الرئيسية » نقد » ادب » أ.د. نادية هناوي سعدون: الناقد الدكتور محمد صابر عبيد؛ الاكتساب المعرفي في أوسع صورهِ

أ.د. نادية هناوي سعدون: الناقد الدكتور محمد صابر عبيد؛ الاكتساب المعرفي في أوسع صورهِ

nadia-hanawi-2*ناقدة وأكاديمية عراقية
ذهب الناقد الكبير الدكتور علي جواد الطاهر في كتابه الأثير (مقدمة في النقد الأدبي) وفي معرض حديثه عن شرائط النقد ومواصفات الناقد إلى أن الفطرة مهمة في امتلاك مؤهلات النقد جنبا إلى جنب الاكتساب العلمي إلا إن هذا التحديد النقدي قد يبدو ممكنا الأخذ به حين كان النقد الحديث يتأرجح بين عالم الإبداع وعالم التخصص والعلمية..
اما اليوم فاننا نشهد تخصصية هائلة ضيقت آفاق النقد المعاصر بالتحديدات العلمية الدقيقة والصارمة حتى غدا الاكتساب هو المؤهل الأساس والشرط الناجع الذي لا قسيم له لصنع ناقد بالمواصفات المطلوبة وبالأطر المنصوص عليها في أدبيات البحث وسياقات الدرس النقدي المعاصر..
أما الموهبة والتمتع بالفطرة الإبداعية فان مكانها الإبداع الفني بشتى صنوفه وأشكاله بما فيها الإبداع النقدي الذي هو ليس من النقد الأدبي بالمعنى المنهجي والاصطلاحي.
والتحديد في توصيف الممارس للعملية النقدية لا يسمح بان تكون الفطرة شرطا يوصل المرء لعالم النقد إذ لا بد من المداومة المكرسة بلا كلل والمراهنة بلا توان على الكسب المعرفي عبر القراءة المتخصصة والمتبحرة والعميقة.
والنقد في مختلف تعريفاته وفي جل توصيفاته ومحدداته ليس إبداعا لأنه ببساطة علم له مدارسه ونظرياته ومناهجه الموجهة توجيها فلسفيا ليس فيها للموهبة أي حضور لانها خارجة عن مسمياته وتوصيفاته .
وبناء على ما تقدم لا يغدو الاتصاف بالنقد أمرا هينا لأنه يتطلب اكتسابا ثقافيا واسعا يدرب الذهن ويوسع الإفهام ويربي الذائقة ويقوي الملاحظة ويسرع البديهة وبما يسهم حتما وبدا في تطوير الأساليب وتعزيز التعابير بالمداومة غير المنقطعة على القراءة والبحث والدرس سعيا نحو التحليل والتفسير والتقويم والوصف والاستبيان..الخ
وصحيح أن نقادنا القدماء كانوا قد وسَّعوا مؤهلات ممارس النقد الأدبي إلا إن سمة العلمية ظلت في مقدمة تلك المؤهلات حتى أنهم أطلقوا على ممارسي النقد ومن قبل أن يسموهم نقادا مصطلح( علماء الشعر).
ويفترض التقدم العلمي الهائل في ميادين النقد أن تظل العلمية والتخصصية رهانا صعبا لا يجعل التطلع للنقد إلا عند من عقد العزم على القراءة بلا توان وشمَّر عن ساعديه إخلاصا للنقد وحده لا لغيره ولاسيما في الميدان الجامعي الذي يشترط العلمية وحدها في البحث والدرس قراءة وكتابة مع ما تتطلبانه من الصرامة والحزم.. mohammad saber 2
وما تناسي الناقد لموهبته وما تعنيه من التفرد إلا إخلاص للنقد حفرا وتنقيبا وإيمان صميم أن الموهبة لن تشفع بديلا عن الاكتساب لأنها لو فعلت ذلك لكانت ألقت بصاحبها على تخوم النقد وحدوده ليجد نفسه واقفا عند قلاعه ناظرا إلى حياضه لكنه غير قادر على الولوج إلى معتركه أو اجتياز حدوده أو الخوض في غماره أو التطلع إلى ارتقاء قلاعه..
والسبب ببساطة أن النقد ليس عبارة عن تضافر الموهبة الإبداعية مع الاكتساب المعرفي بل هو هذا الأخير حسب ومن هنا يتضح مقدار العبء الذي ينبغي أن يحمله الموصوف بالنقدية كما تتبين فداحة الإيهام بهذا الوصف عند بعض الطارئين على الممارسة النقدية لا سيما الذين تبهرهم الشهادة العليا فتخدعهم أو تأخذهم نشوة برنامج أعدوه فنجحوا في استقطاب المشاهدين إليه في الزج بهم في متاهة هذا الوهم فيتصوروا أنهم نقاد وان لا حاجة لعد الاكتساب المعرفي شرطا وحيدا وكافيا لإضفاء صفة الناقد على إبداعهم متناسين أنهم لن يطالوا لقب الناقد إلا بعد مداومة أهم ملامحها الإخلاص للنقد لا لغيره.
وأن الموهبة والحوار ومعرفة طرق الكتابة وإتقان أساليب النقاش وطرح الأسئلة قد تفلح في صنع محاور موهوب أو مناقش جيد أو كاتب فذ أو باحث أديب لكنها لن تكون كفيلة بصنع ناقد أدبي.
وما التفرد بهمِّ الاكتساب العلمي والثقافي وتجاهل الموهبة بشتى أشكالها إلا إحدى علامات الناقد المبرز الذي يريد أن يكون متميزا وهذا ما نجد مثاله شاخصا جليا في الناقد الدكتور محمد صابر عبيد الذي لم تطغ موهبته الشعرية على نتاجه النقدي كما لم يكن نتاجه النقدي موصولا بالموهبة، بل كان هو الناقد الذي لم يدع الموهبة تتفوق عنده على نزعة الاكتساب المعرفي ولهذا عدها تالية مقدما النقد شكلا ومحتوى حتى تماهى فيه ظاهرا وباطنا. kh mohammad saber 5
وليس خافيا ان للدكتور محمد صابر عبيد موهبة شعرية أصيلة ومبدعة منطلقا كأي شاعر آخر من آفاق رحبة لا تعرف محددات أو اشتراطات، دائرا بحرية في عوالم الشاعرية غير آبه بما تختزنه ذاكرته من ضوابط نقدية تخص الشكل أو المضمون فكان الشاعر لا الشاعر الناقد..
وهذا الفصل ما بين الإبداع والعلم قد لا يتصف به إلا قليل من الذين أدركوا حدود المنطقتين فتحركوا بينهما بوعي وإرادة دالتين وبشكل مقصود وتلقائي معا .
وهكذا لم تنعكس الأكاديمية على شعره فتحد من انطلاقاته الإبداعية كما لم تقف العلمية النقدية حجر عثرة أمام تحركات مخيلته الشاعرية..
وغالبا ما يجد المتابع للمنجز الشعري للدكتور محمد صابر عبيد أن هناك احترازا معرفيا دائما من ان يؤثر النقد على الشعر أو ان تنتقل عدوى الشعر إلى النقد..
ولعل هذا ما يجعل الكتابة عن منجز ناقد مسيرته كمسيرة الدكتور محمد صابر عبيد ليست يسيرة فقد كتب وألف، حتى اعتلت كتبه مختلف رفوف المكتبات العامة والخاصة والجامعية ونشر حتى عرفت كتاباته مختلف دور النشر العربية ..
ولم يقف قلمه عند حد بعينه أو جنس أدبي معين بل طالت نظراته الشعر والسرد ومرقت على المسرح والتشكيل ودخلت أغوار الفنون الأخرى، فبنت له منجزا أكاديميا طويلا حافلا بالبحوث المحكمة والمناقشات الجادة والخبرات العلمية المتصفة بالعمق والأصالة مع مشاركات مستمرة وحثيثة في أغلب المؤتمرات العلمية العربية والملتقيات والندوات والمهرجانات ذات الصلة بالنقد الأدبي. kh-mohammad-saber-3
ولم يبخل قلمه عن إفادة الدارسين بطروحات النقد وتنظيراته فدرس على يديه عديد من الطلبة الذين صار أغلبهم نقادا أدبيين طيلة العقود الثلاثة والنيف والى اليوم وهو يمد الدرس الجامعي بكل ما هو جاد ومثابر.
وهو الذي لم يهادن على حساب اختصاصه وعمله الأكاديمي فلم ينج من نقده متشبه بالنقد أو طارئ عليه كما لم يظفر بوده ويحصل على إشادته ويستطيع لفت انتباهه إلا من عرف النقد حق المعرفة فاستغرق في عوالمه واخلص له انطلاقا من مسلمة أن التضحية لا يعرفها إلا المضحون كما أن شعاب مكة لا يعرفها إلا أهلها..
وكانت دربته الطويلة ومرانه المستمر وحنكته وذكاؤه قد أمدته باحتراف نقدي عال ومهنية نقدية قل نظيرها كما زودته بأدوات نقدية مميزة وأصيلة لا يمتلكها إلا من أوتي حظا في ارتياد آفاق القراءة والكتابة فعرف ماذا يعني أن يوسم المرء بأنه ناقد ؟ وكم ينبغي ان يبذل ويجاهد في سبيل ذلك؟ وما طبيعة التضحيات التي ينبغي ان تدفع ويُضحى بها ؟ وكيف يستطيع المرء انجاز مشروع يكرس حياته من اجله جنديا في محرابه ليصير جل عمله وإنتاجه منصبا في مساربه منقادا إليه طوعا واختيارا..
وهو الناقد الذي لم يدخر وسعا وهو يقتفي اثر المنهجيات ويتجول بين أشكالها المتطورة والمتغيرة سائرا معها متجددا بسببها فلم يخدعه منهج ما، كما لم ينشد لمنهج بعينه متقوقعا فيه ، ولم يرهبه منهج فيردعه عن استعماله والتطبيق على وفقه، وهو الذي واكب جديد النظريات جميعها على اختلاف درجات تعقدها وصعوبتها متصيدا سمينها ومتحينا الفرصة للانقضاض على غثها وهكذا تنقل من منهجيات خارجية إلى منهجيات داخلية ونصب شراكه للإيقاع بما استجد من منهجيات ما بعد نصية متجولا بحرية وقصدية بين آفاقها عارفا طبيعة ما تعرضه من مواضعات وتقانات مدركا ما تخبئه من تمظهرات وما تداريه من هنات وسلبيات..
ومثلما كان مع المنهجيات والنظريات غير منحاز فكذلك كان مع المذاهب الأدبية يراوح بين الاحتدام والتماهي غير منقاد لواحد منها، فدخل معتركها وأولع بكلاسيكيها سواء السائر على وفق اتباعية أرسطية أو الذي تطلع إلى ابتدعية كلاسيكية جديدة بإزاء المحاكاة المعتادة..kh-mohammad-saber-2
ولم يمنعه ذلك من أن يطرق باب الرومانسية معجبا بتنويرتها ليلج منها إلى الواقعية التي وقف بهيبة وجلال أمام صورها وتحشيدية أشكالها مودعا لها في تلافيف وعيه فرأى الأدب بعين والواقع بالعين الأخرى..
وتخطى مدارات الواقعية وصورها داخلا منطقة الرمزية مولعا بغموضها وغرابة توظيفاتها الحسية واصلا إلى السريالية منبهرا بتقاطعاتها وفلسفة الأضداد فيها …وما توانى بعد ذلك كله من النظر بامتداد إلى مزيد من المذاهب التي تعمق النظر النقدي وتشحذه بالطاقة المتجددة والنامية.
ومما وشح اكتسابه المعرفي بالعمق ووسمه بالتحرر هو احترافه لعالم القراءة المتخصصة كعامل مهم في إمداده بالخبرة في ميدان الكتابة الأكاديمية وهو الذي حدد أنماط القراء وبين إمكانيات كل واحد منهم وشخَّص ما يعتمل في عالم النقد وما بعد النقد من ميكانيزمات وتحولات على صعيد التنظير وأساساته أو على مستوى التطبيق ومواده، فكان ناقدا تنظيريا وتطبيقيا سبر أغوار الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرحية والسيرة والمقالة وغيرها من الأجناس الادبية جنبا إلى جنب نقد النقد العربي المعاصر وتشخيص أزماته.
وهكذا غدت تجربة الدكتور محمد صابر عبيد اليوم مثالا حيا شاخصا للصورة الجلية لما ينبغي ان يكون عليه التزود المعرفي والاكتساب العلمي الذي ليس له باب تحده ولا ميدان يجول فيه انه التجذر بالعلم أصلا لا فرعا والالتصاق به انتماء لا نفورا والإخلاص للعمق لا تشبثا بالسطوح والحوار في التنظير الذي لا يقفز عليه التطبيق.
وقبل هذا وذاك يغدو النقد فلسفة الأشياء وتعليلها بالشك والتيقن عبر التزود بالمعرفة التي بها يتجاهل المرء الموهبة ليشحذ الذهن ويدرب الذائقة مداوما على القراءة ممدا عقله بذخيرة معرفية لا تعرف لها مكانا ولا زمانا سوى أن عليها ان تتكدس او تخزن لتنطلق ساعة استدعائها بلا كلل أو توان وعندذاك سيدرك الناقد ان النقد لن يخذله وانه مثلما اخلص له سيخلص له ليخلد ذكره ويظل اسمه ما ظل النقد ودام.
ولقد تفرد الناقد د. محمد صابر عبيد وتفوق بسعيه المثابر والدؤوب شامخا بعلميته، متمتعا بمنزلة نقدية مرموقة دائمة الحضور في الساحة الثقافية العربية مزدانا بالجديد والأصيل وهذا ما اضفى على النقدية العراقية المعاصرة كثيرا من البهاء والإشراق.
فطوبى للدكتور محمد وهو يفصل ببينية بنيوية بين التطلع للأدب شاعرا والتطلع إليه ناقدا فكان أنسانا في اثنين احدهما اخلص للشعر فكان شاعرا بامتياز والآخر أدمن النقد بامتهان وحرفية فكان ناقدا بجدارة وإتقان .
ولا شيء وراء ذلك سوى رغبة جادة وصادقة في الظفر بلقب(الناقد) فما أغلاه من لقب وما أصعبه من مشوار يجعل من التجربة درسا نقديا وقيمة معرفية وحكاية ولع لمن يسعى جاهدا أن يكون حقا ناقدا..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *