس حزبية ضيقة ،وكذلك الثمن الجسيم الذي دفعته الاغلبية الفقيرة من العراقيين والتي هي الضحية بطبيعة الحال …وتحول البلاد الى حكم الفرد الديكتاتور والذي بالنتيجة حول البلاد والعباد الى كائنات سلبية محطمة كالحجارة
العمل الروائي خطير ومهم ،في بلد مثل العراق لاتستطيع ان تبوح بافكارك وانطباعاتك ،
خصوصاً في ما يتعلق بالامور التاريخية والدينية ولكن الرواية تمنحك مساحة واسعة للبوح والنقد واعادة النظر بما مضى من الاحداث ،وذلك ما مارسه الكاتب طيب الله ثراه محمد شاكر السبع …

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: صلاح زنكنه كائنات السرد الجريئة

كلما رأيت إليه، وجدته يتفحص مكونات وجوده التي تنقلت مثل عصفور مصاب من شدة حرب، …

صالح الطائي: التثقيف من خلال الترجمة؛ الدكتور علي عبد الأمير صالح نموذجا

منذ مراحل وعينا الأولى، وبدايات اهتمامنا بالقراءة؛ وموضوع الترجمة يشغل بالنا ويجلب انتباهنا، حتى أننا …

الأبعاد النفسية في رواية (عذراً… كوفيد 19 عائدون بلا أرواح)
للروائية أمل عبده الزعبي
الناقد/ محمد رمضان الجبور /الأردن

من الروايات الصادرة حديثاً ، والتي ترسم مشاهد الوباء والجائحة التي ألمّت بالعالم أجمع ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *