سعد الصالحي: بكاء كالغجر ..

( لكركوك 1991 …. وأشير ُ إلى :
1-  فاضل ناصر أكبر : شيوعي تركماني عراقي ، أسر في لبنان من قبل القوات الخاصة السورية وأودع في سجن المزة عام 1976  حيث شهد خلالها إعدامات قادة حزب البعث المؤسسين وآخرين … أعيد مطلق السراح والعقل متروكا على الحدود العراقية – السورية ليلتقطه بعض السيارة عام 1994 ، ثم غادر كركوك مهاجرا .. بصمت .. من مشاهير التشكيليين في السويد ومتزوج من فنانة سويدية أنجب منها طفلة .. ثم أنفصل عن زوجته .. بصمت .. بل وفقط
2- إسماعيل شاكر الرفاعي : روائي عراقي إشتهر بروايته ( النهر في سماء المدينة ) .. يقيم مهاجرا في أريزونا / الولايات المتحدة منذ العام 1995
3- ( زليخا .. البعد يقترب ) ، ( صهيل المارة حول العالم ) ، مجموعتان قصصيتان متميزتان للأديب العراقي الكبير جليل القيسي ، الذي يقيم في مدينة كركوك في العراق .. ) .

يالتلك الغجرية ( سورية ) التي علمته العشق ، كانت أنبل من أن تبقى ولا مفر من موت لأجله ، لكن الماء تعكر خاكي اللون ، وعكس على صفحة السماء لونا خاكيا ، وليتها ما رأت من ذهب إلا ليعود مرتديا الخاكي ، فإنها ما علمت أن الأشجار ستبدو بلون ( الأنذار  جـ ) ، بيد أنها حين سحبت إصبعها وراحت في آستغراقة لذيدة تذكرت لمس الطبيب مهترما بردفيه على عري الصدر ينحني مستمعا لنبضها السليم مؤكدا أنها فقدت ( شيئا ما ) لكنها إستعادته بلمس أرق وأنعم ، فقد ذهب لقلب الليل في كركوك وأردف صمت الخيمة صدى ضوضاء الأمس من بعده وعلى وشك النوم ثانية كانت لولا قرع درابك المجون التي آستافت هدأة الصباح لأجل مصرعلى نحر فجر الغجر في خيمة قريبة ، ولا بأس فقد مارست حب الأمس على ألأوحال تحت آحتفاء قمر راود إكتساء السماء بديم مطير ، ذلك أنها تعلقت به من دبر وقد طوقت جذعه بفخذيها كي تطوق الرأس والصدر بساعديها ويجتاز بها بركة الماء لولا فجور اللحظة وهول الشبق الذي آنبثق بآرتطام الجسدين فأوقد دفق الرغبة وألقاهما على دثار وحل يلتاث بالعري والحب ويطفئ الشمس ، لكنه الليل ووقع القطر وشد الطبيب لأسترخائها مستسلمة بكل إصرارها على أثرة به ، فإنه ما كان ممن يرغبون في هون آبتذالهم للنقود أو يربك ألأطفال بلعلعة الرصاص ليرتمي شيوخ الغجر يلعقون صفاءا مستحيلا منه ومن نزق جمع الآخرين في هذه الخيام ، فلكم قدموا كالقدر العاجل يغتصبون عرف الريف وحياءا توارى بين رشفات الكؤوس وطي عباءات غادرها الوقار حتى أن السوي منهم ما آصطفى إلا قيئا تعود رجعه كل ساعة وما لديه مفر أوسع من البفاء بدونه فتردى زائغ البصر بين آبتسامات الكهول وعطف العجائز مصرا على التماسك بسالة وكبرياءا بلا جدوى . أما الطبيب فما أسرف إلا تحت ضجيج السماء بصفير القذائف ، مقتحما لهيب الليل في عارم السيل بنهر لأجل ثلاث سمكات كانت في جوف تلك الأسعاف التي أنقذها من الغرق ، غانما هيبة الوصول منتصرا قبل أعوام ، حافظا ماء الوجه ( لموقع جمع الخسائر ) بوجبة تداركتها ألأفواه من زملائه ألأطباء المجندين بشهية ضمير متقد كدأبه الذي ظل كذاك حتى وضعت أوزارها الحرب ُ، متنقلا بين خندق في الذاكرة وخيمة على أطراف المدن وأن لا دهشة لتفاصيل الشوارع بينهما ، فما لحد النار غياب لآقتراف الضياع وهي ترتاض بآنتفاخ بطنها غجرية تنوء بحملها مصفقة ما تشتهي إلا قبلة من فمه فداءا  لخيط الدم والرحم المملوء بنسله ، قعيدة الدلال تقئ وتثقل يوما بعد يوم ما يجرا ُعلى مسها طرف ولا طرف الطبيب العقيد الحاكم لأمر المضارب بالبقاء والرحيل بلا سطوة أو آستبداد لكنما بغمازتي دعة على محياه الآسر لأولئك الغجر .. حتى قــُلــِـب َ الليل في كركوك بطلائع الجند التي عرفت وجوه الدخلاء وراح الناجون يجوبون صمت الطرقات يبحثون عن بقايا الأجساد المقطعة في عنف الليالي السود كأن كل شئ بروية الضمير الساقط لاقى حتفه ، عندها علــِمــَت ْ أن البعيد البعيد سيؤذن بالرحيل إليه ، وأن لن يقوى ألف مبرر لإبقاء أنف عمتها المشروم يستنشق عبير الربيع في كركوك وتلك بغداد آمنة تغفو على أوراق نقدها الخضر منثورة بين أقدام الصبايا وهزج الشيوخ بجديد القبائل والأردف اللفاء . يناكدها شعبان قائلا سحقا له أما كان لا يقتات إلا بصحبة الوجهاء على حساب الضحك وهز الأكتاف بلا إكتراث؟ أما أدخرتموه لمثل هذا اليوم فصار بطي السحاب ؟ وآب الركب يجتر أنين العجائز :
-أوف يمة جكارة جكارة نكون قريبا في بغداد
يروى عنه يجوب وحيدا عند السحر ، يتراخى من فرط عيائه ، فالمستشفى أحرق بابه ، والسفهاء آغتصبوا كل فتاة تمرق عبر الشارع .أما ألأنكى ، بعد ليال ٍ ، فتحت أبواب ألأنعاش وكانت خمسا في عفن الظلمة فتيات حبلاهن ونفقت نزفا بوليد بين الأفخاذ ، فقاء وقاء وقاء وأخرج كل ذهوله حتى نادى ( سورية … سورية ) لن يأخذك موت مني !.. وكذا سلمت رغم رماد يتناثر بين ألأرجاء صالات العمليات الكبرى ، ظل جهاز البنج سليما وكذاك عديد ألأدوات .. فأبصرت َ في دفق الأسى ألف من يساعدك َ لعلاج من رأيت َيجرجر الجراح منزلق المعي تحته أمام الذي بزهو الفاتحين تخير غرفة الأنعاش يقود منها أرتال ( التحرير ) في المدينة الصماء ويسألك أن تجتر من منهم معنا ومن منهم علينا ؟
– لست ُ إلا طبيبا لا أعرف ُ أكثر
وآثرت َ صمتا بعيد ما آل وجه ( العميد ) أليه من علائم
-أما مأفون آخر ؟!
قال َ وقلت َ :
– كلا بل عشرات قد أنقذت ُ وأيضا منهم
كلا ً كنت ُ فعلت ُ ونحن نردد جذلا قسم المهنة عشرات ٍ أيضا أن لا نخن أنفسنا وأن لا ولاء بعد إلا للحياة.
في طبلات الجرحى ســُـجـٌِـل َ مسبوقا بــ ِ ( د. ) ولقد ســُـجـِـل َ مسبوقا بالرتبة أسمـُه ، ذلك أن الدال سيعني فردا من جرحاهم أما ألآخر فلمن جرح وصمد وصمت وأومأ أني منكم ، فنجا الجند ُ وراح الدال يدل لشئ آخر ، ( عبوهم ببطن ألأيفا ) أمر القائد ُ، ومضت ( أيفا ) بعد ألأخرى حتى قضي بأمر ( الدال ) . عند جدار للمستشفى  ظل يدور ويسأل نفسه (( يمة أرد أتيه الروح وبعاصف الريح )) كور نفسه قفز وصار بعرض الشارع . من هوام ألأثير أبصر ُ توقا يسبقني يورق في جثث ألأموات خطوا ، أتساءل ُ أين تكون العاهرات في مثل هذه الساعة؟ صرخت سوسن لجأ إلينا ، تتحسس أطراف يديه ،تتلمس شعره وجبينه ،تلثم  كل مكان فيه .. تصرخ:
-كيف آجتزت َ مواتا ؟ يارباه .. يا أماه
هرعت تلك ألأم القحبة صاحت لطفك يا رب ألأرباب هل هو حي سوسن؟ من لم يقتل مثله بعد ، الضباط لبئس المثلة . وأحتضنتاه بشوق العهر لقلب الدار وأصاخا سمعا للهاثه أين وفاء أين وفاء؟ ووفاء آنتفخت في الشارع قرب الصاغة ، عارية الجسد فيها ألف مكان كان بطلق ، سحبوها أوغاد وتوالوا في شبق اللذة . ذئابا ينتشرون خراف ألأمس يـُـقطـٌـِـعون الوطن أشلاءا عبر الخطوط ، حفاة عراة على الجنوب يستلبون السفائن ويقتلون على الهوية ، ثم أوغاد وأنصاف أحزاب ٍ تسمسر الله والوطن على الشمال تمارس ُ الحب أي ( تانسو شلر ) أيتها الرائعة الشقراء ..! تراك َ بينهم أنبثقت َ من مصب الفرات ؟ من قمم الجبال ؟ من تحت التراب؟ تنوح كركوك بك تفتقدك ( العرصة ) مسائلا في حلكة السواد عن غجرية مرت حذو التخوم أم منتظرا لأعوامك الخمس بعدما حال الحال ُوصرت َ تدور تغني فتجمع العمداء والألوية الحمر مشرئبة القضب نحو الصبايا التي تلتهمها الشهوات على وقع من يكتملون بالضجيج مأججين نزف الجيوب بقرع الكؤوس الماجنة مستذكرا ( حبيبي .. طر الفجر .. ردني ) وهي تندس نحوك مذ ( حبيبي .. طر الفجر .. دِجـنـي ) . تلك أيام لها ماعليها ولها في ذاكرة ألأفول ألف صديق كذاك الذي أولجه السوريون غرب البلاد متمما فيك الأسى ومقررا ماضيا لم يكن أكيدا ، كفاضل بن الناصر أكبر من صلب كركوك ، معصوب العينين بعد أسر عقد ونصف تحت الـ ( دمشق ) متمنيا ألف موت على حساب تلك السنين العجاف في ( المزة ) .. فأي عدل يرتب النزق على جبين الطغاة (( وكل تزيا بأسماله وآرتحل )) ؟ كأبن الناصر أكبر كان الآن يجوب الشوارع يشحذ خمرا للنسيان ِ ، بل آثر َالجسد مغتربا على أغتراب العقل فغادر المواطن من طفولة الى رجولة في أزقة بلاد الروس بين المتاحف ودور العرض وألأزياء ورقص على أنغام الهوام لموسيقى وأسماء ترن في صدى الوعي أن لا بقاء أسمى من حياة بلا هوية .. فأسرجت َ الذكريات ورحت َ تولول في علب الصمت المقفلة أن وداعا يآبن الناصر أكبر تلك الغجرية أضحت بعلقة الدم مني قمرا تتريا يقترف العناء مغنيا ومازلت ُ أوصد بابي كل يوم منتظرا إغتصاب الشبابيك حتى راح البعض يسألني إلام تظل في ورائك تلاحق صدى ألشظايا وصور المهاجرين ، وهي مؤكد شوهدت كما قال ( الرفاعي ) و ( نهره في سماء المدينة ) في بطاح البصرة يحيط بها الـ ( بدون ) .. أما آن لك السبات وقد فقدت َ كل الدروب وصرت َبلادا من رفوف تكلس عليها الدخان ُ ؟ ينقلون الحكايا بعض قوم من ( غزي ) أنها تسأل عنك الدرك والعسكر والضباط حتى آلتقت برجل من أصلاب المغول يشبه ( النار الأزلية ) ويرتدي ذراعا من كركوك ، يكركر وهو يمد يدا نحو آنعطافات التكور في جسدها المتذابل وفي خده لمحت ْ( أختا من بغداد ) ، فقرفصت ِ شوقا لغمازة تسألين من يتحمل كل هذا الخراب ؟ فأجاب ونبض الغضب ينفجر من بين فخذيه منخذلا ( كحبة .. متستحي ) !.. قلت ِ هناك من يحمل غمازتين بلا أختين تأسر كل غجر العالم ، ثم من لثغات ليست إلا لفمه ، وحروف أربكها نطقه ، سألت ْ فيه النزق الماثل وبعين توشك أن تخبو، أين وجدت َ صديقا يعلم أسرار الفتيات ، يدنو نحو الغجر بكـِـبر ، يعظ الكل بغير كلام ، يعرف ماخلفك كركوك ، قالوا عنه سبي الليل وقالوا هو أدرى من أي حويجة ، تقريه خيام ألأسمال ليال ٍ وهو حكيم ؟ فأجاب ذراع الأصلاب أني أعرف هذا الواحد . فألتمعت ْ ذكراك بكلمة ( آرابخا ) .
إن المدينة مازالت قائمة على بقايا عناد ألأجيال . أرنو .. ظلال الشمس تحتفي بتلك الأيام المعمورة بمضاربها .. الكـُـتابُ واليباب والنار وبقع الزيت ترسم على وجه الأرض فيها صورة العبيد بأنفاس ( زليخا .. ) و ( صهيل من يمرون ) حول ألآبار.
25-12-1994
مستشفى كركوك العسكري 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.